الفهرس

المؤلفات

  الحديث الشريف

الصفحة الرئيسية

 

زواج علي وفاطمة (ع)

ولنقدم على ذلك أصله، وهو تزويج النبي (ص) فاطمة من علي كرم الله وجههما، وذاك أواخر السنة الثانية من الهجرة على الأصح، وكان سنّها خمس عشرة سنة ونحو نصف سنة(1)، وسنّه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوّج عليها حتى ماتت عن أنس، كما عن ابن أبي حاتم، ولأحمد نحوه قال:

جاء أبو بكر وعمر يخطبان فاطمة إلى النبي (ص) فسكت ولم يرجع إليهما شيئاً، فانطلقا إلى علي كرّم الله وجهه يأمرانه بطلب ذلك، قال علي: فقمت أجرّ ردائي حتى أتيت إلى النبي (ص) فقلت: تزوّجني فاطمة؟ قال: وعندك شيء؟ قلت: فرسي وبدني، فقال: أما فرسك فلا بدّ لك منها، وأما بدنك فبعها.

قال (ص): ثم بعتها بأربعمائة وثمانين، فجئته بها فوضعها في حجره فقبض منها قبضة فقال: أي بلال ابتع لنا بها طيباً، وأمرهم أن يجهزّوها، فجعل لها سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف، وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئاً حتى آتيك، فجاءت مع أم أيمن، فقعدت من جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله (ص) فقال: ههنا أخي، فقالت أم أيمن: أخوك وقد زوّجته ابنتك؟ قال: نعم، ودخل (ص) فقال لفاطمة: ائتني بماء، فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم قال لها: تقدّمي، فتقدّمت، فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريّتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لها: أدبري فأدبرت فصبّه بين كتفيها ثم فعل مثل ذلك لعلي ثم قال: ادخل بأهلك بسم الله والبركة.

وفي رواية أخرى عن أنس أيضاً عن أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر فقال: قد أمرني ربّي بذلك، قال أنس: ثم دعاني النبي (ص) بعد أيام فقال: ادعُ أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدّة من الأنصار، فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائباً قال (ص):

الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع سلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمد (ص)، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سبباً لا احتقار، وأمراً مفترضاً أوشج به الأرحام ـ أي ألف بينها ـ وجعلها مختلطة مشتبكة، وألزم الأنام فقال عزّ من قائل: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربّك قديراً)(2) فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أم الكتاب.

ثمّ إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوّجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي.

ثم دعا (ص) بطبق من بُسر ثم قال: انتبهوا، فانتبهنا، ودخل علي فتبسّم النبي (ص) في وجهه ثم قال: إنّ الله عز وجل أمرني أن أزوّجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضّة، أرضيت بذلك؟ قال: رضيت بذلك يا رسول الله، فقال (ص): جمع الله شملكما وأعزّ جدّكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيراً طيّباً.

قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب.

في الآيات الواردة في أهل البيت (ع)

الآية الأولى:

قال الله تعالى: (إنّما يريد الله ليُذهب عنكُمُ الرّجس أهل البيت ويُطهّرُكُم تطهيراً)(3) أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، لتذكير ضمير (عنكم) وما بعده، وأهل بيته نسبه، وهم من تحرم الصدقة عليهم، واعتمده جمع ورجحوه، وأيده ابن كثير بأنهنّ سبب النزول وهو داخل قطعاً، أما وحده على قول أو مع غيره على الأصح ورد في ذلك أحاديث.

ولنذكر من تلك الأحاديث جملة فنقول:

أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت في خمسة: النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

وأخرجه الطبراني أيضاً.

ولمسلم أنه (ص) أدخل أولئك تحت كساء عليه وقرأ هذه الآية.

وصحّ أنه (ص) جعل على هؤلاء كساء وقال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي ـ أي خاصتي ـ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: وأنا معهم؟ قال: إنك على خير.

وفي رواية أنه قال ـ بعد تطهيراً ـ: أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدوّ لمن عاداهم.

وفي أخرى: ألقى عليهم كساءً ووضع يده عليهم ثم قال: اللهمّ إنّ هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد.

وفي أخرى: إن الآية نزلت ببيت أم سلمة، فأرسل (ص) إليهم وجلّلهم بكساء ثم قال نحو ما مرّ.

وفي أخرى: أنهم جاؤوا واجتمعوا فنزلت، فإن صحّت حمل على نزولها مرّتين.

وفي أخرى: أنه قال: اللهمّ أهلي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ثلاثاً، وإن أم سلمة قالت له: ألستُ من أهلك؟ قال: بلى؟ وأنه أدخلها الكساء(4) بعد ما قضى دعاءه لهم.

وفي أخرى: أنه لما جمعهم ودعا لهم بأطول مما مرّ، قال واثلة: وعليّ يا رسول الله؟ فقال: اللهمّ وعلى واثلة.

وفي رواية صحيحة قال واثلة: وأنا من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي(5)، قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرجو.

قال البيهقي: وكأنه جعله في حكم الأهل تشبيهاً بمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقاً.

وأشار المحب الطبري إلى أن هذا الفعل تكرّر منه (ص) في بيت أم سلمة وبيت فاطمة وغيرهما، وبه جمع بين اختلاف الروايات في هيئة اجتماعهم، وما جللهم به وما دعا به لهم وما أجاب به واثلة وأم سلمة وأزواجه.

ويؤيّد ذلك رواية أنه قال نحو ذلك لهؤلاء، وهم في بيت فاطمة.

وصحّ عن أم سلمة: فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البيت؟ فقال: بلى(6) إن شاء الله.

في الحديث الحسن أنه (ص) اشتمل على العبّاس(7) وبنيه بملاءة ثم قال: يا ربّ هذا عمّي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه، فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت، فقال آمين وهي ثلاثاً.

وقد ورد عن الحسن من طرق تعينها، سنده حسن: وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فبينت النسب مراد في الآية كبيت السكنى، ومن ثم أخرج مسلم عن زيد بن أرقم أنه لما سئل: أنساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته(8)، ولكن أهل بيته من حرّم الله الصدقة عليهم، فأشار إلى أن نساءه من أهل بيت سكناه الذين امتازوا بكرامات وخصوصيات أيضاً، لا من أهل بيت نسبه، وإنما أولئك من حرمت عليهم الصدقة.

ثم هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على قدر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وسيأتي في بعض الطرق تحريمهم على النار وهو فائدة ذلك التطهير وغايته، إذ منه إلهام الإنابة إلى الله تعالى وإدامة الأعمال الصالحة، ومن ثّم لمّا ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت ملكاً ـ ولذا لم تتم للحسن ـ عُوضوا عنها بالخلافة(9) الباطنة حتى قال قوم إلى قطب الأولياء في كل لا يكون إلا منهم، وممن قال: يكون من غيرهم الإسناد أبو العباس المرسي كما نقله عنه تلميذه التاج بن عطاء الله، ومن تطهيرهم: تحريم صدقة الفرض بل والنفل على قول لما لك عليهم لأنها أوساخ الناس مع كونها تنبئ عن ذل الآخذ وعزّ المأخوذ منه.

وعوّضوا عنها خمس الفيء والغنيمة المنبئ عن عزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه.

ومن ثّمّ كان المعتمد دخول أهل النسب في الآية وحكمة ختم الآية بتطهير المبالغة في وصولهم لأعلاه، وفي رفع التجوّز عنه، ثم تنوينه تنوين التعظيم والتكثير والإعجاب المفيد إلى أنه ليس من جنس ما يتعارف ويؤلف.

ثمّ أكّد (ص) ذلك كله بتكرير طلب ما في الآية لهم بقوله: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي» إلى آخر ما مر، وبإدخاله نفسه معهم في العدّ لتعود عليهم بركة اندراجهم في سلكه.

بل في رواية: إنه اندرج معهم جبرئيل وميكائيل إشارة إلى علوّ قدرهم.

وأكّده أيضاً بطلب الصلاة عليهم بقوله: فاجعل صلاتك إلى آخر ما مر.

وأكّده أيضاً بقوله: أنا حرب لمن حاربهم إلى آخر ما مرّ أيضاً.

وفي رواية: إنه قال بعد ذلك: ألا من آذى قرابتي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى.

وفي أخرى: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد بي حتى يحبني ولا يحبني حتى يحب ذويّ، فأقامهم مقام نفسه، ومن ثم صح أنه (ص) قال: إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلُّوا كتاب الله وعترتي.

وألحقوا به أيضاً في قصة المباهلة في آية(قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم)الآية فغدا (ص) محتضناً الحسن آخذاً بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفهما، وهؤلاء هم أهل الكساء فهم المراد في آية المباهلة كما أنهم من جملة المراد بآية(إنّما يُريد اللهُ ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت).

 

الآية الثانية:

قوله تعالى: (إنّ الله وملائكته يُصلون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما) صحح عن كعب بن عجزة قال: لما نزلت الآية قلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلّم عليك فكيف نصلّي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمد إلى آخره، دليل ظاهر على أن الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلا لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلما أجيبوا به دلّ على أن الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنه (ص) أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأن القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم.

ومن ثمّ لمّا أدخل من مرّ في الكساء قال: اللهمّ إنهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم، وقضية استجابة هذا الدعاء أن الله صلّى عليهم معه فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.

ويروى: لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، ولا ينافي ما تقرّر حذف الآل(10) في الصحيحين قالوا: يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه(11) وذريّته، كما صلّيت على إبراهيم... إلخ، لأن الآل ثبت في روايات أخر، وبه يعلم أنه (ص) قال ذلك كله فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر.

روى أبو داود: من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلّ على النبي محمّد وأزواجه(12) أمهات المؤمنين وذريّته وأهل بيته كما صلّيت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

وقولهم: علّمنا كيف نسلّم عليك؟ أشاروا به إلى السلام عليه في التشهّد، كما قاله البيهقي وغيره.

ويدلّ له خبر مسلم: أمرنا الله أن نصلي، فسكت النبي (ص) حتى تمنينا أننا لم نسأله، ثم قال (ص) قولوا: اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، الحديث.

وزاد آخره: والسلام كما قد علمتم أي: من العلم.

ويروى من التعليم لأنه (ص) كان يعلمهم التشهّد كما يعلمهم السورة.

وصحّ أن رجلاً قال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلّي عليك؟ إذ نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك؟ فصمت (ص) حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله فقال: إذا أنتم صلّيتم عليّ فقولوا: اللهمّ صلّ على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، الحديث.

وصح أيضاً أنه (ص) سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يمجّد الله ولم يصلّ على النبي (ص) فقال: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربّه والثناء عليه، ثم يصلّي على النبي (ص) ثم يدعو بما شاء ومحل البدأة بالتحميد والثناء على الله تعالى جلوس التشهّد.

وبهذا كله اتّضح قول الشافعي: بوجوب الصلاة على النبي (ص) في التشهّد لما علمت منه أنه صح منه (ص) الأمر بوجوبها فيه، ومن أنه صحّ عن ابن مسعود تعيين محلّها وهو بين التشهّد والدعاء، فكان القول بوجوبها لذلك الذي ذهب إليه.

واعلم أن النووي نقل عن العلماء كراهة إفراد الصلاة والسلام عليه، ومن ثّم قال بعض الحفّاظ: كنت أكتب الحديث فاكتب الصلاة فقط فرأيت النبي (ص) في النوم فقال: أما تتم الصلاة في كتابك؟ فما كتبت بعد ذلك إلاّ صليت عليه وسلّمت، ولا يحتج بتعليمهم كيفيّة الصلاة السابقة، لأن السلام سبقها في التشهّد فلا إفراد فيه، وللشافعي:

يا أهل بيت رسول الله حبّكم           فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنكــم           مــن لم يصل عليكم لا صلاة له

فيحتمل لا صلاه له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة على الآل ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه.

الآية الثالثة:

قوله تعالى: (سلامٌ على آل ياسين)(13) فقد نقل جماعة من المفسّرين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بذلك سلام على آل محمد، وكذا قاله الكلبي، عليه فهو (ص) داخل بالطريق الأولى أو بالنص كما في: اللهمّ صل على آل أبي أوفى.

تنبيه:

ذكر الفخر الرازي: أن أهل بيته (ص) يساوونه في خمسة أشياء: في السلام، قال: السلام عليك أيها النبي، وقال: سلامٌ على آل ياسين، وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي الطهارة، قال تعالى: «طه»(14) أي: يا طاهر، وقال: «ويطهّركم تطهيراً»(15)، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة قال تعالى: (فاتّبعوني يُحببكم الله)(16) وقال: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى)(17).

الآية الرابعة:

قوله تعالى: (وقفوهم إنّهم مسؤولون)(18).

أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي (ص) قال: (وقفوهم إنهم مسؤولون) أي: عن ولاية عليّ.

وكأن هذا هو مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالى: (وقفوهم إنّهم مسؤولون) عن ولاية علي وأهل البيت، لأن الله أمر نبيه (ص) أن يعرف الخلق أنه لا يسأله على تبيلغ الرسالة أجراً إلاّ المودة في القربى، والمعنى أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة(19) كما أوصاهم النبي (ص) أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة، انتهى.

وأشار بقوله: كما أوصاهم النبي (ص) إلى الأحاديث الواردة في ذلك وهي كثيرة، وسيأتي جملة في الفصل الثاني.

ومن ذلك حديث مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله (ص) خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أمّا بعد أيّها الناس إنّما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربّي عزّ وجل فأجيبه وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما: كتاب الله عزّ وجل، فيه الهدى والنور، فتمسّكوا بكتاب الله عزّ وجل وخذوا به، وحث فيه ورغب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكركم الله عزّ وجل في أهل بيتي ثلاث مرات، فقيل لزيد: من أهل بيته أليس نساءه من أهل بيته؟ قال: بلى إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل عباس(20)، قال: كلّ هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم.

وأخرج الترمذي: أنه (ص) قال: إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله عزّ وجل حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما.

وأخرج أحمد في مسنده بمعناه، ولفظه أني: أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإن اللّطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما.

وسنده لا بأس به.

وفي رواية: إن ذلك كان في حجة الوداع.

وفي أخرى: مثله يعني كتاب الله كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومثلهم ـ أي أهل بيته ـ كمثل باب حطّة من دخله غفرت له الذنوب.

وذكر ابن الجوزي لذلك في العلل المتناهية وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه، بل مسلم عن زيد بن أرقم أنه (ص) قال ذلك يوم غدير خُم ـ وهو ماء بالجحفة ـ كما مر، وزاد: أذكركم الله في أهل بيتي، قلنا لزيد: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، أيم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.

وفي رواية صحيحة إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن تبعتموهما وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي.

زاد الطبراني: إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما(21) فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.

وفي رواية: كتاب الله وسنتي.

وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب(22)، لأنّ السنّة مبيّنة له فأغنى ذكره عن ذكرها.

ثم اعلم أن في الحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة، ورد على نيف وعشرين صحابياً، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة.

وفي أخرى: أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه.

وفي أبي: أنه قال ذلك بغدير خم.

وفي أخرى: أنه قاله لما كان خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ، ولا يتنافى، إذ لا مانع من أنه كرّر عليهم(23) في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.

وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم به النبي (ص): أخلفوني في أهل بيتي.

وفي أخرى عند الطبراني وأبي الشيخ: إن لله عزّ وجل ثلاث حرمات فمن حفظهنّ حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهنّ لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته، قلت: ما هنّ؟ قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي.

وفي رواية للبخاري عن الصديق من قوله: يا أيّها الناس ارقبوا محمّدا (ص) في أهل بيته، أي: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم.

وأخرج ابن سعد والملا في سيرته أنه (ص) قال: استوصوا بأهل بيتي خيراً فإني أخاصمكم عنهم غداً، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار، وإنه قال: من حفظني في أهل بيتي فقد اتّخذ عند الله عهداً.

وأخرج الأول: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً.

والثاني حديث: في كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضّالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عزّ وجل فانظروا من توفدون.

وأخرج أحمد خبر: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.

وفي خبر حسن: ألا إن عيبتي وكرشي أهل بيتي والأنصار، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئتهم.

تنبيه:

سمى رسول الله (ص) القرآن وعترته ـ وهي بالمثناة الفوقية الأهل والنسل والرهط الأدنون ـ ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كل منهما معدن للعلوم الدينية والأســـرار والحكم العلية والأحكام الـــشرعية، ولذا حثّ (ص) على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.

وقيل: سمّيا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما.

ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض.

ويؤيّده الخبر السابق: ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، وتميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وشرّفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مرّ بعضها، وسيأتي الخبر الذي في قريش: وتعلّموا منهم فإنّهم أعلم منكم، فإذا ثبت هذا العموم(24) لقريش فأهل البيت أولى منهم بذلك، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش.

وفي أحاديث الحث على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: في كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي إلى آخره.

ثم أحق من يتمسّك به منهم(25) إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته.

والمراد بالعيبة والكرش في الخبر السابق آنفاً أنهم موضع سرّه وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته، إذ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفى فيه مما به القوام والصلاح، لأن الأول لما يحرز فيه نفائس الأمتعة، والثاني مستقر الغذاء الذي به النموّ وقوام البنية.

وقيل: هما مثلان لاختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة، إذ مظروف الكرش باطن والعيبة ظاهر، وعلى كلّ فهذا غاية في التعطّف عليهم والوصيّة بهم.

الآية الخامسة:

قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)(26).

أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق (سلام الله عليه) أنه قال: نحن حبل الله الذي قال الله فيه: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا».

وكان جدّه زين العابدين إذا تلا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين)(27) يقول دعاءً طويلاً يشتمل على طلب اللّحوق بدرجة الصادقين والدرجات العليّة على وصف المحق وما انتحلته المبتدعة المفارقون لأئمّة الدين والشجرة النبوية ثم يقول: وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا احتجوا بمتشابه القرآن فتأوّلوا بآرائهم واتهموا مأثور الخبر إلى أن قال: فإلى من يفزع خلف هذه الأمة وقد درست أعلام هذه الملّة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول: (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات)(28).

فمن الموثوق به على إبلاغ الحجّة تأويل الحكم إلى أهل الكتاب وأبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتجّ الله بهم على عباده ولم يدع الخلق سدى من غير حجّة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وبرأهم من الآفات وافترض مودّتهم في الكتاب.

الآية السادسة:

قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم من فضله)(29).

أخرج أبو الحسن المغازلي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في هذه الآية: نحن الناس والله.

الآية السابعة:

قوله تعالى: (وما كان الله ليُعذّبهُم وأنت فيهم)(30).

وأشار (ص) إلى وجود ذلك المعنى في أهل بيته، وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو (ص) أماناً لهم.

وفي ذلك أحاديث كثيرة يأتي بعضها، ومنها: النجوم أمانٌ لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمّتي، أخرجه كلّهم.

وفي رواية ضعيفة أيضاً: أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون.

وفي أخرى لأحمد: فإذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض.

وفي رواية صحـــحها الحاكم على شرط الشـــيخين: النجوم أمان لأهــــل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف(31)، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.

وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا.

وفي رواية مسلم: ومن تخلّف عنها غرق.

وفي رواية: هلك، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له.

وفي رواية: غفر له الذنوب.

وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان علماؤهم لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي (عليه السلام) لما يأتي في أحاديثه أن عيسى يصلّي خلفه ويقتل الدجّال في زمنه.

وبعد ذلك تتابع الآيات، بل في مسلم: أن الناس بعد قتل عيسى الدجّال يمكثون سبع سنين ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبّة من خير أو إيمان إلاّ قبضه فيبقى شراراً في خفت الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، الحديث.

قال: ويحتمل وهو الأظهر عندي أن الــمراد بهم سائر أهــــل البيت(32) فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي (ص) جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بيته لأنهم يساوونه في أشياء ـ مرّ عن الرازي بعضها ـ ولأنه قال في حقهم: اللهم إنهم منّي وأنا منهم، ولأنهم رجعة منه بواسطة أن فاطمة أمّهم بضعته، فأقيموا مقامه في الأمان، انتهى ملخصاً.

ووجه تشبيههم بالسفينة فيما مر من أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مشرفهم (ص) وأخذ بهدى علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان، ومرّ في خبر: أن من حفظ حرمة الإسلام وحرمته (ص) وحرمة رحمه حفظ الله تعالى دينه ودنياه، وإلا لم يحفظ دنياه ولا آخرته.

وورد: يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبّهم من أمّتي كهاتين السبّابتين، ويشهد له خبر: المرء مع من أحبّ، وبباب حطّة أن الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سبباً لها كما سيأتي قريباً.

الآية الثامنة:

قوله تعالى: (وإنّي لغفّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدى)(33).

قال ثابت البناني: اهتدى إلى ولاية أهل بيته (عليهم السلام).

وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أيضاً.

وأخرج الديلمي مرفوعاً: إنما سمّيت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبّيها عن النار.

وأخرج أحمد: أنه (ص) أخذ بيد الحسنين وقال: من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة، ولفظ الترمذي: وكان معي في الجنّة.

وأخرج ابن سعد عن علي: أخبرني رسول الله (ص) أن أوّل من يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول الله فمحبّونا؟ قال: من ورائكم.

وأخرج الطبراني بسند ضعيف: أن عليّاً أتى يوماً البصرة بذهب وفضّة فقال: أبيضاً وأصفراً غرّي غيري، غرّي أهل الشام غداً إذا ظهروا عليك، فشقّ قوله ذلك على الناس فذكر ذلك له، فأذّن في الناس فدخلوا عليه فقال: أن خليلي (ص) قال: يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين ويقوم عليه عدوّك غضاباً مقمحين في جمع غلّ يده إلى عنقه يريهم الأقماح.

أخرج صاحب المطالب العالية عن علي ومن جملته: أنه مرّ على جمع فأسرعوا إليه قياماً فقال: من القوم؟ فقالوا: من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم خيراً، ثمّ قال: يا هؤلاء ما لي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أهبتنا؟ فأمسكوا حياء، فقال له من معه: نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم؟

فقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا لله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غاضّين أبصارهم عما حرّم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بربّهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى لقاء الله والثواب، وخوفاً من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن رآها، فهم على أرائكها متّكئون وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذّبون، صبروا أيّاماً قليلة فأعقبهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها.

أما اللّيل: فصافّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلاً، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجّدون جبّاراً عظيماً ويجأرون إليه في فكاك رقابهم، هذا ليلهم.

فأمّا نهارهم: فحكماء بررة، علماء أتقياء، براهم خوف باريهم، فهم كالقداح تحسبهم مرضى، أو قد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربّهم، وشدّة سلطانه، ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا أشفقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ترى لأحدهم قوّة في دين، وحزماً في لين وإيماناً في يقين، وحرصاً على علم وفهماً في فقه، وعلماً في حلم وكيساً في قصد، وقصداً في غنى، وتجمّلاً في فاقة، وصبراً في شفقة، وخشوعاً في عبادة، وزحمة لمجهود، وإعطاءً في حقّ، ورفقاً في كسب، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، واعتصاماً في شهوة، لا يغرّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطىء نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل.

يصبح وشغله الذكر، وهمّه الشكر، يبيت حذراً من سنة الغفلة، ويصبح فرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة، ورغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، وقد قرن العلم بالعمل، والعلم بالحلم، دائماً نشاطه، بعيداً كسله، قريباً أمله، قليلاً ذلك متوقّعاً أجله، عاشقاً قلبه، شاكراً ربّه، قانعاً نفسه، محرزاً دينه، كاظماً غيظه، آمناً منه جاره، سهلاً أمره، معدوماً كبره، بيناً صبره، كثيراً ذكره، لا يعمل شيئاً من الخير رياءً، ولا يتركه حياءً.

أولئك شيعتنا وأحبّتنا ومنّا ومعنا، ألا هؤلاء شوقاً إليهم.

فصاح بعض من معه ـ وهو همام بن عباد بن خيثم وكان من المتعبّدين ـ صيحة فوقع مغشياً عليه فحرّكوه، فإذا هو فارق الدينا، فغسل وصلّى عليه أمير المؤمنين ومن معه.

الآية التاسعة:

قوله تعالى: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقُل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكُم ونساءنا ونساءكُم وأنفسنا وأنفُسكُم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(34).

قال في الكشاف: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم: عليّ وفاطمة والحسنان، لأنّهما لمّا نزلت دعاهم (ص) فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه، وعليّ خلفها فعلم أنّهم المراد من الآية وأنّ أولاد فاطمة وذرّيتهم يسمّون أبناؤه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة.

ويوضح ذلك أحاديث نذكرها مع ما يتعلّق بها تتميماً للفائدة فنقول:

صحّ عنه عله الصلاة والسلام أنّه قال على المنبر: ما بال أقوام يقولون أن رحم رسول الله (ص) لا ينفع قومه يوم القيامة، بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدينا والآخرة، وإني أيّها الناس فرط لكم على الحوض.

وفي رواية ضعيفة وإن صححها الحاكم: أنّه (ص) بلغه أن قائلاً قال لبريدة: إنّ محمداً لن يغني عنك من الله شيئاً، فخطب ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أنّ رحمي لا ينفع، بل حتى ـ جبأ وحكم ـ أي هما قبيلتان من اليمن، إني لأشفع فأشفع، حتى أن من أشفع له فيشفع حتى أن إبليس ليتطاول طمعاً في الشفاعة.

وأخرج الدارقطني: أنّ علياً يوم الشورى احتجّ على أهلها فقال لهم: أنشدكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله (ص) في الرحم مني، ومن جعله (ص) نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهمّ لا، الحديث.

وأخرج الطبراني: أن الله عزّ وجل جعل ذريّة كل نبي في صلبه، وأن الله تعالى جعل ذريّتي في صلب عليّ بن أبي طالب.

وأخرج أبو الخير الحاكمي وصاحب كنوز المطالب في بني أبي طالب: أنّ علياً دخل على النبي (ص) وعنده العباس، فسلّم فردّ (ص) عليه السلام وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه، فقال له العبّاس: أتحبّه؟ قال: يا عمّ والله لله أشدّ حباً له منّي، إنّ الله عزّ وجل جعل ذريّة كل نبّي في صلبه، وجعل ذريّتي في صلب هذا.

وزاد الثاني في روايته: إنّه إذا كان يوم القيامة دعى الناس بأسماء أمّهاتهم ستراً عليهم إلاّ هذا وذريّته، فإنهم يدعون بأسمائهم لصحّة ولادتهم.

وأبو يعلى والطبراني: أنه (ص) قال: كل بني أنثى ينتمون إلى عصبة إلاّ ولد فاطمة، فأنا وليّهم وأنا عصبتهم، وله طرق يقوي بعضها بعضاً.

بل صح عن عمر أنه خطب أم كلثوم من علي فاعتل بصغرها وبأنه أعدّها لابن أخيه جعفر، فقال له: ما أردت ألباءه ولكن سمعت رسول الله (ص) يقول: كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكلّ بني أنثى عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم وعصبتهم.

وفي رواية أخرجها البيهقي والدارقطني بسند رجاله من أكابر أهل البيت أن علياً عزل بناته لولد أخيه جعفر، فلقيه عمر فقال له: يا أبا الحسن أنكحني ابنتك أمّ كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله (ص)، فقال: قد حبستهن لولد أخي جعفر، فقال عمر: إنه والله ما على وجه الأرض من يرصد حسن صحبتها ما أرصد، فأنكحني يا أبا الحسن، فقال: قد أنكحتها(35)؛ فعاد عمر إلى مجلسه بالروضة مجلس المهاجرين والأنصار فقال: هنوني، قالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بأم كلثوم بنت علي، وأخذ يحدث أنه سمع رسول الله (ص) يقول: كل صهر أوسبب أو نسب ينقطع يوم القيامة إلا صهري وسببي ونسبي وإنه كان لي صحبة فأحببت أن يكون لي معها سبب.

وفي رواية: أن عمر صعد المنبر فقال: أيها الناس إنه والله ما حملني على الإلحاح على علي في ابنته إلاّ لأنّي سمعتُ رسول الله (ص) يقول: كلّ حسب ونسب وسبب وصهر ينقطع يوم القيامة إلاّ حسبي ونسبي وسببي وصهري فأمر بها عليّ.

تنبيه:

علم مما ذكر في هذه الأحاديث عظيم نفع الانتساب إليه (ص) ولا ينافيه ما في أحاديث أخر من حثه لأهل بيته على خشية الله واتقائه وطاعته، وإن القرب إليه يوم القيامة إنما هو بالتقوى، فمن ذلك الحديث الصحيح: أنه لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا قريشاً فاجتمعوا فعمّ وخصّ وطلب منهم أن ينقذوا أنفسهم من النار إلى أن قال: يا فاطمة بنت محمد يا صفيّة بنت عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئاً غير أنّ لكم رحماً سأبلها ببلاها ـ يعني سأصلها بصلتها ـ ووجد عدم المنافاة كما قاله المحب الطبري وغيره من العلماء أنه (ص) لا يملك لأحد شيئاً لا نفعاً ولا خراً، لكن الله عزّ وجل يملكه نفع أقاربه، بل وجميع أمته بالشفاعة العامة والخاصة، فهو لا يملك إلا ما يملكه له مولاه، كما أشار إليه بقوله: غير أن لكم رحماً سأبلها ببلاها، وكذا معنى قوله: لا أغني عنكم من الله شيئاً، أي بمجرد نفسي من غير ما يكرمني به الله من نحو شفاعة أو مغفرة، وخاطبهم بذلك رعاية لمقام التخويف والحث على العمل والحرص على أن يكونوا أولى الناس حظاً في تقوى الله وخشيته، ثم أومأ إلى حق رحمه إشارة إلى إدخال نوع طمأنينة عليهم.

ولما خفي ذلك الجمع عن بعضهم حمل حديث «كل سبب ونسب» على أن المراد أن أمته (ص) يوم القيامة ينسبون إليه بخلاف أمم الأنبياء لا ينسبون إليهم وهو بعيد، وإن حكاه وجهاً في الروضة، بل يؤيّده ما مرّ من استناد عمر إليه في الحرص على تزوّجه بأم كلثوم وإقرار عليّ والمهاجرين والأنصار له على ذلك.

ويؤيّده أيضاً ذكر الصهر والحسب مع السبب والنسب كما مر.

وغضبه (ص) لما قيل: إن قرابته لا تنفع على أن حديث البخاري ما يقتضي نسبة بقية الأمم إلى أنبيائهم فإن فيه يجيء نوح (عليه السلام) وأمته فيقول الله تعالى: «هل بلّغت» فيقول: أي ربّ نعم، فيقول لأمته: هل بلّغكم؟ الحديث. وكذا جاء في غيره.

واعلم أنه استفيد من قوله (ص) في الحديث السابق: أن أوليائي منكم المتقون، وقوله: إنما ولي الله صالح المؤمنين إن نفع رحمه وقرابته وشفاعته للمذنبين من أهل بيته، وإن لم تنتف لكن ينتفي عنهم بسبب عصيانهم ولاية الله ورسوله لكفرانهم نعمة قرب النسب إليه بارتكابهم ما يسوءه (ص) عند عرض عملهم عليه، ومن ثم يعرض (ص) عمّن يقول له منهم يوم القيامة: يا محمد، كما في الحديث السابق.

وقد قال الحسن بن الحسن السبط لبعض الغلاة فيهم: ويحكم أحبّونا لله، فإن أطعنا الله فأحبّونا، وإن عصيناه فأبغضونا، ويحكم لو كان الله نافعاً بقرابة من رسول (ص) الله بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا(36)، والله إني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين وأن يؤتي المحسن منا أجره مرّتين وكأنه أخذ ذلك من قوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يُضاعف لها العذاب ضعفين) (37).

«خاتمــة»:

علم من الأحاديث السابقة اتجاه قول صاحب التلخيص من أصحابنا من خصائصه (ص) أن أولاد بناته ينسبون إليه (ص) وأولاد بنات غيره لا ينسبون إلى جدّهم من الكفاءة وغيرها، وأنكر ذلك القفال وقال: لا خصوصية بل كل أحد ينسب إليه أولاد بناته.

ويرده الخبر السابق كل بني أمّ ينتمون إلى عصبة إلى آخره.

ثم معنى الانتساب إليه (ص) الذي هو من خصوصياته أنه يطلق عليه أنه أب لهم وأنهم بنوه حتى يعتبر ذلك في الكفاءة فلا يكافىء شريفة هاشمي غير شريف.

وأما أولاد بنات غيره فلا يجري فيهم مع جدّهم لأمهم هذه الأحكام.

نعم يستوي الجد للأب والأم في الانتساب إليهما من حيث تطلق الذريّة والنسل والعقب عليهم فأراد صاحب التلخيص بالخصوصية ما مر، وأراد القفال بعدمها هذا، وحينئذ فلا خلاف بينهما في الحقيقة.

ومن فوائد ذلك أيضاً أنه يجوز أن يقال للحسنين أبناء رسول الله (ص) وهو أب لهما اتفاقاً، ولا عبرة بمن منع ذلك حتى في الحسنين من الأمويين للخبر الصحيح الآتي في الحسن: إن ابني هذا سيّد.

ومعاوية وإن نقل عنه ذلك لكن نقل عنه ما يقتضي أنه رجع عن ذلك، وغير معاوية من بقية الأمويين المانع لذلك لا يعتد به.

وعلى الأصح قوله تعالى: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم»(38) إنما سبق لانقطاع حلم النبي لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام.

الآية العاشرة:

قوله تعالى: (ولسوف يُعطيك ربُّك فترضى)(39).

نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: رضي محمد (ص) أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وقاله السدي، انتهى.

وأخرج الحاكم وصححه أنه (ص) قال: وعدني ربّي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم.

وأخرج الملا: سألت ربي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك.

وأخرج أحمد في المناقب: أنه (ص) قال: يا معشر بني هاشم، والذي بعثني بالحق نبياً لو أخذت بحلقة الجنّة ما بدأت إلا بكم.

وأخرج الطبري عن علي قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أول من يرد عليّ الحوض فقراء المهاجرين، فإن صح الأول أيضاً حمل على أن أُولئك أول من يرد بعد هؤلاء.

وأخرج المخلص والطبراني والدار قطني: أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي، ثم الأقرب فالأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي واتبعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولاً أفضل.

وعند البزاز والطبراني وغيرهما أول من أشفع له من أمتي من أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل طائف.

ويجمع بينهما بأن ذاك فيه ترتيب من حيث القبائل وهذا فيه ترتيب من حيث البلدان، فيحتمل أن المراد البداءة في قريش بأهل المدينة ثم مكة ثم الطائف وكذا في الأنصار ثم من بعدهم ومن أهل مكة بذلك على هذا الترتيب ومن أهل الطائف بذلك كذلك.

وأخرج تمام والبزاز والطبراني وأبو نعيم: أنه (ص) قال: فاطمة؟ أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار.

وفي رواية: فحرمها وذريّتها على النار.

وأخرج الحافظ أبو القاسم الدمشقي أنه (ص) قال: يا فاطمة لم سميت فاطمة قال علي: لم سمّيت فاطمة يا رسول الله؟، قال: إن الله قد فطمها وذرّيتها من النار.

وأخرج النسائي: أن ابنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث إنما سماها فاطمة لأن الله أفطمها ومحبّيها على النار.

وأخرج الطبراني بسند رجاله ثقات: أنه (ص) قال لها: إن الله غير معذّبك ولا أحداً من وُلدك.

وأخرج الديلمي وغيره: أنه (ص) قال: نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة أنا وحمزة وعلي وجعفر بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي.

وفي حديث ضعيف عن علي: شكوتُ إلى رسول الله (ص) حسد الناس فقال لي: أما ترضى أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا(40) وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا.

وأخرج أحمد في المناقب: إنه (ص) قال لعلي: أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.

وأخرج الطبراني: أنه (ص) قال لعلي: أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا، وسنده ضعيف، لكن يشهد له ما صح عن ابن عباس إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم)(41) الآية.

وأخرج الديلمي: يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك فأبشر فإنّك الأنزع البطين.

وكذا خبر أنت وشيعتك تردون على الحوض رواء مرويّين مبيضّة وجوهكم، وأن عدوّك يردون على الحوض ظماء مقبحين.

الآية الحادية عشرة:

قوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولئك هم خيرُ البريّة)(42).

أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية لما نزلت قال (ص) لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين، ويأتي عدوّك غضاباً مقمحين، قال: ومن عدوّي؟ قال: من تبرّأ منك ولعنك.

وخبر: السابقون إلى ظل العرش يوم القيامة طوبى لهم، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: شيعتك يا علي ومحبّوك.

وأخرج الدار قطني: يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك في الجنّة.

ومن ثم قال موسى بن علي بن الحسين بن علي ـ وكان فاضلاً ــ: عن أبيه، عن جدّه: إنما شيعتنا من أطاع الله ورسوله وعمل أعمالنا.

الآية الثانية عشرة:

قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة)(43).

قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسّرين: إن هذه الآية نزلت في المهدي وستأتي الأحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي، وحينئذ ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي وإن الله ليخرج منهما كثيراً طيباً وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة.

وسرّ ذلك أنه (ص) أعاذها وذريّتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي بمثل ذلك، وشرح ذلك كله يعلم بسياق الأحاديث الدالة عليه.

وأخرج النسائي بسند صحيح أن نفراً من الأنصار قالوا لعلي رضي الله عنه: لو كانت عندك فاطمة، فدخل على النبي (ص) يعني ليخطبها، فسلّم عليه فقال له: ما حاجة ابن أبي طالب؟ قال: فذكرت فاطمة، فقال (ص): مرحباً وأهلاً، فخرج إلى الرهط من الأنصار ينتظرونه فقالوا له: ما ورائك؟ قال: ما أدري، غير أنه قال لي: مرحباً وأهلاً، قالوا: يكفيك من رسول الله (ص) أحدهما قد أعطاك الأهل وأعطاك الرحب، فلما كان بعد ما زوّجه قال له: يا علي إنه لا بدّ للعرس من وليمة، قال سعد رضي الله عنه: عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار أصوعاً من ذرة(44)، فلمّا كان ليلة البناء قال: يا علي لا تحدث شيئاً حتى تلقاني، فدعا (ص) ماء فتوضّأ به ثم أفرغه على علي وفاطمة فقال: اللهم بارك لهما في نسلهما. وفي رواية: شملهما. وفي أخرى: شبليهما. قيل: وهو مصحف، فإن صحّت فالشبل ولد الأسد فيكون ذلك كشفاً واطلاعاً منه (ص) على أنها تلد الحسنين، فأطلق عليهما شبلين، وهما كذلك.

وأخرج أبو علي الحسن بن شاذان: أن جبرائيل جاء إلى النبي (ص) فقال: إن الله يأمرك أن تزوّج فاطمة من علي فدعا (ص) جماعة من أصحابه، فقال: الحمد لله المحمود بنعمته ـ الخطبة المشهورة ـ ثم زوّج عليّاً وكان غائباً. وفي آخرها: فجمع الله شملهما، وطيّب نسلهما، وجعل نسلها مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة، وأمن الأمّة، فلما حضر عليّ تبسّم (ص) وقال له: إن الله أمرني أن أزوّجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضّة أرضيت بذلك؟ فقال: قد رضيتها يا رسول الله، ثمّ خرّ علي ساجداً لله شكراً، فلمّا رفع رأسه قال (ص): بارك الله لكما وبارك فيكما وأعزّ جدكما وأخرج منكما الكثير الطيّب.

قال أنس: والله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب.

وأخرج أكثره أبو الخير القزويني الحاكمي.

وأخرج أبو داود السجستاني: أنّ أبا بكر خطبها فأعرض عنه (ص)، ثم عمر فأعرض (ص) عنه فأتيا علياً فنبهاه إلى خطبتها، فجاء فخطبها فقال (ص): ما معك؟ فقال: فرسي وبدني، فقال: أمّا فرسك فلا بدّ لك منه، وأما بدنك فبعها وائتني بها، فباعها بأربعمائة وثمانين ثم وضعها في حجره فقبض منها قبضة وأمر بلالاً أن يشتري به طيباً، ثم أمرهم أن يجهزّوها فعمل لها سرير مشرط ووسادة من أدم حشوها ليف وملأ البيت كثيباً يعني رملاً وأمر أم أيمن أن تنطلق إلى ابنته، وقال لعلي: لا تعجل حتى آتيك ثم أتاهم (ص) فقال لأم أيمن: ههنا أخي، قالت: أخوك وتزوّجه ابنتك؟ قال: نعم، فدخل على فاطمة ودعا بماء، فأتته بقدح فيه ماء فمجّ فيه، ثم نضح على رأسها وبين ثدييها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريّتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لعلي: ائتني بماء، فعلمت ما يريد، فملأت القعب فأتيته به فنضح منه على رأسي وبين كتفي وقال: اللهم إنّي أعيذه بك وذريّته من الشيطان الرجيم، ثم قال: ادخل بأهلك على اسم الله تعالى وبركته.

وأخرج أحمد وأبو حاتم نحوه، وقد ظهرت بركة دعائه (ص) في نسلهما فكان منه من مضى ومن يأتي ولو لم يكن في الآيتين إلاّ الإمام المهدي لكفى، وسيأتي في الفصل الثاني جملاً مستكثرة من الأحاديث المبشرة به.

ومن ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود النسائي وأين ماجة والبيهقي وآخرون: المهدي من عترتي من ولد فاطمة.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة: لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله فيه رجلاً من عترتي.

وفي رواية: رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مليت جوراً.

وفي رواية: لمن عدا الأخير، لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي.

وفي أخرى لأبي داود والترمذي: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً من أهل بيتي، يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي(45)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً.

وأحمد وغيره: المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة.

والطبراني: المهدي منّا يختم الدين بنا كما فتح بنا.

والحاكم في صحيحه: يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلاطينهم لم يسمع بلاء أشد منه حتى لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يحبّه ساكن الأرض وساكن السماء، وترسل السماء قطرها وتخرج الأرض نباتها، لا تمسك فيها شيئاً يعيش فيهم سبع سنين أو ثمانياً أو تسعاً، يتمنّى الأحياء الأموات مما صنع الله بأهل الأرض من خيره.

وروى الطبراني والبزاز نحوه، ومنه: يمكث فيكم سبعاً أو ثمانياً، فإن أكثر فتسعاً.

وفي رواية لأبي داود الحاكم: يملك فيكم سبع سنين.

وفي أخرى للترمذي: إنّ في أمتي المهدي يخرج ويعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، فيحشي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.

وفي رواية: فيلبث في ذلك ستاً أو سبعاً أو ثمانياً أو تسعاً من السنين، وسيأتي أن الذي اتّفقت عليه الأحاديث سبع سنين من غير شك.

وأخرج أحمد ومسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يحشي المال حشياً ولا يعده عداً.

وابن ماجة مرفوعاً: يخرج ناس من المشرق فيوطؤون للمهدي سلطانه.

وصح أن اسمه يوافق اسم النبي (ص) واسم أبيه، اسم أبيه(46).

وأخرج ابن ماجة: بينما نحن عند رسول الله (ص) إذ أقبل فئة من بني هاشم، فلما رآهم (ص) اغرورقت عيناه بالدموع وتغيّر لونه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لهم الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً شديداً وتطريداً حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً كما ملئووها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي.

وأخرج نصير بن حماد مرفوعاً: هو رجل من عترتي يقاتل على سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي.

وأخرج أبو نعيم: ليبعثنّ الله رجلاً من عترتي أفرق الثنايا أجلى الجبهة يملأ الأرض عدلاً، يفيض المال فيضاً.

وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما: المهدي من ولدي وجهه كالكوكبخروا

الدرّي، اللّون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الجوّ، يملك عشرين سنة.

وأخرج الطبراني مرفوعاً: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي: تقدّم فصلّ بالناس، فيقول عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلّي خلف رجل من ولدي، الحديث.

وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه، وصح مرفوعاً: ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صلّ بنا فيقول: لا، إن بعضكم أئمة على بعض تكرمة الله هذه الأمة.

وأخرج ابن عساكر عن علي: إذا قام قائم آل محمد (ص) جمع الله أهل المشرق وأهل المغرب، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.

وصح أنه (ص) قال: يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة هارباً إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليهم بعث من الشؤم فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه ابدال أهل الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنّة نبيهم (ص) ويلقي الإسلام بجرانه الأرض.

وأخرج الطبراني: إنه (عليه السلام) قال لفاطمة: نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث شاء وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة: الحسن والحسين وهما ابناك؛ يتشعّب منهما قبيلتان ويكون من نسلهما خلق كثير، ومنّا المهدي.

وأخرج ابن ماجة: أنه (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يملك جبل الديلم والقسطنطينية.

وأخرج أحمد والماوردي: أنه (ص) قال: أبشروا بالمهدي رجل من قريش من عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً جوراً، ويرضى عنه ساكن الأرض وساكن السماء ويقسم المال صحاحاً بالسويّة، ويملأ قلوب أُمة محمد غنى ويسعهم عدله حتى أنه يأمر منادياً فينادي: من له حاجة إليّ؟ فما يأتيه أحد إلاّ رجلٌ واحد يأتيه فيسأله فيقول: أئت السادن حتى يعطيك، فيأتيه فيقول: أنا رسول المهدي إليك لتعطيني مالاً، فيقول: أحش فيحشي ما لا يستطيع أن يحمله فيلقي حتى يكون قدر ما يستطيع أن يحمل فيخرج به فيقول: أنا كنت أجشع أمّة محمد نفساً كلهم دعي إلى هذا المال فتركه غيري فيرد عليه فيقول: إنا لا نقبل شيئاً أعطينا فيلبث في ذلك ستاً أو سبعاً أو ثمانياً أو تسع سنين ولا خير في الحياة بعده.

وقال أبو الحسين الأجري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها على المصطفى (ص) بخروجه وأنه من أهل بيته وأنه يملأ الأرض عدلاً وأنه يخرج مع عيسى على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام فيساعده على قتل الدجّال بباب لد بأرض فلسطين وأنه يؤم هذه الأمة ويصلّي عيسى خلفه، انتهى.

وما ذكره من أن المهدي يصلّي بعيسى هو الذي دلّت عليه الأحاديث.

الآية الثالثة عشرة:

قوله تعالى: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم)(47).

أخرج الثعلبي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأعراف موضع عالٍ من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه.

وأورد الديلمي وابنه معاً لكن بلا إسناد أنّ علياً قال: قال رسول الله (ص): اللهمّ ارزق من أبغضني وأهل بيتي كثرة المال والعيال، كفاهم بذلك أن يكثر مالهم فيطول حسابهم وأن تكثر عيالهم فتكثر شياطينهم.

وحكمة الدعاء عليهم بذلك أنه لا حامل على بغضه (ص) وبغض أهل بيته إلا الميل إلى الدنيا لما جبلوا عليه من محبّة المال والولد، فدعا عليهم (ص) بتكثير ذلك مع سلبهم نعمته فلا يكون إلا نقمة عليهم لكفرانهم نعمة من هُدوا على يديه إيثاراً للدنيا بخلاف من دعا له (ص) بتكثير ذلك، إذ القصد به كون ذلك نعمة عليهم فيتوصل به إلى ما رتبه عليه من الأمور الأخروية والدنيوية النافعة.

الآية الرابعة عشرة:

قوله تعالى: (قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى ومن يقترف حسنةً نزد لهُ فيها حُسناً) إلى قوله: (وهوالذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ويعلم ما تفعلون) (48).

اعلم أن هذه الآية مشتملة على مقاصد وتوابع:

تفاسير في آية المودة 

المقصد الأول في تفسيرها

أخرج أحمد والطبراني وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أن هذه الآية لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليّ وفاطمة وابناهما.

وروى أبو الشيخ وغيره عن علي كرّم الله وجهه: فينا آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلا كل مؤمن ثم قرأ: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى».

وأخرج البزاز والطبراني عن الحسن من طرق بعضها حسان أنه خطب في خطبة من جملتها: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص) ثم تلا: (واتّبعت ملّة آبائي إبراهيم) الآية، ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، ثم قال: وأنا من أهل البيت الذين افترض الله عزّ وجل مودّتهم وموالاتهم، فقال فيما أُنزل على محمد (ص): (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى) ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً، واقتراف الحسنات مودّتنا أهل البيت.

وأخرج الطبراني عن زين العابدين: أنه لما جيء به أسيراً عقب مقتل أبيه الحسين وأُقيم على درج دمشق قال بعض جفاة أهل الشام: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له: ما قرأت (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى)؟ قال: وأنتم هم؟ قال: نعم، وللشيخ شمس الدين ابن العربي:

رأيت ولائــــي آل طه فــــريضـــــة           على رغم أهل البعد يورثني القربا

فما طلب المبعوث أجراً على الهدى           بتبليغه إلاّ المــــودّة فـــي القربــى

وأخرج أحمد عن ابن عباس في ــ (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً) قال: المودّة لآل محمد (ص).

ونقل الثعلبي والبغوي عنه أنه لما نزل قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى) قال قوم في نفوسهم: ما يريد الله إلاّ أن يحثّنا على قرابته من بعده، فأخبر جبرائيل النبي (ص) أنهم اتّهموه(49) فأنزل: (أم يقولون أفترى على الله كذبا) الآية، فقال القوم: يا رسول الله إنّك صادق، فنزل: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده).

ونقل القرطبي وغيره عن السدي إنه قال في قوله تعالى: (إنّ الله غفورٌ شكور) غفور لذنوب آل محمد(50) شكور لحسناتهم.

المقصد الثاني

فيما تضمنته تلك الآية من طلب محبّة آله (ص) وأنّ ذلك من كمال الإيمان

ولنفتتح هذا المقصد بآية أخرى ثم نذكر الأحاديث الواردة فيه قال الله تعالى: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات سيجعل لهُم الرّحمنُ وُدّاً) (51).

أخرج الحافظ السلعي عن محمد بن الحنفية أنه قال في تفسير هذه الآية: لا يبقى مؤمن إلاّ وفي قلبه ودّ لعلي وأهل بيته.

وصح أنه (ص) قال: أحبوا الله لما يغذوا بكم به من نعمة وأحبوني لحبي الله عزّ وجلّ، وأحبوا أهل بيتي لحبي.

وأخرج البيهقي وأبو الشيخ والديلمي أنه(ص) قال: لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من نفسه وتكون أهلي أحبّ إليه من أهله وتكون ذاتي أحب إليه من ذاته.

وأخرج الديلمي أنه (ص) قال: أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وعلى قراءة القرآن والحديث.

وصح أن العباس شكا إلى رسول الله (ص) ما يلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم، فغضب (ص) غضباً شديداً حتى احمرّ وجهه وعرق ما بين عينيه وقال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله.

وفي رواية صحيحة أيضاً: ما بال أقوام يتحدّثون فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم منّي.

وفي أخرى: والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنّة حتى يؤمنوا ولا يأمنوا حتى يحبوكم لله ولرسوله أترجو مراد شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطّلب.

وفي أخرى: لن يبلغوا أخيراً حتى يحبوكم لله ولقرابتي.

وفي أخرى: ولا يؤمن أحدهم حتى يحبكم لحبي، أترجون أن تدخلوا الجنّة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطّلب، وبقي له طرق أخرى كثيرة.

وقدمت بنت أبي لهب المدينة مهاجرة فقيل لها: لا تغني عنك هجرتك أنت بنت حطب النار، فذكرت ذلك للنبي (ص) فاشتدّ غضبه ثم قال على منبره: ما بال أقوام يؤذوني في نسبي وذوي رحمي، ألا ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله.

أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني وابن مندة والبيهقي بألفاظ متقاربة، وسميت تلك المرأة في رواية «دُرّة» وفي أخرى «سبيعة»، فأما هما لواحدة اسمان أو لقب واسم أو لامرأتين وتكون القصّة تعددت لهما.

وخرج عمرو الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية مع علي إلى اليمن فرأى منه جفوة فلما قدم المدينة أذاع شكايته فقال له النبي (ص): لقد آذيتني، فقال: أعوذ بالله أن أُؤذيك يا رسول الله، فقال: بل من آذى علياً فقد آذاني.

أخرجه أحمد، زاد ابـــن عبد البر: من أحب عليـــاً فقد أحـــبني ومـــن أبغض علياً ومن آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله(52).

وكذلك وقع لبريدة أنه كان مع علي في اليمن فقدم مغاضباً عليه وأراد شكايته بجارية أخذها من المحسن، فقيل له: أخبره ليسقط علي من عينيه ورسول الله (ص) يسمع من وراء الباب فخرج مغضباً وقال: ما بال أقوام ينتقصون علياً، من أبغض علياً فقد أبغضني، ومن فارق علياً فقد فارقني، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، خُلق من طينتي وأنا خُلقتُ من طينة إبراهيم وأنا أفضل من إبراهيم (ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم) (53) يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية إلى آخر الحديث. أخرجه الطبراني.

وفي خبر أنه (ص) قال: ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عزّ وجل وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا(54).

ويوافقه قول كعب الأحبار وعمر بن عبد العزيز ليس أحد من أهل بيت النبي (ص) إلاّ له شفاعة.

وأخرج أبو الشيخ والديلمي: من لم يعرف حق عترتي… فهو لإحدى ثلاث: إما منافق، وإما ولد زانية، وإما امرؤ حملت به أمه في غير طهر.

وأخرج الديلمي: من أحب الله أحبّ القرآن ومن أحب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي(55) وقرابتي.

وأخرج أبو بكر الخوارزمي: أنه (ص) خرج عليهم ووجهه مشرق كدائرة القمر فسأله عبد الرحمن بن عوف فقال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي بأن الله زوّج علياً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت دقاقاً يعني صكاكاً بعدد محبي أهل البيت وأنشأ تحتها ملائكة من نور، دفع إلى كل ملك صكاً فإذا استوت القيــــامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكاً فيه فكاكه من النار فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار.

وأخرج الملا: لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي.

ومرّ خبر أحمد والترمذي: من أحبني وأحبّ هذين يعني حسناً وحسيناً وأباهما وأمهما كان معي في الجنّة.

وفي رواية: في درجتي.

وزاد داود: ومات متبعاً لسنّتي(56).

وفي حديث: من أحبنا بقلبه وأعاننا بيده ولسانه كنت أنا وهو في عليّين، ومن أحبنا بقلبه وأعاننا بلسانه وكفّ يده فهو في الدرجة التي تليها، ومن أحبنا بقلبه وكفّ عنا لسانه ويده فهو في الدرجة التي تليها.

المقصد الثالث

فيما أشارت إليه من التحذير من بغضهم (ع)

صح أنه (ص) قال: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار.

وأخرج أحمد مرفوعاً: من أبغض أهل البيت فهو منافق.

وأخرج هو والترمذي عن جابر: ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم علياً.

وخبر: من أبغض أحداً من أهل بيتي فقد حرم شفاعتي، موضوع(57).

وهكذا(58) خبر: من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً وإن شهد أن لا إله إلاّ الله، فهو موضوع أيضاً كما قاله ابن الجوزي(59) كالعقيلي وغير هذين كما مر وما يأتي مغن عنهما.

وأخرج الطبراني مرفوعاً: لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من النار.

وفي رواية له أيضاً من جملة قصة طويلة: أنت السابُّ عليّاً؟ لئن وردت عليه الحوض وما أراك ترده لتجدنه مشمراً حاسراً عن ذراعيه يذود الكفار والمنافقين عن حوض رسول الله (ص) قول الصادق المصدوق محمد (ص).

وأخرج الطبراني: يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنّة تذود بها المنافقين عن الحوض.

وأحمد: أعطيت في علي خمساً هنّ أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، أما واحدة فهو: بين يدي الله حتى يفرغ من الحساب، وأما الثانية: فلواء الحمد بيده آدم ومن ولده تحته، وأما الثالثة: فواقف على حوضي يسقي من عرف من أمتي، الحديث.

ومرّ خبر: أنه (ص) قال لعلي: إنّ عدوّك يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين.

وأخرج الديلمي مرفوعاً: بغض بني هاشم والأنصار كفر ونفاق.

وصحح الحاكم خبر: أنه (ص) قال: يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً: أن يثبّت أقدامكم، وأن يهدي ضالّكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم جوداً.

وفي رواية: نجداً من النجدة ـ الشجاعة وشدة البأس ـ نجباء رحماء فلو أن رجلاً صف بين الركن والمقام ـ أي جمع قدميه ـ فصلّى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد (ص) دخل النار.

وصحّ أيضاً: أنه (ص) قال: ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله عزّ وجلّ، والمكذب بقدر الله، والمتسلط على أمتي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله والمستحل حرمة الله.

وفي رواية: لحرم الله والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك للسنة.

وفي رواية زيادة سابع وهو: المستأثر بالفيء.

وأخرج أحمد عن أبي دجانة كان يقول: لا تبرأ علياًّ ولا أهل البيت، إنّ جاراً لنا قدم الكوفة فقال: ألم تروا هذا الفاسق ابن الفاسق إن الله قتله ـ يعني الحسين ـ فرماه الله بكوكبين في عينيه وطمس الله بصره.

تنبيه:

قال القاضي في الشفاء ما حاصله: من سب آباء أحد من ذريته (ص)، ولم تقم قرينه على إخراجه (ص) من ذلك، قتل.

وعلم من الأحاديث السابقة وجوب محبة أهل البيت وتحريم بغضهم التحريم الغليظ وبلزوم محبتهم صريح البيهقي والبغوي وغيره إنها من فرائض الدين بل نص عليها الشافعي فيما حكي عنه من قوله:

يا أهل بيت رسول الله حبكــم           فرض من الله في القرآن أنزله

وفي توثيق عرى الإيمان للبزاز عن الإمام الحولي ما حاصله: إن خواص العلماء يجدون في قلوبهم مزية تامة بمحبته (ص)، ثم محبة ذرّيته لعلمهم باصطفاء نطفهم الكريمة، وينبغي الإغضاء عن انتقادهم ومن ثمّ ينبغي أن الفاسق (60) من أهل البيت لبدعته أو غيرها إنما تبغض أفعاله لا ذاته، لأنها بضعة منه (ص)، وإن كان بينه وبينها وسائط.

وأخرج أبو سعيد في النبوة وابن المثنى أنه (ص) قال: يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك فمن آذى أحداً من ولدها فقد تعرض لهذا الخطر العظيم، لأنه أغضبها ومن أحبهم فقد تعرض لرضاها.

ولذا صرح العلماء بأنه ينبغي إكرام سكان بلده (ص) وإن تحقق منهم ابتداع أو نحوه رعاية لحرمة جواره الشريف فما بالك بذريته الذين هم بضعة منه؟

وروي في قوله تعالى: (وكان أبوهما صالحاً)أنه كان بينهم وبين الأب الذي حفظ فيه سبعة أو تسعة آباء، ومن ثم قال جعفر الصادق (عليه السلام): احفظوا فينا ما حفظ الله العبد الصالح في اليتيمين وما انتقد ذريته (ص) محب لمحمد (ص).

المقصد الرابع

مما أشارت إليه الآية الحث على صلتهم وإدخال السرور عليهم(ع)

وأخرج الديلمي مرفوعاً: من أراد التوسل إليّ وأن يكون له عندي يد اشفع له بها يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم.

وورد عن عمر من طرق أنه قال للزبير: انطلق بنا نزور الحسن بن علي فتبطأ عليه الزبير فقال: أما علمت أن عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة.

وأخرج الخطيب مرفوعاً: يقوم الرجل للرجل إلا بني هاشم لا يقومون لأحد.

وأخرج الطبراني مرفوعاً: أنه من اصطنع إلى أحد من ولد عبد المطلب يداً فلم يكافئه بها في الدنيا فعليّ مكافأته غداً إذا لقيني.

زاد الثعلبي في رواية: وحرمت الجنّة على من ظلمني في أهل بيتي وآذاني في عترتي وفي خبر: أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه.

وأخرج الملا في سيرته: أنه (ص) أرسل أبا ذر ينادي عليّاً فرأى رحى تطحن في بيته وليس فيها أحد، فأخبر النبي (ص) بذلك فقال: يا أبا ذر أما علمت إن لله ملائكة سياحين في الأرض وقد وكلوا بمعونة آل محمد (ص).

وأخرج أبو الشيخ من جملة حديث طويل: يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله (ص) وذريته، فلا تذهبن بكم الأباطيل.

المقصد الخامس

مما أشارت إليه الآية من توقيرهم وتعظيمهم والثناء عليهم (ع)

ومن ثم كثر ذلك من الســـلف في حقهم اقتداءً به (ص) فإنــــه كان يكرم بنــــي هاشم كما مرّ، ودرج على ذلك الخلفاء الراشدون(61) فمن بعدهم.

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي بكر أنه قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله (ص) أحب إليّ أن أصل من قرابتي.

وفي رواية: أحب إلي من قرابتي.

وفي أخرى: والله لئن أصلكم أحب إلي من أن أصل قرابتي، لقرابتكم من رسول الله ولعظم الذي جعله الله له على كل مسلم.

وهذا قاله على سبيل الاعتذار(62) لفاطمة عن منعه إياها ما طلبت منه من تركة النبي (ص).

أخرج أيضاً عنه: ارقبوا محمداً (ص) في أهل بيته.

وصح عنه أيضاً أنه حمل الحسن على عنقه مع ممازحته لعلي بقوله وهو حامل له «بأبي الشبيه بالنبي» «ليس شبيهاً بعلي» وعلي يضحك.

ويوافقه قول أنس ـ كما في البخاري- عنه: لم يكن أحد أشبه بالنبي (ص) من الحسن، لكنه قال ذلك في الحسين، وطريق الجمع بينهما قول علي كما أخرجه الترمذي وابن حبان عنه: الحسن أشبه برسول الله (ص) ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه بالنبي (ص) ما كان أسفل من ذلك.

وورد في جماعة من بني هاشم وغيرهم أنهم يشبهونه (ص) أيضاً.

وقد ذكرت عدتهم في شرحي لشمائل الترمذي.

وأخرج الدارقطني: أن الحسن جاء لأبي بكر وهو على منبر رسول الله (ص) فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت والله إنه لمجلس أبيك (63)، ثم أخذه وأجلسه في حجره وبكى.

ووقع للحسن نحو ذلك مع عمر وهو على المنبر فقال له: منبر أبيك والله لا منبر أبي(64).

زاد ابن سعد: أنه أخذه فأقعده إلى جنبه وقال: وهل أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أبوك؟ أي أن الرفعة ما نلناها إلا به.

وأخرج العسكري عن أنس قال: بينما النبي (ص) في المسجد إذ أقبل عليّ فسلّم ثم وقف ينظر موضعاً يجلس فيه فنظر(ص) في وجوه الصحابة أيهم يوسع له وكان أبو بكر عن يمينه فتزحزح له عن مجلسه وقال له: ههنا يا أبا الحسن، فجلس بين النبي (ص) وبين أبي بكر فعرف السرور في وجه رسول الله (ص).

وأخرج ابن شاذان عن عائشة: أن أبا بكر فعل نظير ذلك مع العباس أيضاً وتأسى في ذلك به (ص) فقد أخرج ابن البغوي عن عائشة: لقد رأيت من تعظيم رسول الله (ص) عمه العباس أمراً عجيباً.

وأخرج عبد البراق: كان أبو بكر يكثر النظر إلى وجه عليّ، فسألته عائشة فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: النظر إلى وجه عليّ عبادة.

ومر نحو هذا وأنه حديث حسن، ولما جاء أبو بكر وعلي لزيارة قبره (ص) بعد وفاته بستة أيام قال علي: تقدم، فقال أبو بكر: ما كنت لأتقدم رجلاً سمعت رسول الله (ص) يقول فيه: عليّ مني كمنزلتي من ربيّ.

أخرجه ابن السمان.

وأخرج الدارقطني عن الشعبي قال: بينما أبو بكر جالس إذ طلع علي فلما رآه قال: من سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة وأقربهم قرابة وأفضلهم حالة وأعظمهم حقاً عند رسول الله (ص) فلينظر إلى هذا الطالع(65).

وأخرج أيضاً: إنّ عمر رأى رجلاً يقع في علي فقال: ويحكم أتعرف عليّاً؟ هذا ابن عمه، وأشار إلى قبره والله ما آذيت إلاّ هذا في قبره.

وفي رواية: فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره.

وأخرج أيضاً عن ابن المسيّب قال: قال عمر تحبّبوا إلى الأشراف وتودّدوا واتقوا على أعراضكم من السفلة، واعلموا أنه لا يتمّ شرف إلاّ بولاية علي(66).

وأخرج البخاري: أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس وقال: اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا محمد (ص)إن قحطنا فتسقينا وإنا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا فيسقون.

وفي تاريخ دمشق: أن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا، فقال عمر: لأستسقينّ غداً بما يسقني الله به، فلما أصبح عند العباس فدقّ عليه الباب فقال: من؟ قال: عمر، قال: ما حاجتك؟ قال: اخرج حتى نستسقي الله بك، قال: اقعد، فأرسل إلى بني هاشم أن تطهّروا والبسوا من صالح ثيابكم، فأتوه فأخرج طيباً فطيبهم ثم خرج، وعلي أمامه بين يديه، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، وبنو هاشم خلف ظهره، فقال: يا عمر لا تخلط بنا غيرنا، ثم أتى المصلّى فوقف فحمد الله وأثنى عليه وقال: اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا وعلمت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا، اللهم فكما تفضّلت في أوله تفضّل علينا في آخره.

قال جابر: فما برحنا حتى سحت السماء علينا سحاً فما وصلنا إلى منازلنا إلا خوضاً فقال العباس: أنا المسقي ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي خمس مرّات فسقي.

وأخرج الحاكم: أن عمر لما استسقى بالعبّاس خطب فقال: يا أيها الناس إن رسول الله (ص)كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله (ص) في عمه العباس فاتخذوه الوسيلة إلى الله عزّ وجل فيما نزل بكم.

وأخرج ابن عبد البر من وجوه عن عمر: أنه لما استسقى به قال: اللهم إنّا نتقرّب إليك بعم نبيّك ونستشفع به فاحفظ فيه نبيّك كما حفظت الغلامين بصلاح أبيهما وأتيناك مستغفرين ومستشفعين، الخبر.

وفي رواية لابن قتيبة: اللهم إنّا نتقرّب إليك بعم نبيّك وبقية آبائه وكثرة رجاله فإنك تقول وقولك الحق: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً) (67) فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيّك في عمّه فقد دنونا به إليك مستشفعين.

وأخرج ابن أسعد: أنّ كعباً قال لعمر: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابتهم سنة استسقوا بعصبة نبيهم، فقال عمر: هذا العبّاس انطلقوا إليه فأتاه فقال: يا أبا فضل ما ترى ما الناس فيه، وأخذ بيده وأجلسه معه على المنبر، وقال: اللهم إنّا قد توجّهنا إليك بعمّ نبيّك، ثم دعا العباس.

وأخرج ابن أبي الدنيا: إن عمر لما أراد أن يفرض للناس قالوا له: ابدأ بنفسك، فأبى وبدأ بالأقرب فالأقرب إلى رسول الله (ص) فلم يأت قبيلته إلاّ بعد خمس قبائل، وفرض للبدريّين خمسة آلاف ولمن ساواهم إسلاماً ولم يشهد بدراً خمسة آلاف وللعباس اثني عشر ألفاً وللحسنين كأبيهما، ومن ثم قال ابن عباس: إنه كان يحبهما لأنه فضلهما في العطاء على أولاده.

وأخرج الدارقطني: أنه قال لفاطمة: ما من الخلق أحدٌ أحبُّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا منك بعد أبيك(68).

وأخرج أيضاً: أنّ عمر سأل عن علي، فقيل له: ذهب إلى أرضه فقال: اذهبوا بنا إليه، فوجدوه يعمل فعملوا معه ساعة ثم جلسوا يتحدّثون فقال له علي: أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل فقال لك أحدهم أنا ابن عم موسى (عليه السلام) أكانت له عندك أثرة على أصحابه؟ قال: نعم، قال: فأنا والله أخو رسول الله (ص) وابن عمّه، قال: فنزع عمر رداءه فبسطه فقال: لا والله لا يكون لك مجلس غيره حتى نفترق، فلم يزل جالساً عليه حتى تفرّقوا.

وأخرج أيضاً: أن عمر سأل علياً عن شيءٍ فأجابه فقال له عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن.

وأخرج أيضاً: أن الحسن استأذن على عمر فلم يأذن له، فجاء عبد الله بن عمر فلم يأذن له، فمضى الحسن فقال عمر: عليّ به، فجاء فقال: قلت: إن لم يؤذن لعبد الله لا يؤذن لي، فقال: أنت أحق بالإذن منه، وهل أنبت الشعر في الرأس بعد الله إلاّ أنتم؟

وفي رواية له: إذا جئت فلا تستأذن.

وأخرج أيضاً: أنه جاء أعرابيان يختصمان فأذن لعلي في القضاء بينهما فقضى، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاك ومولى كلّ مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

وأخرج أحمد: أنّ رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال: اسأل عنها علياً فهو أعلم، فقال: جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي، قال: بئس ما قلت، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله (ص) يعزّه بالعلم عزّاً، ولقد قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي(69).

وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه، وأخرجه آخرون بنحوه لكن زاد بعضهم: قم لا أقام الله رجليك ـ ومحا اسمه من الديوان ـ ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه ولقد شهدته إذا أشكل عليه شيء قال: هاهنا علي.

وقال عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن حسن بن حسين: إذا كانت لك حاجة فاكتب لي بها فإني أستحي من الله أن يراك على بابي، ولما دخلت عليه فاطمة بنت علي وهو أمير المدينة أخرج من عنده وقال لها: ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إليّ منكم، ولأنتم أحبّ إليّ من أهل بيتي.

وقال أبو بكر بن عياش ـ كما في الشفاء ـ: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله (ص) ولأن أخرّ من السماء إلى الأرض أحب إليّ من أن أقدمهما عليه.

ودخل عبد الله بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط على عمر بن عبد العزيز وهو حديث السن وله وفرة فرفع عمر مجلسه وأقبل عليه، فلامه قومه، فقال: إن الثقة حدثني حتى كأني أسمعه من في رسول الله (ص) ، إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها، وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرها ما فعلت بابنها.

وأخرج الخطيب أن أحمد بن حنبل كان إذا جاءه شيخ أو حدث من قريش أو الأشراف قدمهم بين يديه وخرج وراءهم، وكان أبو حنيفة يعظم أهل البيت كثيراً ويتقرب بالانفاق على المتسترين منهم والظاهرين حتى قيل أنه بعث إلى متستر منهم بإثني عشر ألف درهم وكان يحض أصحابه على ذلك.

ولمبالغة الشافعي فيهم صرح بأنه من شيعتهم حتى قيل كيت وكيت، فأجاب عن ذلك بالنظم البديع وله أيضاً:

آل النبـــــــي ذريعتـــي           وهــــــم إليـه وسيلتي

أرجـــو بهم أُعطى غداً           بيدي اليمين صحيفتي

وقارف الزهري ذنباً فهام على وجهه، فقال له زين العابدين: قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم عليك من ذنبك، فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فرجع إلى أهله وماله.

فيما أخبر به (ص) في شأن عترته (ع)

قال (ص): إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي من أُمتي قتلاً وتشريداً، وإن أشدّ قوماً لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم.

صححه الحاكم، وممن وثقه البخاري.

ومن أشد الناس بغضاً لأهل البيت مروان بن الحكم، وكأن هذا هو سرّ الحديث الذي صححه الحاكم: أن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي (ص) فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هذا الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون.

وروي بعده بيسير عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد قال مروان: سنّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنّة هرقل وقيصر، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: والذي قال لوالديه: أُفّ لكما، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: كذب والله ما هو به، ولكن رسول الله (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه ثم روي عن عمرو بن مرّة الجهني ـ وكانت له صحبة ـ أن الحكم بن العاص استأذن على رسول الله (ص) فعرف صوته فقال: ائذنوا له، عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلاّ المؤمن منهم وقليل ما هم يترفهون في الدنيا ويضيعون في الآخرة ذووا مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.

قال ابن ظفر: وكان الحكم هذا يرمى بالداء العضال وكذلك أبو جهل، ذكر ذلك كله الدميري في حياة الحيوان.

ومرّ في أحاديث المهدي أنه (ص) رأى فتية من بني هاشم فاغرورقت عيناه وتغيّر لونه ثم قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً.

وأخرج ابن عساكر: أول الناس هلاكاً قريش وأول هلاك قريش هلاك أهل بيتي.

ونحوه للطبراني وأبي يعلى.

وأخرج أحمد وغيره ما حاصله: إنه (ص) كان إذا قدم من سفر أتى فاطمة وأطال المكث عندها، ففي مرّة صنعت لها مسكين من ورق وقلادة وقرطين وستر باب بيتها، فقدم (ص) ودخل عليها ثم خرج وقد عُرف الغضب في وجهه حتى جلس على المنبر، فظنت أنه إنما فعل ذلك لما رأى ما صنتعه، فأرسلت به إليه ليجعله في سبيل الله فقال: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ولو كانت الدنيا تعدل عند الله في الخير جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، ثم قام فدخل (ص) عليها.

زاد أحمد: أنه (ص) أمر ثوبان أن يدفع ذلك إلى بعض أصحابه وبأن يشتري لها قلادة من عصب وسوارين من عاج وقال: إن هؤلاء أهل بيتي ولا أُحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.

فتأمّل ذلك، تجد الكمال ليس إلاّ بالتحلّي بالزهد والورع والدأب في الطاعات، والتخلي عن سائر الرذالات وليس في التحلي بجمع الأموال ومحبة الدنيا والترفع بها إلاّ غاية المتاعب والنقائص والمثالب، ولقد طلق علي الدنيا ثلاثاً وقال: لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييتُ من راقعها، ومر في فضائله طرف من ذلك.

وقد وقع الاصطلاح على اختصاص الذرية الطاهرة ببني فاطمة من بين ذوي الشرف كالعباسيين والجعافرة بلبس الأخضر إظهاراً لمزيد شرفهم.

قيل: وسببه أن المأمون أراد أن يجعل الخلافة فيهم ـ ويدل عليه ما يأتي في ترجمة علي الجواد من أنه عهد إليه بالخلافة فاتخذ لهم شعاراً أخضر وألبسهم ثياباً خضراء لكون السواد شعار العباسيين والبياض شعار سائر المسلمين في جمعهم ونحوها والأحمر مختلف في تحريمه والأصفر شعار اليهود في آخر الأمر ـ ثم انثنى عزمه عن ذلك ورد الخلافة لبني العباس فبقي ذلك شعار الأشراف العلويين من بني الزهراء، لكنهم اختصروا الثياب إلى قطعة ثوب خضراء توضع على عمائمهم شعاراً لهم، ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن الثامن، ثم في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أمر السلطان الأشرف شعبان بن حسن بن الناصر محمد بن قلاوون أن يمتازوا على الناس بعصائب خُضر على العمائم ففعل ذلك بأكثر البلاد كمصر والشام وغيرهمـــا، وفي ذلـــك يقول ابن جابر الأندلسي الأعمى نزيل حلب وهو صاحب شرح ألفية ابن مالك المسمى بالأعمى والبصير:

 

جــعلوا لأبناء الــرسول علامة           أن العلامــة شأن مـــن لـــم يُشهر

نــور النبوّة في كريم وجوههم           تغني الشريف عن الطراز الأخضر

وقال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره ومن أحسنه قول الأديب محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقي المزني:

أطراف تيجان أتت من سندس           خضــــــر بأعلام مــــن الأشــراف

والأشرف السلطان خصّهم بها           شرفاً ليـــعرفهم مــــن الأطـــراف

 

1 ـ بل كانت عليها السلام قد أكملت التاسعة من عمرها وذلك لأن ولادتها في السنة الخامسة من البعثة، كما أنه صلى الله عليه وسلم في الخامسة والعشرين من عمره.

2 ـ الفرقان: 54.

3 ـ الأحزاب 33.

4 ـ بل الصحيح هو ما مر: من أنه (ص) قال لها: إنك على خير ولم يعدها من أهله.

5 ـ الصحيح هو ما أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري كما في الصفحة السابقة: من أن الآية نزلت في خمسة: النبي (ص) وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين (عليهم السلام).

6 و 7 و 8 ـ ومضت الإشارة إلى ما هو الصحيح من ذلك، فإن الآية نزلت في خمس على ما عرفت.

9 ـ بل جعلهم الله تعالى بنصّ من كتابه خلفاء رسوله باطناً وظاهراً حيث قال تعالى: (إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الذّين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة: 55. ونصّ الرسول (ص) عليهم واحداً واحداً بأسمائهم وألقابهم وقال: عدد أو صيائي كعدد نقباء بني إسرائيل.

10 ـ الأقرب هو التنافي، لأن النبي (ص) هو الذي يستحق الصلاة من الله تعالى ومن كتب الله له الطهارة والعصمة وهم الخمسة الذين نزلت آية التطهير في حقهم ورسول الله (ص) سيدهم.

11 و 12 ـ أهل البيت في آية التطهير كما عرفت نزلت في خمسة ولم تشمل أزواجه (ص).

13 ـ الصافات: 130.

14 ـ طه: 1.

15 ـ الأحزاب: 33.

16 ـ آل عمران: 31.

17 ـ الشورى: 23.

18 ـ الصافات: 24.

19 ـ ومن الموالاة لهم: عدم غمطهم حقهم، وفي مقدمة حقوقهم: الخلافة التي نص الكتاب وصرح به الرسول (ص) بأنها تكون لهم من بعده.

20 ـ قد عرفت مما مضى وما سيأتي أن أهل البيت في هذا الحديث وغيره هو إشارة منه (ص) إلى من عنتهم الآية المباركة بالتطهير.

21 ـ ألا يشمل عدم التقدم عليهم أمر الخلافة؟.

22 ـ والتي تعضد نصوص الكتاب في إمامة علي (عليه السلام) وأولاده الأحد عشر وخلافتهم بعد الرسول (ص).

23 ـ وهو الصحيح.

24 ـ وسيأتي ان المراد: أهل البيت (عليهم السلام).

25 ـ وهل ينسجم التمسك بهم مع الإعراض عن إمامتهم وخلافتهم؟.

26 ـ آل عمران 103.

27 ـ التوبة 119.

28 ـ آل عمران 105.

29 ـ النساء 54.

30 ـ الأنفال 33.

31 ـ نعم، هم أمان من الاختلاف لو اجتمعت الأمة على إمامتهم وخلافتهم التي كتبها الله لهم بعد نبيه.

32 ـ أهل البيت هم الخمسة الذين عنتهم آية التطهير، وتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) كما نص عليهم الرسول (ص) يوم الغدير وغيره ليكملوا العدة التي أشار إليها الحديث الشريف: عدد أوصيائي عدد نقباء بني إسرائيل.

33 ـ طه 82.

34 ـ آل عمران 61.

35 ـ في الأحاديث الصحيحة أنّ علياً لم ينكحها إيّاه.

36 ـ يعني أبا لهب.

37 ـ الأحزاب: 30.

38 ـ الأحزاب: 40.

39 ـ الضحى: 5.

40 ـ يقول تعالى بالنسبة إلى أزواج النبي (ص): (فإن الله أعد للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً). الأحزاب: 29، أي وعد المحسنات منهنّ.

وكذا بالنسبة إلى صحابة النبي (ص) فإنه تعالى يقول: ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) (الفتح: 29).

41 ـ الطور: 21.

42 ـ البيّنة: 7.

43 ـ الزخرف: 61.

44 ـ في الصحيح: أن الأنصار جاءوا بأصوع من البر هدية، فأمر النبي فطحن البر وخبز وذبح الكبش بعد أن اشترى علي (عليه السلام) تمراً وسمناً وصنعه رسول الله (ص) بيده ثم قال لعلي (عليه السلام): ادعُ من أحببت، قال (عليه السلام): فأتيت المسجد وهو غاص بأهله فناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة بنت محمد صلى الله عليهما وآلهما، فأجابوا.

45 ـ ليس في الصحيح: اسم أبيه اسم أبي، بل مكانه: وكنيته كنيتي.

46 ـ مضت الإشارة إلى أنه ليس في الصحيح اسم أبيه اسم أبي النبي، بل اسمه اسم النبي، وكنيته كنية النبي (ص).

47 ـ الأعراف: 46.

48 ـ الشورى: 23-25.

49 ـ نعم، أنهم اتّهموه، لأنه(ص) لم يكن هو الذي يحثهم على قرابته من بعده، وإنما الله تعالى هو الذي يحثهم ويحثنا على قرابته من بعده ويأمرنا بموّدتهم وإطاعتهم.

50 ـ آل محمد هم أهل البيت، وقد شهدت لهم آية التطهير ـ كما عرفت ـ بالطهارة والعصمة من الذنوب بل الله تعالى غفور لذنوب محبّيهم وشيعتهم كما في الصحيح.

51 ـ مريم: 96.

52 ـ وقد قال تعالى: «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً». الأحزاب: 57.

53 ـ آل عمران: 34.

54 ـ ومعرفة حقهم (صلوات الله عليهم أجمعين) لا يتمّ إلاّ بمعرفة ما جعله الله لهم علينا في كتابه حيث قال تعالى: (إنّما وليّكم الله )أي: صاحب اختياركم ومن يجب عليكم طاعته، ثم جعل ذلك لرسوله ولوليّه علي أمير المؤمنين والأئمة المعصومين الأحد عشر من بنيه فقال: «ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» ثم أضاف: «ومن تولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون». المائدة: 55 و56.

55 ـ قد عرفت أن المراد الصالحين منهم لقوله تعالى: «وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم». الفتح: 29.

56 ـ وفيه تصريح بليغ: بأن اتّباع سنة الرسول(ص) هو اتّباع أهل بيته.

57 ـ لا دليل على أنه موضوع، بل يدل على صحّته الروايات المتقدمة مثل: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار» فهل الله يدخل النار من هو مستحقّ للشفاعة، أو من هو محروم عنها؟ ومثل: «من أبغض أهل البيت فهو منافق» وقول جابر: «ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً».

58 ـ لا دليل على أنه موضوع، بل يدل على صحّته الروايات المتقدمة مثل: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار» فهل الله يدخل النار من هو مستحقّ للشفاعة، أو من هو محروم عنها؟ ومثل: «من أبغض أهل البيت فهو منافق» وقول جابر: «ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً».

59 ـ يشهد بصحتها الأخبار الأُخر الواردة بهذه المضامين.

60 ـ قد عرفت: أن أهل البيت الذين عنتهم الآية الكريمة: آية التطهير، شهدت لهم بالعصمة والطهارة من كل رجس ونقص.

61 ـ راجع التاريخ في إبعاد علي عليه السلام من الخلافة، وابتزاز فدك من فاطمة، وإحراق بيتهم عليهم وفيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)!

62 ـ وهل الاعتذار قولاً مع الإصرار على المنع والقطع عملاً، مقبول؟

63 و 64 ـ لا يخفى أن منبر رسول الله (ص) كناية عن منصب الخلافة.

65 ـ إذا كان علي أعظم حقاً عند رسول الله(ص) في حياة الرسول، فهو أعظم حقّاً بعد ارتحال الرسول أيضاً.

66 ـ نعم، لما أخذ النبي (ص) يوم الغدير بأمر من الله تعالى البيعة لعلي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين وبالولاية عليهم من بعده أنزل الله تعالى: «اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً». المائدة: 3.

67 ـ الكهف: 82.

68 ـ راجع قصّة اقتحام بيت فاطمة (عليها السلام) من دون إذنها مع أنّ رسول الله (ص) كان لا يدخله إلاّ بإذنها.

69 ـ إذا تمّ الاعتراف بحديث المنزلة، فقد تمّ الاعتراف بأنّ عليّاً(عليه السلام) هو الخليفة بعد الرسول (ص) كما كان هارون خليفة موسى (عليه السلام) إلاّ النبوة، فكيف ينسجم هذا مع ادعائه الخلافة لنفسه ومحاربته علياً (عليه السلام) عليها، وقد قال رسول الله (ص) لعلي (عليه السلام): «يا علي حربك حربي، وسلمك سلمي».