الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

المواساة شيمة الأوفياء

ذكر أحد تلامذة المرحوم آية اللّه العظمى الحاج آقا حسين القمي (قدس سره): أنه كان للمرحوم مجلس بحث عامر يضم بين جوانحه كبار العلماء والمراجع المعروفين في عصره(1).

وكان المرحوم القمي إذا جاءته استفتاءات مهمّة من مقلّديه اغتنم مجلس بحثه وعقد مع هؤلاء المراجع الحاضرين في البحث مجلس شورى الفقهاء وطرح عليهم الاستفتاءات وناقشهم في آرائهم وبالتالي كان يخرج من مجلسه هذا بآراء صائبة نتيجة لتلاقح الأفكار وتبلور الآراء ويجيب بها مستفتيه.

وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على شموخ فكره، وعلوّ همّته، وطيب نفسه، وحقيقته وواقعيّته، فإنه كان واقعياً إلى أبعد حدّ، حتّى أنه ينقل عنه:

أنّ تاجراً جاء إلى زيارة العتبات المقدّسة من إيران وكان من مقلّديه، فلمّا علم بأن المرحوم القمي مرجعه الكبير يسكن في دار مستأجرة وليس له دار شخصيّة جاء إليه وعرض عليه أن يسمح له أن يشتري لسماحته داراً يهبها له ليسكنها.

فلم يسمح له سماحته بذلك معتذراً بأن عليه أن يواسي أضعف الطلبة معاشاً، وكثير من الطلبة لا يملكون داراً، ومادام هناك طالب واحد لا يملك داراً شخصية، فلا يأذن لنفسه أن تكون له دار شخصية.

فقال التاجر: إنّ المبلغ ليس من الحقوق الشرعية وإنما هو تبرّع منّي.

فأجاب سماحته قائلاً: نعم وإن كان المبلغ تبرّعاً فإني لا اُحب أن أعيش إلا مواسياً للطلبة الآخرين.

وهكذا كان المرحوم القمي قمّة في أخلاقه وسيرته، فقد عاش في دار مستأجرة ولم يملك لنفسه داراً إلى آخر حياته، وفي نهاية حياته نقل عنه خاصّته:

أنه اشتدّ به مرضه حتى أغمي عليه، فلمّا أفاق التفت إلى ذويه وخاصّته، وطلب منهم بإلحاح أن يُجلسوه، فتعجّبوا من طلبه ذلك وهو في هذه الحالة، لكنهم لما أجلسوه واستقرّ به المكان شخص ببصره نحو الباب وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ثم تشهّد الشهادات الثلاث وانتقل إلى جوار رحمة ربّه، (قدس اللّه سرّه).

وقد كنا ذهبنا مع الوالد(2) (رحمة اللّه عليه) لزيارته في المستشفى.

خاتمة الصالحين

في غداة كلّ يوم من أول الشهر كان المرحوم والدي(3) يعطيني مبلغاً من المال ويأمرني بتسليمه إلى المرحوم الشيخ محمد الكلباسي ـ الموكل بتوزيع الحقوق الشرعية للمراجع شهرياً ـ لكي يوزّعه على الطلبة المتواجدين في كربلاء المقدّسة، وكان هذا دأب والدي (قدس سره) في صباح كلّ يوم من أوّل الشهر.

وفي يوم من الأيام والمصادف ليوم 28 شعبان من سنة (1380هـ) طلبني والدي ودفع لي ما كان يدفعه إليّ من المال صباح كل أوّل شهر، وأمرني بتسليمه إلى المرحوم الشيخ محمد الكلباسي ليوزّعه على الطلبة.

فاستغربتُ الأمر وقلت لسماحته: سيّدي نحن في أواخر الشهر الحالي، ولم يحلّ علينا الشهر الجديد بعد.

فأجابني سماحته قائلاً: نعم، وإني أعلم ذلك، ولكن ليس عليك إلا أن تسرع بالمال وتسلّمه إلى الشيخ, ثم أخرج من جيبه بعض الأوراق وكان فيها بعض الاستفتاءات التي كان قد أجاب عليها ودفعها إليّ وأمرني بتسليمها إلى أصحابها.

ثمّ اتّجه إلى الحوض ليتهيّأ إلى الصلاة، وكان الوقت قريب المغرب، تركته وهو يتوضّأ وإذا بصوت شقيقتي يلفتني إليه وهي تقول: أخي يا أخي اُنظر ماذا أصاب والدنا؟!

فأسرعتُ إليه فوجدته مصاباً بالسكتة القلبيّة وهو على الحوض يتوضّأ، فاحتضنته ووضعته على بطانية قد فرشت من أجله، ثم طلبنا له الأطبّاء والدكاترة، فلما أجروا عليه الفحوصات الطبّية أعلنوا أسفهم وعذرهم عن معالجته، لأنّ الفحوصات كشفت عن مفارقته للحياة وهو في أثناء الوضوء وقد غسل يده اليمنى.

وممّا يبدو لي حسب هذه الواقعة العينيّة أنّ سماحته كان مستلهماً، أو أنه رأى حلماً في منامه يخبره عن ذلك.

وكيف كان: فإنّ هذا الأمر حسب تصوّري لم يكن أمراً عادياً، وإنما كان يرتبط نوعاً مّا بـ(ما وراء الطبيعة) والأمور الغيبيّة، إذ كان ذلك خلاف عادته، وإنما كانت عادته كما قلت: أن يدفع لي المال في الصباح الباكر من أوّل كلّ شهر لاُسلّمه إلى الشيخ حتّى يتمّ توزيعه على الطلبة(4).

مع صاحب المستدرك

نقل والدنا المرحوم عن صاحب (مستدرك الوسائل) الحاج الميرزا حسين النوري (قدس اللّه سرّه) أنه قال:

عندما كنتُ في منطقة (نور) كنتُ أذهب أحياناً إلى الصحراء وأستفيد من هدوئها وسكونها للتفكر والمطالعة، وفي تلك المنطقة كان الفلاّحون يصنعون حسب عادتهم غرفاً في مزارعهم ليستريحوا فيها أيام الحصاد، وفي غير تلك الأيام كانت الغرف خالية.

فلما كنت أخرج إلى الصحراء كنت آخذ معي بعض اللوازم والحاجيات وأنفرد في إحدى تلك الغرف وأتفرّغ فيها للمطالعة والتأليف، وفي الليل كنت أقفل على نفسي باب الغرفة من الداخــل وأجلس تحت ضوء المصباح وأستمرّ في التأليف والتصنيف.

وذات ليلة رأيتُ أن قفل الباب ينفتح من تلقاء نفسه، في البدء تصوّرت أن هبوب الرياح وضغط الهواء أدّى إلى انفتاح الباب ولكن اطمأننت أخيراً بأن الهواء لا يستطيع فتح الباب من الداخل فاستغربتُ كثيراً.

وبينا أنا كذلك وإذا بي أرى شخصين جميلين يرتديان ملابساً بيضاً يدخلان عليّ.

فلمّا دخلا سلّما عليّ وقالا متسائلين: بماذا مشغول أنت أيها الشيخ؟

قلت في جوابهما: أنا مشغول بالتأليف والتصنيف.

فقالا: وماذا كنت تكتبه قبل قليل؟

قلت: كنت مشغولاً بكتابة خطبة الرسول (ص) في يوم الغدير، يوم نصب رسول اللّه (ص) ـ وبأمر من اللّه تعالى ـ علياً أمير المؤمنين (ع) والأئمّة الأحد عشر من بنيه (عليهم السلام) أوصياء وخلفاء من بعده، وأكمل اللّه تعالى بهم الدين وأتمّ علينا نعمته ورضي لنا الإسلام ديناً.

ثم التفتُّ إليهما وسألتهما عن حالهما وسبب مجيئهما ودخولهما عليّ؟

فأجابا: بأنّهما من الجنّ المؤمنين باللّه ورسوله، والمعتقدين بولاية أمير المؤمنين والأئمّة الأحد عشر من بعده (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، ثم طلبا منّي أن أقرأ عليهما الخطبة.

فلما قرأتها عليهما أطرقا برأسيهما يستمعان إليها، ثم رفعا رأسيهما وقالا بعد أن نظر أحدهما إلى الآخر: أحسنت أيها الشيخ، لقد ذكّرتنا بيوم الغدير وما جرى فيه، ونزيدك علماً بأنّا كنّا قد حضرنا غدير خم يوم ألقى النبي (ص) هذه الخطبة على المسلمين، وسمعناها منه كاملة.

ثم إنهما أخذا يقرءان الخطبة على ما سمعاه، فكان في ما قرءاه مع ما كتبه الشيخ بعض الاختلاف اليسير.

ثمّ واصل والدنا المرحوم حديثه قائلاً: بأنّ الحاج النوري (قدس سره) لمّا سمع الخطبة منهما ورأى الاختلاف اليسير في قراءتهما عمّا كتبه, أشار إلى ذلك اليسير في هامش الكتاب تحت عنوان (نسخة بدل).

نعم، الجنّ خلق من خلق اللّه تعالى وقد أنزل تعالى في كتابه الكريم سورة باسم (الجنّ) وهم خلق كالإنسان فيهم المؤمن وفيهم غير ذلك، لكنهم يمتازون بطول العمر، وبلطافة الجوهر، وبقدرتهم على التشكّل بأشكال مختلفة يظهرون بها لبعض الناس، وغير ذلك ممّا هو مذكور في شأنهم.

في طاعة المؤمن

كان المرحوم السيّد محمّد الصدر (قدس سره) من العلماء الأبرار، المهذّبين الأخيار، وكان يصلّي في المسجد الجامع بمدينة كربلاء المقدّسة الذي يسمّى بمسجد العطّارين والتجّار.

نقل أنه كان يحضر أيام دراسته مجلس درس للعالم الجليل الحاج ميرزا حسين الحاج ميرزا خليل في النجف الأشرف، وذات يوم جاء شخص مقبلاً على الأستاذ بعد أن أكمل سماحته درسه وقال له: إن الجنّ يؤذونه ويقذفون الحجارة على منزله واستنجد بسماحة الميرزا وطلب منه أن ينقذه من هذه المشكلة.

فقال سماحة الميرزا له: لا عليك، اذهب واصعد إلى سطح دارك وقف أمام القبلة وقل: أيّها الجنّ، إن الحاج الميرزا حسين بن الحاج ميرزا خليل يقول لكم: لا تقذفوا الحجارة في بيتي وامنعوا عنّي الذين يفعلون ذلك منكم.

فذهب الرجل وعاد بعد أيّام ليشكر سماحة الميرزا مخبراً إيّاه: أنّ الجنّ قد امتنعوا عن أذاه، وتوقّفوا عن قذف داره بالحجارة.

يقول المرحوم السيّد الصدر: تعجّبنا من ذلك كثيراً، ولذلك لما ذهب الرجل أقبلنا على أستاذنا وقلنا له متسائلين: وهل الجنّ يا سماحة الاُستاذ مسخرة لكم ومطيعة لأوامركم؟

أجاب الأستاذ قائلاً: لا.

فازداد تعجّبنا وقلنا: إذن كيف أثّر ـ يا سماحة الاُستاذ ـ كلامكم فيهم؟

قال: إنّ لذلك قصّة طريفة.

فسألناه أن يقصّها علينا، فلبّى طلبنا وقال:

نعم، كنا نتشرّف في بعض ليالي الأربعاء بالذهاب إلى مسجد السهلة، وكان في المسجد سرداب عميق ذو درجات كثيرة ينتهي آخره إلى بئر، وكنتُ إذا أردتُ الانفراد بمناجاة اللّه تعالى، والإنعزال عن ضوضاء الناس، أذهب إلى ذلك السرداب للصلاة والعبادة، وكنتُ أغلق الباب على نفسي من الداخل وأبيت إلى الصبح مشتغلاً بالصلاة، وفي إحدى الليالي وقد كنتُ في ذلك المكان وأنا مشتغل بالصلاة وإذا بي أحسّ بشخص يجلس إلى جانبي، هذا مع أني كنتُ متيقّناً من إغلاق الباب، فأوجستُ في نفسي خيفة وحاولت التخفيف والتسليم، فلمّا فرغت من الصلاة أقبلتُ عليه وقلت له متسائلاً: من أنت؟

قال: أنا مؤمن معتقد، من مؤمني الجنّ ومعتقديهم.

قلت: وما هي عقيدتك؟

قال: كعقيدتكم باللّه والنبي وإمامة الأئمة المعصومين من أهل بيت النبي (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

قلت: وهل أنتم تقلّدون في أحكام دينكم؟

قال: نعم، وأنا من مقلّديكم.

قلت: عجيب! إنك تقلّدني في أحكام دينك ومسائلك الشرعية؟

قال: نعم.

قلت: وماذا تريد الآن؟

قال: جئت لأخبركم بأني رهن إشارتكم ومستعدّ للخدمة لكم.

قلت: شكراً، فإني رجل خفيف المؤونة ولا حاجة لي.

قال: إني أعرض ذلك عليكم بكل إخلاص وأرى ذلك فخراً لي.

قلت: أشكرك على شعورك الطيّب وإخلاصك الكبير.

ثم أخذ يصرّ عليّ بأن أقبل منه ما طرحه عليّ وأخذتُ أصرّ على موقفي الرافض لذلك، حتى إذا أيس من إجابتي له ورأى أني لا أطلب منه شيئاً، قال: إنّ هناك من فسقة الجنّ وأشرارهم من يؤذون الإنس ويقذفون بيوتهم بالحجارة، فإذا اشتكى إليكم أحد من ذلك، فأمروه أن يرقى سطح منزله الذي يقذف فيه بالحجارة ثم ليتّجه إلى القبلة ولينادِ بأعلى صوته: أيّها الجنّ إن الحاج الميرزا حسين بن الحاج الميرزا خليل يقول لكم: لا تقذفوا الحجارة في بيتي وامنعوا عنّي الذين يفعلون ذلك منكم. فإنا نمنعه.

قال ذلك ثم ودّعني وانصرف، وبعد ذلك اليوم وحتّى الآن كلّما جاء إليّ أحد من المؤمنين يشكو من أذى الجنّ وقذفهم داره بالحجارة علّمته ذلك، فينفعه ذلك وينجو من أذاهم والحمد للّه ربّ العالمين.

وهكذا كان علماؤنا الأبرار حيث لا يفكرون في أنفسهم ولا يطلبون الراحة لذواتهم، وإنما يفكّرون دائماً في إنقاذ الآخرين والترفيه عنهم، وإسباغ الراحة عليهم وإسعادهم.

من أسرار تحريم التنباك

ينقل أن الاستعمار البريطاني عندما استطاع الحصول على امتياز التنباك في إيران حاول من خلال ذلك النفوذ في صفوف الشعب الإيراني المسلم لترويج نواياه الاستعمارية في أوساطه، ولم يقف أمام هذا المدّ الاستعماري سوى حماة الإسلام الواقعيّين وهم فقهاء الشيعة الأجلاّء، حيث كان على رأسهم يومئذ المرجع الأكبر، سماحة آية الله العظمى السيد الميرزا محمد حسن الشيرازي (قدس سره) فاجتمع ببقيّة العلماء والمراجع واستشارهم في كيفيّة المواجهة.

فلمّا طال اجتماعهم ولم يصدر منهم موقف حاسم تجاه الأحداث الراهنة في إيران، وكان البعض يستبطئ ذلك منهم ويرى لزوم السرعة في الإقدام القاطع لأجل إنقاذ الشعب الإيراني المسلم.

أقبل إليه تلميذه آية الله السيد محمد الفشاركي وكلّمه في القضية ـ معتذراً له تخطيه حدود آداب التلميذ والاُستاذ معه في كلامه ـ وذلك لأن القضية بنظره مهمّة تتطلّب منه تلك الصراحة معه.

فلمّا أذن له سماحته في الكلام بما يشاء، قال:

يا سماحة الاُستاذ لماذا لا تعلنونها بوجه الاستعمار صريحةً واضحة؟ وأنه ماذا يقعدكم عن الإفتاء بتحريم التنباك ومنع كل ما يرتبط به من استعمال وبيع وشراء وتصرّف؟ أتخشون من ذلك على نفسكم ومكانتكم؟ أو لا يهمّكم ما يهمّ الشعب المسلم في دينه وعقيدته، وأمنه واستقلاله، أليس لكم في جدّكم الحسين (ع) أسوة حسنة؟ ألم يضحّ (ع) بنفسه وبكلّ ما يملكه لأجل إنقاذ الأمة. فما لكم تتلكّؤون عن ذلك، أفدمكم ـ والعياذ بالله ـ أعزّ من دم ابن بنت رسول الله (ص) وقد بذله في هذا الطريق؟!

فألقى سماحته نظرة ملؤها الحنان والعطف إلى تلميذه الذي اندفع إلى كل ذلك من دافع الإيمان والتقوى ومن منطلق القرآن والإسلام وقال: إني ومنذ أيّام كنت أفكّر في تحريم التنباك الذي استقرّ عليه رأي أغلب الفقهاء ـ المجتمعين في شورى المراجع ـ ولكن كنت أفكر في عواقب ذلك من جميع النواحي حتى توصّلت إلى إصدار فتوى التحريم. فذهبتُ اليوم إلى سرداب الغيبة ـ وكان سماحته يقطن سامراء ـ لأستجيز مولاي الإمام الحجة (أرواحنا فداه) وقد أجازني (روحي فداه) واليوم قبل أن تأتي إليّ كتبتُ الفتوى بأمره (ع).

ثم أخرج سماحته الفتوى وسلّمها لتلميذه ليراها بنفسه ويطمئن إليها، فلمّا رآها التلميذ تشكّر من أُستاذه واعتذر منه، ثم استأذنه في الانصراف، فانصرف مودّعاً.

ثم إن سماحته أعلن الفتوى وجهر بها وكانت بهذا المعنى:

(اليوم يُعدّ استعمال التتن والتنباك بأيّ نحو كان في حكم محاربة الإمام صاحب الزمان سلام الله عليه).

ثم أرسلت الفتوى إلى إيران وفي أيام قلائل وزّعت على جميع الأوساط الشعبية وفي كل أنحاء إيران، فلما سمع الشعب الإيراني المسلم بفتوى مرجعهم انقادوا له بالسمع والطاعة وتركوا كل أنواع استعمال التتن والتنباك، حتى أنهم أحرقوا محاصيلهم الزراعية منها، وأفنوا مذخوراتهم المودعة في المخازن لها، وأتلفوا ما كان منها في أيديهم ولم يبيعوها للاستعمار، مما اضطرّ بريطانيا على أثرها فسخ المعاهدة والانسحاب من إيران.

ومن طريف ما يذكر في هذه القصّة: أنه بعد هزيمة بريطانيا من إيران، جاء بعض العلماء برفقة بعض الناس عند الميرزا الشيرازي ليباركوا له الانتصار العظيم.

فلمّا سمع الميرزا الشيرازي كلامهم أراد أن يُلفتهم إلى نقطة مهمّة جداً، حتى يكونوا من الاستعمار على حذر ولا يتيهوا في غفلة زهو الانتصار وغروره، ولذلك هاج بالبكاء!

فلمّا سئل عن سبب ذلك، قال: إني أخشى عليكم من المستقبل، وذلك لأنّ العدوّ الغاشم عرف أن المراجع ورجال الدين هم مصدر الخطر له، واكتشف أنهم وحدهم الذين يهدّدونه ويهدّدون مصالحه، وهو من الآن سيبدأ في تخطيط ماكر لمحاربتهم وعزلهم وفصل الناس عنهم.

نعم، إنّ كلامه (قدس سره) هذا لا زال يدوّي من طيّات التاريخ، ويقرع آذان الأجيال، وينبه ضمائر الأحرار والواعين، فعلينا بالحذر من مكائد الاستعمار، والالتفاف حول العلماء الأبرار الذين هم امتداد لأهل البيت (ع)، والذين يواصلون طريقهم، ويسيرون على هداهم، ويروّجون أهدافهم.

من أنباء البرزخ

كان المرحوم المحدّث القمي الشيخ عباس صاحب كتاب (مفاتيح الجنان) من خيار علماء الشيعة وزهّادهم، وكان قد نذر حياته كلّها في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين، وما من بيت من بيوت الشيعة اليوم إلا وفيه أثر من آثار مؤلفات الشيخ القمي (رحمة الله عليه) عادة.

توفّي هذا الرجل العظيم في النجف الأشرف ودفن إلى جوار أمير المؤمنين (سلام الله عليه). وبما أن عالم البرزخ عالم له أهميّة كبيرة وخطر عظيم بالنسبة إلى الإنسان الذي ينتقل من هذه الدنيا الفانية إليه، فهو لا يستغني عن الاستئناس بما يبعث إليه ذووه من الخيرات والمبرّات. والقصة التالية ـ التي نقلت عن نجل الشيخ وهو فضيلة الشيخ ميرزا علي محدّث زاده الذي توفي مؤخّراً ـ تؤيّد ذلك، إنه قال:

لما توفّي والدنا المرحوم الحاج الشيخ عباس القمي، وفرغنا من دفنه ومن مراسم التعزية والفاتحة إلى روحه فكّرنا في عمل الخيرات له، وحيث كان والدنا يعيش حياة زهيدة، لم يترك من بعده من أموال الدنيا قليلاً ولا كثيراً ـ وهكذا يكون دأب الصلحاء والعلماء والربانيّين ـ لذلك اتّفقتُ أنا وأخي على أن نسبل الماء ونسقي به زوّار الإمام أمير المؤمنين (ع) في ليالي الجمعة، وذلك بأن نملأ كوزاً لنا في صباح يوم الخميس بالماء ونجعله في مكان بارد حتى يبرد الماء، وفي المساء نأتي به بارداً ونسقيه الزائرين العطاشا بثواب والدنا (رحمه الله).

وقررنا تقسيم هذا العمل بيننا, بأن أعمله مرّة أنا في ليلة الجمعة الأولى مثلاً ويعمله هو في ليلة الجمعة الثانية وهكذا، وفي ليلة من ليالي الجمعة التي كانت القسمة فيها لأخي، وكان عليه أن يسقي الزائرين حسب القرار، رأيتُ في المنام والدنا المرحوم وهو يتلظّى عطشاً، وكان من شدّة عطشه يستغيث ويقول: العطش العطش، فتذكّرتُ وأنا في النوم أن والدنا في عالم البرزخ وأنا نسقي زوّار الإمام أمير المؤمنين (ع) ماءً بثوابه، ولذلك قلت له: يا والدي، ألم يصلك الماء الذي نسبله على الزائرين بثوابك؟

قال: نعم، ولكن هذه الليلة لا.

استيقظتُ من النوم على أثر فزعي من مشهد والدي وشدّة عطشه وأسرعتُ إلى مأوى أخي فأيقظته من نومه وقصصتُ عليه رؤياي التي رأيتها عن والدنا وسألته عن قيامه بما تقرّر بيننا من تسبيل الماء.

فأجاب متعجّباً وهو يقول: الله أكبر، نعم لقد صدق والدنا حيث قال, ولكن هذه الليلة لا فإني نسيتُ تسبيل الماء في هذه الليلة، ثم قام وأسرع إلى الكوز وأخذه واتجّه به إلى صحن الإمام أمير المؤمنين (ع) وأخذ يسقي زوّار الإمام (ع) من مائه حتى نفذ الماء.

نعم، إنّ هذه القصّة وما شابهها دليل على شدّة ما يحتاجه الإنسان من الخيرات والمبرّات في عالم البرزخ مهما كان ذلك الإنسان صالحاً، كما وتدلّ أيضاً على لزوم عمل الخيرات والمبرّات المادية أيضاً مضافاً إلى عمل الخيرات والمبّرات المعنوية، يعني أن الإنسان هناك محتاج إلى من يبعث له ثواب قراءة القرآن والزيارة والبكاء على الإمام الحسين (ع) وثواب إقامة المجالس والشعائر الحسينية، وإطعام الجائعين، وسقي الظامئين، وتكفّل اليتامى والمساكين، وسدّ عوز المعوزين، وسدّ الفراغ الفكري وخاصّة لدى الشباب المسلم بنشر الكتب الثقافية والأخلاقية التي رويت عن الرسول (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) الذين جعلهم الله تعالى أسوة لنا وقدوة في سيرتهم وأخلاقهم وتعاملهم مع الحياة، فقهاً وسياسة واجتماعاً واقتصاداً وما إلى ذلك وإهداء ثوابه إلى أمواتنا، فإنهم بأمسّ الحاجة إليها.

حتى إنه نقل عن ملك مات، فرآه ذووه في المنام وهو يلتمسهم ويستجديهم فعل الخيرات والمبرّات ويقول لهم: أرأيتم كلبكم الذي يحرس لكم بيتكم كم هو بحاجة إلى ما تقدّمون له من عظام؟ فإني أشدّ احتياجاً منه إلى ما تبعثونه إليّ، وذلك لأن الكلب إذا حُرم منكم، استطاع أن يسدّ حاجته من غيركم، ولكني لو حرمتُ من خيراتكم ومبرّاتكم لي، فإني لا أستطيع تحصيلها من غيركم. إذن فما أحوجني إليكم وإلى ما تبعثون إليّ من صدقاتكم وخيراتكم ومبرّاتكم؟

المؤمن ينظر بنور الله

المصداق الكامل للمؤمن هو رسول الله (ص) والأئمّة من أهل بيته المعصومين (ع) ثم مَن حذا حذوهم وانتهج سيرتهم، وفي مقدّمتهم العلماء، والقصّة التالية تشير إلى بعض هذا المعنى:

يقال أنه كان يعيش في مدينة أراك(5) عالم زاهد، وكانت تربطه علاقة وثيقة بأحد علماء قم المقدّسة، واستمرّت هذه الصداقة بينهما إلى أن أصاب العالم القمي المرض وأشرف على الموت، وصار في إغماء شديد ممّا دعا ذويه إلى مدّ رجليه وإسبال يديه واليأس من حياته واليقين بموته.

فأخبروا صديقه العالم في أراك يعزّونه بوفاة صديقه العالم في قم ويطلبون منه مشاركته في تجهيزه وتشييعه.

فأجابهم عالم أراك: بأن صديقه لم يمت وتركهم.

فاتّصلوا به ثانية وأخبروه بأن صديقه قد مات وطلبوا منه التعجيل بالقدوم إلى قم للمشاركة في مراسمه.

فأجابهم ثانية: بأنه لم يمت.

فاتّصلوا به ثالثة وأخبروه بموت صديقه وأكّدوا عليه التعجيل في القدوم إلى قم.

وللمرّة الثالثة أصرّ عالم أراك على جوابه وقال لهم: إنّ عالم قم لم يمت.

أثار هذا الإصرار من عالم أراك تعجّب المقربين منه وإنكارهم في أنفسهم عليه، ولكن بعد فترة جاءهم خبر بعكس ذلك، حيث أخبروهم بأن العالم القمي كان في حالة الاحتضار والإغماء ولم يمت، وإنما كانوا هم مخطئين.

فلما تبيّن الأمر أقبل أولئك النفر الذين أنكروا في أنفسهم على عالم أراك إصراره على عدم موت صديقه العالم معتذرين وقالوا وهم يسألون بإصرار عن مصدر اطلاعه: من أين علمتم بعدم موت صديقكم العالم؟

فأجابهم بعد امتناع شديد منه، وإصرار كثير من أولئك: بأنّ العالم كما في الروايات إذا فارقت روحه الحياة تبكي عليه الملائكة، وإني لما أخبرتُ بموت صديقي عالم قم نظرتُ إلى السماء فلم أرَ الملائكة في هذه الحالة، فأيقنتُ من انّ صديقي العالم في قم لم يمت بعد، وإنما هو في حالة إغماء وغيبوبة تصوّر ذووه على أثرها أنه قد مات.

نعم، هكذا يكون المؤمن الكامل.

محك الاختبار

الصفويّون لم يكونوا علماء بل كانوا ملوكاً، ولكنهم احترموا العلماء وأكرموهم، وساروا في البلاد والعباد حسب إرشاداتهم وتوجيهاتهم، ولذلك سعدوا هم بأنفسهم، وأسعدوا الناس، ودليل ذلك هو إنجازات العهد الصفوي في مجال السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة، وما قدّمه ذلك العهد للأجيال من خدمة إنسانية وثقافيّة.

وهذه من سنن الله تعالى في الكون، فإنّ الأمّة إذا احترمت علماءها الربانيّين ورجال دينها الواقعيين عاشت مرفوعة الرأس سعيدة في الدنيا والآخرة، وإذا خذلتهم خُذلت، والقصّة التالية فيها بعض الإشارة إلى اهتمام الصفويّين بالعلماء وإكرامهم:

يقال: أنه إبان الحكم الصفوي استدعى النظام مائة وعشرين عالماً من علماء جبل عامل بلبنان وطلب منهم البقاء في إيران من أجل نشر التشيّع وتعميم ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) وبيان الأحكام والمعتقدات الشيعية ـ المبتنية على القرآن الكريم، وسنّة الرسول (ص) وتعاليم أهل بيته الطاهرين (ع) ـ للناس وإرشادهم بالفعل والقول.

وكان من بين هؤلاء العلماء: الحرّ العاملي (قدس سره)، والمحقّق الكركي (المحقّق الثاني) (قدس سره) والشيخ حسين والد الشيخ البهائي (قدس سرهما) وغيرهم ممّن وردت أسماؤهم في كتب التاريخ.

والطريف حسب ما ينقل: أن الشيخ البهائي كان صغير الجثّة ولم يكن له هيكل علمائي، وحيث إن الناس غالباً يغرّهم المظهر، ولم يستثن من ذلك حتى الملك، فكّر في كيفية جلب انتباه الملك إليه وذلك قبل الدخول عليه، وبينا هو يفكّر ويجوب شوارع وأزقّة العاصمة الصفوية أصفهان وهو في طريقه إلى قصر الملك، إذ وقع نظره على رجل مشغول بالندافة فرآه جميل الهندام، حسن السيماء، مربوع القامة، ذو لحية كثة بيضاء، فتقدّم إليه وقال له: يا شيخ كم تجني من المال في كسبك خلال اليوم الواحد؟

فأجاب: بأنه كذا من المال.

فقال له الشيخ البهائي: هل لك في الموافقة على أن تأتي معي وتصحبني في مهمّتي، وأعطيك أجرك بما يساوي دخلك اليومي، بشرط أن لو سألك أحد شيئاً ولم تعرف الجواب أن تشير إليّ وتقول: قل يا ولدي؟

فوافق الندّاف على ذلك، وذهبا معاً، فهيّأ الشيخ البهائي لذلك الندّاف ملابس العلماء ورجال الدين: عمامة وعباءة وقباءً وجبّة وألبسها إيّاه، فظهر بمظهر العلماء، وسارا معاً إلى قصر الملك، حتى إذا وصلاه قدّمه أمامه وسار هو خلفه ودخلا القصر، فاحترمهما الحجّاب وأدخلوهما على الملك.

رحّب بهما الملك ـ وهو يظن أن الأول المتقدّم هو العالم، وأن الثاني المتأخّر هو خادم العالم ـ واستقبلهما وأدخلهما مجلسه، وكان المجلس غاصّاً بالشخصيات والعلماء، وبمجرّد دخولهــما المجلس قام الجميع احتراماً لهما وفسحوا المكان من أجلهما، فسلّما على الجميع واتّخذا مجلسهما بين سائر العلماء.

ثم عمّ المجلس هدوء عقبه بعد ذلك طرح بعض المسائل العلمية ودارت حوله بحوث ونقاشات، فتوجّه الجميع إلى هذا العالم الجديد وطالبوه أن يدلي برأيه، فارتبك الندّاف وتوجّه إلى الشيخ البهائي ولكنه من شدّة ارتباكه عوض أن يقول له: قل يا ولدي، قال له: كُل يا ولدي, أو: فُل يا ولدي.

فأجاب الشيخ البهائي بما أعجب الحاضرين والملك أيضاً يستمع إليه.

فطرحوا عليه سؤالاً تلو الآخر وفي كلّ مرّة كان الشيخ البهائي هو الذي يبدي رأيه ويجيب على السؤال حتى أحسّ الملك بأنّ الذي في مظهر العالم لم يكن عالماً، وأن العالم هو ذلك الذي لا مظهر له، ومن أجل أن يتحقّق في الأمر حتى يعرف صدق حدسه من خطأه فكّر في أخذ العلماء إلى عمارة جديدة وقصر كبير كان بجنب ذلك القصر ويستشيرهم في خصوص القاعة الكبيرة التي كانت تتوسّط ذلك القصر.

فلما انتهى بهم إلى القاعة وسألهم مستشيراً عنها قائلاً: في رأيكم لأيّ شيء تفيد هذه القاعة؟

فأجابه أحدهم: إنّ هذه القاعة تفيد لإجراء المؤتمرات الضخمة.

وأجاب آخر: إنها تفيد لجعلها مكتبة عامة يرتادها الباحثون.

وقال ثالث: إنها تفيد لاستضافة الوافدين على الملك.

حتى إذا وصل الدور إلى الندّاف التفت إليه الملك وسأله عن رأيه فألقى نظرة إلى الأطراف ثم تنحنح وقال: إنّ هذه القاعة تصلح بنظري أن تكون قاعة للندافة.

فضحك الملك واطمأنّ لصحّة حدسه بأن صاحب المظهر العلمائي لم يكن هو العالم، وإنما العالم هو ذلك الذي لا مظهر له.

فلم يقل الملك له شيئاً حتى انتهى المجلس واختتمت الضيافة وذهب الجميع إلى منازلهم، وبعد ذلك بعث الملك إلى الشيخ البهائي (قدس سره) من يخبره بأنه قد اكتشف من خلال اختباره أنه هو العالم الحقيقي وأنه اكتشف أمر الندّاف.

إذن، حقيقة الإنسان وواقعيّته لا تتكشف من خلال ظاهره وهيكله، أو عبر التصوّر والإدّعاء، بل الإنسان الواقعي هو من يكشفه الاختبار وهو من لا يُهان عند الامتحان، كما قال الشاعر:

إنّ من يدّعي الذي ليس فيه*** كــذّبته شـــــــواهـد الامـتحان

نعم، إن من يدّعي خلاف ما عنده سينكشف أمره للناس حتى وإن لم يعمل إلاّ بالإيماء والإشارة ولم يتفوّه بكلمة واحدة، فإنه سيفتضح أخيراً لا محالة. ولعله لذلك جاء في الحديث الشريف: (طوبى لمن عرف قدره ولم يتعدّ طوره).

محبوب الجماهير

جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها(6) علماً بأنه لا إحسان أكبر من الإحسان إلى الجانب الروحي من الإنسان، فرجل الدين الواقعي والعالم المتّقي يحسن إلى المجتمع الإنساني بما يسديه إليهم من خدمات معنوية ويقدمه إليهم من إرشادات دينيّة وتوجيهات إنسانية، ولذلك نرى العالم المتّقي محبوب الجماهير.

ومن أولئك المحبوبين هو آية الله الأردكاني (قدس سره) الذي كان من معاصري شيخنا الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره) وكان من العلماء الأبرار، والأجلاّء الأوفياء، وكان أثناء تواجد الشيخ في النجف الأشرف متواجداً هو في كربلاء المقدّسة ومشتغلاً بالتدريس، وبتربية الطلاّب وتخريج العلماء الفطاحل من أمثال السيد محمد حسين الشهرستاني (قدس سره) الذي كان من أهمّ علماء وقته، وأوحديّ رجال عصره.

وكان الشهرستاني هذا قد سافر في إبان شبابه سفرات عديدة إلى إيران وغيرها من البلاد الإسلامية، ومن جملتها أنه سافر إلى أفغانستان، وعند دخلولـه إلى كابل استقبله عالم كابل الكبير واحترمه احتراماً كبيراً، ثم اصطحبه معه إلى منزله واستضافه عنده في بيته وألقى عليه مجموعة من الأسئلة حول علم الصرف وعلم النحو، وعلم البلاغة والحساب والمنطق والكلام والأصول والفقه وغير ذلك، وكان السيّد يجيبه على أسئلته بلباقة فائقة وإتقان كامل، لأنه كان قد أتقن دروسه وأحكم في نفسه فهمها.

وكان العالم الكابلي أيضاً يعرف العلوم المتنوّعة ويتقنها، فلما رأى تفوّق السيد عليه في ذلك كلّه قام من مجلسه وأصرّ على السيد أن يجلس مكانه وأخبر الناس بأنّ السيد مادام هو موجوداً في كابل فعليهم أن يرجعوا إليه في مسائلهم وحلّ مشاكلهم، ثم قدمه للصلاة واقتدى به، مع أنه كان شيخ العلماء في كابل، وأصبح السيد لتقواه وعلمه خلال تواجده في كابل محبوباً للجميع ومرجعاً لمسائل الناس، وملجأً لحل مشاكلهم، وإماماً لمسجدهم يعتقد به الكلّ ويقتدي به الجميع بمن فيهم عالم كابل.

إذن فالعالم المخلص مع ربّه، والمتقن لدروسه، والمتّقي في أموره، والمتحلّي بالتواضع والتسامح، وبمداراة الناس ومواساتهم، يهواه الجميع، ويودّه الناس، فهو محبوب الجماهير، لأنّها ترى نفسها مدينة لإحسانه وخدماته العلمية والمعنويّة، وسيعطيه الله تعالى أجره في الدنيا قبل الآخرة.

حسن الإدارة

(العباسية) منطقة تقع بالقرب من مدينة الحلّة بالعراق، وقيل أنها كانت مقرّ حكومة العباسيين في فترة من الزمان، ولكن تغيّرت بمرور الأيام إلى أن أصبحت أخيراً قرية صغيرة وناحية تابعة للحلّة.

وكان مدير تلك الناحية ـ إبان مرجعية المرحوم آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) ـ رجلاً سنيّاً متعصّباً يؤذي الشيعة بلا دليل، فأخبروا السيد المرجع بالأمر وأرادوا منه أن يطالب الوزير بنقل هذا المدير إلى منطقة أخرى.

ولكن السيد أبو الحسن الأصفهاني الذي كان مديراً ومدبّراً لم يفعل ذلك، وإنما أرسل إلى أحد وكلائه في الحلّة وهو على الظاهر: المرحوم السيد محمد السماتي والذي كان هو أيضاً مديراً ومدبّراً، (وقد رأيته أيام حياته وتعرّفت عليه من قريب)، فأرسل إليه وطلب منه أن يأتي بمدير تلك الناحية إليه.

فجاء الوكيل إلى العباسية ولاقى احتراماً فائقاً من أهالي تلك الناحية، ثم التقى بمدير المنطقة وقال له: إن السيد أبو الحسن الأصفهاني يحبّ زيارتك له ويريد اللّقاء بك.

فامتنع أوّلاً من الإجابة متعلّلاً بأنه من مذهب سنّي والسيد مرجع شيعي ولا علاقة له به ولكن أخيراً وافق أن يلتقي بالسيد أبو الحسن في مناسبة مقبلة.

فلمّا حان الوقت وجاء إلى السيد أبو الحسن رحّب به السيد كثيراً وأجلسه عنده يتفقّد أحواله ويسأله عن أموره وهو يقول له: إنك مدير ناحية، والناس يتوقّعون منك المساعدة، وطبيعي أن يكون باب دارك مفتوحاً للناس, فكم هو راتبك الشهري؟

أجاب قائلاً: ثمانية عشر ديناراً.

فقال له السيد: إن هذا بالنسبة إليك قليل جداً.

فأجاب: إن هذا هو مرتب الدولة المخصّص لي.

فقام السيد أبو الحسن وأخذ من الدنانير ثمانية عشر ديناراً وقدّمها إليه بتواضع وقال له: هذا راتبك مني في هذا الشهر، وفي الشهور القادمة سأخبر وكيلي في الحلّة بتقديم هذا المبلغ إليك في كل شهر وذلك لكي تلبّي حاجات الناس وترضي مراجعيك.

فبان الخجل على وجه المدير وشكر السيد كثيراً على تفضّله، وعاد إلى العباسية ناحية حكمه وجمع أقرباءه وقال لهم: إنه قد تبيّن لي أن التشيّع هو المذهب الحق، وإني أخبركم وأشهدكم على أني دخلتُ في التشيّع وأريد منكم أن تدخلوا أنتم أيضاً في التشيّع.

فتشيّع جمع من أهالي تلك المنطقة بتشيّعهم وقد تحسّن سلوك المدير تجاه الشيعة بشكل كبير.

وكلّ ذلك من آثار تدبير السيد أبو الحسن الأصفهاني (رحمة الله عليه) وسعة صدره وبعد نظره في التعامل مع الناس وجمع كلمتهم على التقوى.

 

1 ـ من أمثال السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قده)، والسيد عبد الهادي الميلاني (قده)، والشيخ محمد رضا الأصفهاني (قده)، والسيد الرامهرمزي البهبهاني (قده)، وكذلك الشيخ محمد الشيرازي الذي كان يأتي من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدّسة.

2 ـ المرحوم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره).

3 ـ المرحوم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره).

4 ـ ينقل عن الخطيب الشهير المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمة الله عليه) أنه أخبر سماحة آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره) وذلك قبل وفاة السيد بثلاثة أيام بأنه قد رأى في منامه السيدة فاطمة الزهراء (ع) وهي (سلام الله عليها) تقول له: ائت ولدنا السيد ميرزا مهدي الشيرازي وقل له: بأنّ أمّك الزهراء تقول لك: انّك ضيف علينا بعد ثلاثة أيام.

فلما أخبر الشيخ السيد بذلك سالت دموع السيد على خدّيه وأخذ يبكي ويقول: كيف بي ويداي من الحسنات خالية. يبكي ويكرّر العبارة مراراً، وذلك مع ما كان عليه من الزهد والتقوى وخدمة الإسلام والمسلمين.

وكان كما أخبر به الشيخ الكعبي (رحمة الله عليه)، حيث إنه لم تمض على السيد إلا ثلاثة أيام وإذا بالقضية المذكورة تحدث في آخر ساعة من اليوم الثالث، فيذهب وهو في حالة إسباغ الوضوء إلى لقاء ربّه ليحلّ ضيفاً على اُمّه الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) وآبائه الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). الناشر.

5 ـ إحدى المدن الإيرانية.

6 ـ بحار الأنوار: ج 77 ص 142 ح 1.