الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

النميمة

ومن هو النمّام؟.

انه رجل منفرد، خبيث، يرتعد المجتمع من ظلّه.. انه الذي يحكي كلام هذا لذاك، ليلقي الفتنة بينهم.. فإذا رآك، قال: تكلم فلان فيك بالسوء.. واذا رأى صديقك، قال: تكلمت أنت فيه بالسوء، وهلمّ جرّا.

إنّه كالحنظل، يفسد صداقة حلوة، ويلقي الفتن بين الأحبة من حيث يشعر أو لا يشعر.. وربما كان النمام لاشعوريّاً، بل ربما يكون ناصحاً ـ بنظر نفسه ـ لكنه يفسد بالنتيجة.

ثم.. لنأتي نحاسب النمام على مقالته: لم ينم؟

إلاّ أنّه يريد تحطيم المنقول عنه؟ فما أجدر بك أن لا تسمع إلى كلامه.

أم لأنه يريد الفرقة بينك وبين صديقك؟ فالمفرق يجتنب، لا أنّه يقترب.

أم لأنّه ناصح لك في أن تتجافى عن المنقول عنه؟ وهل الناصح يفرق، أم يجمع؟.

إنّه أضر من الدابة التي تحمل النفايات، ثم تلقيها عليك، فإن الماء يغسل مواضع اللطخ من الجسم أما القلوب إذا تنافرت، فلا يغسلها ألف ماء وماء.

ولذا ترى الإسلام يحذّر من النّمام، ويحرّم النميمة بكل شدّة فانظر إلى الشدة التي انطوت عليها هذه الآية الكريمة: (همّاز مشّاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتلّ بعد ذلك زنيم)(1).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يدخل الجنة قتّات)(2)، وهو النمام.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يدخل الجنّة نمّام)(3).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أشار عــلـــى مسلـــم كلمة ليشينـــه بها في الدنيا بغير حق، شانه الله في النار يوم القيامة)(4).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أحبّكم إلى الله: أحسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وأنّ أبغضكم إلى الله: المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبراء العثرات)(5).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا أخبركم بشراركم؟

قالوا: بلى، يا رسول الله..

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب)(6).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيما رجل أشاع على رجل كلمة، وهو منها بريء ليشينه بها في الدنيا، كان حقّاً على الله: أن يدينه بها يوم القيامة في النار)(7).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله لما خلق الجنة، قال لها: تكلّمي، قالت: سعد من دخلني... قال الجبار جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس:

لا يسكنك مدمن خمر، ولا مصرّ على الزنا، ولاقتّات (وهو النمّام) ولا ديوث، ولا شرطي، ولا مخنّث، ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول: عليّ عهد الله أن أفعل كذا وكذا... ثم لم يف به)(8).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (الجنة محرمة على المغتابين، والمشّائين بالنميمة)(9).

وانظر إلى هذا الحديث، وكم ترى حظه من المجتمعات اليوم.

قال (عليه السلام): (ويحشر العبد يوم القيامة، وما ندا دماً (أي ما سفك دماً) فيدفع إليه شبه المحجمة، أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان.. فيقول: يا رب، إنّك لتعلم أنّك قبضتني وما سفكت دماً، فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا وكذا، فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار، فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه)(10).

إنّ المسلمين مذ حين وقعوا في مخالب الغرب، وضاعت قيم الإسلام عندهم وصاروا من مصاديق هذه الآية الكريمة: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض...)(11).

تراهم.. شيعاً وأحزاباً، وأعداءً ومناوئين، يهجم بعضهم على بعض، ويسعى بعضهم على بعض، فشاعت فيهم الجواسيس من أنفسهم، وكثرت فيهم السعاية والنميمة.. وكثير من السجون يرتادها أُناس سعي بهم، كما أنّ بعض المقتولين بأيادي السلطات، إنّما وشي بهم.

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الساعي بالناس إلى الناس لغير رشده)(12) أي ليس بولد حلال.

ثم بعد ذلك.. هل صلحت دنياهم؟.

كلا! بل بالعكس: امتلأت السجون، وظهرت الفرقة والعداء وطاردت السلطات الشعوب، وقلت الشعوب السلطات، وبالنتيجة قامت ثورات وانتفاضات أطاحت بالحكومات، وأراقت دماء وتربصت بما بقي منها الدوائر...

ان الدنيا بغير الإسلام لا تصلح، والشعوب في غير ظل الإسلام لا تستريح والسلطات بغير مناهج الإسلام لا تتمكن من ترفيه العيش لنفسها ولسائر أُممها، حتى ترى وترى... حتى يأذن الله بقيام الإسلام على ساق ـ من جديد ـ

(اللهم إنا نرغب إليك، في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة): (من دعاء الافتتاح).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (من روى رواية على مؤمن، يريد بها شينه وهدم مروءته، ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، ولا يقبله الشيطان!!)(13).

وروى ابن الفضل، عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، أنّه قال له: (جعلت فداك، الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه! فأسأله عنه؟ فينكر ذلك؟ وقد أخبرني عنه قوم ثقات، فقال (عليه السلام): يا محمد، كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسّامة. فقال لك قولاً، فصدقه وكذبهم! ولا تذيعن عليه شيئاً تشينه به، وتهدم مروءته، فتكون من الذين قال الله: (إنّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم...)(14) (15).

المراد بخمسين قسّامة: خمسون رجلاً يشهدون على شيء، ثم يحلف كل واحد منهم على طبق شهادته، هذا إن كانت القسامة ـ في لفظ الحديث ـ بدلاً عن الخمسين.. أما إن كان بالإضافة فهي ألفان وخمسمائة رجل يشهدون ويحلفون!! ان القسامة خمسون، فخمسون قسامة: ألفان وخمسمائة.

فيكون من سفه الكلام، حتى أنّ هذا العدد الضخم، لا يعتني بقوله، قبال قول المشهود عليه.

وكيف يمكن ذلك؟!

ألم يعتبر الإسلام شاهدين لاثبات الحقوق ـ غالباً ـ؟

والجواب:

إنّ هناك مقامين:

ا ـ مقام الشهادة، وفيها يعتبر شاهدان، كما ذكر.

ب ـ مقام ترتيب الآثار على أقوال الناس، في غير مقام الشهادة والحقوق فمثلاً: لو قيل لك: فلان كاذب.. أو يغش.. أو أكل أموال الناس بالباطل، فلا يعتني بأقوال هؤلاء إلا في مقام الشهادة والحقوق، فالصفاء الإسلامي لا يكدره أقوال عابرة، وإن تراكمت إلى حدّ القسّامة.

نعم.. المؤمن كيس يقدر اُموره حتى لا يقع في مهوى أو يسقط في مغرٍ.. فعليه أن يتحرّى في اُموره، فلا يعتمد على من تلوكه الألسنة، بالسوء، ولا يسلّطه على مال أو عرض أو أمر.

وهذا أمر ثالث غير المقالين السابقين

فإذا سمعت إنّ فلاناً شارب الخمر.. لا تقطع صلتك عنه لأقوال الناس... أما إنّه إذا خطب كريمتك، فلا تعطه حتى تتحقق.

كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) لولده إسماعيل، في القصة المشهورة...

وعلاج النمام ما صنعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بمن نمّ إليه: فقد روي: (أنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسعى إليه برجل، فقال (عليه السلام): يا هذا، نحن نسأل عمّن قلت، فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك.

قال: أقلني يا أمير المؤمنين)(16).

والنميمة من الفساد الذي نهى الله عنه، فقال: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)(17).

الشماتة

من الناس من يتربّص بأخيه الدوائر حتى إذا وقع فيها أظهر الفرح والسرور وسلقه بألسنة حداد.

ولماذا؟ لأنه أساء إليه ـ إساءة حقيقية أو خيالية ـ أو لأنه لم يتبع نظره في حركة أو عمل.

وهل الشامت لم يسئ إلى أحد؟ أو هل هو تتبع نظر الناس في حركاته وأعماله؟ ثم هل يأمن من طوارق الدهر وحوادث الأيام فتدار كأس الشماتة عليه؟.

كلا.. لا ذا ولا ذاك ولا ذلك وإنّما هو مغرور.

والإسلام يبشره بأن الدائرة عليه إن شمت بأخيه والتجربة تدل على مدى صدق هذه الأخبار وكل أخبار الإسلام صادقة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تبدي الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويحلّها بك)(18).

وقال (عليه السلام): (من شمت بمصيبة نزلت بأخيه، لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن)(19).

وقل للشامتين بنا رويدا          سيلقى الشامتون كما لقينا

ثم.. لنفرض أنّه فرح ورقص وعربد. فماذا؟.

إنّه يدل على خفّة نفسه، وقلّة عقله، وضآلة عاطفته وأخيراً: على عدم إنسانيته فالإنسان يألم لألم الإنسان لا إنّه يفرح.

وكذلك الصفات الرذيلة كلها تدل على ضآلة نفسية المتصف وضحالة روحه،! قبل أن تدلّ على شيء آخر.

أرأيت الجبن والبخل والحسد؟ أليست تدل على نقص المتصف قبل أن يضر الفقير والمحسود، وقبل أن يفت الجبان في عضد من ينصره.. وهكذا الشماتة تضرّ الشامت قبل أن تؤذي المشموت به.

المجادلة

الجدال: هو أن تريد التغلب في الكلام على طرف الحديث، فتقول وتقول لإثبات ما ارتأيته حقّاً كان أم باطلاً ـ في قرارة نفسك ـ

وما يبغي المجادل من جداله؟.

إنّه يريد أوّلاً وآخراً ـ انتصار نفسه.. أما أنه يريد إظهار الحق ودحض الباطل فلا تجد له في عشرة آلاف مجادل شخصاً واحداً.

والدليل على ذلك: إنّك إن راجعت ما سبق لك من مجادلات تيقنت أنّ العامل الظاهر ـ والخفي ـ كان حبّ الغلبة فحسب.

وعلى أيًّ.. فما نفع المجادلة؟.

هل تزعم بأنّ طرفك يعترف بأنّك على حق؟.

نعم تزعم أنت ذلك ـ إذا كنت نيّاً غير ناضج ـ أما الخبراء بعلم النفس فلا يشكون بأن الجدال لا يزيد المخالف إلا إصراراً، وربما أمكن إقناعه بالحق لولا الجدال أما مع الجدال فلا يقتنع وإن رأى الحق رؤي العين.

أو هل تزعم أنّه يعترف بقدرتك على الكلام؟

نعم.. تزعم ذلك إن كنت قليل الحظ من الإدراك.

فاعلم.. إنّه لا يقوم من عندك إلاّ وأنّه يردّد في نفسه إنّك سخيف وإنّ كلامك هراء وإنّ منطقك فارغ عن كلّ ميزان.

أو هل تزعم إنّه يعترف بعظمتك وعلمك؟.

نعم.. تزعم ذلك إنْ كنت من البدو الجاهلين؟!

أما اذا كنت تعرف حقائق النفوس فلا تشك أنّك بالمجادلة، تصغر نفسك في نظر الطرف الآخر وتبرهن أنّك قليل الحظ من الثقافة والأخلاق.

ولذا نرى الإسلام يؤكّد على ترك الجدال أشدّ تأكيد، إنّه بنظر الواقع ـ مع عدم جدواه ـ يهيج العواطف ويثير العداء والبغضاء وربّما جرّ إلى أبشع عاقبة وأوخم فساد.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من جادل في الخصومة بغير علم لم يزل في سخط حتى ينزع)(20).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ أبغض الرجال إلى الله: الألدّ الخصم)(21).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أتاني جبرائيل قط إلا وعظني، فآخر قوله لي إياك ومشادّة الناس فإنها تكشف العورة وتذهب بالعز)(22).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (إياكم والمراء والخصومة، فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان وينبت عليهما النفاق)(23).

فإن الشخص إذا جرح كبرياء أخيه لم يزل حتى ينقلب عليه عدوّاً وإن كان أخاه من أبيه وأمه، وقد قيل ـ لأحد الحكماء ـ هل صديقك أحب إليك أم أخوك، قال: إنما اُحبّ أخي لأنه صديقي! وتجربة واحدة كافية لمعرفة مدى المجادلة في تعكير صفو الأخوان.

وهل تعلم مدى كلمة (الآن أبيّن لك) في تجريح العاطفة مع بساطتها جدّاً وأنها أقل كلمة تقال عند الجدال؟ إنّ معناها: (إنك أيها المخاطب لا تعلم وإنّي أعلم ولي القدرة على بيان ما قلت وتبيّن بعد ذلك إنّك كنت على خطأ وأنا على صواب).

وهل ترضى أنت بأن يقول لك المخاطب هذه المقالة؟ كلا! فاعلم أنّ المخاطب مثلك لا يرضى!!

وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام): (ويل امّه فاسقاً من لا يزال ممارياً، ويل امّه فاجراً من لا يزال مخاصماً، ويل امّه آثماً من كثر كلامه في غير ذات الله)(24).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تمارين حليماً ولا سفيهاً، فإنّ الحليم يقليك والسفيه يؤذيك)(25).

وقال (عليه السلام): (إياكم والمشادّة فإنها تورث المعرة وتظهر العورة)(26) وقال (عليه السلام): (إياكم والخصومة فإنها تشغل القلب وتورث النفاق وتكسب الضغائن)(27).

لكن هل يقلع الإنسان؟.

كلا! إنّ حبه للظهور ورغبته في إظهار علمه يمنعانه من ترك الجدال، وكثيراً ما يقول: إنّه لإظهار الحق!

فليسمع إلى كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث من لقي الله تعالى بهن دخل الجنة من أي باب شاء:

ا ـ من حسن خلقه.

ب ـ وخشي الله في المغيب والمحضر.

ج ـ وترك المراء وإن كان محقّاً)(28).

فهل سمعت؟ لكن حب الظهور مانع عن العمل بهذا الحديث..

وكيف نتمكن من قلع جذور حب الظهور؟ بالمجاهدة الطويلة فإن الإنسان يحب أن يعرّف نفسه بقلم أو لسان أو جاه أو جمال، أو.. فليجاهد طويلاً! جهاراً أهون منه الجهاد مع الأعداء بالسيف والرمح حتى يموت حب الظهور.

وبعد ذلك. فليطب الإنسان الكلام فإنه مجلبة للحب وسبب للأُلفة ولذا أكّد الإسلام عليه غاية التأكيد حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يمكّنكم من الجنة: طيب الكلام، وإطعام الطعام)(29).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام وأطاب الكلام)(30).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الكلمة الطيبة صدقة)(31).

ويروى عن المسيح العظيم (عليه السلام): (أنّه مرّ به خنزير، فقال: مر بسلامة، فقيل له: يا روح الله تقول هذا للخنزير؟ فقال: أكره أن أُعوّد لساني الشر)(32).

وكم في المجتمع ـ اليوم ـ من يطيّب الكلام ويطعم الطعام؟.

قليل.. وقليل جداً وكذا ترى الضغائن والأحقاد والعداوات والمهاترات.

الاغتياب

(أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه...)(33). هكذا يقول القرآن الحكيم في ذم الغيبة.. وما هي الغيبة؟.

انها كما حدّدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ذكرك أخاك بما يكره)(34).

فلو قلت: إنّه كذوب، أو مغتاب، أو شريب أو مقامر أو وسخ أو جبان أو بخيل أو متكبر أو صغير النفس أو أناني أو.. أو.. كان غيبة وتنقيصاً.. أليس يكره هذا الكلام؟.

وبعض الناس الذين أُولعوا بالغيبة يقولون ـ تبريراً لموقفهم ـ: لا نتحاشى من ذكر هذه الصفات أمام من نتكلم عليه.. وهل هذا من المبررات؟ كلا! بل انهم جاهلون أو متجاهلون.. فليست معصية تبرر معصية، إنّ ذكر الأخ بالسوء في حضرته إهانة ـ وهي محرمة ـ وذكره في غيبته اغتياب وهو محرم ـ فهل يبرر أحدهما الآخر؟ كلا! بل عقابه ضعفان.

ومنهم من يقول: إنّ الأخ لا يكره، فهل تصح مقالته؟ كلا إنّ كل أحد يكره ذكر مساوئه.. ولو فرض أنّه لا يكره.. أفليس هذا تنقيصاً للمسلم؟ وهو بدوره محرم وإن كان المذكور فيه لا يكره.. أفليس التنقيص مخالفاً للأخوة الإسلامية؟ وهل تحب أنت أن ينتقصك أحد؟ ألم يأمر الإسلام (أحبّ لأخيك ما تحب لنفسك)؟.

وقد حذر الإسلام من الغيبة تحذيراً كبيراً.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، ومن العرض الاغتياب.

وقال (صلى الله عليه واله وسلم): إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، فإن الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه)(35).

ولنقف قليلا لنعرف معنى الحديث...

هذا الحديث يدل على إنّ الغيبة أشدّ من الزنا.

وحديث آخر يدل على أن درهماً من الربا كسبعين زنية.

وحديث آخر يدل على أن كذا. أشدّ من القتل.

وهكذا أحاديث...

فهل هذه الأحاديث على ظاهرها؟ إذا: فما معنى ما ارتكز في أذهان المسلمين من بشاعة الزنا بما لا يوصف بينما لا يروى للربا والغيبة مثل هذه البشاعة؟ هل لأنهم جاهلون بالشريعة، أم لأنهم يستسهلون ما يرتطمون فيه من المآثم ـ كالغيبة ـ دون غيرها مما اعتادوا على التجنب عنه ـ كالزنا ـ؟ أم لأنهم يعرفون لحن الكلام فلا يحملون هذه الأحاديث إلا على القدر الذي يلائم روح الشريعة من المعنى والمغزى؟.

إنّ الذي يقرب ـ بنظري ـ هو الأمر الثالث، وإنّ هذه الأحاديث يراد بها أحد أمرين:

أ ـ المجاز بالمبالغة في الإثم تحذيراً من الاقتراف فإنّ الناس يستسهلون أمر محرمات ألفوها، فلا بد للشرع ـ مقدمة للإقلاع ـ أن يحذر بما أُوتي من طول وحول وهذا ليس من الكذب بل سيله سيل سائر أقسام المجاز. أرأيت لو خرج أكثر أهل البلدة لاستقبال قادم.. ثم قيل: خرج أهل البلدة، فهل ذلك من الكذب؟ كلا! إنّه مجاز وعلاقته المشابهة بين الجميع والغالب، كما إن علاقة جري الميزاب: الحال والمحل، وعلاقة عتق رقبة: الجزء والكل، وهكذا.. ومثل هذا التعبير: أي كون شيء أشدّ من شيء.

إنّما يعبر لإفادة الرفع الشديد على الشرع من الإثم الكذائي.. يقال: ان الأمر الكذائي أثر فيّ أكبر الأثر تعبيراً لما لاقاه الإنسان من الصعوبة، لا أنه أثـّر أكبر الأثر حقيقة.

والسر في هذا النحو من المجاز، إفادة مرتبة شديدة، بحيث لولا هذا التأكيد لظن أنّ الأثر ضعيف. أرأيت لو قال الشارع: الإغتياب محظور. لم يعرف السامع تأكد حرمته، بينما لو قال: إنّه أكبر من الزنا، عرف أنّه محرم شديد.

ب ـ أن يراد من هذه الأحاديث: كون الغيبة مثلاً أشدّ من الزنا، من بعض النواحي.

كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): في الحديث الأخير. وذلك لأن الأمور إنما تعتبر المفاضلة بينها من بعض الجهات، لا كل الجهات ـ غالباً ـ فلو قال الصياد: إنّ هذه الغابة أفضل من تلك الغابة، أراد من حيث الصيد. ولو قال الحشاش: إنّ هذه البيداء خير من تلك أراد من حيث الحشيش. ولو قال المكاري: إنّ هذه الجادة أحسن من تلك أراد من حيث السير، وهكذا.

ولا يريد هؤلاء المفاضلة من جميع الحيثيات.

وهكذا يحمل كلام الرسول والأئمة (عليهم السلام): إنّهم يريدون المفاضلة من حيث.. لا على الإطلاق.

أرأيت لو قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): حمزة سيد الشهداء، أو قال ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. أو قال أو قال.. لا يريد الفضل بقول مطلق بل بالنسبة.

وهكذا هذه الأحاديث التي تفضل الإطعام على الصلاة.. أو تشدد في تحريم الربا والغيبة حتى تجعلهما أشدّ من الزنا...

ولنرجع إلى ما كنّا بصدده:

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مررت ليلة اُسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافرهم! فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم)(36).

وخطب (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً ـ حتى أسمع العواتق في بيوتها، فقال: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تذموا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته)(37).

وهذا طبيعي قدر ما هو عيني. فإن طبيعة الحال قاضية على أن من يتطلع إلى عورات الناس وخفايا أُمورهم، يتتبع الناس عورته وسرّه فإن رأوا سيئة ـ والإنسان لا يخلو من سيئة ـ أذاعوها، كما أذاع هو سيئاتهم جزاءً وعقاباً.

وخطب (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ يوماً ـ: (فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: إنّ الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإنّ أربى الربا عرض الرجل المسلم)(38).

ومرّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على قبرين يُعذّب صاحباهما، فقال:

(إنّهما ليعذبان في كبيرة أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يستبرىء من بوله، ودعا بجريدة رطبة أو جريدتين، فكسرهما ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر، وقال: أما انه يهون من عذابهما ما كانتا رطبتين)(39).

إنّ الجريدة الرطبة تهون العذاب كما في أحاديث. ولم ذاك؟ الأحسن ان نعترف بأنه لم يصل العلم بعد ذلك إلى كشفه، وكم للعلم من مضمار لم يصل بعد إلى آخره إنّ عذاب البشر أمر كشف عنه الشرع، وطرده بالجريدة أمر كشف عنه الشرع أيضاً. أما كيف ذلك؟ فلا نعلمه وكم كان الجاهلون ينكرون أشياء ثم وصل إليها العلم فاعترفوا بها، بينما سبقهم الإسلام إلى الكلام عنها قبل قرون والعلم الذي لا نبصره ولا نعلم منه إلا أُموراً بسيطة مما يعترف به العلم انظر (القرآن والعلم الحديث) تحت عنوان (عالم نراه وعالم لا نراه).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من مشى في غيبة أخيه وكشف عورته، كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم، فكشف الله عورته على رؤوس الخلائق ومن اغتاب مسلماً بطل صومه ونقض وضوءه، فإن مات وهو كذلك، مات وهو مستحل لما حرّم الله)(40).

بطلان الصوم والوضوء: عبارة عن عدم قبولهما كما يأتي في حديث آخر، واستحلاله لما حرم الله: بمعنى ارتكابه محرّماً.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم، من الآكلة في جوفه)(41).

وكم تفسد الآكلة في الجوف؟ بقدر ذلك تفسد الغيبة من الدين.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الجلوس في المسجد إنتظاراً للصلاة عبادة، ما لم يحدث.

فقيل: يا رسول الله، وما الحدث؟.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): الاغتياب)(42).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من اغتاب مسلماً أو مسلمة، لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين يوماً وليلة إلا أن يغفر له صاحبه)(43).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من اغتاب مسلماً في شهر رمضان، لم يؤجر على صيامه)(44).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب في النار خالداً فيها وبئس المصير)(45).

والاغتياب بما ليس فيه هو الاتهام. وإنّما نطلق عليه الغيبة لأنه كلام في غيبة المتكلم عليه.

ويوضحه هذا الحديث:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: له: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته)(46).

وروي (أنه ذكر رجل عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: ما أعجزه؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اغتبتم أخاكم! قالوا: يا رسول الله قلنا ما فيه! قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه)(47).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد)(48).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما عمر مجلس الغيبة إلا خرب في الدين فنزهوا أسماعكم من استماع الغيبة، فإن القائل والمستمع لها شريكان في الإثم)(49).

ويؤكد كون المستمع شريكاً في الإثم أحاديث أُخر.

روي: (أنّه (صلى الله عليه وآله وسلّم) لمّا رجم ماعزاً في الزنا، قال رجل لآخر: هذا أقعص كما يقعص الكلب. فمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معهما بجيفة فقال: انهشا من هذه الجيفة! فقالا: يا رسول الله ننهش جيفة؟ فقال: ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه)(50).

وروي: (إنّ أحد الصحابة قال للآخر: إنّ فلاناً لنؤوم، ثم طلبا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أداماً ليأكلا به الخبز، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قد أئتدمتما! فقالا: ما نعلمه؟! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بلى إنكما أكلتما من لحم صاحبكما)(51).

وكثيراً ما يقول المغتاب: أنا رأيت منه ذلك أو سمعت تبريراً لغيبته فليسمع إلى الإمام الصادق (عليه السلام) حيث يقول: (من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز وجل: (إنّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم...)(52) (53).

وقال (عليه السلام): (من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان)(54).

وقال (عليه السلام): (من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان)(55).

وقال (عليه السلام): (الغيبة حرام على كل مسلم، وإنّها لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)(56).

ومن أشدّ الأحاديث المحذرة عن الغيبة قوله (عليه السلام): (كذب من زعم أنّه ولد من حلال وهو يأكل من لحوم الناس بالغيبة)(57).

والظاهر أن يراد بذلك إشراك الشيطان في نطفته فدوام الغيبة من علائم ذلك.

هذا في الغيبة.

أما البهتان فهو أعظم منها وأعظم..

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تل من نار حتى يخرج مما قال فيه)(58).

وهل له مخرج؟ هيهات هيهات؟!؟!

وقال الامام الصادق (عليه السلام): (من بهت مؤمناً أو مؤمنةً بما ليس فيه بعثه الله عز وجل في طينة خبال حتى يخرج مما قال.

قال الراوي:

قلت: وما طينة خبال.

قال: صديد يخرج من فروج المومسات)(59) أي الزانيات

نعم...

قد استثني من حرمة الغيبة موارد: ككون المتكلم مظلوماً أو مريداً للاستعانة لدفع منكر أو نصح مستشير أو قدح مقالة باطلة أو الشهادة على فاعل المحرم. أو ما أشبه لكن كل ذلك بقدر وشروط مذكورة في كتب الفقه.

الكذب

كل التواء في قول أو عمل، يمقته الإسلام، كما يذمه العقل.

والكذب من أبشع مصاديق الإلتواء، فإنه أُم كل شيء وجرثومة كثير من الرذائل، فالنفاق، وذو الوجهين، والتملّق، ومدح من لا يستحق المدح، وأشباه ذلك.. ولائد الكذب.

ولا يكذب الإنسان إلا لخفة في نفسه، والتواء في باطنه، وانهزام في روحه وإلا فالصريح المستقيم، لا يحتاج إلى الكذب.

ولم يكذب؟

لأنه يريد ابتزاز مال، أو إحتكار جاه، أو إبقاء خير أو تجنّب خطر.

وهل يوفّر الكذب ما ظنّه؟.

كلا! بل ـ بالعكس ـ الكذب فيه كل هلكة وانحطاط وانهيار، والصدق ـ وهو ضدّه ـ فيه كل نجاة ورفعة وسموّ وقديماً قيل:

(النجاة في الصدق، والهلاك في الكذب).

نعم.. ربما وفّر الكذب خيراً مزعوماً، ولكن الكذوب سرعان ما يزول عنه جلباب الالتواء، فينظر إليه الناس على صورته البشعة، فيقليه القريب، ويتجنب عنه البعيد، ويلفظه كل دان وقاص، ولا يقم أحد لكلامه وزناً، ولمقاله اعتباراً وقيمة.

وعلى أي، فالإسلام يحارب الكذاب والكذابين حرباً شعواءً.

ففي القرآن الحكيم: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله...)(60).

وقال سبحانه: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)(61).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إياكم والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار)(62).

وهذا شيء واضح، فإن الكذب يوجب الالتواء، ولا مانع لدى الكذوب أن يعمل إجراماً، لأنه يأمن من مغبته، أليس يقدر على الكذب؟ إذا سئل عنه؟.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (المؤمن إذا كذب من غير عذر، لعنه سبعون ألف ملك، وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش، فيلعنه حملة العرش وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية، أهونها كمن زنى مع أمه)(63).

وقد تقدم معنى هذه المفاضلة وأسبابها في بحث سابق.

وفي أمثال هذه المفاضلات إحتمال ثالث لم نذكره هناك، لا بأس بذكره:

وهو إنّ للأمور المندوبة أجرين، وللأشياء المبغوضة عقابين: الأصل، واللوازم.

فمثلا: لقراءة القرآن كاملاً أجر ألف دينار، وتفضّل مائة ألف دينار.. وللزنا عقوبة مائة سوط، وزيادة عشرة آلاف لما يكتنفه من انتهاك حرمة الله تعالى، وإفساد المرأة وإضاعة النسل وما أشبه.

فإذا ورد في الحديث: إنّ قارىء (قل هو الله أحد)(64) ثلاث مرات يعطي من الأجر قدر قارىء تمام القرآن، يراد به الأصل لا التفضل.

كما لو أنّ الكذب عقابه أشدّ من الزنا، كان المراد اشد من عقوبة الزنا الأصلية.

وهذا موجود في العرف، فإن سب رئيس السلطة، وان كان بما هو سب لا يستحق أكثر من غرامة أو عقوبة ضئيلة، ولكنه بما هو سبّ الرئيس الملازم لهنات وانتهاك حرمات، يستحق مرتكبه عقوبة كبيرة وغرامة ثقيلة.

كما إن إهداء ضئيلاً إلى كريمٍ، إن كان بما هو هو، لا يقابل إلا بقدره أو أكثر من قدره بقليل إلا ان الإهداء بما هو إلى كريم يكون مقابله أضعاف أضعاف ذلك.

إذاً فما ورد في الأحاديث من بعض المفاضلات، محمول على هذا المعنى.

ونعود ثانياً إلى الكذب وعقابه وذمّه.

سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يكون المؤمن جباناً؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم.. قيل: ويكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل: ويكون كذّاباً؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا)(65).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (كبرت خيانة أن تحدّث أخاك حديثاً هو لك به مصدّق، وأنت له به كاذب)(66).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الكذب ينقص الرزق)(67).

وكيف؟ إنّ الكاذب يجنب، وتجنب الناس ـ بدوره ـ يوجب قلة الكسب وهي تنقص الرزق. وهذه القضايا قضايا حقيقية (في اصطلاح المنطقيين) ككون الدواء الفلاني يوجب الصحة من المرض الكذائي، فلا ينافي ذلك عدم الاطراد والانعكاس.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك به القوم ويل له، ويل له!!!)(68).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (رأيت (من الرؤيا في النوم) كأنّ رجلاً جاءني، فقال لي: قم. فقمت منه، فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس وبيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس، فيجذبه حتى يبلغ به كاهله! ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمدّه. فإذا مدّه رجع الآخر كما كان!

فقلت للذي أقامني: ما هذا؟  !

فقال: هذا رجل كذّاب يعذّب في قبره إلى يوم القيامة!)(69).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟

الإشراك بالله، وعقوق الوالدين... وقول الزور...)(70) أي الكذب.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ العبد ليكذب الكذبة، فيتباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به)(71).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ للشيطان كحلاً، ولعوقاً، ونشوقاً. فأمّا لعوقه فالكذب، وأما نشوقه فالغضب، وأما كحله النوم)(72).

إنّ الحديث تشبيه.. أو حقيقة، وكم من حقائق لا ندركها!.

ثم إنّ الإنسان قد يكذب في الهزل، زاعماً إنه هزل فأي ضرر يتولد منه؟ لكن الهزل كثيراً ما صار ملكة، ثم بقي بعده دور الجد.. ثم أي دافع يدفع الإنسان للكذب ولو في الهزل، أليس يمكن المزاح بغير الكذب؟

يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا يجد العبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجدّه)(73).

وقال (عليه السلام) ـ لعبد ذم الكذب ـ: (أعظم الخطايا عند الله: اللسان والكذب، وشرّ الندامة: ندامة يوم القيامة)(74).

وقال الامام السجاد (عليه السلام): (إتقوا الكذب الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل، فإن الرجل اذا كذب في الصغير، اجترأ على الكبير)(75).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (إن الله عز وجل جعل للشرّ أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شرّ من الشراب)(76).

إن من شرب الخمر، فلعبت برأسه، لا مانع لديه من انتهاك أي حرمة، واقتراف أي جريمة، وارتكاب أي منكر. أليس المانع كان هو العقل؟ إذاً: ذهب بذهابه.

ثم.. كلما يأتي من الشرب ليس مثل ما يأتي من الكذب، أليس بالكذب يقتل الألوف وتهتك أعراض؟ إنّ القائد الذي يكذب ـ تحفّظاً على كيان نفسه ـ فيرسل العساكر باسم إنهم أعداء، أليس يفعل كل ذلك لكِذب كَذبه؟. وهكذا...

وقال (عليه السلام): (إنّ أوّل من يكذّب الكذّاب: الله عز وجل، ثمّ: الملكان اللذان معه، ثمّ: هو يعلم إنه كاذب)(77).

وقال الإمام العسكري (عليه السلام): (جعلت الخبائث كلها في بيت، وجعل مفتاحها الكذب)(78).

هذا شأن الكذب بصورة عامة.

أما الكذب على الله والرسول والأئمة (عليهم السلام) فهو أشدّ أنواع الكذب وسببه واضح، فإنّ قولهم وفعل النبي والأئمة (عليه السلام) وتقريرهم حجة يلزم أن يؤخذ بها فالكذب عليهم ذو أثر كبير.

قال الامام الصادق (عليه السلام): (إن الكذبة لتفطر الصائم.

قال الراوي: وأيّنا لا يكون ذلك منه؟.

قال (عليه السلام): ليس حيث ذهبت، إنما الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله، وعلى الأئمة عليهم السلام)(79).

قال (عليه السلام): (الكذب على الله، وعلى رسوله من الكبائر)(80).

وذكر عند الامام الصادق (عليه السلام) الحائك، وكونه ملعوناً...

فقال (عليه السلام): (إنما ذلك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله)(81).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنفيّة)(82) أي الإسلام.

ومن الكذب الذي يتساهل بشأنه: الكذب في حكاية المنام مع أنه لا يفرق عن سائر أقسام الكذب، فإن الكذب قول خلاف الواقع سواء كان حكاية عن يقظة أو منام أو عن أمر ماض أو مستقبل.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن من أعظم الفرية فرية: أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينيه في المنام ما لم ير، أو يقول علي ما لم أقل)(83).

ولعل جعله من أعظم الفرية ما كانوا يرتبون على المنام من شحناء وقطيعة، وما أشبه كما هو مذكور في محله.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كذب في حلم كلّف يوم القيامة: أن يعقد بين شعيرتين)(84).

وليس الكذب خاصّاً بالقول، بل الإشارة والكتابة والمرض، كلها من أقسام الكذب.

كما أن من أقسام الكذب:

شهادة الزور، بل هذا الكذب من أشدّ المحرمات، لأنه ليس كذباً فحسب، بل سبب لنقل الحقوق من مكانها، وإلحاق الأولاد بغير آبائهم. وهكذا.. وهكذا.

يقول القرآن الحكيم في مدح المؤمنين:

(والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً)(85).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (شاهد الزور كعابد الوثن)(86).

ومن أقسام الكذب: اليمين الكاذبة:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (التجار هم الفجار.

فقيل: يا رسول الله، أليس الله قد أحلّ البيع؟

فقال: نعم.. ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدّثون فيكذبون)(87).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث نفر لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر اليهم، ولا يزكّيهم: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف، والفاجر المسبل إزاره)(88).

وإسبال الأزار كبرياءً محرّم في الشريعة ـ كما لا يخفى ـ.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما حلف حالف بالله، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة، إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة)(89).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ثلاث يشنأهم الله: التاجر أو البائع الحلاّف، والفقير المختال، والبخيل المنان)(90).

ومن أقسام الكذب خلف الوعد.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد)(91).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أربع من كن فيه كان منافقاً، ومن كانت فيه خلة منهن، كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(92).

وقال الامام الصادق (عليه السلام): (عِدة المؤمن أخاه نذر لا كفّارة له فمن أخلف فبخلف الله تعالى بدر، ولمقته تعرّض. وذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(93) (94).

 

1 ـ سورة القلم: آية 11 ـ 13.

2 ـ بحار الأنوار: 75/265، ب: النميمة والسعاية ـ جامع السعادات: 2/275.

3 ـ بحار الأنوار: 75/268، ب: النميمة والسعاية ـ جامع السعادات: 2/275.

4 ـ جامع السعادات: 2/275.

5 ـ جامع السعادات: 2/275.

6 ـ بحار الأنوار: 75/212، ب: تتبع عيوب الناس ـ جامع السعادات: 2/275.

7 ـ جامع السعادات: 2/275.

8 ـ جامع السعادات: 2/275.

9 ـ جامع السعادات: 2/276.

10 ـ جامع السعادات: 2/276.

11 ـ سورة الأنعام: آية 65.

12 ـ جامع السعادات: 2/279.

13 ـ بحار الأنوار: 75/216، ب: تتبع عيوب الناس ـ جامع السعادات: 2/276.

14 ـ سورة النور: آية 19.

15 ـ جامع السعادات: 2/278.

16 ـ بحار الأنوار: 75/266، ب: النميمة والسعاية ـ جامع السعادات: 2/279.

17 ـ سورة البقرة: آية 27.

18 ـ جامع السعادات: 2/281.

19 ـ جامع السعادات: 2/281.

20 ـ جامع السعادات: 2/284.

21 ـ جامع السعادات: 2/285.

22 ـ جامع السعادات: 2/285.

23 ـ جامع السعادات: 2/285.

24 ـ جامع السعادات: 2/285.

25 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 2/285.

26 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 2/285.

27 ـ أصول الكافي: 2/301 ـ جامع السعادات: 2/285.

28 ـ أصول الكافي: 2/300 ـ جامع السعادات: 2/286.

29 ـ جامع السعادات: 2/286.

30 ـ جامع السعادات: 2/286.

31 ـ جامع السعادات: 2/286.

32 ـ جامع السعادات: 2/286.

33 ـ سورة الحجرات: آية 12.

34 ـ جامع السعادات: 2/293.

35 ـ بحار الأنوار: 75/252، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/302.

36 ـ بحار الأنوار: 75/222، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/302.

37 ـ بحار الأنوار: 75/208، ب: تتبع عيوب الناس ـ جامع السعادات: 2/303.

38 ـ بحار الأنوار: 75/222، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/303.

39 ـ جامع السعادات: 2/303.

40 ـ جامع السعادات: 2/303.

41 ـ بحار الأنوار: 75/220، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

42 ـ بحار الأنوار: 75/220، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

43 ـ بحار الأنوار: 75/258، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

44 ـ بحار الأنوار: 75/259، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

45 ـ بحار الأنوار: 75/248، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/293.

46 ـ بحار الأنوار: 75/222، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/293.

47 ـ جامع السعادات: 2/293.

48 ـ بحار الأنوار: 75/259، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

49 ـ بحار الأنوار: 75/259، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

50 ـ جامع السعادات: 2/297.

51 ـ جامع السعادات: 2/294.

52 ـ سورة النور: آية 19.

53 ـ بحار الأنوار: 75/248، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

54 ـ بحار الأنوار: 75/216، ب: تتبع عيوب الناس ـ جامع السعادات: 2/305.

55 ـ بحار الأنوار: 75/251، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/305.

56 ـ جامع السعادات: 2/305.

57 ـ بحار الأنوار: 75/248، ب: الغيبة ـ جامع السعادات: 2/304.

58 ـ جامع السعادات: 2/315.

59 ـ بحار الأنوار: 75/244 ـ جامع السعادات: 2/315.

60 ـ سورة النحل: آية 105.

61 ـ سورة التوبة: آية 77.

62 ـ جامع السعادات: 2/322.

63 ـ جامع السعادات: 2/322.

64 ـ سورة الإخلاص: آية 1.

65 ـ جامع السعادات: 2/322.

66 ـ جامع السعادات: 2/322.

67 ـ جامع السعادات: 2/322.

68 ـ جامع السعادات: 2/322.

69 ـ جامع السعادات: 2/322.

70 ـ جامع السعادات: 2/322.

71 ـ جامع السعادات: 2/322.

72 ـ جامع السعادات: 2/323.

73 ـ جامع السعادات: 2/323.

74 ـ جامع السعادات: 2/323.

75 ـ جامع السعادات: 2/323.

76 ـ جامع السعادات: 2/323.

77 ـ أصول الكافي: 2/339 ـ جامع السعادات: 2/323.

78 ـ جامع السعادات: 2/323.

79 ـ أصول الكافي: 2/339 ـ جامع السعادات: 2/323.

80 ـ أصول الكافي: 2/339 ـ جامع السعادات: 2/323.

81 ـ أصول الكافي: 2/340 ـ جامع السعادات: 2/324.

82 ـ جامع السعادات: 2/324.

83 ـ جامع السعادات: 2/331.

84 ـ جامع السعادات: 2/331، البحار: 76/359، ب: جوامع نواهي النبي (ص).

85 ـ سورة الفرقان: آية 72.

86 ـ جامع السعادات: 2/331.

87 ـ جامع السعادات: 2/331.

88 ـ جامع السعادات: 2/331.

89 ـ جامع السعادات: 2/331.

90 ـ جامع السعادات: 2/331.

91 ـ أصول الكافي: 2/364 ـ جامع السعادات: 2/331.

92 ـ بحار الأنوار: 75/94، ب47 ـ جامع السعادات: 2/332.

93 ـ سورة الصف: آية 2 ـ 3.

94 ـ بحار الأنوار: 75/96، ب47 ـ جامع السعادات: 2/331.