الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

المعاشرة الحسنة

نقل أحد الشخصيات العلمية الذي كان قد سافر إلى سوريا لزيارة السيدة زينب سلام اللّه عليها: انّه راى المرحوم السيد محسن الأمين صاحب (أعيان الشيعة) في سوق الحميدية بالشام، وهو في تشييع جنازة أحد علماء العامّة.

قال: فلحقته وسلمت عليه وصحبته حتى وصلنا إلى المسجد الأموي، فامتلأ المسجد بالمشيعين وتقدم السيد الأمين للصلاة عليه - بطلب من أولياء الميت - ولمّا أتمّ الصلاة ازدحم الناس عليه يحيّونه ويقبلون يديه.

فتعجبت من ذلك وسألت السيد قائلاً: أو ليس هؤلاء من العامة، فكيف طلبوا منك الصلاة على جنازة عالمهم؟

ثمّ كيف يقبّلون يديك وهم يعلمون بأنّك من علماء الشيعة وشخصياتهم؟

فأجاب السيد: إنّ ذلك كلّه نتيجة الرفق بهم والمداراة طوال عشرة سنين.

ثمّ واصل كلامه وقال: إني لما قدمت الشام أغرى بعض الجهال بي أشد المخالفين عليّ، ليؤذونني حتى إنّهم علّموا أطفالهم يرمونني في السوق بالحجارة، ويسحبون عــمامتي من رأسي أحياناً من الخلف، فصبرت على ذلك، وقابلت مسائهم بالإحسان، وأذاهم بالغفران، وشيّعت جنائزهم، وعدت مرضاهم، وتفقدت غائبهم، وعاشرت حاضريهم بوجه منطلق، حتى تبدّل البغض حباً، والعداء ودّاً، والفرقة الفة وإنسجاماً.

مع شاعر أهل البيت (ع)

يقال: أن المرحوم السيد حيدر الحلي - شاعر أهل البيت، المعروف بولائه وجودة شعره - دخل يوماً على الميرزا محمد حسن الشيرازي (قدس سرّه ) قائد ثورة التنباك، وألقى عليه قصيدة كان قد نظمها بالمناسبة، فأمر له الميرزا بجائزة قدرها عشرون ليرة ذهبية.

فقال له ابن عمه الميرزا إسماعيل الشيرازي (قدس سرّه ) - وكان هو أيضاً شاعراً قديراً وعالماً نحريراً وقد حصل لجدارته مرتبة مشاورة الميرزا -: ان السيد حيدر هو شاعر أهل البيت ومن أبنائهم، وصلة شعراء أهل البيت أكثر من ذلك، وجائزتهم أكبر.

فقال له الميرزا: صدقت يا ابن العم، ثمّ أمر له بجائزة قدرها ستمائة ليرة ذهبية.

الساعات الأخيرة

قيل لصاحب الفصول: إذا علمت انّ أجلك قد اقترب، ولم يبق من حياتك إلاّ ساعات قليلة، فماذا كنت تصنع فيها؟

إنه سؤال دقيق يرتبط بأمر مصيري بالنسبة إلى الإنسان، فإنّ آخر ساعات الحياة هي التي يتمكّن فيها الإنسان - بما يفعله من خير - أن يقرّر سعادته في تلك الدار الآخرة، فإنّ من إختتم عمره بعمل صالح ختم له بخير(1)، وفي الدعاء: (واجعل أفضل أعمالنا عند اقتراب آجالنا) فما هو أفضل الأعمال حتّى يجعلها عالم جليل كصاحب الفصول خاتمة عمره؟ فهو إذن سؤال دقيق طرحه سائل ذكيّ على رجل خبير، فلننظر ما هو جوابه؟

إلتفت صاحب الفصول إلى السائل وقال: كنت أجلس على دكّة باب الدار لأقضي حوائج الناس، فلعلّ محتاجاً يأتي ويطلب منّي حاجة فأقضيها له، حتّى ولو كانت حاجته طلب إستخارة.

وهذا الجواب مـــن هذا الـعالم الــجليل يدلّ على أهميّة قـــضاء حوائج الناس وإيصال النفع إليهم، فإنّ خير الناس أنفعهم للناس(2).

وهكذا أراد صاحب الفصول (قدس سره) في جوابه أن يكون خير الناس في عقباه، بإختتام عمره بخدمة الناس كما كان طيلة عمره في خدمتهم، ليعلمنا طريق السعادة ويرشدنا إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة.

أنفع الأعمال

قال لي أحد الأخيار: انه رأى والدي السيّد ميرزا مهدي (قدس سره) في المنام بعد وفاته، وهو بحالة جيّدة يُغبط لها، قال: فدنوت منه وسلّمت عليه وسألته: ما كان أنفع الأعمال الدنيويّة التي وجدتم ثوابها هناك؟

قال: كان أنفع الأعمال بحالي هو: ما كنت أعطيه للفقراء الّذين يقصدونني إلى داري ويريدون منّي مبالغ قليلة يستعينون بها على أمورهم - كما هي عادة الفقراء - فإن إسعافهم في ذلك اليوم كان أنفع الأعمال بحالي هذا اليوم.

ولعلّه هذا إرشاد إلى ما جاء في الروايات من تحريض الناس على عدم ردّ الفقير، فقد ورد الخبر بعدم ردّ السائل ولو كان على ظهر فرس(3)، كما ورد الخبر بأنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الجنّة لاُناس وقفوا أنفسهم لخدمة الناس وإسعاف الفقراء والمساكين.

تفقّد أحوال المسلمين

كان من دأب الميرزا الكبير - وكذا يكون دأب العظماء - هو: أن يفحص ويسأل عن أحوال أهل البلاد ويتفقّد شؤونهم، فإذا جاءه أحد من بلد لا يعرفه سأله عن مختلف شؤون ذلك البلد، عن عدد نفوسهم، وعن كيفيّة اقتصادهم، وثقافتهم ومعاملة الحكومة معهم، وعدد المسلمين وغير المسلمين هناك، وإلى غير ذلك من الأسئلة؟

وفي ذات يوم جاءه جماعة من البلاد البعيدة، فأخذ على عادته يتفقّد أحوالهم، فلمّا وصل السؤال إلى كيفيّة اقتصادهم، قال أحدهم: إنّنا من الفقر بمكان حتّى لا يستطيع كلّ واحد منّا الانفراد بزوجة خاصة، فنحن - مثلاً - ثلاثة عشر رجلاً ولنا زوجة واحدة.

قال الميرزا مندهشاً: ماذا قلت؟

فأعاد الكلام عليه قائلاً: نحن ثلاثة عشر رجلاً ولنا زوجة واحدة مشتركة بيننا.

فتأثّر الميرزا تأثّراً كبيراً وقال لهم: ألم تعلموا أنّ المرأة لا يحقّ لها إلا زوج واحد؟

قالوا: لا.

قال: أليس عندكم عالم أو رجل دين يرشدكم؟

قالوا: لا.

عندها طلب الميرزا من بعضهم البقاء في سامرّاء لتحصيل العلم، وقال مشوّقاً لهم: أخبروا أهل بلدكم: بأنّ من يأتي إلى هذه البلاد لطلب العلم، فإنّي مستعدّ لبذل نفقاته.

أقول: لقد سنّ الميرزا بعمله هذا سنّة حسنة، فإنّ قسماً من طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة وقم المشرّفة حالياً من ذلك المكان، وحيث إنّ ذكر بلدهم قد يكون خدشاً لكرامتهم أمسكنا القلم عن بيانه.

من شؤون المرجعيّة

لقد كان من عادة علمائنا المراجع أن لا يقطعوا الحقوق الشهريّة عن الطلبة غير المجدين رجاء استقامتهم واجتهادهم، مقتدين في ذلك بالإمام أمير المؤمنين (ع)، حيث لم يقطع إعطاء الخوارج من بيت المال، إلا حين حاربوا المسلمين وعاثوا في الأرض الفساد، وقد نفعه (ع) ذلك، بحفظ مثاليته، وبإتمام الحجّة على الخوارج، وبرجوع كثير منهم عن غيّه، وذلك لما شاهدوه من عدله وحسن تعامله، ونفع الحوزات أيضاً باستقامة كثير ممّن كانوا غير مجدين، ورجوعهم إلى الجدّ والاجتهاد وخدمة الإسلام والمسلمين.

كما انّه كان من عادة علمائنا المراجع أن لا ييأسوا كلّ اليأس عمّن انحرف عنهم، ولا يطمئنّوا كلّ الاطمئنان إلى من إنضمّ إليهم، وذلك اتّباعاً لما ورد عنهم (ع): لولا تثقّ بأخيك كلّ الثقة، فإنّ صرعة الإسترسال لن تستقال(4).

وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونظّمه في بيت فقال:

إحـــــذر عـــدوّك مرّة          وإحذر صديقك ألف مرّة

ولما رأوه من عدم يأس الرسول (ص) من المنحرفين في زمانه وقد إنخرط بعضهم بمرّ الزمان في سلك أقوى مؤيّديه وأعظم مناصريه.

واجبات اجتماعيّة

التجارب دلّت على انّ اللازم على الإنسان - خصوصاً العالم والحاكم - أن لا يعادي أحداً، مهما عاداه ذلك الشخص وناواه، إلا في موارد خاصّة أمره اللّه تعالى بمعاداته، وذلك للمثل المشهور المستفاد من الروايات والأحاديث الشريفة الآمرة بعدم الإستهانة بأمور مهما كانت تلك الأمور ضئيلة وقليلة - كالنار، والعداوة، والمرض - فإنّها وإن كانت تأتي في بادئ أمرها ضئيلة، لكنّها تستفحل وتطغى فلا يدري الإنسان ما يكون نهايتها؟ فربّما أحرقت نار صغيرة مدينة كبيرة، وربّما كانت كلمة جارحة سبباً لحرب طاحنة، وربما صار مرض بسيط بداية لوباء عظيم يسبّب موت آلاف من الناس.

تأليف القلوب

يقال: انه أدعي ذات مرّة رؤية هلال شهر رمضان عند العامة، في سامرّاء ولم يدّع رؤيته أحد من الشيعة فيها، فقام الميرزا المجدّد (قدس سره) بمبادرة حسنة فقال لمن عنده: أدعوا لي من يدّعي رؤيته من العامّة، فدعوهم له، فجاءوا وشهدوا عند الميرزا بأنهم قد رأوا الهلال وشرحوا له كيفيّة رؤيتهم له، ووفقاً لشهادتهم حكم الميرزا بالهلال.

فتعجّب بعض الناس من هذه البادرة وسألوا الميرزا عن السبب وانه كيف اعتمد في الحكم بالهلال على شهادتهم؟

فقال الميرزا: اني كنت قد رأيت الهلال بنفسي وثبت عندي شهر رمضان لكنّي أردت عبر هذه المبادرة جمع قلوب المسلمين، والتأليف بينهم.

وهكذا يكون أولياء اللّه، فإنّ علماء الشيعة دأبوا على إيجاد الألفة والتقارب بين المسلمين، فإنّ في تنفير القلوب منشأ كلّ فساد.

المرجع وموقفه من الناس

قيل: انه لما إتّخذ الميرزا الكبير المجدّد الشيرازي (قدس سره) من سامراء مقراً له ولمدرسته العلمية، ضاق ذلك على بعض السنّة، وفكّر المنحرفون منهم في إنزال الشرّ والسوء بالميرزا، ولذا حرضوا أولادهم برمي دار الميرزا بالحجارة، ثم تعدّى الأمر حتّى أخذوا يرمون دور الشيعة.

فوصل الخبر إلى بغداد وإنتشر بين الناس حتى وصل إلى مسامع الحكومة، وإذا بأربعة من السفراء ورجال الحكم: (الوالي العثماني) و (السفير الإيراني) و (السفير البريطاني) و (السفير الروسي) يقصدون سامراء للإتّصال بالميرزا وإستئماره فيما يجب أخذه من التدابير اللازمة.

لكن الميرزا أبدى عند التقائه بهم عدم إهتمامه بالأمر ممّا أثار تعجّبهم قائلاً: بأنّ أهل سامراء هم مثل باقي المسلمين بمنزلة أولادي وأبنائي والأب لا يغضب إذا أساء بعض ولده.

وهنا أصرّ السفير العثماني على الميرزا بإجازته له في تعقيبهم وتأديبهم قائلاً: أحمل تراب سامراء بالعَليق - كناية من إنهاكه لهم في التأديب -.

ولكن الميرزا أصرّ على الإباء والإمتناع عن أن يأذن له بذلك وصرفهم بسلام.

ولما علم أهالي سامراء بالقضية، واطّلعوا على موقف الميرزا المشرف ونواياه الطيّبة اتّجاههم، ندموا وانقلبوا إلى أولياء محبّين، وتبدّل بغضهم حبّاً وحناناً وندموا على مافعلوا وجاءوا إلى الميرزا تائبين مستغفرين.

في استقبال الشيخ التستري

يقال: انّه لما عزم الشيخ جعفر التُستري (قدس سره) الزاهد المعروف، على زيارة الإمام الرضا (ع) وسافر إلى إيران واستقبله الناس في طهران استقبالاً منقطع النظير، وكان قد خرج في جملة الناس للتفرّج، وليس للإستقبال، السفير الروسي في طهران يومذاك.

وعندما توسّط الشيخ المستقبلين طلبوا منه أن يعظهم، فرفع الشيخ رأسه وأدار بنظره في وجوه من حوله من المستقبلين ثمّ رفع صوته فيهم وقال: أيّها الناس اعلموا انّ اللّه موجود، وسكت، وحيث انّ هذه الكلمة كانت قد خرجت من القلب ومن مثل الشيخ التستري وقعت في القلب وأثرت أثرها البالغ والمدهش في النفوس، فجرت الدموع، ووجلت القلوب، وحدث في حال الناس إنقلاباً روحيّاً عجيباً.

فكتب السفير الروسي - وقد إصطدم معنوياً مما رآه من تعاطف الشعب مع علمائه - إلى (نيوقولا) قيصر روسيا: انه يجب علينا مراجعة نوايانا السياسية تجاه إيران والشعب المسلم وإعادة النظر فيها، فإنه مادام رجال الدين والعلماء موجودين بين الناس، وللناس تعلّق كبير بهم، قلت نتمكّن من فعل أيّ شيء يمسّ كرامتهم ويهدّد استقلالهم، فإنّ كلمة واحدة من واحد من علمائهم كافية لإحداث موجة عارمة في نفوسهم، فكيف بالأوامر الصارخة والصريحة منهم؟

مداراة الناس

قيل: انه كان أحد رجال المنبر مخالفاً للمرحوم السيّد محمد كاظم اليزدي، وكان يعرّض به أحياناً على المنبر.

قال أحد العلماء: فإتّفق لي أن كنت في مجلس وكان فيه السيّد اليزدي (قدس سره) حاضراً، فجاء ذلك الرجل المخالف وصعد المنبر وهو لا يعلم بحضور السيّد -لأنّه لأجل تقصيره في حقّ السيّد ما كان يتجرّأ على صعود المنبر عند حضوره ومشاركته في المجلس- وفي الأثناء وقعت عيناه على السيّد، فإرتبك وإضطرب، وتلجلج في كلامه، حتى انه أخطأ في بيان مسألتين شرعيّتين كان قد شرع في الكلام عنهما ممّا ألفت نظر الجميع إلى خطئه وأخذوا يرقبون ردّ السيّد له.

لكن السيّد (قدس سره) لم يتكلّم بشيء ولم يعترض عليه حتى نزل الرجل عن المنبر، فطلبه السيّد ونبّهه على خطئه، وذلك بعد إقبال شديد منه عليه، وإحتفاء كبير به، حتّى كأن لم يكن بينهما حزازة أبداً، ثم قام الرجل وإنصرف.

قال وهو يواصل قصته: فحضرت المجلس في اليوم الثاني أيضاً، لأرى نتيجة ما حدث بالأمس، فإذا بالرجل جاء وصعد المنبر وتلا في طليعة منبره آية التوبة، ثم أعلن توبته عمّا كان يبدر منه أحياناً من سوء الأدب والإساءة إلى السيّد وقال: إنكم جميعاً قد رأيتم قصّتنا يوم أمس، فقد كان للسيّد الحقّ شرعاً وعرفاً في الإعتراض عليّ من تحت المنبر، لأنّي قد بيّنت الحكم مخالفاً للشرع إشتباهاً، وكان في ذلك إفتضاحي وإنكساري، ولكن السيّد لم يفعل ذلك مع ما كان يصله عنّي من سوء أدب وإساءة بالنسبة إليه، وإنما دعاني إليه، وبعد إكباره واحترامه لي أخذ ينبّهني بكلّ رحابة على اشتباهي في الحكم الذي ذكرت، ثم عقّب كلامه ذلك بقولـه: نعم وهكذا يكون أخلاق مرجع كبير ونائب للإمام المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) حقّاً كالسيّد.

ثم قال: الآن أنا نادم ممّا فعلت سابقاً ومعتذر إليه وإليكم، والعذر عند كرام الناس مقبول.

من حزم المرجعيّة

يحكى انه وقع قحط في بغداد أيام مرجعيّة السيد المرتضى علم الهدى (قدس سره)، وحيث ان السيّد كان يجري على طلبة العلم ورجال الدين الذين يحضرون درسه في بغداد المرتّب الشهري، إحتال يهودي للتوصّل إلى المرتّب الشهري والحصول عليه بإظهار الإسلام، والإنضمام إلى صفوف الطلبة.

فأظهر اليهودي الإسلام وجاء إلى درس السيّد، وذلك في تلك الأيّام العجاف، والقحط الشديد، فقبله السيّد وأجرى له مرتّباً شهريّاً كما يجريه لبقيّة طلبته، وأحسن معاشرته.

فلمّا رأى اليهودي حسن معاشرة السيّد، وطيب معاملة المسلمين، أسلم قلباً وآمن حقيقة، وبقي يواصل دراسته عند السيّد، ولم يفارقه حتّى الموت - وذلك بعد أن هدى إلى الإسلام جماعة من أقربائه وذويه اليهود - وهذا كان من بركة حزم السيّد (قدس سره) وحسن تقديره.

الترحيب بالضيف

قيل: انه كان من عادة الميرزا الكبير المجدّد الشيرازي (قدس سره)أن يأكل في اليوم مرّة، لا ثلاث مرّات، كما إعتاد عليه معظم الناس، وإتّفق أن ورد عليه الشيخ حبيب اللّه الرشتي (قدس سره) ضيفاً، فكان الميرزا قد أمر بتهيئة الطعام له في وجبات ثلاث وكــان هو يحضر على المائدة في الأوقات الثلاثة احتراماً له، وإن كان لا يأكل إلا مرّة واحدة على عادته السابقة، وكان ذلك مع كثرة اشتغالاته وقلّة وقته (قدس سره).

مع قائد ثورة العشرين

يقال: انه جاء رجل إلى المرحوم الشيخ ميرزا محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) قائد ثورة العشرين، الثورة العراقية المعروفة ضدّ المستعمرين الإنجليز، فسبّه وأكثر من الرقيعة فيه، والمرحوم ساكت لا يتكلّم.

وبعد ذلك أمر الميرزا بإرسال مقدار من الدابوعة (الرقّي) والنقود إلى داره.

فقيل له في ذلك؟

فقال: انّ درجة حرارته قد إرتفعت، وهذا كان من أثرها، والدابوعة تخفّف من شدّة الحرارة فبعثت بها إليه ليعالج بها نفسه، ويتخلّص من العناء الذي أبتلي به، هذا وقد جرت العادة في سامراء بإرسال الطعام والفاكهة إلى بيوت أهل العلم والفقراء من أهل البلد.

كيف تقلب الوشاية نصيحة؟

حكي عن أحد أسباط الشيخ الأنصاري (قدس سره) وهو المرحوم السيد موسى السبط، انّه قال: قيل للشيخ الأنصاري في وشاية تلميذه الميرزا محمد حسن الشيرازي انه عندما تحلّ إحدى المناسبات لزيارة الإمام الحسين (ع) يذهب الميرزا مع زملاء درسه للزيارة إلى كربلاء المقدسة بالسفينة، ويبسط وقت الغذاء سفرة ملوّنة فيها ما ينافي الزهد ولا يناسب مثل ذلك.

وكان قصد الواشي من كلامه هذا، التنقيص من قدر الميرزا لدى الشيخ، فقال الشيخ للرجل بكل بداهة: رحمك اللّه لقد نبّهتني إلى شيء كنت غافلاً عنه طيلة هذه المدة، وهو ان الميرزا ابن تاجر وقد اعتاد الرفاه في حياته، والنفقة التي يحتاجها للمعيشة كثيرة، وليس مثلي فإني قد اعتدت حياة التقشف ولا احتاج إلى كثير من النفقة، ولكني كنت إلى الآن في غفلة من ذلك وكنت أعطيه بمقدار ما أعطي سائر الطلاب من تلاميذي فمن اللازم عليّ من اليوم فصاعداً ان أزيد في مرتبه الشهري، فرحمك اللّه حيث ذكرتني به، ثمّ زاد الشيخ بعد ذلك في مرتب السيد الشهري، وإعتذر إليه من غفلته، وهكذا قلب وشاية الواشي إلى نصيحة وعظة، والى درس لنا وعبرة.

محاربة الفقر

حكي عن المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (قدس سره) صاحب الثورة ضد الإنجليز، انّه كان يشترط العدالة فيمن ينوب عن الميت لقضاء عباداته الفائتة منه، وذات مرّة جاءه من يطلب منه عبادة نيابية - وكان الميرزا كبقية المراجع مستودعاً أميناً للناس يرجعون إليهم في تسليمهم مبالغ لقضاء ما فات أمواتهم من عبادات - ولم يكن إتفاقاً عند الميرزا شيء من ذلك، فغضب الرجل وإشتد مع الميرزا في الكلام وسبه، كل ذلك والميرزا ساكت لا يجيبه بشيء.

وبعد أيام جيء إلى الميرزا بمبالغ للعبادة، فأمرالميرزا أحد الحاضرين بأن يأخذ بعضه ويدفعها إلى ذلك الرجل.

فقال بعض من حضر للميرزا متعجباً: ان هذا الشخص ليس بعادل بدليل ما صدر منه قبل أيام، وأنتم تشترطون العدالة فيمن ينوب عن الميت لقضاء عباداته الفائتة منه، فكيف تأمرون له بذلك؟ وهل هو صحيح في نظركم أو نسيتم ما صدر منه إليكم؟

فقال الميرزا: ان ما صدر منه ليّ قبل أيام كان من شدة الفقر، ومثله لا يضرّ بالعدالة، لأنّه صدر عن حالة غير طبيعية، إضافة إلى انّه لم يسبّ غيري ولم يتعرض بالسوء لأحد سواي، وأنا قد عفوت عنه واستغفرت له ربي.

كيف تتألف القلوب؟

يحكى عن المرحوم السيد أبي الحسن الأصفهاني (قدس سره) انّه أرسل وكيلاً إلى أحد المناطق الشمالية في العراق، لإرشاد الناس وتعليمهم المسائل والأحكام، وكان هناك شيخ عشيرة في المنطقة، فقام بمعارضة الوكيل أشد المعارضة حتى عجز عنه الوكيل، فراجع الوكيل حاكم المنطقة ليمنع منه الشيخ.

فقال الحاكم: اني لا أقدر على منع هذا الشيخ عنك لعشيرته الكبيرة، فان أردت ذلك فقل للسيد أبي الحسن يأمر من يراجع وزارة الداخلية ويطلب منهم توفير الحماية لك، وحينذاك تبعث لنا الوزارة إمكانات فنقوم رسمياً بمنع الشيخ عنك.

فجاء الوكيل إلى السيد ونقل له القصة.

فقال السيد: لا بأس ثمّ كتب كتاباً إلى ذلك الشيخ يخصه وعشيرته بالسلام ويوصيه بالوكيل وجعل في الكتاب مبلغاً محترماً من الدنانير وقال للوكيل: اذهب إلى المنطقة وأدخل على الشيخ في ديوانه وأعطه هذا الكتاب.

فجاء الوكيل وفعل ما أمره السيد، فلما فتح الشيخ الكتاب ورأى المبلغ المحترم من الدنانير والعطف والحنان من السيد إنقلب إلى صديق مؤالف، واحترم الوكيل غاية الاحترام، وأمر قومه وعشيرته باحترام الوكيل وحضور مجلسه والاستماع إليه، وإطاعة أوامره، والتعاون معه، وهكذا فعلوا.

فتوسّع نفوذ الوكيل في تلك المنطقة واستطاع إرشاد كثير من الناس وهدايتهم الى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ونشر الثقافة الإسلامية هناك.

وذات مرة جاء الوكيل الى النجف الأشرف مع جماعة من أهالي تلك المنطقة لزيارة الإمام أمير المؤمنين (ع) والإلتقاء بالعلماء وبالسيد وزيارته، وعندما إلتقى الوكيل بالسيد، قص له تأثير الكتاب وتعطف شيخ العشيرة معه، فإستبشر السيد من الخبر وقال: هكذا أمرنا الإسلام ان نتعامل مع الناس.

تهادوا تحابوا

هناك قصة أخرى منقولة عن السيد أبي الحسن الأصفهاني (قدس سره) أيضاً مشابهة للقصة السابقة وهي: انّه (قدس سره) أرسل وكيلا آخر إلى نقطة أخرى من مناطق العراق، فأنكره شيخ العشيرة في تلك المنطقة ومنع الناس منه وهدّدهم بقطع الماء عنهم وقال: كل من يكلم الوكيل أو يصلي معه أو يحضر مجلسه فهو محروم من الماء، وكان ماء تلك المنطقة بيد الشيخ.

فلم يقدر الوكيل على البقاء هناك لمقاطعة الناس له، فرجع إلى النجف الأشرف لينقل للسيد القصة ويستشيره في الأمر.

فقال له السيد: لا بأس زرني غداً، وفي الغد لما جاء الوكيل إلى السيد، أعطاه السيد فروة ثمينة وعشر ليرات، وقال إذهب بهما إلى الشيخ وبلغه سلامي وتحياتي وقدمهما إليه.

فجاء الوكيل إلى الشيخ وهو في ديوانه وقدمهما إليه وبلغه تحيات السيد وسلامه.

قال الوكيل: فلبس الشيخ الفروة وأخذ يختال فيها كالطاووس عندما ينشر جناحيه وقال: أهلاً بك وبمن أرسلك، ثمّ إلتفت إلى عشيرته ومن حوله في المجلس وقال مهدداً لهم: ان من لا يذهب الى صلاة الوكيل ومجلسه أو لا يتعاون معه ويطيعه، يمنع عنه الماء، مما سبب توجه جميع أهل تلك المنطقة نحو الوكيل والإلتفاف حوله، والإهتداء بتبليغه وإرشاده.

 

1 ـ راجع (من لا يحضره الفقيه): 4 / 182 باب ثواب من ختم له بخير من قول أو فعل.

2 ـ مستدرك الوسائل: 12 / 391 ب 22 ح 14382.

3 ـ قال أبو جعفر (ع): (اعط السائل ولو كان على ظهر فرس) وسائل الشيعة: 6 / 290 ب 22 ح1.

4 ـ وسائل الشيعة: 8 / 501 ب 102 ح 1.