الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

المرجع والمرجعيّة

المرجعية عبء ثقيل، ومن شروطها حسب ما دلت عليه التجارب أربعة، فلابدّ للمرجع من التحلي بها وتوفيرها في نفسه وهي:

1 - أن لا يتوقع من الناس شيئاً.

2 - أن يستعدّ لتلبية كل توقّع من كل أحد حسب تمكّنه.

3 - أن لا يسيء إلى أحد ولو بشطر كلمة.

4 - أن يستعدّ لتقبّل كلّ إساءة.

لكن كل ذلك في الأمور التي لا ترتبط بالدين، وإلا فاشتراء سخط اللّه تبارك وتعالى برضا المخلوقين يوجب خسران الدارين، أعاذنا اللّه تعالى من ذلك.

المرجعية: مسؤولية كبرى

كنت بصحبة والدي المرحوم السيد ميرزا مهدي الشيرازي، وابن عمي المرحوم السيد ابو القاسم الشيرازي، في مجلس كان فيه المرحوم السيد عبد الهادي الشيرازي أيضاً، وفي الأثناء جاءنا خبر وفاة المرجع الديني الكبير السيد أبي الحسن الأصفهاني (قدس سره)(1) فتأسفنا جميعاً وتأثرنا بالخبر المفجع، غير انّ الذي تغيّر لونه واضطربت أحواله أكثر من الجميع، كان هو الميرزا السيد عبد الهادي الشيرازي (قدس سره)، حيث إنّه كان مرشحاً من قبل بعض خواص العلماء وأهل الرأي والنظر للزعامة العامة والمرجعية الدينية، وخوفاً من ذلك بدى الاضطراب عليه وهو يقول مردداً: أستجير باللّه تعالى مما أخاف وأحذر، وإني يا رب أخاف من ان تصلني مسؤولية الزعامة والمرجعية، وأحذر من عبئها الثقيل ومسؤوليتها الكبرى، وهكذا بقي مضطرباً من ألم المصاب ومن خوف المسؤولية.

وحق له ذلك، فإنّ مصاب فقد مرجع كبير كالسيد الأصفهاني (قدس سره) كان كبيراً ومؤلماً، كما أن عبء المرجعية الشيعيّة والزعامة الدينية العامة كبير وثقيل أيضاً، ومن المعلوم: ان من يخاف من شيء، يأخذ حذره منه ويتهيّأ له، ويتحفظ عن مساقطه ومهاويه بقدر ما يستطيع، وكذلك كان (قدس سرّه) فقد استطاع أيام مرجعيته العليا بعد السيد البروجردي (قدس سرّه) من بث روح التقوى والورع، ونشر الثقافة الدينية والأخلاق الإسلامية في أوساط المسلمين وخاصة الحوزات الدينية والعلمية المباركة.

انتقال أعباء المرجعية

قيل عن الوحيد البهبهاني (قدس سره)انه لما طعن في السنّ وصار شيخاً كبيراً، فوّض أمر التقليد إلى السيّد بحر العلوم (قدس سره)، وأمر بإرجاع الناس إليه، ولما سئل عن ذلك قال: اني لشيخوختي وكبر سنّي لا أتمكّن من إدارة الأمور المربوطة بالمرجع، ولا النهوض بالأعباء الثقيلة للمرجعية، والسيد أقدر منّي على ذلك، وأقوى بالقيام بمهامّ الأمور، فهو أليق منّي بها. نعم هكذا كان علمائنا الأخيار رحمة اللّه تعالى عليهم أجمعين.

من مهامّ المرجعيّة

إنّ من مهامّ المرجعيّة تعيين وكلاء أكفاء يكونون حلقة وصل بين المرجع وبين مقلّديه، ينقلون إليهم فتاواهم، ويقومون بشؤونهم الدينية، وكان السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) من بين المراجع نموذجاً في حسن التوكيل وكثرة الوكلاء في أطراف البلاد الإسلامية، وذات مرّة إشتكى أهل إحدى البلاد إلى السيّد أبي الحسن الأصفهاني (قدس سره) من وكيله.

فإستدعاه السيّد إلى النجف الأشرف وطلب منه الإلتقاء به، فجاء الوكيل وجلس في المجلس بعيداً عن السيّد، حيث كان المجلس غاصّاً بالناس، ولمّا تفرّق الناس وخف المراجعون، طلبه السيّد قريباً منه، فجاء مهرولاً إلى السيّد حتى جلس عنده، فإلتفت إليه السيّد (قدس سره) وقال له بعد أن سأله عن أحواله: هل تعرف لماذا بعثت إليك؟

أجاب: لا.

قال السيّد: بعثت إليك لأطلب منك البقاء عندنا في النجف الأشرف ومواصلة دروسك، فإبقَ معنا ولا ترجع إلى منطقة تبليغك، فسوف نرسل إليها من يكفيك عنها.

قال: لا بأس وبقى ليواصل دروسه، ثم ودّع السيد وقام وانصرف.

فلمّا انصرف قيل للسيّد: انّك لم تتحقّق منه عن الأمر وعزلته بلا تحقيق؟

قال السيّد: نعم اني كنت قد طلبته للتحقيق، ولكن لما إستدنيته منّي هرول في المجلس بأسلوب غير معتاد مع أنه لم يكن مكان هرولة، فعرفت انه لا يصلح للوكالة وان الحق مع الّذين إشتكوا منه، لكن حيث اني لم أرد جرح عواطفه ولا إذهاب ماء وجهه، أمرته بالبقاء عندي بدون أن أذكر له السبب، نعم هكذا ينبغي مراعاة حرمة رجال الدين، والمحافظة على مكانتهم الاجتماعية.

مسؤولية الحقوق الشرعية

حكي عن المرحوم الحاج آقا رضا الهمداني (قدس سره) صاحب كتاب: (مصباح الفقيه): انّه أيام كان في سامراء أصبح مديوناً، وذات مرّة جاء إليه شاب وهو في إبان بلوغه، وأوّل تكليفه وقال له: اني أريد ان أقلّدكم في مسائل ديني وأرجع إليكم فيها، وقد جعلت رأس سنتي المالية أوّل بلوغي وهذا مقدار خمسي أقدمه إليكم.

فقال الهمداني (قدس سره) في جوابه: أما التقليد مني فلا بأس به، وأما الحقوق الشرعية فإني غير مستعد لاستلامها.

وكلما أصر عليه الشاب في أخذها، لم يقبل ذلك، حتى رجع الشاب خائباً من إستلام الهمداني لخمسه.

عندها سُئل الهمداني (قدس سره) عن سبب إمتناعه وعدم تسلّم المال، مع أنّه مديون ولا مال له؟

فأجاب: أما إني مديون فلا مشكل لأنّ اللّه تعالى قد وعد بوفاء مثل هذه الديون، وأما إنّه لا مال لي فقد ضمن اللّه رزقي وتكفل لي بذلك، وبعد هذا كله، فما حاجتي إلى أخذ الحقوق الشرعية، التي يجب صرفها في محلها وهو خارج من وسعي وقدرتي، وان أخذها يوجب لي اشتغال الذمة وإعظام التكليف، والوقوع فيما لا اطيق؟

نعم انّ المرجع الذي يستلم الحقوق الشرعية ليس هو فيها أكثر من أمين فيأخذها من أصحابها ليسلّمها إلى مستحقيها، وانّ المراجع عادة لا يصرفون منها شيئاً على أنفسهم وفي أمورهم الشخصية، وإنّما يضيقون على أنفسهم ويقنعون بموارد الهدايا وما أشبه من الأموال الشخصية ويصرفون الأخماس والزكاة في مواردها: من إسعاف المحوجين، وهداية الضالين، ونشر الإسلام، وترويج المذهب الحق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وتأليف القلوب وجمع الكلمة، وفي مصالح المسلمين العامة وغير ذلك مما ذكر في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

 

1 ـ كان ذلك عام (1365) هجرية.