الفهرس

الاخلاق والسلوك

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

نُهي بنو اسرائيل عن الصيد يوم السبت[1]، فاحتال جماعة منهم بأن حفروا في البحر سواقي إلى أحواض، فكانت الحيتان تأتي يوم السبت من تلك السواقي إلى الأحواض، فكانوا يسدّون طريقها حتى لا تتمكن من الرجوع، فإذا صار يوم الأحد صادوها، وكانوا يقولون: نحن لم نصطد السمك يوم السبت، وإنما اصطدناه يوم الأحد، وهم يعلمون أنهم بذلك يحتالون على الله تعالى، فصاروا ثلاث فرق: فرقة تحتال وتصيد، وفرقة تنهى عن هذه الحيلة، وفرقة تقول لا يفيد النهي قائلين: ((لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ))[2]، فلمّا تمادى الصائدون في غيّهم نزل عليهم العذاب فأخذ الصائدين والساكتين، ونجا الناهون.

إن النازحين يجب عليهم أن لا ينسوا ـ في غمرة ما أصابهم من أذى وخسائر ـ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر ما يستطيعون، قال الله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))[3]، خصوصاً وقد نشبت مخالب الكفار بالمسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما كان صغيراً فإنه يؤدي مفعوله وينمو مع الأيام، فالذرات تشكل الصحاراى، والقطرات تشكل البحار.

الأُمنية

منذ ألوف السنوات واليهود أذلة منتشرون في الأمم، ويعتقدون أن المسيح سيأتي ويخلصهم من الذل، ولما سُئل إنسان من (هرتزل) الذي دعا إلى تكوين دولة لهم، كيف اهتديت إلى هذا الشيء، وضربت باعتقاد وتقاليد أصحابك عرض الحائط؟ قال: إني فكرت أن بكاءنا حول (حائط المبكى) لا يسبب لنا إلاّ ذلاً، وكنت أُطالع الكتب لطريق الخلاص، حتى وقعت على آية في قرآن المسلمين تقول: ((لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ))[4] فرأيت إنا نعمل السوء بانتظارنا الفارغ للمسيح، وبعدم عملنا لأجل عزتنا، وليس ذلك إلاّ أمنية كاذبة، فرأيت أن أترجم (البكاء) و (الرجاء) إلى العمل، ولما وردت في هذا الميدان، رأيت الطريق مفتوحاً أمامي، فتقدمت.. وتقدمت..

يجب أن يعلم النازحون أن الآية التي استنار منها اليهود هي آية في قرآننا، نتلوها آناء الليل وأطراف النهار، وإنما نفقد التقدمن لأننا لا نعمل بها، فاللازم: أن يترك النازح الأمنية الكاذبة والرجاء الفارغ بالمستقبل، بل يرد ميدان العمل الجاد المستمر، وبذلك يتمكن النازح من رد كيانه، وتقدُّم إخوانه، ومساهماته في بناء الحياة، يقول القرآن الحكيم: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[5].

الأخوّة

كان أحد علماء النفس يقول: ليست الأخوة نابعة من القرابة، ولا الصداقة، ولا الشراكة، ولا الجوار، ولا اللغة، ولا الحدود الإقليمية، ولا اللون، ولا سائر المشتركات، وإنما هي نابعة من القلب، فإن شعرت بأنك أخو زيد، كنت أخاه، وإن كان بينكما ألف حاجز، وإلاّ كنت أجنبياً عنه وإن ولّدكما أب وأم..

ولما آخى الرسول (صلّى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار، جعل من الأبيض والأسود، والفارسي والعربي، وأهل البلاد المختلفة، إخوة، بينما قطع أخوة الأخوين الشقيقين الذين فصل بينهما الإسلام والكفر.

إن النازحين إن استشعروا قلوبهم أخوة أهل البلاد ـ فانفتحوا عليهم، وتعاملوا معهم، وأخذوا منهم وأعطوهم ـ لا يلبث الطرفان أن يلتحما بالوشائج، فلا يحس النازح بالغربة، ولا يحس أهل البلد بأنه عنصر غريب يجب الاجتناب والتحذّر منه، وإلاّ بقي بينهما سد الغربة مما يؤذي الجانبين، ويفصل بين الطرفين، قال الله تعالى: ((إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً))[6]، وقال سبحانه: ((فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً))[7].

فالأخوّة يجب أن تبتدئ بالقلب وتنتهي إلى الواقع العملي، لا أن تبتدئ باللسان ولا تتجاوز الآذان.

لجان

فرّت جماهير كثيرة من المسلمين، أمام غزو المغول إلى آسيا الوسطى، تاركين وراءهم الدور والأموال والبساتين والعلائق، فاتفق أن أرشدهم بعض مفكريهم، إلى تنظيم حياتهم تنظيماً يرفّه لهم العيش، ويرغد لهم الحياة، فنظموا فيما بينهم جهازاً للقضاء، وجهازاً للإدارة، وجهازاً لإشغال العاطلين، وهكذا.. وبذلك: خففوا عن أنفسهم الثقل حتى وصلوا إلى الحكم، وصاروا ملوك البلاد الإسلامية، وظهرت فيهم خلافة آل عثمان.

إن النازحين إن أرادوا السعادة، وتخفيف ثقل الحياة عن كاهلهم، لابد لهم من تنظيم شؤونهم بحيث تختص بكل مسؤولية جماعة منهم، ويكوّنوا لجاناً لمختلف قضاياهم[8]، لجنة لجمع التبرعات والصناديق الخيرية، لجنة لتزويج العزاب، لجنة لإسكان المشردين، لجنة لتشغيل العاطلين، لجنة لتنظيم شؤونهم الدينية، لجنة لإدخال أولادهم في المدارس والمعاهد، وهكذا.. لأن الله سبحانه خلق الكون في كمال النظام والدقة وهم جزء منه، وفي القرآن الحكيم: ((إِنَّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)) وفي آية أخرى: ((كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ))[9]، وفي وصية للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ونظم أمركم)[10].

كما سبق تحت عنوان (التعاون).

الماضي

يقال في مبادئ الصرف: (الماضي ما مضى وقته ولزم أجله).

وقد تعلّم بعض العلماء من هذه القاعدة العلمية درساً حياتياً.

فقد اتفق أن أخذ الزلزال في بعض أرياف إيران كل ما يملك ذلك العالم، من زوجة، وأولاد، ودار، ومسجد، وأصدقاء، وممتلكات، فلم يكن منه إلاّ أن مسح عن قلبه ذكراهم ليبني حياة جديدة في بلد آخر، وقال في نفسه: (مات الميت فليحيا الحي).

وتلى قوله تعالى ((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ))[11].

ولم تمض مدة على حياته الجديدةن إلاّ وصار صاحب زوجة وأولاد، ودار ومسجد، وأصدقاء وتلاميذ.

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا***أنيس ولم يسمر بمكة سامر

إن النازحين يجب عليهم أن ينسوا الماضي، وكأنه كان نوماً قد استيقظوا منه، فيشتغلوا ببناء حياتهم من جديد.

قال الشاعر الفارسي ما ترجمته:

(سألت حكيماً عن حال الدنيا، فقال: إنه نوم، أو ريح، أو أسطورة.

فقلت له: فلماذا نرى تعلّق الناس بها؟

قال: إنهم سكارى، أو نائمون، أو مجانين)[12].

إن الدنيا تذهب ولا تعود، ليس العاقل من يحزن وإنما من يعتبر.

إن النازحين يجب عليهم أن يأخذوا العبرة من الماضي، لا أن يجددوا هموم الماضي، فإن من يجدد هموم الماضي، يضيع مستقبله كما ضاع ماضيه.

العلاج

ابتلي مريض بأمراض مختلفة متشابكة، فلم ينجع ما وصفه الأطباء له ـ على كثرة ما وصفوا له ـ حتى جاءه طبيب وأخذ يفحصه، فقال: لابد 1ـ من معرفة المرض، 2ـ من معرفة العلاج، 3ـ من تطبيق العلاج.

ولذلك وضع البرنامج الكامل واستعان بآخرين في البنود الثلاثة، فلم تمض مدة إلاّ وقد أبرء المريض وشفي تماماً.

إن النزوح ظاهرة لم تكن وليدة ساعتها بل اشتركت فيها عوامل كثيرة، حتى ظهرت بالشكل الذي ظهرت به، ولذا فعلى النازحين ـ بصورة خاصة ـ: القيام بالعلاج إن أحبوا الإسهام في خدمة بلاد الإسلام وخدمة المسلمين، والعلاج نوجزه في خمس كلمات:

الإسهام في تثقيف النشء، فإن الثقافة هي المسيّرة للمجتمع، وكلما كانت أمة أكثر ثقافة للحياة كانت أكثر تقدماً، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (قيمة كل امرئ ما يحسنه)[13]. وقبله قال القرآن الحكيم: ((هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؟))[14].

الإسهام في تصنيع البلاد: فإن البلاد الصناعية تأخذ زمام السيادة على البلاد المختلفة. وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أمنن على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره)[15].

الإسهام في تأسيس المؤسسات، فإن المؤسسات بمنزلة المشعّات التي يستضيء بها مختلف جوانب الحياة، سواء كانت مؤسسات ثقافية ـ كالمدارس والمكتبات ـ أو صحافية، أو اجتماعية، أو تربوية، أو صحية، أو غيرها.

الإسهام في تقويم الذهنيات: فإن الذهنية الإسلامية غير الذهنية الشرقية والغربية، وقد انطبعت غالب الأذهان بألوان أجنبية، ولذا يجب البدء بالعمل لتقويم الأذهان بمقياس الإسلام.

5ـ الإسهام في تنسيق العاملين وألاعمال: فإن الإسلام يحمل رصيداً كبيراً من الأفراد والطاقات والمؤسسات والأفكار، لكن عدم التنسيق بينها وبعثرتها، أوجب شللها.

في المثل: (كنا مائةً فرادى، وكانوا اثنين جماعة).

نهاية المطاف

يجب على الذين حل بين أظهرهم النازحون: أن يذكروا قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أكرموا الضيف)[16].

وقول أمير المؤمنين لابنه (عليه السلام): (يا حسن وكفى بك وصياً... وإكرام الضيف)[17].

والحديث المشهور: (أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك)[18].

فإن النازحين أخوة لهم في الدين، وضيف لهم في البلد، وكلا الأمرين يوجبان لهم على أهل البلاد حقاً وحرمة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

ويجب على أهل العلم ـ سواء من النازحين أو من أهل البلاد ـ بصورة خاصة: أن يهتموا بقضايا النازحين أكثر فأكثر، فإنهم الذين يفوزون بثقة الجماهير، ويحملون علوم محمد وآل محمد (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، ويقدِّرون الأمور حق تقديرها، ومنهم يؤخذ، وإليهم يرجع، وقيامهم بهذه الخدمة توجب لهم الثواب الجزيل، والذكر الجميل.

قال تعالى ـ نقلاً من دعاء إبراهيم الخليل (عليه السلام) ـ ((وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ))[19]

ويجب على أهل العتبات المقدسة من النازحين ـ بصورة خاصة ـ: أن يحسنوا معاملة الناس، ويضعوا أنفسهم موضع الأسوة، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) لبعض مواليه: (إن الحسََن من كل أحدٍ حَسِنْ وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح ومنك أقبح)[20].

والمسؤول من الله سبحانه أن يوفقنا جميعاً لاتباع مراضيه، ويجعل مستقبل أمرنا خيراً من ماضيه.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

الكويت

محمد

 

[1] راجع بحار الأنوار، ج14، ص56، ب4، ح13.

[2] سورة الأعراف، الآية 164.

[3] سورة آل عمران، الآية 104.

[4] سورة النساء، الآية 123.

[5] سورة الزلزلة، الآيتان 7 و8.

[6] سورة الأنبياء، الآية 92، وسورة المؤمنون، الآية 52.

[7] سورة آل عمران، الآية 103.

[8] للتفصيل راجع كتاب (الجمعيات) للمؤلف.

[9] سورة الحجر، الآية 19.

[10] نهج البلاغة، الرسالة 47، الفقرة 3.

[11] سورة الحديد، الآية 23.

[12] حال دنيا را بپرسيدم من از فرزانه‏اي***گفت: يا بادست، يا خوابست يا افسانه‏اي

گفتمش: اينها كه ميدانند چرا دل بسته اند؟***گفت: يا مستند، يا خوابند، يا دوانه‏اند

[13] بحار الأنوار، ج1، ص165، ب1، ح4.

[14] سورة الزمر، الآية 9.

[15] بحار الأنوار، ج72، ص107، ب49، ح9.

[16] جامع الأخبار وفيه: (أكرم الضيف ولو كان كافراً)، ص84.

[17] بحار الأنوار، ج42، ص202، ب127، ح7.

[18] الكافي، ج3، ص170، ح5.

[19] سورة الشعراء، الآية 84.؟

[20] بحار الأنوار، ج47، ص349، ب11، ح50.