الفهرس

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

فروع

مسألة: لو قال (أم سلام) عوض (السلام) فالظاهر أنه ليس بسلام وان كان لغة طي، كما ينقل عنهم(1).

مسألة: لو قال: (سلام فلان عليك)، لم يكن الجواب واجباً ـ كما سبق ـ سواءٌ كان فلان سلم عليه أو لم يسلم.

مسألة: لو قال: (السلام ورحمة الله عليك) وجب الجواب لأن فاصل (رحمة الله) بين (السلام) وبين (عليك) لا يضر.

مسألة: لو سلّم قائلاً: (السلام على أخيك)، أو (على أبيك)، أو (على ابنك)، أو ما أشبه ذلك، لم يكن سلاماً عليه، كما لم يجب الجواب على ذلك الغائب، أما إذا كان حاضراً فالظاهر لزوم الجواب.

مسألة: لو قال: (لا عليك السلام) لم يجب كل ذلك، لأنه ليس بتحية واردةٍ في الشرع.

تقديم الظرف

مسألة: الظاهر صحة أن يقدم الظرف على السلام فيقول: (عليك، أو عليكم، أو عليكما، السلام) وكذلك بالنسبة إلى المرأة يقول لها: (عليكِ السلام).

ويؤيده بالإضافة إلى أنه تحية عرفاً وسلام كذلك، ما رواه عمار الساباطي:

إنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام): عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن على القوم؟

قال: (المرأة تقول: عليكم السلام، والرجل يقول: السلام عليكم)(2).

فإنه يدل على صحة هذا الاستعمال بتقديم الظرف على المظروف.

وأما الاختصاص بالمرأة، فمن جهة استحباب الفرق بين الرجل والمرأة، لا أنه لخصوصية أن لها تحية خاصة دونه، فبذلك يعرف أنه لا يقال باختصاص التحية بالتقديم.

أما ما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال لمن قال له: (عليك السلام يا رسول الله)، لا تقل: (عليك السلام) فان عليك السلام تحية الموتى (3).

فهذه الرواية بالاضافة إلى أن سندها غير معتبر لا يمكن أن يقاوم الاطلاقات كما ذكر، مضافا إلى الرواية الخاصة التي نقلناها، ولذا قال بعض الفقهاء: الظاهر عدم الفرق بين تقديم الظرف أو تأخيره في صدق اسم التحية ووجوب ردها على ما يقتضيه إطلاق الدليل، بل وكذلك إذا توسط السلام بين (عليك) و(السلام) بأن جاء بـ (عليك) مرتين، مرة مقدماً ومرةً مؤخراً، فقال: (عليك السلام عليك) .

بل قد عرفت ما ذكرناه سابقاً من أن (السلام) وحده كاف، مع أل أو بدونها.

الخطأ في الإعراب

مسألة: لو غلط في السلام إعراباً أو بناءً، وجب الرد، وكذا لو غلط في الرد لم يحتج إلى ردٍ ثان.

التفريق بين الأحرف

مسألة: لو فرق بفاصل بين السين واللام، أو اللام والميم، لم يجب الجواب إذا لم يصدق عليه التحية العرفية، ولو صدقت التحية تدقيقاً، لأن الكلام منصرف إلى المتعارف.

لو زعم السلام

مسألة: لو قال: (سلام عليك) جواباً بتصور أنّ فلاناً سلّم عليه ولم يكن قد سلّم عليه، لم يجب جوابه.

لو سلم بغير العربية

مسألة: لو سلّم بغير العربية، بان كانت التحية بالفارسية أو الهندية أو الأردية أو التركية أو ما أشبه ذلك، لم يجب الجواب.

ولو أجاب بغير العربية للسلام العربي لم يكن جواباً.

الخطأ في التطبيق

مسألة: لو سلّم واحدٌ فظنه اثنين، فأجاب بـ (عليكما) كفى، ولو سلّم اثنان فزعم أن المسلم واحد، كفى جوابٌ واحد، فتأمل.

لو غلط في السلام

ولو قال: (السلام) غلطاً، لم يجب الجواب، بأن قال: (السام عليك) بدل (السلام عليك)، نعم إذا كان حاذفاً اللام لعدم إمكان تلفظه أو استعجاله أو ما أشبه ذلك صدق انه سلّم عليه فيجب الجواب.

ولو سلم غلطاً بالشين، فهل يجب الجواب أو لا، الاحتياط في الجواب وان كان الظاهر أنه غير لازم.

لا تجب المشافهة

مسألة: لا يجب في لزوم الجواب المشافهة، بل لو سلم خلفه أو من جانبه أو ما أشبه ذلك وجب الجواب.

الفصل بين السلام وجوابه

مسألة: لو فصل الزمان بين السلام والجواب بما لا يتعارف مما لا يوجب اتصال الجواب بالسلام، لا يجب الجواب ولا القضاء كما سبق، ولو تكلم ثم أجاب كفى إذا عدّ جواباً له.

سلام المرأة والسلام عليها

مسألة: سلام المرأة والسلام عليها، مثل سلام الرجل والسلام عليه.

والفرق في فتح الكاف وكسرها في الرجل وفي المرأة، وذلك من باب الفارق اللغوي بينهما، كما فرّق بينهما في شيء من الخلقة وفي درجات عقله وعاطفتها، وخشونته ولطافتها، جسماً وروحاً، كما ثبت ذلك علمياً، لأن وظيفتها غير وظيفته في بعض الموارد.

فهي تدير الرجل، مضافاً إلى الحمل والولادة، وليس الرجل كذلك، وليس هذا نقصاً للمرأة كما بيناه في بعض كتبنا، قال تعالى:(مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)(4).

وقال سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ)(5)، إلاّ في بعض الموارد الجزئية، وذلك حسب مصلحتها ومصلحته، ولمقتضى الخلقة التي خلقت وخلق، وفقاً للمشيئة الألهية الحكيمة.

وإلا فقد ذكرنا في (الفقه): إن الأصل هو تساويها مع الرجل في كل شيء إلا فيما خرج بالدليل.

وهذا ما نراه في الواقع الخارجي، حيث إنها لا تساوي الرجل في المستثنيات، ففي البلاد الشيوعية والغربية التي تدعي بعدم الفرق بينهما، لا تظهر المرأة إلى الرئاسة ولا إلى الوزارة ولا إلى مجلس النواب أو ما أشبه إلا قليلاً جدّاً، مع انهم لا يفرقون بين الرجل وبين المرأة في شيء حسب ادعائهم، ومع أن المرأة لا تقل عدداً عن الرجل في المجتمع بل قد تزيد عليه.

أما حديث: (المرأة شرّ كلها وشرّ ما فيها أنها لابد منها)(6)، فلا يبعد أن يكون اللام فيها للعهد لا للنوع والجنس، إشارةً إلى تلك المرأة التي حاربت أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقد كانت شراً في منطقها لأنها كانت تجعل الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشرّاً في حركاتها وسكناتها لأنها كانت تحرض على الحرب وتمارسها وتثير الفتن، إلى غير ذلك.

وإلا فقد مدح الله المرأة في كتابه العزيز قائلاً:

(فتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(7)، فإنه يشمل المرأة كما يشمل الرجل.

مضافاً إلى ما ورد من مدح حب النساء والحث عليه، كما في روايات الوسائل باب النكاح وغيره(8).

وكذلك حديث: ناقصات الايمان والعقول والحظوظ(9)، فانه إشارة للمرأة المعهودة، لا للنوع أو الجنس أو ما أشبه.

وإلا فقد سبق:(مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)(10).

وقد قال البعض: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال هذه الكلمة بعد قصّة البصرة، وإلا فكيف يقصد الإمام علي (عليه السلام) بهذا الكلام نوع المرأة أو جنسها وهو القائل: (المرأة ريحانة وليست بقهرمانة)(11).

مضافاً إلى ووضوح أنها ليست بناقصة.. وقد خلق الله كل شيء بالحكمة والمصلحة، فلو قلنا بنقصها كان نقصاً في خلق الله، سبحانه وتعالى عن ذلك.

ثم عدم كمال النساء في العقل في أن شهادتها على النصف، لايكون على إطلاقه، ولذا تسمع اعترافها بالوصية واحدةً كانت أو اثنتين أو أكثر، ومع ذلك فقد قال سبحانه: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)(12).

والنقص بالإيمان لتركها الصلاة لا يكون نقصاً بالمعنى الحقيقي، بل هو تعبير مجازي، لأن الترك هناك من باب الحكمة، فإن كثرة تكاليفها أوجبت التخفيف رعاية لها أيام العادة وما أشبه.

أما الحظ في الإرث، فلأن تكليف المال على الرجل دونها، بنتاً وأماً وزوجةً، لوجوب نفقتها على الأب، وعلى الولد، وعلى الزوج، ولذا كانت ديتها النصف، فإنها قيمة اقتصادية لا قيمة إنسانية، وإلا فلا فرق بينها وبين الرجل في قوله تعالى:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)(13)..

وقد وردت آيات عديدة وروايات كثيرة تذكرهما بالتساوي، قال سبحانه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(14).

والبحث في هذا الباب طويل ليس محله هنا، وإنما أشرنا إليه في الجملة، للفرق اللغوي في السلام الذي هو موضوع هذا الكتاب، والله سبحانه المستعان.

استطراد

واستطراداً نقول:

إن الكلمة التي نسبوها إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنه قال: (لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق)، الظاهر عدم صدورها عنه (عليه السلام) ، بل صدرت عن الراوي تقيةً منسوبة إلى الإمام (عليه السلام) فالكلام للناقل لهذا الحديث، وان ذكر في الكافي الشريف(15).

ويشهد له مضافا إلى التاريخ: عصمة الإمام الحسن (عليه السلام) ، ثم إن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) لو لم يرد زواجه كان ينهاه بنفسه، لا أن يقول للناس: لا تزوجوه، فإن الإمام الحسن (عليه السلام) كان يمتثل أمر والده قطعاً..

والظاهر أن المنصور الدوانيقي هو الذي كان يتهم الإمام الحسن(عليه السلام) بذلك، لأن أولاد الإمام الحسن (عليه السلام) كانوا يحاربونه ويثورون ضد سلطانه الجائر، في قصص مشهورة في التاريخ، وكلام الراوي صدر في ذلك التاريخ نقلاً عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كما يجده المتتبع.

إلى غير ذلك من القرائن..

ثم من كانت زوجات الإمام الحسن (عليه السلام) الذين اتهم بطلاقهن فانه لا أثر لهن في كل التواريخ، وإنما تزوج الإمام الحسن (عليه السلام) بعدد معدود محدود كما تزوج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قبله بعدد كذلك، وهكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان الإمام الحسين (عليه السلام) ، وكان من المتعارف في ذلك الزمان التزوج بعدة نساء، مضافاً إلى انهم (عليهم السلام) كانوا يتبعون في كل أمورهم المصلحة الإلهية، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى)(16).

والكلام في هذا الباب طويل وانما ذكرناه تلميعاً لا تفصيلاً، والتفصيل في محله.

لو سلم على المصلي

مسألة: لو سلّم على المصلي بلفظ (سلام) بدون الألف واللام، أو (السلام) بدون ذكر الظرف، مقدماً أو مؤخراً، وجب رده.

وكذلك لو سلم على غير المصلي وصدق التحية، قال سبحانه: (قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ)(17).

أما أن تكون الآية إشارة إلى تسليمهم وجوابهم تسليماً وجواباً كاملين فهو خلاف الظاهر ـ كما سبق ـ .

لو لم يعلم المصلي بانه المقصود

مسألة: لو كان المصلي بين جماعة أو كانت الجماعة مخفيةً له لظلام أو ما أشبه ذلك، فسلّم أحد، فلم يعلم المصلي هل سلّم عليه أو على غيره، فالظاهر عدم وجوب الجواب عليه، لأصالة عدم توجه التكليف إليه، ولأصل البراءة، أما قول بعض بأنه يحتاط بالجواب القرآني أو بقصد الدعاء، فلم يظهر وجهه.

إذا لحن في السلام

مسألة: إذا سلم بالملحون، كما قال: (السلامٌ عليكم) بالتنوين، أو (عليكن) بالنون، فالظاهر وجوب الرد لصدق التحية..

كما يصدق القرآن على القرآن الذي قرأه بالملحون، لحناً لايخرجه عن اسم التحية أو عن اسم القرآن أو عن اسم الدعاء، وان كان غلطاً فضيعاً في اللغة أو في الإعراب أو ما أشبه ذلك.

كما قد يُقرأ (وتجرّأت بجهلي) و(سكنت إلى قديم ذكرك) بالفتح، وهذا كله متعارف عند العوام الذين لا يعرفون الجوهر أو الإعراب أو البناء.

أما إذا لم يصدق التحية عرفاً، كما إذا قال: (سرام) بالراء أو (سلوم) بالواو أو نحوهما، وشك في وجوب الرد فالأصل عدم وجوبه، إلا أن يصدق التحية عليه من جهة تعارف عدّه سلاماً عرفاً وان لم يكن صحيحاً لغة أو إعراباً أو بناءً.

والحاصل: المعيار صدق التحية وعدم صدقه، من غير فرق في وجوب الرد بين أن يكون المسلّم خارج الصلاة على المصلي أو خارجه على غيره.

والظاهر أن الرد يلزم أن يكون صحيحاً لمن يعرفه ويقدر عليه حتى إذا لم يكن السلام كذلك. فإذا قال (سرام) بالراء، وكان عرفاً تحية فرضاً، لا يجيب (عليكم الرام) بالراء.

السلام في الهاتف وما أشبه

مسألة: الظاهر وجوب رد السلام في التلفون أيضاً.

أما في التلكراف وهو مثل رد جواب الكتاب، فانه وإن أوجبه بعض تبعاً لصحيح عبد الله بن سنان المروي في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام، والبادئ بالسلام أولى بالله وبرسوله)(18)..

لكن المشهور لم يقولوا به، وعليه جرت العادة فلو كان رد جواب الكتاب واجباً في الشريعة لصار متعارفاً عند المتشرعة لعموم الابتلاء، ولم يكن بناؤهم على الوجوب، ولذا كثيراً ما يكتب إليهم ولا يردون الجواب لا كتابة في الكتابة ولا لفظاً، فالخبر الشريف يحمل على بعض مراتب الاستحباب.

وقد قال في الجواهر: إنه لا يخرج بهذا الخبر عن السيرة القطعية، فالمراد بالوجوب بحسب الظاهر تأكد طلبه على وجه لاينبغي مخالفته لا الوجوب بمعناه المصطلح.

أقول: أما الإشكال في وجوب رد التلفون بأن الصوت يبدل إلى القوة، والقوة تبدل إلى الصوت، وذلك يسبب عدم معلومية وجوب الجواب، فإنه غير ظاهر، لأن الأدلة تشمله، فإنها تحية عرفاً والدقة في الكيفية لا تخرج الأمر من إطلاق الدليل.

لو سلم عدة مرات

مسألة: إذا سلم المسلّم عدة مرات، كما إذا قال: (السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم)، فالظاهر عدم وجوب التكرار في الجواب، وإنما يكفي الجواب الواحد.

نعم لو سلم مكرّراً، وأجاب بعد كل سلام، وجب الجواب الثاني والثالث أيضا، إذا لم يعد استهزاءً ونحوه، ولم يناف الفورية.

وإذا قصد المسلِّم بالسلام الثاني تأكيد السلام الأول لم يجب الجواب.

سلام الاستيذان ونحوه

مسألة: إن السلام المتعارف هو سلام التحية لا سلام الاستيذان أو الوداع، فإن الدليل منصرف عنهما، فلذا لم يكن متعارفاً عند المسلِّم استيذاناً أو وداعاً الجواب.

ويدل على ذلك روايات:

مثل ما عن الصدوق (رحمه الله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنه قال لرجل من بني سعد: ألا حدثك عني وعن فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، إنها كانت عندي فاستقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى ركنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألته خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.

فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) فوجدت عنده حداثاً فاستحيت وانصرفت.

فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنها قد جاءت لحاجة، فغدا علينا ونحن في لحافنا، فقال: السلام عليكم.

فسكتنا واستحيينا لمكاننا..

ثم قال: السلام عليكم.

فسكتنا.

ثم قال: السلام عليكم.

فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك فيسلم ثلاثاً فان أذن له وإلا انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله.

فدخل (صلى الله عليه وآله) وجلس عند رؤوسنا وقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس من محمد.

فخشيت إن لم أجبه أن يقوم فأخرجت رأسي فقلت: أنا والله أخبرك يا رسول الله، إنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وجرت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألته خادماً يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.

قال (صلى الله عليه وآله): أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فكبرا أربعاً وثلاثين تكبيرة، وسبّحا ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، واحمدا ثلاثاً وثلاثين تحميدة.

فأخرجت فاطمة (عليها السلام) رأسها وقالت: قد رضيت عن الله وعن رسوله، رضيت عن الله وعن رسوله)(19).

وفي خبر آخر: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال للجارية: مري بين يدي ودلّيني على أهلك، وجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وقف على باب دارهم وقال: السلام عليكم يا أهل الدار.

فلم يجيبوه.

فأعاد عليهم السلام فلم يجيبوه.

فأعاد السلام، فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته..

فقال: ما لكم تركتم إجابتي في أول السلام والثاني؟

قالوا: يا رسول الله سمعنا سلامك فأحببنا أن نستكثر منه)(20) الحديث.

وظاهر الحديث الثاني أنه أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) جوابهم في الكلام لا جوابهم في السلام.

ولا يخفى إن عدم إعطائه (صلى الله عليه وآله) الجارية لابنته (عليها السلام) ما كان زهداً فيها (صلوات الله عليها)، فإنهم كانوا أسوة ومثالاً للزهد في الدنيا، والجهاد في سبيل الله، منذ أول البعثة وإلى آخر يوم، فكانوا يقتصرون على أقل الواجبات مهما أمكن، فكانوا يجوعون في سبيل الله، كما في قصص متعددة وردت في تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام)، فكان همهم جميعاً تقديم الإسلام بأي وجه ممكن، ولذا تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بامرأة غير بكر، وتزوج الإمام الحسن (عليه السلام) بالجعدة بنت الأشعث، إلى غير ذلك من القصص المتواترة في هذا الصدد..

وبهذا يجاب عمن يستشكل بأن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) كيف كان يترك فاطمة (عليه السلام) جائعة ثلاثة أيام، كما في بعض الأحاديث، فإن ذلك كان برضى منها (عليها السلام) وبولاية على الحسنين (عليهما السلام) بل برضاهما أيضاً، ولاهتمامه (عليه السلام) الشديد بتقديم الإسلام بكل وجه ممكن.

وفي الباب قصص كثيرة لو جمعت لأصبحت مجلداً.

فأدلة وجوب رد السلام منصرفة عن مثل سلام الاستيذان وما أشبه.

وهذا آخر ما أردنا إثباته في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب وهو المستعان.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

قم المقدسة

   

محمد الشيرازي

   

حيث سأل احدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (هل من امبر امصيام في امسفر)؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : (ليس من امبر امصيام في امسفر).

من لا يحضره الفقيه: ج3 ص470 ب2 ح4637.

أنظر سنن أبي داود: ج4 ص353 باب كراهية أن يقول عليك السلام ح5209.

سورة الملك: 3.

سورة البقرة: 228.

نهج البلاغة، قصار الحكم: 314.

سورة المؤمنون: 14.

انظر وسائل الشيعة: ج20 ص1 ب100.

راجع الكافي: ج5 ص322 ح1.

10ـ سورة الملك: 3.

11ـ الكافي: ج5 ص510 ح3.

12ـ سورة البقرة: 282.

13ـ سورة الحجرات: 13.

14ـ سورة الأحزاب: 35.

15ـ الكافي: ج6 ص56 ح4.

16ـ سورة النجم: 3-4.

17ـ سورة هود: 69.

18ـ الكافي: ج2 ص670 ح2.

19ـ من لا يحضره الفقيه: ج1 ص320 ح947.

20ـ وسائل الشيعة: ج12 ص68 ب40 ح15663.