الفهرس

المؤلفات

 الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

الثروة والفتنة

إنا بحاجة إلى أثرياء، والثروة نعم الشيء لعمارة الدنيا والآخرة، وفي الحديث: (نعم العون على الدين الغنى(وكلما زادت ثروة الإنسان، زادت إمكانات تقدمه في الدنيا والآخرة، وحيث أن الإسلام والعقل أقرا بالملكية الفردية فنحن من أنصار الملكية الفردية، إلى أبعد الحدود ضمن الشروط الشرعية..

نعم الرأسمالية المعاصرة تعربد، وهذا ما لا يقره الإسلام.

إن المأخذ على الملكية الفردية يتلخص في أمرين:

الأول: أن هناك من يعيش في فقر مدقع، بينما يعيش آخرون في ترف وبذخ وسرف.

والثاني: أن الأثرياء يفعلون المحرمات من احتكار وربا وغش وخداع وانهماك في الشهوات المحظورة.. لكن الإسلام ينظف الملكية عن هذين الأمرين، فلا فقر ولا فقير في الإسلام، بل إن كل فرد يحق له أن يعيش عيشة سعادة وكرامة، فإن تمكن هو من تحصيل ذلك فهو، وإلا فالدولة مكلفة بأن تهيىء له ذلك، كما لا يحق للغني أن يرتكب المحرمات، فهل يعد ذلك مأخذاً على الثروة الفردية والأثرياء؟ إن العضو المريض يجب أن يعالج، لا أن العضو الصحيح يجب أن يمرض، ليتساوى مع العضو المريض، والأول منطق الإسلام، والثاني منطق الاشتراكية بمختلف شعبها.

وهناك أمر آخر ندب إليه الإسلام، وهو أن لا يتعلق الإنسان بالدنيا والمال فـ (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)و(الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار) بل يأخذ المال بإذن الله ويصير يصرفه في مرضاة الله، حتى ينال سعادة الدنيا والآخرة.

وهناك قصة طريفة، تنقل عن (الورّام) صاحب (مجموعة الورّام) جدّ السيد ابن طاووس، يقول أن إنساناً قرأ كتابه (المجموعة) فأعجب بزهده، فقطع مسافات شاسعة، ليرى هذا العابد الزاهد التارك للدنيا، ولما وصل إليه، رآه في قصر فخم، تلتف حوله حديقة غنّاء، وأثاثه من أفخم الأثاث، فتعجب تعجباً بالغاً، وقال له: هل أنت مؤلف المجموعة؟

قال الشيخ: نعم.

قال الرجل: فما لي لا أرى شبهاً بين حياتك العملية وبين ما في كتابك؟

قال الشيخ: فماذا ترى؟

قال الرجل: أرى أن مؤلف هذا الكتاب يجب أن يكون في سفح جبل، أو شاطىء نهر، أو منقطع رمل، يأكل الجشب ويلبس الخشن، ويفترش الأرض، ويلتحف السماء.

قال الشيخ: وهل لك أن تصاحبني في أن نعمل معاً كما قلت؟

قال الرجل: وما أسعدني بذلك؟

فخرج الرجل والشيخ، يقصدان البرية ليزهدا فيها، وبعد خطوات قال الرجل: دعني أرجع إلى الدار لأني نسيت مسبحتي هناك، قال الشيخ: دع المسبحة، لكن الرجل أصر وأبدى شديد تعلقه بها، قال الشيخ: إذا كان كذلك فلنرجع، فرجعا ولما أخذ الرجل المسبحة، قال الشيخ: إنك لم تقدر على ترك مسبحة، وأنا قدرت أن أترك كل مالي، فهل أنت تريد الزهد، أم أنا زاهد، ثم بين له: إن المهم أن لا يتعلق قلب الإنسان بالدنيا وليس المهم أن لا يكون للإنسان شيء، فالزاهد من تكون له الدنيا وإن كثرت حوله، والجشِع من يكون للدنيا ولو كانت مسبحة.

وبمناسبة ذكر الشيخ الورّام: ينقل أن إنساناً سمع أن الشيخ يعرف الكيمياء، فجاء إلى الشيخ وبقي عنده أياماً، فلم يأبه له الشيخ، ولما ضاق الأمر بالرجل قال: شيخنا، إني سمعت أنك تعرف الكيمياء، فجئتك لأتعلمها منك، فهل لك بأن تتفضل عليّ بذلك؟

قال الشيخ له: أنظر: فإذا بإبريق من الصفر، في بعض جوانب البيت. فتوجه الشيخ إلى الإبريق، وقال: كن ذهباّ، فتحول الإبريق إلى ذهب يلمع، قال الشيخ للرجل: هذا هو الكيمياء الذي عندي، وغير هذا لا أعرف وإن شئت ذلك، فلا بد لك من المجاهدة حتى تصل إلى ما تريد.

آثار منع الحقوق الشرعية

إن على الذين يمنعون الحقوق الشرعية أو يريدون الحيلة في التخلص منها ــ لما يظنون حيلة شرعية!! ــ أن يعلموا: أنهم مساهمون في هدم الحياة الإسلامية، و إذا هدمت الحياة الإسلامية بصورة عامة، هدمت حياتهم أيضا، إذ الإنسان فرد من المجتمع، فإذا ارتفع المجتمع ارتفع، وإذا انخفض المجتمع انخفض، وسيأتي يوم يقول فيه: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله) أما في الدنيا، فإنه يعرض نفسه للنار وإن لم يشعر بها، فقد قال سبحانه: (الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم ناراً، وسيصلون سعيراً) فهو يأكل النار حقيقة وإن كان حسه محجوباً، كالمشلول الذي لا يحس بالنار إذا احترقت أجزاء من جسمه بها. فكونه لا يشعر بالنار لا يكشف عن أنه لا يحترق بالنار فعلاً، وقد ورد في تأويل الآية الكريمة أن المراد باليتامى: آل محمد عليهم الصلاة والسلام.

وهناك قصة جميلة لا بأس بذكرها، وهي أن أحد الأثرياء، كان يدرس عند أحد العلماء، فكان الثري يصر على العالم أن يذهب و لو مرة واحدة إلى ضيافة الثري، وكان العالم يأبى أشد الإباء، حتى اضطر العالم تحت ضغط التلميذ أن يقبل الدعوة، ولكن اشترط عليه أن لا يكون الطعام مخلوطاً بالحرام، قال الثري: إني لا آكل الحرام أبداً، وجاء العالم إلى بيت الثري في يوم الموعد، وقد هيّىء الثري من كل ما لذ و طاب، وقال للعالم تفضل، لكن العالم، جعل ينظر إلى الأطعمة بدهشة و ما مد إليها يده، فقال الثري: لماذا لا تأكل؟ قال له العالم: فانظر - وأشار العالم إلى عين ــ الثري الحقيقية، وإذ بالثري يرى أن الأواني كلها ممتلئة، من الدم والوسخ والقيح، وتفوح منها رائحة منتنة، فتعجب الثري لذلك أشد العجب، قال له العالم: إن المال لم يخمس واختلط بالحرام في حقيقته هكذا، وإن رآه الإنسان في غير ذلك، فتاب الثري، وصفى أمواله، والتزم بأوامر الله تعالى.

كل ثراء إلى زوال

قال الله تعالى (انفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) إننا خلفاء و سنموت، وسيأتي بعدنا خلفاء آخرون، ولا تمر الأيام والليالي إلا والمجميع تحت التراب، فلا دور و لا قصور، ولا مناصب ولا مراتب، ولا عزة ولا كرامة، بل كلنا همود وركود جمود وسكون، تهب على مقابرنا الرياح، وفي الليالي المظلمة تلف مضاجعنا الأشباح، وقد كلكل على المجميع البلى، وأكلتهم الجنادل و الثرى، ولسان حالنا:

(أكل التـــــراب محاسني فنسيتــكم            وحجبت عن أهلي و عن أترابي)

فهل ينبغي أن نبخل بمال الله في سبيل الله، لهذه الدنيا الزائلة؟ أم الأفضل أن نعطي حقوق الله حتى نسعد هناك، حيث (كل امرء بما كسب رهين) وبالمناسبة يقال: أن بهلول شوهد ذات مرة في المقابر وهو يخاطب الأموات قائلاً: أي كذبة، أي كذبة. قيل له: وهل تجدد جنونك يا بهلول؟ قال: كلا، إنهم كانوا يقولون: لنا قصور، لنا بساتين، لنا مراكب، لنا أموال، لنا أولاد، لنا قوة، لنا سلطة... وأراهم و ليس عندهم شيء ألم يكونوا كاذبين حيث كانوا يدعون ما لم يكن لهم؟

باتـــوا على قلل الأجبال تـحرسهم              غلـب الرجـال فلم تنفعهم القلل

وقد أنشد أحد الشعراء، لأحد الخلفاء، وقد رآه يتقبل التهاني في قصره الجديد:

عـش مــا بدا لك سالماً          في ظل شاهقة القصـــور

يهدى إليك بما اشتهيت          من الــرواح إلــى البكور

فإذا النفوس تـــرقـرقت          في ظل حشرجة الصدور

فـــهناك تعـلــم مــوقـناً          مـــا كـــنت إلا في غـرور

المال والأعمال

في الحديث: أن صباح كل يوم يخاطب الإنسان قائلاً:

(أنا يوم جديد، وغداً عليك شهيد، فقل في خيراً، واعمل في خيراً، فإنك لن تراني بعد أبداً)

إن بعض الناس يقولون: سنصلح أنفسنا غداً، وسنصفي أموالنا في شهر كذا، وسنعطي الخمس في يوم كذا … إنهم مغرورون، فهل ضمنوا على الله أنفسهم؟ وهل إن الشيطان يتركهم يصفون غداً وبعد غد؟ ولماذا التأخير؟ وهل أن أولاده وأوصيائه يفعلون ما لم يفعله هو؟ وفي الحديث:

أن اكثر ما يشتكي منه أهل النار كلمة: (سوف). وكم أنا ــ شخصياً ــ رأيت أناساً قالوا: سنفعل، لكن الأجل لم يهملهم، وتركوا الحياة متحسرين، ولا بد إنهم يقولون الآن:

(رب أرجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما تركت) فيقال لهم: (كلا).

وفي الأمثال القصصية القديمة: أن إنساناً كان له أصدقاء ؛ يرعى جانب الأول منهم أكثر فأكثر، يسهر لأجله، ويتعب في سبيله، ويخاطر لرغباته، ويرعى جانب الثاني منهم أقل من الأول، لكنه أيضاً يهتم بشأنه، ويطلب رضاه، ويعاهد أمره، أما الصديق الثالث: فكان مهملاً لديه، لا يهتم به، ولا يسأل عنه إلا قليلاً، وإذا التفت وتعاهده فبتكاسل و تثاقل، فاتفق أن حدثت له مشكلة خطيرة عند حاكم البلد، وكان يخشى من الحاكم عليه، فجاء إلى صديقه الأول يطلب عونه و مساعدته في حل مشكلته، فتجهم في وجهه وقال: إني لا أساعدك بشيء أبداً، غير أني أعطيك ثوباً من أرخص ما يكون، فتأسف الرجل على صداقته له، واهتمامه به، وما ضيع من وقته في سبيله، فجاء إلى الصديق الثاني يلتمس منه العون، لكن الصديق الثاني أيضاً قال له: أني لست على استعداد لمساعدتك، وكل ما أعمله لك هو أني سأوصلك إلى باب دار الحاكم، فأسف الرجل لما أتلف من وقته في سبيل رضى هذا الصديق، وحيث لم يجد بداً و ملجأً؛ جاء إلى الصديق الثالث وهو منكس الرأس خجلاً، وقال له: أيها الصديق! أني أخجل أن أطلب العون منك لكن الظروف ألجئتني، هل لك أن تعينني في مشكلتي؟ فقال الصديق الثالث: نعم أنا صديقك، وسأرافقك إلى دار الحاكم وأدافع عنك، فحزن الرجل أشد الحزن حيث لم يهتم بشأنه في سالف الأيام... فقيل أن الصديق الأول هو المال، والصديق الثاني هو الأهل والأصدقاء، والصديق الثالث هو العمل الصالح، وبذل المال في سبيل الله، فلننظر إلى الأصدقاء: أيهم نراعيهم أكثر؟ وأيهم ينفعنا في المستقبل أكثر؟

أغلال الثروة وأغلال النار

جاء رجل ثري إلى الميرزا المجدد الكبير ــ رحمه الله ــ وقال: إن علي كذا.. مبلغاً (وذكر مبلغاً ضخماً من المال) من الخمس، لكن الشيطان يحول بيني وبين دفع المبلغ، فأمر أن يقيدوا يدي ورجلي، ويخرجوا مفتاح قاصتي من جيبي، ويذهبوا إلى بيتي؛ إلى المكان الفلاني، ويأتوا بالمال من الصندوق، وإذا سببت أو صحت أثناء ذلك فلا تعيروني بالاً، فأمر الميرزا بذلك، ولما أرادوا إخراج المفاتيح من جيبه، أخذ يصيح ويقول: يا لصوص.. يا لصوص.. ويسب، ويشتم، لكنهم لم يعيروه بالاً، وذهبوا، وجاءوا بالمال وأعطوه الميرزا، وبعد ذلك: فكوا وثاقه، وحينذاك قال الرجل: الآن أحمد الله الذي نجاني من هذا الأمر، وشكر الميرزا وانصرف..

إن هناك أغنياء من هذا القبيل، والآن أنا أعرف غنياً عليه أكثر من خمسين ألف دينار من الحقوق، وهو يقول لبعض الخطباء: انصحني لعل الله يلين قلبي؛ وينزع حب المال من نفسي، لكن شيطانه قوي جداً، وليست له الجرأة الكافية لأن يعمل كما عمل التاجر الآنف الذكر.. فليعلم الأثرياء الذين عليهم الحقوق، أن المال لا يبقى لهم، وبالأحرى: إنهم لا يبقون للمال، فمن الضروري أن يهتموا لإخراج أنفسهم من حق الله وحق الناس، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال؛ وإن كان الخروج بكيفية خروج التاجر المذكور.

الوديعة

وما المال والأهلون إلا ودائعاً          ولابد يوماً أن ترد الودائع

إن مال الإنسان وديعة عنده، ويأتي يوم ترد الوديعة، أليس من الأفضل إذاً أن يتزود الإنسان من هذه الوديعة؟ والتزود منها ليس حلالاً فحسب، بل يؤدي إلى حسن الذكر في الدنيا وجميل الثواب في الآخرة، وسيأتي يوم يندم فيه من لم يتزود، ولكن لا ينفعه الندم.

يقال: إن كسرى أنو شروان لما بنى قصره الضخم ؛ جاءه الحكماء والفلاسفة، والرؤساء والوزراء، ومدح القصر كل منهم حسب معرفته، حتى جاءه حكيم فسأله كسرى: هل في القصر عيب؟ قال الحكيم: نعم أكبر العيوب ؛ قال كسرى: وما وذاك؟ قال: لأنك إما أن تدخل فيه ذات مرة فلا تخرج منه أبداً، وإما أتخرج منه ذات مرة فلا تدخل فيه أبداً: إنه إما أن تموت وتقبر في القصر فلا تخرج منه أبداً، وإما أن تموت وتقبر خارج القصر فلا تدخل فيه أبداً...

وقد مر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على طاق كسرى ؛ فأنشد بعض من كان بحضرته:

جرت الرياح على محل ديارهم          فكأنهم كــانوا على ميــعاد

فقال الإمام (عليه السلام): ألا قرأت قوله تعالى:

(كم تركوا من جنات، وعيون، وزروع، ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك أورثناها قوماً آخرين).

نار الذهب

رؤي إنسان يبلل سبابته وإبهامه بلسانه، وينفخ فيها باستمرار، فسئل عن ذلك وبعد إباء شديد قال: إني كنت أطلب من إنسان مالاً وكان ذلك الإنسان يأبى أن يعطيني المبلغ وكنت أعلم أنه حول ماله إلى ليرات ذهبية وذات مرة علمت أنه ابتلع الليرات جهلاً منه بما يكون مصيره ولم تمض ساعات إلا وأصيب بداء في بطنه ومات ودفن وفي الليل انتهزت الفرصة وذهبت إلى قبره ونبشته وشققت بطنه لآخذ حقي فلما مددت يدي لآخذ ليرة من تلك الليرات احترقت إصبعاي: السبابة والإبهام لأن الليرات كانت ملتهبة وكأنها في بوتقة وعلمت حينذاك: أنه قد كشف لي من عالم البرزخ ومنذ ذلك الحين وإصبعاي اللتان مسست بهما الليرات تحترق ليل نهار كأنها في النار والذي أفعله يخفف من ألم الحرقة.

نعم: (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) تكوى الجباه حيث أنهم قطبوها حينما طولبوا بحقوق الله وحقوق الناس، وتكوى الجنوب: لأنهم لووها فراراً من الطالب وتكوى الظهور: لأنهم أداروها على الطالب، وذهبوا إلى غرور الجشع فهل الإنسان المانع لحق الله سبحانه مستعد لهذه النتيجة؟ قال (عليه السلام):

إذا كانت الأموال للترك جمعها          فقلة حرص المرء في الجمع أنبل

قصر أم خان

وهل ما تملك لك؟ فإن كنت تزعم أنه لك فقد أخطأت خطأً كبيراً، وإن كنت تعلم أنه ليس لك فهلا تنفق منه حق الله وحق الناس، لئلا تحمل الوزر يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

(لكل إنسان في ماله شريكان: الوارث، والحوادث)

يُنقل: أن إبراهيم بن ادهم كان ملكاً، وكان ذات يوم جالساً مع وزرائه في قصره الملكي الفخم، فسمع ضوضاءً على باب القصر، ورأى أن فقيراً يريد الدخول والحراس يمنعونه، قال الفقير: أليس هذا: (خاناً)؟ فلما سمع الملك كلام الفقير اهتاج غضباً لتطاول الفقير عليه وعلى قصره، فأمر بإحضاره، ولما أُحضر بين يدي الملك قال: لماذا كنت تريد الدخول؟ قال: حتى أستريح ساعة: قال: فلماذا سميت القصر: (خاناً)؟ قال: أيها الملك هل أنت حصلت على القصر بنفسك أم كان قبلك لغيرك؟ قال إبراهيم: بل كان لجدي، ثم لأبي، ثم الآن لي، قال الفقير: وبعدك لمن يكون؟ قال لولدي، قال الفقير: وهل(الخان)غير هذا؟ أليس(الخان)هو البيت الذي ينزل فيه إنسان ثم يرحل ثم ينزل فيه آخر ويرحل؟

نزلنا ههنـا ثــم ارتحلنا          كذا الدنيا نزول وارتحال

فتنبه الملك وعزم على ترك الملُك، ثم تسلل ليلاً من القصر، ولبس المسوح، وذهب إلى البرية، وصار من الزهاد المعروفين.

مكانة الدنيا ومحل النعم

سمعت من بعض الخطباء: أن اثنين تنازعا في دار فجاءا إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفصل الخصومة وكلما حاول الرسول الفصل بينهما أصر كل واحد منهما على ادعائه وكان جبرائيل (عليه السلام) حينذاك حاضراً بمحضر الرسول فأخذ يضحك، قال له الرسول: مم تضحك يا جبرائيل؟ قال: إن هذه الدار التي يتنازعها هؤلاء قد سبق وأن ملكها أناس كثيرون لكن كلهم ذهبوا وبقيت الدار فأضحك من نزاع هؤلاء فيما يخلفونه بعد قليل..

نعم بعد قليل: تبقى الدور والأموال وينتقل الإنسان إلى ما قدم من صالح أو طالح فهل يكفي هذا موعظة لمن يمنع حق الله سبحانه حرصاً على الدنيا؟

وقد روي أن الرسول ــ ذات يوم ــ أخذ بيد أبي ذر وخرج به حتى وصلا إلى خربة وكانت هناك قاذورات وخرق وعظام فقال له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): هذه هي الدنيا، القاذورات: أطعمتها اللذيذة التي تحولت إلى ما ترى، والخرق: أثوابها الناعمة التي تحولت إلى ما ترى، والعظام: أهل الدنيا الذين صاروا هكذا..(هذا مضمون الحديث) وفي أبيات فارسية:

إن ناصر الخسرو كان يمر بطريق وهو غارق في الذهول لا كالذين يشربون الخمر، فرأى المقابر في مقابل بيت الخلاء فقال: انظروا أيها الناظرون انظروا إلى: نعم الدنيا وأهل النعم فالمقابر محل أهل النعم وبيت الخلاء محل النعم.

بين المال والتقوى

(إذا مات ابن آدم انقطع عمله من ثلاث: صدقة جارية وولد صالح يدعو له، وكتاب علم ينتفع به).

فهل قدمنا لأنفسنا ما ينفعنا هناك؟

إن الإنسان قد يموت فتكتب له الآثام وهو نائم في قبره كما لو سنّ سنة سيئة، أو غصب ملكاً وبقي بعده مغصوباً، وإذا لم يعرف ورثته ذلك كان لهم المهنى وعليه الوزر، وإذا بنى داراً وهيّىء لها أثاثاً ولم يخمسه ثم مات ولم يعرف وارثه ذلك، كان ذلك للوارث حلالاً لكن يكتب الوزرعلى المورث، فهل تحب أن تكون أنت كذلك؟ إذاً لا تحب ذلك: فبادر إلى إخراج حقوق الله: من (قبل أن يأتي يوم لامرد له).

ثم إنك إذا صليت فيما ليس بمخمّس، أو اغتسلت أو توضأت، أو حججت بمال ليس بمخمس، فصلاتك وغسلك ووضوئك وحجك باطل ــ كما هوالمشهور بين العلماء ــ فإذا مت حشرت في عداد تاركي الصلاة والحج، فهل تحب أن تكون كذلك؟ فإن أحببت فأنت وشأنك، وإذا لم تحب ففكر في ذلك اليوم، واتق الله سبحانه، وخمس أموالك، فالويل للإنسان إذا عد في قبره من ظالمي آل محمد ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ وهو يلعن طيلة حياته ظلمة آل محمد، أولهم، وآخر تابع لهم على ذلك.

ويقال مات أحد الأخيار، فرُئِيَ في منامه مسوداً وجهه، تخرج النار من فمه ودبره، وهو مقيد بالسلاسل، ويقرع بمقارع من حديد، فتقدم إليه الرائي وقال له: لقد كنا نعرفك في حياتك صائماً مصلياً، صدوقاً أميناً، صاحب خيرات ومبرات، قال: نعم، لكن لم يقبل مني شيء من ذلك، فقد أوقفت مع المجرمين، وقيل لي: إن كل أعمالك باطلة حيث أن الخمس كان مخلوطاً بمالك، فأفسدت جميع ما عملت، وقد حشرت مع أعداء آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

المبادرة أو الندم

لقد ورد: إن من مات سُجن هناك حتى يؤدى عنه ما عليه من الحقوق … فهل تحب أن تسجن في الآخرة حتى يؤدى ما عليك فيفرج عنك أو يؤدى عنك فتبقى سجيناً إلى يوم القيامة؟ ثم إذا لم تحب ذلك: فهل تبادر إلى خلاص نفسك أم تدع الأمر لوارثك؟ وهل وارثك يخلصك من السجن؟ وأنت أيها الوارث! إذا كان مورثك لا يخمس فاعلم أن إعطاء خمسه خير لك وله، من إقامة الفاتحة والإطعام، والقيام بالمراسيم المستحبة، فحبة من واجب خير من بيدر من المستحب، ودرهم في الحق خير من قنطار في الندب، فإذا كنت محباً لمورثك، تقدم أول شيء إلى إخراجه من الحقوق، وخلاص رقبته من النار.

وقد ورد في كتاب: (الدّين) من: (المستدرك): إن النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لم يصل على إنسان كان مديوناً درهمين. فكيف من هو مديوناً ألوف الدنانير؟ ثم أنت أيها الوارث الذي تعلم أن مورثك لم يخمس ماله يجب أن تعرف: أن تصرفك في المال الذي لم يخمس حرام، فالوزر عليك مرتين: مرة لأنك تصرفت في مال الميت من غير أن تؤدي حقه، ومرة لأنك تصرفت في الحرام، أي: إنك إذا لم تخمس مالك كنت أنت وحدك المعاقب، وإذا لم تخمس مال الميت كنت أنت وكان هو ــ معاً ــ معاقبين، فاتق الله وأسرع في خلاص من ورثت منه، وإلا ندمت حيث لا ينفعك الندم.

العبد العاق لربه

كان لإنسان عبد، فسافر هو وعبده إلى بلد بعيد، وترك عائلته في بلده، وبعد فترة كتب إليه بعض عياله يقول: إن نفقتنا قد انتهت وأننا بأشد الحاجة إلى المال، فأعطى السيد لعبده ألف دينار وقال له: اذهب وسلم المال إلى عائلتي، وهذه عشرون دينار لأجل سفرك، فلما ابتعد العبد قليلاً ناداه سيده وقال له: إن مائتين من الألف أيضاً لك، وسلم إلى عائلتي ثمانمائة، قال العبد: أيها السيد.. إني رهين إحسانك ومنتك، وقد أعطيتني نفقة السفر، فلا حاجة بالزائد، قال السيد: اسمع كما أقول لك، فشكره العبد، وما إن مشى خطوات حتى ناداه السيد وقال له: لك أربعمائة، وسلم ستمائة إلى عائلتي، فلما ابتعد قليلاً، وذهب غير بعيد، وإذا بالسيد يناديه ويقول له: لك ستمائة ولعائلتي أربعمائة، فكرر العبد كلامه السابق، وكرر السيد إصراره، فأكثر العبد من شكره، ولم ينقل خطواته حتى ناداه السيد قائلاً: لك ثمانمائة والبقية لعائلتي، فذهب العبد ووصل إلى بلد السيد، لكنه لم يسلم المال إلى عائلة السيد، وكلما طالبوه، وهم في أشد الحاجة ــ لم يعطهم العبد شيئاً!!

ترى كيف يكون هذا العبد؟ وماذا يستحق من العقاب؟ إنك إذا غضبت على العبد، وتمنيت أن توجعه لو رأيته، فتعال معي لأريك العبد، إن ذلك العبد هو أنت بالذات إذا منعت الخمس، لقد تفضل الله عليك بكل شيء، وقال لك اصرف مؤنتك من ما منحته لك، فإذا زاد عن سنتك شيء فخذ من كل ألف ثمانمائة، وأنفق لعيالي (والفقراء عيالي) مائتين، وإنك أعرضت عن أمر الله، ولم تنفق على عياله حتى الخمس، فاحكم أنت بنفسك على نفسك.. وإذا هزتك هذه القصة فما عليك إلا أن تحاسب في نفس هذا اليوم، وتؤدي حقوق الله كما أمر الله.

بخيل ويأمر بالبخل

في الحديث: (إن لله سبحانه ملكاً ينادي كل يوم: اللهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً) فهل يستجاب دعاء الملك؟ إن هذا ما نعتقده، ولو أغمضنا عن استجابته في الدنيا فلا نشك في أنه يستجاب في الآخرة: (وما متع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) فإن الإنسان إذا مات كأنه لم يعش في الدنيا إلا: (ساعة من نهار) وإن زاد فكأنه لم يعش إلا: (يوماً أو بعض يوم) كما في القرآن الحكيم، فهل يحب الإنسان الخلف أم التلف؟ إذا أحب الإنسان التلف فهو وما اختار، لكن عليه أن لا يعد نفسه من العقلاء ــ بعد ذلك ــ وإذا أحب الإنسان الخلف فلينفق حسب قدرته، إني لم أجد حتى إنساناً واحداً افتقر لأنه أعطى، بل ولم أجد حتى إنساناً واحداً قل ثرائه لأنه أنفق، وأذكر أكثر من عشرة أفراد ــ ممن عاصرتهم ــ كانوا أغنياء ثم افتقروا، وكان الطابع العام عليهم البخل والشح وعدم إعطاء الخمس، وعدم الإنفاق في سبيل الله.

وأذكر ــ من باب المثال ــ اثنين منهم: فاحدهما كان في ثروة طائلة، يملك عشرات الدور والقصور، جاء أحد معارفه إلى والدي ــ رحمه الله ــ وقال: إن فلاناً مستطيع ولكنه لا يذهب إلى الحج تهرباً من إعطاء الخمس، قال الوالد: قل له: إن السيد مستعد لأن يقبل منه خمس ما ينفقه في الحج فقط، لأجل أن يذهب، وأما خمس بقية أمواله فهي واجب آخر، قال الرجل: لكنه أيضاً غير مستعد لأن يدفع خمس ما ينفقه في الحج فقط، قال له الوالد: قل له إن السيد مستعد لأن يقبل الخمس ويعطيه لأقربائه الفقراء بيده هو، وذهب الرجل، وأخبرنا بعد ذلك: إن الثري لم يقبل ذلك أيضاً، ودارت الأيام حتى توالت عليه النكبات وجلس على الأرض، ثم لم تمض مدة على ذلك إلا وقد مات، والله ولي الحساب …

أما الثري الثاني: فكان لا ينفق، لا هذا فحسب، بل يأمر الناس بالبخل، مصداقاً لقوله سبحانه: (الذين يبخلون، ويأمرون الناس بالبخل) وذات مرة جاءني إنسان وقال لي: إنه يريد وقف داره في مشروع، قلت له: اجعلها مدرسة دينية علمية، قال: إنها فكرة حسنة، وغاب الرجل أياما، ولما افتقدته سألت عن سبب عدم قيامه بالمشروع، قالوا: لأن فلان الثري منعه عن القيام بالمشروع، وقال له: هل أنت مجنون حتى توقف دارك لمدرسة علمية؟ فطلبت الرجل ونصحته بأن يقوم بالأمر، وقبل النصح، ووقف داره مدرسة علمية دينية وأسماها بـ: (مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام)( ــ وهي في شارع قبلة سيدنا العباس ((عليه السلام)) ــ ولم تمض مدة إلا وافتقر الغني حتى أدقع، وجاءني واقف المدرسة ذات يوم في البرد القارص ليقول لي: إن عائلة فلان (ذلك الغني) يعانون من شدة البرد، لأن شبابيك غرفتهم المستأجرة بلا زجاج، ومالك البيت رفض أن يصلحها، فهل لك أن تعطي ثمن الزجاج؟ قلت: وكم الثمن؟ قال: سبعة دنانير، فأعطيته الثمن، وقد كان لهذا الثري دور، وقصور، وسيارات، وبذخ، ولكن الله أعطاه تلفاً، حسب دعاء ذلك الملك!

الدنيا تغر وتضر وتمر

قال المؤرخون: أن رجلاً رأى فقيراً يتكفف الناس على باب مسجد من مساجد بغداد، وقد فقئت عيناه وعليه جبة خلقة، وهو يقول ارحموني، فقد كنت في الأمس أمير المؤمنين، واليوم أنا من فقراء المسلمين، قال الرجل: فسالت عنه، وإذا بالناس يقولون: إنه الخليفة القاهر بالله العباسي، كان خليفة فخلعه ذووه، وفقأوا عينيه، وأخرجوه إلى الشارع..

وجاء ذات مرة فقير إلى والدي ــ رحمه الله ــ يسأله، فأعطاه الوالد مبلغاً محترماً، فقلت للوالد: لم أعطيته هذا المبلغ، ومثله لا يعطى إلا قدر ما يعطى للسائل المتكفف؟ قال الوالد: إنه كان من التجار المحترمين، والآن دارت به الدنيا هكذا.. نعم:

هــي الـــدنيا تـــقول بـملء فــيها          حذار.. حذار.. من بطشي وفتكـي

فــلا يـغرركــــموا حسن ابتسامي          فقولــي مضـــحك والفـعل مبكــي

فهل بعد ذلك: يمكن الاعتماد على الدنيا؟ إن الإنسان الذي لا يدفع الحقوق، لابد وأن يفكر: أنه إذا أخرج حقوق ماله هل ينقص ماله؟ ولنفترض ذلك، ولكن هل عدم إخراج الحقوق يدفع عنه النكسات المفاجئة بمرض، أو غرامة، أو خسارة، أو ما أشبهها؟

وقد كتب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية كتاباً هذا نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم: الدنيا تغر وتضر وتمر، والسلام) كلمات ثلاث لخصت خصائص الحياة في اجمل معنى، وأصدق تعبير، إن الإنسان إذا فكر ــ ولو قليلاً ــ ثاب إلى رشده، ولم يترك نفسه عرضة للعقاب، لما يمنعه من حق الله وحق الفقراء وحق الإسلام.

الجود لا يفني والبخل لا يبقي

إذا كانت الدنيا مقبلة على الإنسان، فهل إعطاء الخمس يوجب الفقر؟ وإذا كانت الدنيا مدبرة عن الإنسان فهل منع الخمس يوجب بقاء الدنيا؟ كلا.. كلا.. بل إن التاريخ الغابر والماضي دل على أن العكس هو الصحيح، فلماذا البخل، ولماذا منع حق الله تعالى؟

قالوا إن رجلاً فقيراً ــ من أهل بغداد في أيام الخلافة العباسية ــ بات ليلة طاويا ً، فقالت له زوجته: إذا كنت لا تستطيع أن تأتينا بطعام فاذهب وأتنا بالماء من دجلة، فأخذ الفقير جرته، وجاء إلى دجلة ليملأها بالماء، وإذا به يرى أناساً يركبون سفينة، فسأل عنهم، فقيل له: إنهم شعراء يقصدون الخليفة، فحدثته نفسه أن يذهب معهم لعله ينال ما ينالون، ولما دخل على الخليفة في جملة الشعراء، تقدم كل شاعر، ومدح الخليفة بقصيدة، فقيل له: وهل أنت شاعر، قال: لا، ولكني أحفظ بعض الشعر، قالوا: فأنشدها، فأنشد:

إذا أقبلت الدنيا عليك فـجد بـها          علـى الناس طراً قبل أن تتفلت

فلا الجود مفنيها إذا هــي أقبلت          ولا البخل مبقيها إذا هــي ولت

ولما رأيت الناس شدوا رحالهم          إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي

ووضع جرته وسط المجلس، فضحك الخليفة والحاضرون، وأمر أن يملئوا جرته ذهباً وفضة.. وهكذا لا الجود مفنيها ولا البخل مبقيها، فلماذا البخل؟ إنه لا يزيد عن أفعى تحرس الكنز ــ كما في المثل -.

شجاعة لإخراج الحقوق الشرعية

لقد قرر الله ــ سبحانه قانوناً لإبقاء المال في صناديق المترفين، كما قرر قانوناً لإخراج المال من صناديق الممسكين، وجعل الوسط هو الحق فقال: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا، ولم يقتروا..)، لكن جمد القانونان في جملة ما جمد من قوانين الإسلام، فأخذ الإسراف يجد سبيله إلى صناديق المبذرين، كما ركد المال في صناديق البخلاء الممسكين، فلذا يجب على الذين يحبون الإسلام، ويخافون الله واليوم الآخر، أن يتحلوا بالجرأة الكافية لإخراج المال من صناديق البخلاء، فيذهبوا إليهم، ويتكلموا معهم، ويخوفوهم من مغبة البخل والإقتار، فإن الإنسان إذا استغنى طغى، ولم ينفعه حينذاك إلا الشدة والخوف، وحيث لا خوف من القانون، ولا شدة من السلطان، فاللازم أن يتحلى أهل الخير بشيء من ذلك، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.. وفي الحقيقة: أن الجمود الذي أصاب الثروة في بلاد الإسلام جمود هائل، يحتاج إلى شيء كبير من الدفء حتى يذوب، وإن بقي جامداً فسد وأفسد ــ كما حدث بالفعل -.

قبح الحرص وطول الأمل

ما اجمل ما يفعله الأثرياء الخيرون، وجزاهم الله خير جزاء المحسنين.. امرأة أوقفت: (مكتبة القرآن الحكيم) في كر بلاء المقدسة … ورجل أوقف: (المدرسة الرضوية) في كربلاء المقدسة.. وثري بنى أووقف: (المدرسة الجعفرية) في الكويت.. وثري بنى أووقف: (جامعة النجف الأشرف الدينية)… وثري أوقف أربعمائة مليون تومان للإمام الرضا (عليه السلام).. وثري بنى: (المدرسة الحسينية الأصفهانية) في كربلاء المقدسة.. ونقل لي المرحوم الحاج مجيد الخباز ــ أحد الخيرين في كربلاء المقدسة ــ أن أستاذه كان خبازاً، ووفقه الله لبناء مدرسة ابن فهد رضوان الله عليه، في كربلاء المقدسة، قبل نصف قرن، قال: أنه لما مرض مرض الموت طلب دفتر حساباته، وأحرق الأوراق التي سجلت فيها طلباته من الناس، قال: فقلت له: لماذا تفعل هكذا؟ قال: حتى لا يطالب الغرماء بعدي، فإن الله تفضل علي بالمال والعمر وكل شيء، فلماذا يبتلي بي بعد موتي المديونون؟. وكان أحد تجار بغداد ــ قبل أن يموت ــ أحرق الكمبيالات التي كانت له على الناس، وكانت قيمتها خمسين ألف دينار.. وأنا أعرف العشرات أمثال هؤلاء المفاخر.. فإذا أعجبت بهم، ورأيت أن ما صنعوه كان جميلاً، فاقتد بهم أنت مادامت الدنيا مقبلة عليك، وما دامت يدك متحركة، ومالك تحت اختيارك.

انظر إلى هؤلاء واسمع هذا الخبر: ثرية مرضت بالشلل شبه التام، فأرسلت أنا إليها الخبر: أن من الأفضل أن تخلفي لنفسك شيئاً بأن توقفي أو تبذلي، أو توصي، قالت الثرية للرسول: الناس يزعمون أني سوف أموت، انظر إلي فالحمد لله ما بي إلا مرض طفيف، وسوف أشفى بإذن الله تعالى ــ ألا تنظر أني أتمكن من تحريك إصبعي السبابة والوسطى؟ قال الرسول لي: فأخذت تحرك تحريكاً ضعيفاً إصبعيها، وماتت المرأة قبل أن يدور الأسبوع، وحضرت جنازتها، وقد كان عمرها يقارب الثمانين! وصدق الحديث الشريف: (يشيب الإنسان وتشب فيه خصلتان: الحرص: وطول الأمل). قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (كأن الموت على غيرنا كتب). وفي الحديث: (أن أكيس الأكيسين: من أكثر ذكر هادم اللذات).