الفهرس

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

أحكام الربا

مسألة (الربا) لغةً بمعنى: الزيادة، قال سبحانه: (يمحق اللّه الربا ويربي الصدقات)(1).

أي: يزيدها، والسبب واضح، فان الصدقة توجب التكافل الاجتماعي، وعطف المجتمع بعضه على بعض، وهو يوجب قوة الاجتماع، ويتم التقدم بسببها، فإن: (يد اللّه مع الجماعة)(2).

وبالعكس الربا: حيث يوجب تفكك الاجتماع ممّا يستلزم تحطّمه، وينتهي بالنتيجة إلى محق الأموال، إذ كلما نمى الاجتماع نمى المال، وكلما ضعف الاجتماع وتضاءل ضعف المال وتضاءل.

وحرمته ثابتة، كتاباً، وسنة، وإجماعاً. وعقلاً:

الكتاب وحرمة الربا

قال سبحانه: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ، ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، وأحلّ اللّه البيع وحرّم الربا) .

إلى قوله سبحانه: (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(3).

والظاهر: أن المراد بالقيام: قيامهم من أكل الربا، أي: قاموا عن هذه الحالة الشائنة بمعنى: قيامهم الاقتصادي والاجتماعي.

ومنه قولهم: قام فلان على قدمه.

وفي عكسه قال سبحانه: (أن تقوموا للّه) فقيام آكل الربا ليس كقيام الإنسان باقتصاد صحيح، واجتماع سليم، بل مثل قيام المتخبّط في الظلام، وقد اختلط عقله وتفرّق لبّه، حيث يترنّح إلى اليمين والشمال والخلف والأمام، ثم يسقط على وجهه ويرتطم بالأرض فيؤدّي سقوطه ذلك ـ بما فيه من كراهة المنظر ـ إلى موته، أو تكسّر عظامه، فقيام آكل الربا هو من هذا القبيل من القيام، تشبيهاً للمعقول بالمحسوس.

ولذا ذكر القرآن حاله كذلك أولاً وكأنه يريد بيان علّة التحريم وإقامة دليل عقلي للأمر، ثم أردف ذلك بقوله سبحانه: (وحرّم الربا)(4) على ما هو شأن القرآن الحكيم ـ غالباً ـ حيث يذكر الدليل لكل حكم ولو بكلمة واحدة مثل قولـه تعالى في الصلاة: (لذكري)(5).

وفي الصوم: (لعلّكم تتّقون)(6).

وفي الزكاة: (تطهّرهم)(7).

وفي الحج: (قياماً للناس)(8) إلى غير ذلك.

أما الخلود في النار فلأن هذا العمل من جنس الظلمة والاحتراق، وكل شيء منجذب إلى مثله وراجع إلى أصله، فيرجع بصاحبه إلى النار، وفي الشريعة إشارة إلى ذلك، مثل قوله تعالي: (كلّ نفس بما كسبت رهينة)(9).

وقوله سبحانه: (وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه)(10).

ومثل قوله (ص): (الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخيـر، وإن شرّاً فشرّ) .

ولا منافاة بين الاقتضاء وعدم الحلية كما في (ومن يقتل مؤمناً متعمّداً)(11) حيث (جزاءه جهنّم خالداً فيها)(12) إلى غير ذلك.

وقد ذكرنا في (الكلام) و(الأصول): الجمع بين (وجزاء سيئة سيئة)(13) و(لا يجزي إلاّ مثلها)(14) وبين شدّة العذاب في الآيات والروايات ولعلّ الجمع يكون بالتقسيم الأقساطي أو ما أشبه ذلك حسب ما تقرر في الضروريات من الجانبين، فتأمّل.

السنّة وتحريم الربا

شدّدت الروايات على الربا(15) وعدّته في بعضها أشدّ من عشرين زنية(16)، وثلاثين(17)، وسبعين كلّها بذات محرم وفي بيت اللّه الحرام(18) . وفي بعضها: (للربا سبعون باباً أهونها عند اللّه كاـلذي ينكح اُمّه في الكعبة)(19)، إلى غير ذلك.

ولعل الاختلاف في الروايات لاختلاف أبواب المرابين، أو اختلاف أضرار الربا، أو اختلاف حاجات المعطين، أو ما أشبه.

الربا جريمة اجتماعية كبرى

لا يقال: من المرتكز في أذهان المتشرعة ان شدة الربا ليس كشدة الزنا بالأجنبية فكيف بالأم وخصوصاً في الكعبة؟ ولا يعقل أن يكون المرتكز خلاف ما ورد من الشرع، مما يدل على عدم مثل هذه الشدة، ويؤيده ان حدّ الربا ليس كحد الزنا خصوصاً بذات محرم. نعم المستحل للربا منكر للضروري، ولذا روى ابن بكير قائلاً: (أنه بلغ أبا عبد الله (ع) عن رجل انه كان يأكل الربا ويسميه: اللبا، فقال: لئن أمكنني اللّه منه لأضربنّ عنقه)(20).

لأنه يقال: لعل الشدة ناظرة إلى النتائج الوخيمة المترتبة ـ غالباً ـ على الربا: من الحروب المدمّرة، والمشاحنات البغيضة، والفقر المدقع، الموجب لمختلف الجرائم، وأنواع الأمراض، وما أشبه ذلك، فإن الفقر سواد الوجه في الدارين(21).

إلى غير ذلك مما ذكر في باب الربا، حتى أن عقلاء الغرب الرأسماليين اخذوا يطالبـون حكوماتهم بوجـوب إلغاء الربا إنقاذاً لبلادهم وشعبهم من مآسيه.

ومن المعلوم: أن الزنا على بشاعته وشدّة حرمته وفضاعة آثاره لا يترتب عليه مثل هذه الآثار الفجيعة، كما ان الفقر العام ليس من آثار الزنا، وان كان عكسه صحيحاً، وما ورد من فقر الزاني فهو قد يكون قضية شخصية، حيث ان الزاني يصرف ماله فيفتقر، لا أنه أثر عام، كالسيل الجارف والمدمّر الشامل للجميع، الذي يأتي من الربا، فتأمل.

الربا حرب مع اللّه والرسول

لا يقال: اختلاف الحد وشدّته في الزنا يؤيد مرتكز المتشرعة.

لأنه يقال: لعلّ اختلاف الحدّ فيهما ـ مع أن الربا أعظم ذنباً، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا اتّقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من اللّه ورسوله...)(22) ولم يأتِ مثل ذلك في الزنا ـ هو: انّ الزنا هتكٌ ظاهر لحرمة المجتمع، وجريمة إنسانية صارخة، بينما الربا ليس كذلك، إذ هو هدم غير ظاهر، وإنما يظهر دماره في المدّة الطويلة وعلى مرّ الأيام، ولذلك لا يبدو في الأنظار جريمة إنسانية صارخة كما هو بالنسبة إلى الزنا.

أضف إلى ذلك: أن الشارع لم يجعل في كل ذنب حداً وإنما جعل التعزير في الذنوب، وهذا لا يعني خفّة الذنب: بل من الممكن أن بعض الذنوب التي لم يجعل فيها الحد ما يفصح عن كبر الذنب وعظمه، حتى كأنه لا يقابله حد(23)، وأي ذنب أعظم وأكبر من إعلان الحرب على اللّه ورسوله؟

شبهات وحلول

لا يقال: كيف والغرب ونحوه لا يرى الزنا جريمة بعد رضاهما به؟ مما يشير إلى أن عده جريمة إنما هو من تركيز الشرع على ذلك.

لأنه يقال: الزنا جريمة بالفطرة، لأنه يوجب هدم العوائل وتبديل الأسرة، ويسبب مختلف الأمراض والعاهات، ويؤدي إلى كثرة العنس وإهانة المرأة، كما وجد كل ذلك في الغرب ونحوه، وقد ساقهم إلى هذه الهوّة السحيقة، التحريف الذي طرأ على كتبهم المقدّسة مثل تحريف نزاهة الأنبياء (عليهم السلام) بنسبة الزنا إلى بعضهم (والعياذ باللّه)(24) مما جرّأهم على أن يستهينوا بهذه الجريمة، ولذا أخذ ينادي عقلائهم اليوم بوجوب المنع عنه لأنه جريمة صارخة وإن كان المنحرف جنسياً قد لا يراه جريمة كالمنحرف الذي إعتاد على السرقة والقتل والاستعمار وما أشبه، فهـل يقـال بعد ذلـك: لماذا يمنـع عنها المانعـون؟ أو يقال: لماذا يجوزها المجوزون؟

لا يقال: إذا كان الأمر كما ذكرتم بالنسبة إلى الغرب، فلماذا نرى وصول المرأة في بلادهم إلى ما لم تصل إليه المرأة المسلمة من الرئاسة والوزارة والإدارة وغيرها في بلادنا؛ وهل يتوافـق ذلك مع ما ذكرتم من إهانتهم للمرأة وتكريمنا لها؟

ألم يكن الأمر على العكس حيث نالت المرأة هناك الرئاسة والوزارة والحكم، ولم تنل المرأة مثل تلك الأمور في بلاد الإسلام؟

وأيضاً إذا كان الأمر كما ذكرتم فلماذا تقدّم أولئك هذا التقدم المذهل حتى وصلوا إلى القمر وشطروا الذرّة، بينما المسلمون تأخّروا هذا التأخر المؤسف حتى لم يستطيعوا من صنع الأبرة ولا من توفير الغذاء لأنفسهم ـ مع وفرة الأراضي والمياه والأيادي العاملة وكثرة المعادن عندهم ـ فكيف بما هو فوق الأبرة وأصعب من توفير الغذاء؟ ولذا احتاجوا إلى الغرب في استيرادهم حتى لمثل الأرز والقمح والبيض واللحم.

لأنه يقال: ما نالت المرأة في الغرب الرئاسة ونحوها إلا على حساب عنسها وانسلاخها من عواطف الأمومة وحنايا الأسرة وما يليق بكرامة المرأة(25).

وما تقدّم الغرب في مجال الصناعة ونحوها إلاّ لأنهم أخذوا بأسبابها وتتّبعوا عللها، فتقدّموا بذلك فيها بعض الشيء، وهذا لا يعني أنهم تقدموا في كل جوانب الحياة، بل على العكس فإن كثيراً منهم أخذهم التقهقر الروحي والمعنوي من معانيهما الخيرة والجميلة.

وما كان تأخر المسلمين هذا التأخر الشائن، إلاّ لأنهم تركوا الإسلام والقرآن، وهجروا سيرة نبيهم الكريم وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، كما ذكرنا بعض هذه الأمور في كتب مربوطة بهذا الشأن واللّه المستعان(26).

الإجماع وحرمة الربا

ثم إن الإجماع على حرمة الربا وضعاً وتكليفاً متواتر.

العقل وتحريم الربا

كما أن العقل يدل على التحريم في الجملة، كما أشرنا إليه وسيأتي بعض الكلام فيه.

لو اضطرّ إلى الربا

مسألة: الربا على حرمته الشديدة، لو أضطر إليه الإنسان جاز، لأن دليل (الاضطرار) وارد على الأحكام الأولية، وكذلك إذا كان هناك أهم ومهم(27).

قال في (الدروس): ولو اضطر الدافع ولا مندوحة فالأقرب ارتفاع التحريم في حقه.

وعلّق عليه الجواهر: وهو جيد في بعض أفراد الضرورة.

أقول: كلا التعبيرين: (ولا مندوحة) و (في بعض أفراد الضرورة) في كلام العلمين (قدس سرهما) مستدرك، لوضوح: أنها لو كانت لم يكن من الضرورة، كما أن الضرورة لو تحققت جاز، فلا وجه لتخصيصها ببعض أفرادها.

اللّهم إلاّ أن يقال: (عدم المندوحة) يراد به إمكان نقل الضرورة إلى فرد أقل حرمة من الربا، فيما إذا كان الجامع محرّماً، مثل: أخذ الربا وأكل المخمصة إذا قلنا بأنّ الثاني أقل حرمة.

وحينئذ يكون الجواهر قد أشار إلى ذلك، لكنه مستدرك لأن الدروس ـ حسب الفرض ـ أشار إليه.

لا يقال: عموم (ليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ وقد أحلّه لمن أضطر إليه)(28) يشمل كل اضطرار فمن أين التفكيك؟

لأنه يقال: يجمع بين المحرّمين فيرى أن أيهما أهم في نظر الشارع فيقدم على الآخر.

نعم، إذا علم عدم الأهمّيـة أو لم يعلم الأهمّيـة، يتساويان واقعاً أو ظاهراً.

مثلاً: إذا دار الأمر بين ترك إنقاذ الغريق وبين غصب حبل لإنقاذه، قدّم الثاني، لأنّ التحريم فيه أقلّ، وهكذا.

بل لا حاجة إلى الجمع المذكور، فكثيراً ما يفهم من الدليل الواحد اختلاف التطبيقات بسبب القرائن العقلية أو الشرعيّة، والاضطرار ليس مستثنى من هذه القاعدة.

مثلاً: إذا قال الشارع ـ وعلى نقل الجواهر أنه رواية ـ: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، فالضمان يشمل المثل في المثلي، فإذا لم يكن فالقيمة، فإذا لم تكن فالمالية القريبة، فإذا لم تكن فالمالية البعيدة، فإذا لم تكن فمثل إجارة المتلف نفسه للمتلف عنه بقدر القيمة وهكذا.

وقد قالوا في باب العدالة: أنّها في إمام الجماعة، أخفّ من القاضي، الأخف من مرجع التقليد، الأخف من حاكم المسلمين، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وممّا تقدّم يظهر: أنه لا وجه لإنكار السيّد الطباطبائي (قدّس سره) القائل: وعلى فرض توقف الاضطرار على الربا أيضاً لا يجوز، إذ الحكم وضعي لا يرتفع بالاضطرار.

فإنّ فيه: انّ الحرمة تزول، والتصرّف المضطرّ إليه جائز، وإن ضمن المتصرّف.

الاضطرار خاصّ بالمضطرّ

ثم إنّ الاضطرار خاصّ بالمضطرّ لا بطرفه، فإنه ليس من قبيل الاضطرار الساري كالطبيب والمريضة، بل من قبيل الزاني والمضطرّة أو العكس.

فإذا أضطرّ المعطي حقّ له التقاص.

وإذا أضطر الآخذ، فالظاهر: أنه لا يملكه، إذ التكليفي منه لا يستلزم الوضعي.

ومنه يعلم حال اضطرارهما معاً.

من أحكام الربا

ثم إن الربا الداخل في المعاملة يوجب الحرمة الوضعية والتكليفية معاً، كما هو المنصرف من الأدلة.

فليس المقام من قبيل البيع وقت النداء، بل من قبيل نكاح المحارم، حيث انّ نفسه حرام بالإضافة إلى الحكم الوضعي، ويكفي في استفادة الحرمة من المركوز في أذهان المتشرّعة، فإنه متلقّى من الشرع جيلاً جيلاً.

ولا وجه لإشكال بعض في فساد المعاملة، بتقريب: انّه ليس عليه دليل معتبر من عقل أو نقل أو إجماع، إذ ظاهر مقابلة: (حرّم الربا)(29) مع: (أحلّ اللّه البيع)(30) ذلك.

ثم احتمال عدم فساد المعاملة، إلاّ في الزيادة فقط في مورد المقابلة، وفساد الشرط فقط في مورد كونه شرطاً ـ ومنهما يعرف حال القيد ـ غير ظاهر.

أما الاستدلال له بقول الصادق (ع) في خبر إسحاق بن عمّار حيث سأله عن: (الدرهم بالدرهم والرصاص؟ فقال: الرصاص باطل)(31) بتقريب: انه أبطل الزائد لا الأصل، ففيه: انّ ظاهر الحديث انّ مثلَ هذه المعاملة باطلة، فمعناه: لا يدخل الرصاص وإلا بطل، فتأمّل.

ويؤيّد الفساد حتى في صورة الشرط: ما رواه ابن الحجّاج قائلاً: (سألته عن رجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً فقضانيها مائة درهم وزناً؟ قال: لا بأس ما لم تشارط، قال: وقال: جاء الربا من قبل الشرط وإنما تفسده الشرط)(32).

وبهذا ظهر: أنه فاسد وإن لم نقل بأنّ الشرط الفاسد مفسد، هذا ولا يبعد فساد الزائد فقط إن كان بنحو الشرط لا القيد كما سيأتي.

وليس منه ما إذا كانت معاملتان في صيغة واحدة، أحديهما مقيّدة أو مشروطة أو مقابلة دون الأخرى، حيث فساد الأول لا يسري إلى الثاني.

أما إذا لم يعلم هل هما معاملتان أو معاملة واحدة؟ فأصالة عدم الاثنينية محكمة، فلا يبقى مجال لأصالة الصحّة في الثانيـة، لأنهما من السببي والمسبّبي.

نعم، لو علمنا أنهما اثنان لكن لم نعلم أن الفساد في أيّهما؟ فحاله حال ما إذا تعاملا معاملتين علما بفساد إحداهما ـ فساداً من حيث المعاملة لا من حيث المتعلّق، كالشاة والخنزير ـ فإنه مجري قاعدة (العدل)(33).

ولو اختلفا في أنّ المعاملة ربويّة أم لا؟ فمدّعيه يحتاج إلى الدليل، لأصالة الصحّة واللزوم.

كاتب الربا والشاهد عليه

ثم إنه كما يحرم الربا أخذاً وعطاءاً، يحرم كتابته والشهادة عليه، وأخذ المال لأجل أيّ منهما، والتصرّف فيه ولو بغير الأخذ، للنصّ والقاعدة.

فعن عليّ (ع): (لعن رسول اللّه (ص) الربا وآكله وبايعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه)(34).

وعنه (ص): (أنه نهى عـــن أكل الربـــا، وشهادة الـــزور، وكتابة الربا، وقال: إنّ اللّه لعن آكل الربا ومؤاكله وكاتبه وشاهديه)(35).

أمّا حرمة أخذ المال عليها، فلأنّه: (إذا حرّم اللّه شيئاً حرّم ثمنه)(36)، ومن المعلوم: أنّ الثمن أعم من الهدية والهبة والصلح وما أشبه ذلك، لأنّه المنصرف عرفاً من ذلك ولو ملاكاً.

وأمّا حرمة التصرّف فيه، فلأنّه من قبيل التصرّف في المغصوب، فإنّه لا يحل مال إلاّ من حيث أحلّه اللّه تعالى(37).

ومعنى لعن الربا نفسه: بُعده عن الخير، فإنّ اللّعن هو البُعد، ولذا قد ورد اللّعن في المكروهات، لأنّها مبعدة عن الخير أيضاً نوع بُعد، مثل: لعن من نام وحده، ومن أكل وحده(38) وما أشبه.

لكن المنصرف منه(39): الحرمة، فإنّ من الأشياء ما هو بعيد عن الخير، كما أنّ من الأعمال ما هو بعيد عن الخير، فإنّ الخير والشرّ لا يختصان بالأعمال، بل يعمّان الأشياء أيضاً، فبعض الأشياء يأتي منه الخير أو الشرّ، وبعضها لا يأتي منه شيء منهما.

أقسام الربا

مسألة: الربا قسمان:

الأول: ما يكون في المعاملة.

الثاني: ما يكون في القرض.

شبهات حول الربا

وقبل الدخول في الكلام لا بأس بالإلماع إلى ما ربما يورد على القسم الثاني من الربا ـ وهو ما يكون في القرض ـ وذلك كما يلي:

أوّلاً: بأنه إذا كان بنحو معتدل لم يكن وجه للحرمة.

والجواب: أنه قد ثبت بأنّ الربا لا يأتي منه إلاّ الفساد حتى وإن كان كما يدّعى بنحو معتدل، وقد أشار إلى ذلك الإمام الرضا (ع) في جواب السؤال عن علّة تحريمه، قائلاً: (لما فيه من فساد الأموال، إلى قوله (ع): فحرّم اللّه عز وجل على العباد الربا لعلّة فساد الأموال)(40).

لا يقال: أنّ كلام الإمام الرضا (ع) في الربا المعاملي فلا يشمل الربا القرضي.

لأنّه يقال: العلّة عامة يشمل ما نحن فيه أيضاً.

وثانياً: بأنّه لا مانع منه عقلاً: فإنّ المال له ربح، كما أنّ العمل له ربح، ولذا صحّح الشرع المضاربة، فما هو الفرق بين الربح المضاربي حتى صار حلالاً، والربح المالي حتّى صار حراماً؟

والجواب بإيجاز: أنّه ـ حتّى علي فرض صحّة اشتراط عدم تحمّل الخسارة في العمل المضاربي ـ يكون ناتج العمل أحياناً صفراً، وأحياناً أقلّ من الربا أو مساوياً له أو أكثر، فالربح قد لا يكون رأساً في العمل المضاربي، وقد يكون فيه مع كونه قليلاً أو كثيراً، بينما الربا شيء ثابت أبداً، ولايهمّ أصحاب الربا أن يكتسب الآخذ شيئاً أو لا يكتسب، وعلى تقدير اكتسابه يكون دون قدر الربا أو بقدره أو أكثر منه، كثرة تناسب العمل أو لا تناسبه.

وعليه: فالفرق فارق بين النسبة في المضاربة الشرعية العقلائية، وبين الربا الثابت على أيّ حال.

ثم إنّ العلّة إذا ثبتت أطردت، فلا يقال: أحياناً قد يطابق الربا النسبة، فلماذا يحرم حينئذ؟

ومنه يظهر أيضاً: الجواب عن العلّة في النصّ المتقدّم عن الإمام الرضا (ع) .

أمّا ما في الآية من قوله سبحانه: (أضعافاً مضاعفة)(41) فإنّه إشارة إلى طبيعة الربا، حيث إنّه يتضاعف وذلك على ما ذكرنا تفصيله في كتاب (الفقه: الاقتصاد)(42)، فهو من قبيل: التنظير لا التعلـيل، يعني: من قبيل: (تنهى عن الفحشاء)(43) وإن كان بعض الصلوات مـن بعض الناس ليـس كذلك.

وكذلك يكون حال القوانين عند العقلاء، فليس المناط عندهم العلّة، وإلاّ لكثر الخارجون عليه، بل إطّراد القانون(44) .

 

1 ـ البقرة: 276.

2 ـ بحار الأنوار: 33 / 374 ح 604 وفيه: [على الجماعة] .

3 ـ البقرة: 275.

4 ـ البقرة: 275.

5 ـ طه: 14.

6 ـ البقرة: 183.

7 ـ التوبة: 103.

8 ـ المائدة: 97.

9 ـ المدّثر: 38.

10 ـ الإسراء: 13.

11 ـ النساء: 93.

12 ـ النساء: 93 قال تعالى: (فجزاؤه جهنّم خالداً فيها) .

13 ـ الشورى: 40.

14 ـ غافر: 40

15 ـ راجع وسائل الشيعة: 12 / 422 ـ 427 ب 1.

16 ـ وسائل الشيعة: 12 / 424 ب 1 ح 6. وفيه: (قال (ع): درهم واحد من ربا أعظم من عشرين زنية) .

17 ـ وسائل الشيعة: 12 / 423 ب 1 ح 5.

18 ـ وسائل الشيعة: 12 / 427 ب 1 ح 19.

19 ـ راجع الفقيه: 4 / 367 ب 2 ح 5762.

20 ـ وسائل الشيعة: 12 / 428 ب 2 ح 1.

21 ـ قال (ص): الفقر سواد الوجه في الدارين.

22 ـ البقرة: 278 ـ 279.

23 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب الحج، باب الكفارات.

24 ـ راجع كتاب (ماذا في كتب النصارى؟) للإمام المؤلّف دام ظله.

25 ـ وإلاّ فالكرامة التي منحها الإسلام للمرأة هي أعظم كرامة، كما اعترف بذلك الغرب أيضاً إضافة إلى أنّ كثيراً من تقدّم حضارة الغرب مدينة لحضارة الإسلام، راجع كتاب (حضارة الغرب) للدكتور غوستاف لوبون.

26 ـ راجع كتاب: لماذا تأخّر المسلمون، للإمام المؤلف.

27 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب القواعد الفقهية، قاعدة (الأهمّ والمهمّ) .

28 ـ التهذيب: 3: 177 ب 13 ح 1.

29 ـ البقرة: 275.

30 ـ البقرة: 275.

31 ـ وسائل الشيعة: 12 / 486 ب 18 ح 2.

32 ـ التهذيب: 7 / 112 ب 22 ح 89.

33 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية، قاعدة العدل.

34 ـ دعائم الإسلام: 2 / 37 ح 83.

35 ـ وسائل الشيعة: 12 / 430 ب 4 ح 3.

36 ـ بحار الأنوار: 100 / 55 ب 4 ح 9.

37 ـ راجع وسائل الشيعة: 18 / 114 ب 12 ح 8. وفيه: (لا يحلّ مال إلاّ من وجه أحلّه الله) .

38 ـ راجع الخصال: 1 / 46 وفيه: (لعن رسول الله (ص) ثلاثة: الآكل زاده وحده، والراكب في الفلاة وحده، والنائم في بيت وحده) .

39 ـ أي من اللعن.

40 ـ وسائل الشيعة: 12 / 425 ب 1 ح 11.

41 ـ آل عمران: 130.

42 ـ راجع موسوعة الفقه: ج 107 ـ 108 كتاب الاقتصاد.

43 ـ العنكبوت: 45.

44 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القانون.