الفهرس

فهرس الفصل السادس

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

أحكام العريّة وبيع المبذور والنابت

مسألة: قد استثني من حرمة المزابنة ـ على القول بها ـ العريّة بخرصها تمراً، وهي من (عَرِي)، بمعنى: خَلَعَ، كأن مالك النخلة يخلع نفسه من مالكــية ثمرها بسبب الخـــرص أو الهبة أو ما أشبــه ذلك، أو لأن مـــن جعلت له يعري النخلة من حملها(1)، و(التاء) إما للوحدة، أو لأنها صفة (عين) مقدّرة، مثل: (الرهن وثيقة الدين).

وإنما أجازوه للنص، وقد قام عليه الإجماع، ففي موثق السكوني قال الصادق (عليه السلام): (رخّص رسول الله (ص) في العرايا بأن تشتري بخرصها تمراً، قال: والعرايا جمع عرية، وهي النخلة يكون للرجل في دار رجل آخر، فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمراً، ولا يجوز ذلك في غيره)(2).

وفي خبر ابن مسلم عن النبي (ص): (انه رخص في العرايا، واحدتها عرية وهي النخلة يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً )(3).

وقد كان متعارفاً إلى الآن في القرى الفقيرة أن البيت وفيه نخلة يباع بدون النخلة، ومعلوم: ان مشتري البيت سواء سكن فيه، أم آجره لغيره يمتنع من دخول صاحب النخلة لأجل التأبير والسقي وغيرها في داره، ولذا كان يشتري تمره بخرصه.

وحيث ورد في النص والفتوى الجمع، فلا فرق فيها بين النخلة الواحدة أو الأكثر، لكن يجب أن لا يكون بحيث لا تسمّى بها، كمائة نخلة.

وحيث قد تقدّم منا: الجواز مطلقاً للأدلة، فالحكم سار حتى في ذلك، وفي غير النخلة من الأشجار ونحوها.

ولو لم تثمر بطل البيع على ما سبق مثله، كما انه لو عابت كان له خيار الفسخ، لإطلاق أدلّته.

ولو أصرّ صاحب النخلة على عدم البيع والدخول بدون الإستيذان ونحوه، جاز لصاحب البيت قلعها لدليل (لا ضرر)، كما في قصة سمرة(4)، وقد ذكرنا في مبحثه: انه لم يكن من باب الحكم الولائي منه (ص)، بل كان حسب القاعدة.

فروع

لو اختلفا في أصل العرية فالأصل مع العدم.

ولو اختلفا في قدر الثمن، فالأصل مع الأقل.

ولو اختلفا في انه من النخل أو من غيره، فقاعدة العدل.

ولا يختلف الجواز بين أن تكون لواحد أو أكثر، وكذلك في الدار، كما انه لا يختلف فيها أن تكون مسكونة أم لا، والظاهر: انه لا خصوصية للدار، بل حالها حال ما في الدار فيما كانت في ساحة المعمل أو الخان أو الفندق أو غيرها.

وكما يصح أن تكون مثمناً يصح أن تكون ثمناً أو بالمقالة.

وكما يصح البيع تصح اجارتها، لوحدة الملاك، بالإضافة إلى إطلاق الأدلة.

ويأتي فيها خيار الغبن، كما يأتي فيها خيار الشرط ونحوه.

ولا فرق بين أن تكون الدار ملكاً أو ثلثاً أو وقفاً، بل وكذلك في العرية.

ويأتي فيها الفضولي بايعاً ومشترياً، كما أنها لو كانت لطفل فاللازم رعاية المصلحة أو عدم المفسدة حسب ما ذكر في كتاب البيع(5).

ولفظ (الرجل) في بعض روايات الباب مثل لفظه في قوله سبحانه: (فيه رجال)(6) فيصح من المرأة أيضاً.

ولو تلف النخل بطل البيع، أما إذا جرف السيل الدار لم يبطل.

ويصح البيع سنة أو سنوات للإطلاق.

ولو قلع النخل وزرع في مكان آخر صح البيع بالنسبة إلى الزمان المقرر أما بعده فلا، لأنه ليس من (العرية) إلا إذا قلنا بالصحّة مطلقاً كما لم نستبعده سابقاً.

والظاهر: صحة العرية بالنسبة إلى غير التمر: من السعف، ومادة الذكورة، والكرب، وغيرها، أما بالملاك، وإما بالإطلاق.

والتأبير على من ذكر في العقد، أو ارتكز، وإذا لم يكن أحدهما فعلى المالك، كما ان التسميم والتسميد عليه، فإن المشتري لم يشترِ إلا التمر، والخرص معناه: العرفية من أهل الخبرة، فلا يهم أن تزيد أو تنقص بعد ذلك بما يتعارف منهما في مثلها، أما غير المتعارف فقد تقدّم شبهه، والمسألتان من باب واحد.

بيع ما ابتيع من الثمار

مسألة: يجوز أن يبيع أو يصالح أو يهب ما اشتراه من الثمرة ونحوها، بزيادة عما ابتاعه به أو نقصان أو بمثله، قبل قبضه وبعده، كلاً أو بعضاً، مشاعاً أو معيّناً أو مردداً، أو يبعض في البيع وغيره، والإشاعة وغيرها، إلى غير ذلك من الصور المتصورة للبائع أو غيره.

كل ذلك للإطلاقات، وفي بعضها نصوص خاصة، مثل صحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل أن يأخذها؟ قال (عليه السلام): لا بأس به إن وجد ربحاً فليبع)(7) وواضح ان الشرط للغلبة لا للخصوصية.

وصحيح ابن مسلم عن أحدهما عليهما السلام (في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها؟ قال (عليه السلام): لا بأس)(8).

وقد سبق جواب شبهة الربا والغرر وما أشبه.

ولا فرق في ذلك بين أن يجعل البيع ونحوه شرطاً في البيع الأول أو لا، كما يجوز في سائر البيوع، وإشكال العلامة (قدس سره): بأنه يستلزم الدور أجيب عنه في المكاسب.

وفي البيع يجوز أن يجعله مبيعاً أو ثمناً، كما يجوز التبادل، كما يجوز أن يجعله نقداً أو نسيئةً أو سلفاً، كما يجوز التولية والتشريك.

ويصح أن يجعل أحدهما الخيار لنفسه أو لثالث.

وما ذكر في الثمرة، يأتي في مثل نتاج الحيوان من صوفه ولبنه ونتاجه، لما تقدّم من الإطلاق.

ولو تلف أي منهما قبل القبض، فهو من مال مالكه، فيفسد البيع الثاني لأنه مُترتّب على الأول.

ولو اختلفا في ان التلف كان قبل القبض أو بعده؟ فأصالة عدم القبض محكمة، سواء كان من جهة الشبهة المفهومية أم المصداقية.

وإذا تلف بعضه فبالنسبة، ويكون لمن تلف عليه خيار تبعّض الصفقة، نعم إذا أتلفه نفس المشتري لم يكن له الخيار، كما تقدّم وجهه في بعض المسائل السابقة(9).

بيع البذر أو الزرع قبل قطعه

مسألة: الظاهر جواز اشتراء البذر في الأرض إذا لم يكن غرر، سواء اشتراه لنفسه إذا كان له غرض عقلائي في ذلك، أم لجعله زرعا بالسقي ونحوه، كما يجوز اشتراء نفس البذر غير المزروع، وجواز اشتراء الزرع مقطوعا أو غير مقطوع مسنبلا أو غير مسنبل، سواء أراد قطعه أم بقائه أم تسريح أغنامه فيه.

كل ذلك لإطلاق الأدلة، واستصحاب اشترائه قبل زرعه فيما إذا أراد اشترائه بعده.

والمشهور قالوا: بالمنع عن بيعه قبل ظهوره، لبعض الروايات، مثل ما رواه معاوية قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تشتر الزرع ما لم يسنبل، فإذا كنت تشتري أصله فلا بأس)(10).

وأبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: (سألته عن الحنطة والشعير اشتري زرعه قبل أن يسنبل وهو حشيش؟ قال (عليه السلام): لا، إلا أن يشتريه لقصيل يعلفه الدواب ثم يتركه إن شاء حتى يسنبل)(11).

ومن الواضح: عدم دلالة الخبرين على المشهور، بل أولهما ظاهر في الجواز بقرينة ذيله، وصدره ظاهر في اشترائه السنبل وهو شيء مجهول فهو غرر.

ومنه يعلم: ظهور الثاني في ذلك.

ولذا كان المحكي عن الشيخ (قدّس سره) الكراهة، لكن ذلك محلّ تأمّل أيضاً.

ويشير إلى ما ذكرناه ما رواه الحلبي قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس بأن يشتري زرعاً أخضر، ثم تتركه حي تحصده إن شئت، أو تعلفه من قبل أن يسنبل وهو حشيش)(12).

وما رواه زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: (لا بأس أن تشتري الزرع والقصيل أخضر، ثم تتركه إن شئت حتى يسنبل، ثم تحصده، وإن شئت أن تعلـــف دابتك قصـــيلاً فلا بأس به قــــبل أن يسنــبل، وأما إذا استنبل فلا تعلفه رأساً رأساً، فإنه فساد)(13).

إلى غيرها من الروايات.

ورواية معلى: (قدر شبر) مؤيد لإرادة عدم الغرر، وإلا فلم يقل به أحد، نعم لاشك في ان الاحتياط اتباع المشهور في المورد الذي ذكروه.

ثم لو اشترط أحدهما على الآخر شيئاً لزم اتباعه، ومع التخلّف يكون للشارط الفسخ، أما إذا كان قيداً وتخلّف فهو باطل.

بيع البذر أو الزرع تبعاً للأرض

ولو باع تبعاً للأرض جاز ـ حتى في مورد كلام المشهور ـ لإطلاق الأدلة، وعدم الغرر لو فرض هناك، فإن الغرر العرفي ربما يكون في المستقل دون التبع، ومنه يظهر: صحّة التبعيّة لغير الأرض، كنخيل وأشجار إلى جنبه، أو حائط، أو نحوه.

ثم إذا شرط البائع على المشتري بقائه مدّة وجب عليه الوفاء، فإذا لم يفِ كان له الفسخ ويكون الاضرار عليه، ولو لم يفعل حق له القطع بإجازة الحاكم الشرعي.

وإذا لم يشترط مد ة وأطلق جاز، لانصرافه عرفاً إلى أوانه، والانصراف بمنزلة الاشتراط اللفظي، وعلى المتخلّف ما يترتّب على كل متخلّف.

ولو شرط البائع على المشتري مدّة أو بالعكس جاز التخلّف برضى الآخر، لأن الحق لا يعدوهما.

وإذا شرط البائع على المشتري أن يقطعه في وقت كذا ولم يقطعه، فله ابقائه والمطالبة بأجرة أرضه تلك المدة الزائدة، كما انه له أن يشترك معه فيما يراه العرف من النسبة، لأن الزائد من المدّة الموجب لزيادة السنبل أو نحوه مشترك بينهما: فمن صاحب الأرض الأرض، ومن صاحب الزرع الأصل، وقد ذكرنا في (الفقه): ان قول جماعة: بأن الزرع للزارع وإن كان غاصبا، محل تأمّل.

فلو اشترك جماعة في الزرع أو الثمر بالأرض والماء والبذر والعمل والعوامل والسماد والسم وما أشبه ذلك، كل واحد منها من واحد منهم، كانت النتيجة بينهم بالنسبة.

لو نبت ما اشتراه ثانياً

ثم إذا اشترى البذر وقطعه ثم نبت كان للمشتري، وإذا اشترى الأخضر وقطعه ثم نبت كان للبائع، وإذا اشتراه بشرط انه كلما خرج كان له، فإذا قطعه ثم خرج كان للمشتري.

ولو اختلف في ان القطع الثاني لأيّهما؟ فالمرجع العرف في الفهم من اللفظ ونحوه، وإن لم يكن فللبائع، لأن المتيقّن من المبيع: الأول، فغيره على الأصل.

ويجوز بيع الزرع المحصود والحطب والورق والورد وما أشبه ذلك بالمشاهدة، من دون حاجة إلى كيل أو وزن فيما تعارف فيه ذلك، أما ما لم يتعارف فإن كان البيع بدونها غرراً لم يجز، وإلا جاز.

بيع الفسيل مزروعاً وغير مزروع

ومن اشترى الفسيل غير المزروع فلا كلام، أما المزروع فحاله حال ما تقدّم.

فقد يشتريه بشرط بقائه إلى أن يكمل أو يتم، فيما كان شأنه ذلك ـ والفرق بينهما ان الأول: في الكيف، والثاني: في الكّم، وإن كان يطلق كل منهما على الآخر أيضاً ـ فله ذلك.

وقد يشتريه ليقطعه أو يأخذه ليغرسه في مكان آخر، فإذا لم يفعل فللمالك الأجرة أو الاشتراك ـ على ما تقدّم ـ.

وقد يشتريه مع الأرض وهذا لا كلام فيه، إلى غير ذلك مما تقدّم شبهه.

ولو اختلفا في انه اشتراه مع الأرض أو بدونه فالأصل: الثاني، وكذلك إذا كان الاختلاف في مدّة أطول أو أقصر، أو حتّى يسنبل أو يثمر في الفسيل أو قبل ذلك.

وإذا اشترى الأخضر أو الفسيل لمدّة، فعليه الماء ونحوه، إلا إذا كان الشرط خلاف ذلك لفظاً أو ارتكازاً.

ولو مات الزرع في تلك المدّة، فإن كان قبل القبض فمن البائع، أو بعده فمن المشتري، إلا إذا كان الموت بسبب رخاوة الجوهر حيث يكون على البائع، وليس له خيار العيب لأنه ليس بعيب عرفاً، بل من اختلاف الجوهر، فإن الحي والميّت جوهران، إلاّ أنّ الثاني معيوب الأول.

ولا فرق في كونه على البائع بأن يكون ثمنه مساوياً أو أقل، إذ لا اعتبار بالثمن، فهو كما لو اشترى فيلاً فسلمه ميتاً، فهل يقال: انه معيوب الحي، مع كون حيّ الفيل وميته بقيمة واحدة؟

نعم، لو ظهر معيوباً فله خيار العيب، حاله حال ما إذا كان مغبوناً، أو على غير الوصف، أو ما أشبه ذلك.

 

1 ـ أو بمعنى عرض، كأن النخل الذي لإنسان آخر عارض في داره.

2 ـ وسائل الشيعة: 13 / 25 ب 14 ح 1.

3 ـ بحار الأنوار: 73 / 241 ب 67 ح 12 وفيه عبيد القاسم.

4 ـ وسائل الشيعة: 13 / 21 ب 11 ح 4.

5 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب البيع المجلد الرابع.

6 ـ التوبة: 108.

7 ـ وسائل الشيعة: 12 / 13 ب 7 ح 2.

8 ـ التهذيب: 7 / 89 ب 22 ح 20.

9 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب الخيارات: 1 / 2 للإمام المؤلف.

10 ـ وسائل الشيعة: 13 / 9 ب 3 ح 3.

11 ـ وسائل الشيعة: 13 / 22 ب 11 ح 10.

12 ـ وسائل الشيعة: 13 / 20 ب 11 ح 1.

13 ـ وسائل الشيعة: 13 / 20 ب 11 ح 3.