الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

الحاكم العادل

لما جُعل سلمان الفارسي واليا على المدائن، ركب حماره وعزم على السفر إليها لوحده. ولما وصل الخبر لأهل المدائن، هرعوا لاستقباله خارج المدينة، وبعد أن طوى المسافة وهو شيخ كبير وكان يمتطي حمارا له، أصبح وجها لوجه مع مستقبلية من أهل المدائن.

فسألوه: أيها الشيخ! أين وجدت أميرنا؟

قال: من هو أميركم؟

قالوا: سلمان الفارسي من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: أنا سلمان ولست بأمير. فارتجل الناس إكراما وإجلالاً له، وقدموا له من الخيول الأصيلة لركوبه.

فقال: ركوب هذا الحمار افضل عندي ومناسب لشأني.

ولما وصل المدينة أرادوا أن يأخذوه إلى دار الإمارة،

فقال لهم: أنا لست بأمير حتى اذهب لدار الإمارة، فاستأجر دكانا في السوق، يدير أمور الدين والدنيا منه، وكان ما يملكه من الأثاث: وسادة، وإناء ماء، وعصا.

حق العيال

عاد سلمان الفارسي في المدينة يوما أبا الدرداء فعلم ان زوجته على غير ما عليه النساء ...

فسألها: لم هذا ؟

فقالت: إن أخاك قد شغلته الآخرة عن الدنيا.

فجلس سلمان حتى جاء أبو الدرداء فرحب به، وجاء له بالطعام، فقال له سلمان: كل أنت أولا.

فقال: أنا صائم، وأقسم عليك إلا ما أكلت.

فقال سلمان: لا آكل إن لم تأكل معي.

فبقى سلمان عند أبي الدرداء تلك الليلة.

فلما صار الليل قام أبو الدرداء للعبادة..

فاعترضه سلمان وقال: إن لله عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك وعيالك عليك حقا، فصم وكل، وصل ونم.

فلما أصبح أبو الدرداء جاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونقل له ما قاله سلمان، فصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلام سلمان.

`  أبو الدرداء: اسمه عويمر بن زيد الأنصاري، صحابي معروف، كان من علماء الصحابة، قيل: توفي قبل مقتل عثمان بسنة، وقال ابن قتيبة: كان أبو الدر داء حيا إلى حين ما جرى بين علي (عليه السلام) ومعاوية.

أبو ذر وهدية الخليفة

أرسل عثمان أيام خلافته مع غلامه مائتي دينار إلى أبوذر، وقال له قل له: عثمان يبلغك السلام ويقول: استعن بها على حاجتك.

فقال أبوذر: فهل أعطى الخليفة سائر المسلمين مثلي: مائتي دينار؟

فقال: لا.

 فقال: أنا أحد المسلمين يصيبني ما أصابهم.

فقال الغلام: يقول لك عثمان: إن هذه الدنانير من مالي الخاص، والله لم يخالطها حرام.

فقال أبوذر: لا حاجة لي بها، وأنا مستغن عما في أيدي الناس.

فقال له: عافاك الله! لا نرى في منزلك شيئاً؟

 قال: في هذا الطبق قرصان من الخبز، يكفياني بعض الأيام، فماذا أفعل بهذه الدنانير.

والله، لا أقبلها أبدا، حتى يشهد الله أني لا أملك شيئاً، وأني لأحوج الناس في ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعترته الطاهرين، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (يقبح من الشيخ الكبير أن يكون كاذباً)(1)ارجعوا بها إلى عثمان، وأبلغوه: بأنه لا حاجة لي عنده، ولا أطلب منه شيئاً، حتى ألاقي ربي ويقضي بيني وبين عثمان.

قال: إذا أخذته ففيه عتقي.

قال أبوذر: لكن فيه رقي.

أبو أيوب الأنصاري

روى إبراهيم بن علقمة والأسود قالا: جئنا أبا أيوب الأنصاري وقلنا له: يا أبا أيوب قد أكرمك الله بصحبة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنزوله عليك، فما لنا نراك قد خرجت مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وتستقبل الناس تقاتلهم هؤلاء مرة وهؤلاء أخرى؟

فقال: والله، إني لفي هذا المنزل، الذي جلس فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) عن يمينه، وأنا على يساره، وكان أنس بن مالك واقفاً أمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعنا صوت حلقة الباب، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنس: من على الباب؟

فذهب أنس وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن الطارق هو عمار بن ياسر.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنس: افتح الباب لعمار ليدخل.

فلما دخل عمار وسلم وجلس، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سيكون بعدي اختلاف أمتي: يتضاربون بينهم بالسيف، ويتقاتلون، فعند ذلك ألزم جانب هذا الجالس عن يميني  ـ يعني علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ـ فإذا سلك الناس واديا، وسلك هذا وادياً، فالزم وادي علي، يا عمار، إن عليا لا يخرجك عن هداية، ولا يدخلك في ضلالة، يا عمار: طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله(2).

` أبو أيوب الأنصاري: اسمه خالد بن يزيد، دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منزله يوم الهجرة، شارك في غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودافع عن حق أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحضر حروب علي (عليه السلام)، وفي سنة 51 هـ كان في العسكر الذي عزم على غزو القسطنطينية وشارك فيه، وتوفي أثناء السفر، ودفن جنب حصار القسطنطينية.

وفي الحديث ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في حق عمار: (إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق)، وهكذا عرف به الصحابي الكبير حذيفة بن اليمان، حيث سئل عن الفتن وانشقاق الأمة فرقاً، فقال: انظروا الفئة التي فيها ابن سمية ـ عمار ـ فاتبعوه، فإنه يدور مع كتاب الله حيث دار، إنها معجزة النبوة… فقد علم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن عمارا سيكون قطبا من الأقطاب التي يدور عليها اختلاف الناس، فسوف يكون له أعداء يحاربونه بأكثر من سلاح، منها: أنهم سيتهمونه في عقيدته، ويزعمون أنه قد تأثر بشياطين الإنس فأغوته، ومالت به عن الرشاد، وسيصفونه بإثارة الفرقة والفتنة في هذه الأمة… وسيقاتلونه فيقتلونه.

فرد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأول بإبلاغ أصحابه: أن عمارا قد أجاره الله من الشيطان!! فمن اتهم عمارا بشيء من ذلك فكذبوه، واعلموا انه مفتر..

ورد على الثاني فقال: (إذا اختلف الناس، كان ابن سمية مع الحق، يدور مع كتاب الله حيث دار) فإذا رأيتم فئة تخالف عمارا، فاعلموا أنّ تلك هي فئة الباطل والضلال! وإذا دعاهم عمار إلى شيء فردوه وكذبوه فإنما يدعوهم إلى الحق، ويدعون هم إلى الباطل.

وتعجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمر الناس مع عمار، فقال: مالهم ولعمار؟! يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار(3).

ورد على الثالث، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (تقتله الفئة الباغية)(4) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) (من يعاد عمارا يعاده الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله)(5).

الصاحب على قدر صاحبه

عن ضرار بن ضمرة قال دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لي صف لي عليا.

فقلت: اعفني.

فقال: لابد أن تصفه.

فقلت: أما إذ لابد: فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، واشهد الله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: (يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إليّ تشوقت؟ هيهات هيهات: قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير وخطرك يسير وعيشك حقير، آه آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق).

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، ثم قال: فكيف حزنك عليه يا ضرار؟.

فقلت: حزن من ذبح ولدها في حجرها، فلا ترقى عبرتها ولا يسكن حزنها.

فالتفت معاوية إلى أصحابه، وقال: لو فارقتموني من كان منكم يثني عليّ كما أثنى هذا الرجل على صاحبه؟

فقال: بعضهم: الصاحب على قدر صاحبه.

` وبالتفكر يتبين الحق من الباطل والرشد من الغي، ففي الحديث عن الأئمة (عليهم السلام): (تفكر ساعة خير من عبادة سنة)(6).

وفي حديث آخر: (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة)(7).

لم يسلموا بعد

روى حبيب بن ثابت: أن رجلا قال لعمار بن ياسر في حرب صفين: يا ابا اليقظان! ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قاتلوا الناس حتى يسلموا، فإذا أسلموا حفظت لهم دماءهم وأموالهم.

قال عمار: نعم، هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن لم يسلم هؤلاء، بل اجبروا على الاستسلام، ولا يزال الكفر متمكنا في قلوبهم، وإنما أظهروا ذلك ـ إسلامهم ـ طلباً للعون.

 

1 ـ مجوعة ورام ج2 ص 19 .

2 ـ المناقب ج3 ص 203 فصل في طاعته وعصيانه (عليه السلام) . وتأويل الآيات ص 198 فصل في سورة الأنفال وما فيها من الآيات في الأئمة الهداة .

3 ـ راجع نهج الحق ص306 المطلب الرابع في مطاعن معاوية. وفيه: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية بصفين يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار) الحديث، وشبهه ورد في العمدة ص324 فصل حديث حريق الكعبة.

4 ـ المصدر السابق .

5 ـ راجع غوالي اللئالي ج1 ص113 ح23 الفصل السابع، وفيه: (من يحقر عماراً يحقره الله ومن يسب عماراً يسبه  الله ومن يبغض عماراً يبغضه الله ).

6 ـ مستدرك الوسائل ج11 ص 183 باب 5 ح 12689 .

7 ـ بحار الأنوار ج 66 ص 293 باب 37 ح23 .