الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

ملعونون على لسان رسول الله (ص)

قال علي بن الأقمر: جئت عبد الله بن عمر فقلت له: يا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرني عما رأيت وسمعت؟

فقال عبد الله: بعث لي معاوية خطابا يقول فيه: إياك وأن تحدث بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلا ضربت عنقك.

ووالله إن خطابه لا يمنعني من ذلك، لقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في معاوية، ورأيت بعينيّ هاتين : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد بعث إلى معاوية رسولا ليأتيه فيجيب على الرسائل التي كانت ترد إليه ـ حيث كان معاوية من كتاّب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فلما رجع رسول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بأن معاوية يأكل، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا أشبع الله بطنه)(1).

ورأيت أبا سفيان يوماً راكباً دابة ومعه ولديه معاوية ويزيد أحدهما يقود والآخر يسوق الدابة، فلما أبصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (اللهم العن القائد والسائق والراكب)(2).

فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال عبد الله: بلى، وإلا صمتا وعميتا.

إسلام هند

كانت هند زوجة أبي سفيان قد أسلمت بعد فتح مكة، فسألها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف رأيت دين الإسلام؟

قالت: أفضل دين، لولا ثلاثة أشياء فيه.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): وما هي:

قالت:

أحدها التجبية، أي الركوع والسجود.

الثاني: المعجر، أي الحجاب.

الثالث، صعود هذا الغلام الأسود سطح الكعبة، أي أذان بلال.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):

أما التجبية: فلا تقبل الصلاة بدونها.

وأما الحجاب: فهو أفضل لباس للمرأة.

وأما الغلام الأسود، فهو من أفضل خلق الله.

دين الدراهم

روي أن معاوية كان قد أعطى سمرة بن جندب من بيت المال مائة ألف درهم على أن يخطب سمرة في أهل الشام ويشهد كذباً بأن قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام )(3) أنها نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآية : (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)(4) أنها نزلت في ابن ملجم.

فلم يقبل سمرة هذا العرض، فبذل معاوية له مائتي ألف درهم، فرفضها، فبذل له أربعمائة ألف درهم، فقبل، وخطب بها فيهم.

` سمرة بن جندب: هو آخر الثلاثة موتا، وقد قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (آخركم موتا في النار)(5).

وهو أحد العشرة الذين قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أحدكم ضرسه في النار مثل أحد(6).

وهو الذي عرض عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدل نخلته التي كانت في حائط الأنصاري قيمتها فأبى، ثم نخلة في الجنة بذلها فأبى، ثم من الثواب ما هو كذا وكذا فأبى، فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار)، وأمر بقطع نخلته بلا ثمن(7).

وهو الذي كان يبيع الخمر وقد حرم الله ذلك.

وهو الذي أسرف في القتل بأمر معاوية، وقد أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله، فقال سمرة: لعن الله معاوية، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية، ما عذبني أبدا. ومات شر ميتة.

الآن صرت أمير المؤمنين !

دخلت عكرشة بنت الأطرش بن رواحة على معاوية، وكانت قد بلغ الكبر منها وبيدها العصا، فسلمت عليه بإمرة المؤمنين.

فقال لها معاوية: الآن صرت أمير المؤمنين عندك يا عكرشة؟!

قالت: نعم لأن عليا (عليه السلام) لم يكن على قيد الحياة.

فقال معاوية: ألست الحاملة السيف يوم صفين، والواقعة بين الصفين، وتقولين:

أيها الناس!.

انظروا أنفسكم ، فإن كنتم على هدى فلن يضركم إضلال الآخرين، فإنهم لن يخرجوكم من الجنة، التي لا موت  فيها ولا شيخوخة، فلا تقاس نعمة الجنة بهذه الدنيا، فاشتروا الجنة التي لا هم منها ولا نصب، فكونوا على بصيرة من دينكم، واصبروا حتى تنالوا حقكم، وثبتوا أقدامكم، وتعاونوا فيما بينكم حتى يأتيكم النصر.

إن معاوية قد جمع لكم هؤلاء الأعراب، غلف القلوب، من الجهال، لا  يدركون الإيمان، ولم يطلعوا على العلم والحكمة، فدعاهم إلى الدنيا بالباطل، فكبروا له.

عباد الله! خافوا الله، ودافعوا عن دينكم، إن معاوية وأشياعه يريدون ضعضعة الدين، وإطفاء نور الحق، هذه بدر الصغرى، وعقبة الأخرى.

يا معشر المهاجرين والأنصار! كونوا على بصيرة من أمركم، وصمموا على عزمكم، فستلتقون منع أهل الشام غدا، وهم يخافون سيوفكم، كأنهم حمار يصيح من دبره، وكبعير يطرح بعروره.

ستقولون: نراك بهذه العصا، وأنت في وسط عسكرين، وهذه عكرشة بنت الأطرش بن رواحة، تريد هلاك عسكر أهل الشام، فلو لم تكن مشيئة الله، فما هذا العمل منك؟

قالت: يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)(8).

فقال معاوية: صدقت، ما حاجتك؟

قالت: إن الصدقات التي كانت تؤخذ منا، كانت تعطى لمحتاجينا، أما الآن فقد تغير الأمر عما كان عليه قبل، فالصدقات لا توزع على محتاجينا، فإن كان هذا العلم بأمرك وبإشارة منك، فلابد من أحد أن ينبهك على هذه الغفلة، وأن تتوب منها، ولو لم يكن هذا العمل على علم من عندك، ويقوم به أحد دون إذنك، فلابد من تنبيهك على ذلك حتى لا يتولى هذا الأمر من العمال الخائنين والظلمة.

فقال معاوية: قد يحدث لنا من الخلل في أمور الرعية، ونحن حد الإمكان نتغلب على هذه الحالات ونجبر ما حدث.

فقالت: سبحان الله! إن الله لم يقرر لنا حقا يضر بالآخرين، وهو علام الغيوب.

فقال معاوية: هيهات، يا أهل العراق! إن علياً قد علمكم هذا، إنكم لا تتحملون الضيم، ثم أمر بأن تصرف الصدقات فيهم.

` هذا كله من آثار العلم، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبيل الجنة، وهو أنيس في الوحشة وصاحب في الوحدة، دليل على السراء والضراء، وسلاح على الأعداء، وزين للأخلاء، يرفع الله تعالى به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، ويمسحونهم في صلاتهم بأجنحتهم، ويستغفر لهم كل شيء حتى حيتان البحور وهوامها، وسباع البر وأنعامها، لأن العلم حياة القلوب ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله تعالى حامله منازل الأخيار، ويمنحه مجالس الأبرار في الدنيا والآخرة، وبالعلم يطاع الله تعالى ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويؤخذ، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء)(9).

` أقول: الحلال ينفع الدنيا والحرام يضر الدنيا، وكلاهما قبل الآخرة، فليس الأمر كما يتوهم بعض الناس من أن ذينك من شؤون الآخرة فقط.

كيف رأيتِ علياً ؟

لما حج معاوية سأل عن امرأة كانت تسكن الحجون وكانت سوداء اللون سمينة، تدعى (دارمية الحجونية)، فأخبروه بأنها لا تزال حية على قيد الحياة، فأمر بإحضارها، فلما جيء بها إليه، سألها عن حالها، فقال لها: كيف حالك يا بنت حام؟

فقالت: لم يكن نسبي من حام، بل أنا امرأة من كنانة.

فقال لها: ألم تعلمي لم أحضرتك؟

قالت: لا يعلم الغيب إلا الله.

فقال لها معاوية: أحضرتك لأرى العلة في حبك لعلي، وإظهار العداوة لي.

فقالت له: أرى أن تعفيني عن هذا السؤال.

فقال لها: لا أعفيك عنه.

فقالت الدارمية: أحببت عليا (عليه السلام) لأنه كان يعدل في الرعية، ويقسم بيت المال بالسوية، وعاديتك لأنك حاربت من هو أولى منك بالخلافة، وطالبت بحق ليس لك.

واليت عليا (عليه السلام) لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ولاه، وكان يحب الفقراء، ويجل أهل الدين، وما عاديتك إلا لأنك أرقت الدماء بغير حق، وجرت في قضائك، وحكمت بالهوى والعاطفة.

فقال معاوية: لهذا انتفخت بطنك، وكبرت ثدييك، وارتفعت فخذيك.

فقالت: يا معاوية! ما قلت في هذه هي لأمك مشهورة ومضرب المثل لا لي.

فقال معاوية: لا يؤلمك هذا، فإني لم أقصد به سوءا، فلو كبرت بطن المرأة سيكون ولدها قويا وكاملا، ولو كبرت ثديها فستدر حليباً يشبع منه طفلها، ولو كان فخذيها مملوءا باللحم، فسيكون لجلوسها وقاراً وحشمة.

ثم قال لها معاوية: هل رأيت علياً؟

قالت: نعم.

قال: كيف رأيتيه؟

قالت: يفر من الرئاسة والسلطنة التي تسعى إليها أنت، إن النعمة التي أشغلتك لم تشغل عليا.

قال معاوية: فهل سمعت كلامه؟

قالت: نعم.

وكان (عليه السلام) يطعم الناس لذيذا، ويكتفي لنفسه ما بقي من زيت الزيتون المخلوط بزنجار الطشت.

فقال لها: صدقت، لو كانت لك حاجة عندي اذكريها.

فقالت: تفعل إذا طلبت ذلك؟

قال: نعم.

فقالت الدارمية: أريد مائة بعير ذوات الشعر الأحمر.

فقال لها: لماذا مائة بعير، لمن تريديها؟

قالت: سبحان الله! لعلك تريد أقلّ من ذلك.

فقال معاوية: لو كان علي حياً لما أعطاك شيئاً من هذا.

فقالت: لا، وحتى شعرة من مال المسلمين لم يعطنيها.

أتروني قاتلتكم على الصلاة؟

روى المدائني قال: خرج على معاوية قوم من الخوارج، بعد دخوله الكوفة وصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، فأرسل إلى الإمام الحسن(عليه السلام) يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج.

فقال الإمام الحسن (عليه السلام): سبحان الله ! تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الأمة وألفتهم، أفتراني أقاتل معك؟

فخطب معاوية أهل الكوفة قائلا: يا أهل الكوفة! أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتآمر عليكم وأتولى رقابكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم أصبت في هذه الفتنة مطلول، ألا إن كل شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به، ولا يصلح الناس إلا ثلاث: إخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فإن لم تغزوهم غزوكم، ثم نزل.

لقد أنصفك!

كان علي (عليه السلام) في أحد أيام صفين واقفا بين الصفين، فصاح بمعاوية : يا معاوية! يا معاوية.

فقال معاوية: سل، ما ذا تريد؟

فقال (عليه السلام): هلم إليّ حتى أكلمك.

 فخرج معاوية يصحبه عمرو بن العاص، ووقفا قريبا من الإمام (عليه السلام).

فقال(عليه السلام) له: الويل لك! لماذا يتقاتل الناس لأجلنا، هلم إلى الميدان لنتبارز، فكل من قتل صاحبه تكون الخلافة من نصيبه.

 فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص قائلا: ما ترى أنت؟.

قال عمرو: لقد أنصفك علي، وإن فررت من هذا الرأي، فستكون انت وأولادك في ضيق دائما.

فأجابه معاوية : ومثلك يعلم مثلي، والله ما بارز أحد ابن أبي طالب، حتى تتخضب الأرض من دمه، ثم عاد معاوية إلى آخر الصفوف.

فئتان و لكن..

روى أسماء بن الحكم الفزاري قال: كنت مع علي (عليه السلام) في معركة صفين، وتحت راية عمار بن ياسر، فرأيت رجلا يخترق الصفوف حتى وصل إلينا، فقال : من منكم عمار بن ياسر؟

فقال عمار: ها أنا ذا.

قال: أنت أبو اليقظان؟.

قال: بلى.

فقال الرجل: لي إليك سؤال، أ أسألك به علانية أم سراً؟.

فقال عمّار: أنت وما تريد.

فقال الرجل: أرى من الأفضل الإعلان به، خرجت من عند أهلي على بصيرة من أمري وشاركت في هذا الحرب، وأنا على يقين من أن أهل الشام على ضلالة وباطل، وإنا على الهدى والحق، حتى حانت الليلة الماضية، فصاح مؤذننا وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال مؤذنهم بمثل ذلك، وما أن صلينا حتى صلوا بمثل صلاتنا، ولما دعونا دعوا مثل ما دعونا، وحين قرأنا القرآن قرءوا كقراءتنا، فلما رأيت هذه الحال استولى شك على قلبي، ولم يغمض لي جفن تلك الليلة وأخذت تزاحمني الأفكار، فلما أصبحت جئت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وشكوت له ذلك.

فقال (عليه السلام) لي: هل لقيت عماراً ؟.

قلت: لا.

قال (عليه السلام): اذهب إليه وخذ بقوله، ولهذا جئتك.

فقال عمار: ألم تعرف أن هذه الراية السوداء التي تقابلني هي راية عمرو بن العاص، وقد حاربت صاحب هذه الراية ثلاث مرات على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه هي المرة الرابعة، ولم تكن بأحسن من سابقتها، فهي أسوء وأظلم. هل شاركت في حروب بدر وأحد وحنين؟ أو شارك فيها آباؤك وحدثوك بما جرى فيها؟.

فقال: لا.

فقال عمار: مواقع راياتنا هي مواقع رايات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في معارك بدر وأحد والأحزاب، ومواقع راياتهم هي مواقع رايات الكفار، فراياتنا اليوم هي بيد من كانت راية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده، ورايات هؤلاء بيد رايات أهل الشرك.

وهذا العسكر الكبير الذي تراه يحيط بمعاوية من كل جانب والله لقد أحببت أن يكون كله ـ أي العسكر ـ رجلاً واحداً، ويقع في يدي، لأقطع رأسه قطعة قطعة، والله إن دماءهم أحل من دم الطير، فهل أن دم الطير حرام؟

فقال الرجل: لا، إنه حلال،

فقال عمار: فإن دم هؤلاء مثل هذا، فهل أبصرتك؟.

قال: بلى.

فلما أراد الرجل أن ينصرف، قال له عمار: إن هؤلاء يضربوننا بالسيوف ويقولون عنا: أننا على باطل، ولو كنا على حق لما غلبونا، والله ما عندهم من الحق قيد الرمش الذي يدخل العين فيؤذيها، ولو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا إنّا على الحق وهم على الباطل.

` أقول: ومن الاجوبة على اشكال هذا الرجل: قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا )(10).

المصاحف على أسنة الرماح

روى تميم بن حذيم قال: رأيت في صبح أحد أيام صفين وفي مقدمة الصفوف لعسكر الشام شيئا كأنه أعلام، ولما صحا الجو، وإذا أنا بمصاحف مرفوعة على أسنة الرماح، وقد شد قرآن المسجد الأعظم في الشام على ثلاثة رماح يحمله عشرة أشخاص، مع مائة مصحف أمام العسكر ينادي حاملوها ـ وهم من أهل الشام ـ بأعلى أصواتهم: يا معشر العرب! راقبوا الله في أمركم، وفكروا في النساء والبنات، ومن للروم والترك بعدكم، واذكروا الله في دينكم، وهذا كتاب الله بيننا وبينكم.

فقال علي (عليه السلام): إلهي! أنت تعلم أن هؤلاء لا يريدون القرآن فاقض بيننا.

فوقع الاختلاف بين أصحاب علي (عليه السلام)، فقال بعضهم: لا نترك قتالهم، وقال آخرون: علينا أن نستجيب لما دعونا إليه من تحكيم كتاب الله، وأن نرضى به حكما، ولا يستحل قتالهم.

فنجح معاوية في حيلته.

فرقوا بينهما

أمر معاوية بإحضار عبادة بن الصامت، فلما دخل عبادة عليه جلس بينه وبين عمرو بن العاص، فحمد معاوية الله وأثنى عليه، وذكر بعض فضائل عبادة وعثمان، وأخذ يرغب عبادة في الطلب بدم عثمان، ويدعوه إليه.

فقال عبادة: سمعت كلامك، وهل علمت لم جلست بينك وبين عمرو؟

فقال معاوية: نعم، لما لك من الفضل والشرف والسابقة.

قال عبادة: لا والله، ليس لهذا، ولكن عندما ذهبت إلى غزوة تبوك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا يوما، وقد رآك وعمرو تمشيان على مهل وتتحدثان، فالتفت (صلى الله عليه وآله وسلم) إلينا، وقال: إذا رأيتموها قد اجتمعا ففرقوا بينهما، فإنهما لا يجتمعان على خير أبدا (11) وأنا قد نهيت عن اجتماعكما.

` عبادة بن الصامت: صحابي أنصاري، حضر العقبة الأولى والثانية، وشارك في جميع غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أرسله عمر مع معاذ بن جبل وأبو الدرداء لتعليم أهل الشام، توفي سنة34 هـ، وقيل 45 هـ .

 معاوية يلعن نفسه

كان الأحنف بن قيس جالسا مع معاوية، فدخل عليه رجل من أهل الشام، وقرأ خطبة، ووقع في علي (عليه السلام)، فجعل الناس رؤوسهم إلى الأرض.

فالتفت الأحنف إلى معاوية وقال: اتق الله يا معاوية، وارفع يدك عن علي (عليه السلام)، ولا تذكره بسوء، فقد لقي ربه، والله لقد كان علي(عليه السلام) ذا سابقة عظيمة، نقي الفطرة، كثير البركة، تحمل الكثير في سبيل الله، اعلم العلماء، وأحلم الحلماء، وأفضل الفضلاء، ووصي خاتم الأنبياء.

فقال معاوية: والله، لقد ملأت العيون بالأشواك، فقلت أشياء لم ترها، فينبغي لك أن تصعد المنبر وتلعن عليا.

فقال الأحنف: أرى من الأفضل أن تعفيني من ذلك، ولو أجبرتني عليه فو الله لا أسترجع لساني.

فأصر عليه معاوية أن يعلن عليا من على المنبر.

فقال الأحنف: عند ذلك أقول الانصاف فيما كان بينك وبين علي (عليه السلام)، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم قال:

أيها الناس إن معاوية قد أمرني أن ألعن عليا، فاعلموا أن عليا ومعاوية تقاتلا، وكل منهما قد ادعى ان الآخر اعتدى عليه، فأمّنوا على دعائي فأقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبيائك وجميع مخلوقاتك أحد هذين ممن اعتدى وظلم الآخر.

فقال معاوية: والله، ما قصدت غيري.

` الأحنف بن قيس: اسمه صخر أو الضحاك، كان عالما حكيما، موصوفا برجاحة العقل ،شجاعاً، حليماً، ذا رأي متين، أسلم في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يره، وكان من أصحاب علي (عليه السلام)، توفي سنة 67 هـ في أيام عبد الله بن الزبير.

إعتراف طاغية

سأل معاوية جلساءه يوما، فقال: من اكرم الناس أبا وأما، وجدا وجدة، وعما وعمة، وخالا وخالة؟

فقالوا: أنت أعلم.

فأخذ معاوية بيد الحسن بن علي (عليهما السلام) وقال: هذا أكرم الناس، أبوه علي بن أبي طالب، وأمه بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجدته خديجة، وعمه جعفر بن أبي طالب، وعمته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخالته زينب بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

قبر معاوية

جاء عبد الله بن عباس في يوم بارد شديد البرودة وجلس عند عبد الملك بن مروان، فرأى عبد الملك جالسا على فرش ناعمة، وقد غطى نفسه بها.

قال عبد الملك: يا بن عباس أظن أن الهواء فيه نوع  من البرودة.

فقال ابن عباس: بلى، إن ابن هند ـ معاوية ـ كان واليا مدة عشرين عاما، واستقل عشرين عاما بكونه خليفة، وكان يستعمل هذه الفرش والوسائد، والآن يرقد تحت التراب ويعلو قبره علف الشوك.

ويقال: إن عبد الملك أراد أن يتـأكد مدى صحة كلام ابن عباس، فأرسل شخصا إلى قبر معاوية، فرأى علف الشوك فوق القبر ويحيط بجوانبه، نعم:

باتوا على قلل الجبال تحرسهــم            غلب الرجال فلم تنفعهم القلل(12)

إن استحلال أكلهم الأموال أوصلهم إلى عقوبة مستحل ما حرم الله، قال سبحانه: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)(13) فإذا كان أحد المسلمين استحق النار بسبب عباءة غلها من الغنيمة، وإذا امتنع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الصلاة على أحد المجاهدين معه، لأخذه خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين، واذا كانت الشملة التي غلها من المغنم أحد عبيده (صلى الله عليه وآله وسلم) تلتهب عليه نارا، واذا قال(صلى الله عليه وآله وسلم): للذي أخذ شراكا أو شراكين من خيبر شراك أو شراكان من نار، بل أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه بنطع من الغنيمة ليستظل به من الشمس، فقال: أتحبون أن يستظل نبيكم بظل من نار يوم القيامة، واذا.. واذا..

فلما بالك بعقوبة من استأثر بذهب المغنم وفضته واصطفاه لنفسه؟! غير مبال ولا متهيّب.

تتمة 

1 ـ الطرائف ص 514 فصل في قول النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في معاوية لا أشبع الله بطنه. ووقعة الصفين ص 220 الجزء الرابع من كتاب صفين لنصر بن مزاحم .

2 ـ وقعة الصفين ص 220 الجزء الرابع من كتاب صفين لنصر بن مزاحم وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ص 289 فصل مفاخرة بين الحسن بن علي ورجالات من قريش .

3 ـ سورة البقرة : 204 .

4 ـ سورة البقرة: 207.

5 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص 78 فصل في ذكر المنحرفين عن علي(عليه السلام)، والمناقب ج1 ص 110 فصل في معجزات أقواله (عليه السلام)

6 ـ المناقب ج1 ص 110 فصل في معجزات أقواله (عليه السلام) .

7 ـ وسائل الشيعة: ج17 ص341 ب12 ح4 ط الإسلامية، والوسائل  ج25 ص429 ب12 ح32282 ط مؤسسة آل البيت.

8 ـ سورة المائدة : 101 .

9 ـ الخصال ص523  ح12 فصل في العلم تسع وعشرون خصلة. والأمالي للصدوق ص615 ح1 المجلس التسعون .

10 ـ سورة الحجرات : 9 .

11 ـ راجع وقعة الصفين ص 219 الجزء الرابع من كتاب صفين لنصر بن مزاحم وفيه: (إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فانهما لن يجتمعا على خير)، الحديث.

12 ـ راجع إرشاد القلوب ص 29 الباب الرابع في ترك الدنيا. وفيه:

أين الملوك وأبناء الملوك ومن     قاد الجيوش ألا يا بئس ما عملوا

باتوا على قلل الأجبال تحرسهـم      غلب الرجال فلم تنفعهم القلــل

فانزلوا بعد عز عن معاقلهــــم       واسكنوا حفرة يا بئس ما نزلـــوا

ناداهم صارخ من بعد ما دفنــوا       أين الأسرة والتيجان والكلـــــل

أين الوجوه التي كانت منعمـــة       من دونها تضرب الأستار والحجل

فأفصح القبر عنهم حين سائلهم       تلك الوجوه عليها الدود تنتقـــل

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا      فأصبحوا بعد طيب الأكل قد أكلوا

سالت عيونهم  فوق الخدود ولـو       رأيتهم ما هناك العيش يا رجـــــل

13 ـ سورة آل عمران : 161 .