الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

  

 

طاعة المعصومين (عليهم السلام) نظام للأمة

وأما بالنسبة إلى الحقل السياسي فقد أشارت فاطمة الزهراء (عليها الصلاة والسلام) إلى نقطة جوهرية في الحكم، وذلك في خطبتها الشريفة وضمن بيانها لفلسفة الأحكام حيث قالت:

(وطاعتنا نظاماً للملة)(1).

فاذا أراد الناس النظام والسعادة الدنيوية أيضاً، فعليهم بطاعة أهل البيت (عليهم السلام).

وإنما كانت الطاعة لأهل البيت (عليهم السلام) نظاماً للأمة في أحكامها وعقائدها وأخلاقها ومعاملاتها وسائر شؤونها، لأن الإسلام الذي يطبقه المعصوم كالرسول وأمير المؤمنين علي وغيرهما (عليهم الصلاة والسلام) يوفر للأمة الإيمان والرخاء والسعادة ويظهر الكفاءات وينميها، ويكون أسلوب الحكم فيه حكماً بالتساوي بين الناس دون مراعاة طبقية أو قومية أو عرقية أو ما أشبه، ويكون حكماً بالاستشارة دون استبداد وإلجاء وإكراه، كما ورد في القرآن الحكيم: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (2).

وكما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (لكم عليّ حق المشورة) يعني ان من حق الأمة أن يعطوا المشورة لقياداتها.

وهذا لا يختص بالإمام (عليه السلام) فحسب، بل يشمل كل حاكم إسلامي بطريق أولى كما لا يخفى، فان المعصوم (عليه السلام) الذي لا يخطأ إذا كان للناس عليه حق المشورة فكيف بغيره وان ارتفعت مكانته ما ارتفع.

ولا بأس هنا ببيان بعض التوضيح لسياسة الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ليعلم مدى صحة قول فاطمة الزهراء (عليها السلام): (وطاعتنا نظاماً للملة).

الحكم الإسلامي يوفر الحريات

ان الحكم الإسلامي الذي كان يتمثل في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) والتي أكدت عليه فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الشريفة، يضمن للأمة الحرية والسعادة، فان الحريات الإسلامية في مختلف ميادين الحياة، أمثال حرية التجارة، حرية الزراعة، حرية الصناعة، حرية السفر، حرية الإقامة، حرية العمران، حرية التجمّع، حرية إبداء الرأي، حرية الكتابة، حرية الانتخابات، وسائر الحريّات الأخرى، هي من أهم ما توجب تقدم الإنسان إلى الأمام وتضمن له السعادة الدنيوية والأخروية.

الانحراف يوجب التأخر

بخلاف الانحراف، فان الانحراف عن سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) هو انحراف الإيمان والأخوة الإسلامية والحريات المشروعة، بل هو ضرب للكفاءات، وتعميم للاستبداد بعدم الاستشارة وعدم التساوي وما أشبه ذلك، وهذا يوجب تأخر الإنسان وتشتّت الأمة، فان نتيجة الانحراف ترجع أولاً إلى صاحبه ثم غيره، فالانحراف يوجب عدم التمكن من التقدم في مختلف ميادين الحياة.

والتاريخ خير شاهد على ذلك، حيث نرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علياً (عليه السلام) حكما، وأن بني أمية حكموا أيضاً، وكم فرق بين الحكمين!.

انحراف الأمويين

فلم تكن حصيلة حكم بني أمية إلا الدمار للمسلمين في أيامهم، والا الدمار لبني أمية أنفسهم أيضاً، وقد طارد المسلمون بني أميّة تحت كل حجر ومدر فقتلوهم، ومثلوا بجثثهم، ونبشوا قبورهم، وأخرجوهم منها وأحرقوا أجسادهم، وضربوهم بالسياط وهم أموات، كما ضربوهم بها وهم أحياء، وشردوهم في البراري والقفار، وكان الجيش الذي وجّهه (أبو مسلم) عليهم إذا استولى على نساء بني أمية يفجر بهن، لاعتقادهم بأنهن كفار حرب، وهكذا عادت نتيجة الانحراف الأموي إلى الأمويّين أنفسهم.

كما انهم يلعنون على المنابر وسائر الكتب ووسائل الإعلام منذ ذلك الحين إلى هذا اليوم، بل وسيبقى اللعن إلى الأبد.

فالانحراف يسبب دمار المنحرف أولاً وقبل كل أحد.

حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله) العادلة

وبالعكس نرى حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) العادلة التي وفرت للمسلمين والأمة بأجمعها الخير والرفاه والاحسان.. بقيت وستبقى معززة مكرمة..

ولا يخفى أن هكذا حكومة ترجع بالخير إلى قائدها أيضاً، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) يذكر الآن وسيذكر إلى يوم القيامة على المنابر والمآذن وفي الكتب وسائر الوسائل بكل احترام، لأنه (صلى الله عليه وآله) طبّق الموازين الإسلامية التي ذكرناها..

فكانت في عهده (صلى الله عليه وآله) أموال المسلمين وأعراضهم وأرواحهم في أمن وأمان، بل وغير المسلمين أيضاً كذلك إلا المحاربين وذلك في ميدان الحرب وبشروط مذكورة في باب الجهاد.

عدم مصادرة الأموال

ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على شدة حاجته وحاجة أصحابه إلى المال لم يتناول حتّى درهماً واحداً من أحد في غير الاطار الإسلامي العام، فكان (صلى الله عليه وآله) يشدّ حجر المجاعة على بطنه(3) وكان أحياناً يجوع ثلاثة أيام من دون أن يتناول شيئاً، وقد رهن درعه الحربية عند يهودي لأجل الطعام في قصة مشهورة(4).

وفي الحديث إن فاطمة الزهراء (عليها السلام) جاءت بكسرة خبز لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال (صلى الله عليه وآله): ما هذه الكسرة؟

قالت: قرص خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة.

فقال (صلى الله عليه وآله): اما انه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام.

وقال (صلى الله عليه وآله): ان أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة، وان أبغض الناس إلى الله المتخمون الملأ، وما ترك العبد أكلة يشتهيها إلا كانت له درجة في الجنة(5).

فاطمة (عليها السلام) تقتدي بأبيها

وكذلك كانت فاطمة الزهراء (عليها الصلاة والسلام) فقد رهنت بعض ألبستها عند يهودي لأجل أصوع من الشعير..

وفي المناقب: أنها (عليها السلام) رهنت كسوة لها عند امرأة زيد اليهودي في المدينة واستقرضت الشعير فلما دخل زيد داره قال: ما هذه الأنوار في دارنا، قالت: لكسوة فاطمة، فأسلم في الحال وأسلمت امرأته وجيرانه حتى أسلم ثمانون نفساً(6).

وكانت (عليها الصلاة والسلام) يصفّر لونها ويلصق بطنها بظهرها وتغور عيناها من الجوع، وكان أولادها يرتعشون كما يرتعش الفرخ(7).

وقد سبق في تفسير سورة (هل أتى) (8) أنهم (عليهم السلام) أطعموا الفقير والأسير واليتيم، وصاموا ثلاثة أيام بالماء، ومع ذلك لم يأخذوا حتى درهما من أغنياء المسلمين، مع العلم أن في ذلك الوقت كان للمسلمين أغنياء.

وهكذا بالنسبة إلى أصحاب الصفة من أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث كانوا ثلاثمائة أو أكثر وكانوا في أشد الفقر، ولكن الرسول(صلى الله عليه وآله) لم يأخذ لهم حتى درهماً واحداً من أصحابه الأغنياء بعنوان أو بآخر، وكان بعض أصحاب الصفة من الفقر بحيث يغمى عليه من الجوع أحياناً، وبحيث إن ساتر بعضهم لم يكن يكفي لستر عورته في حالة السجود.

ولا يخفى انه لما استطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) من تطبيق معظم قوانين الإسلام انتزع الفقر من البلاد الإسلامية.

ولكن قبل ذلك حيث جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله عزوجل الحقوق الشرعية: الخمس والزكاة والجزية والخراج، وطبق قوانين المالية الإسلامية، لم يتناول حتى درهماً واحداً من المسلمين بالقوة.

وهذا كان نموذجاً من صيانة الأموال في عهده (صلى الله عليه وآله).

صيانة الأرواح في حكومته (صلى الله عليه وآله)

وبالنسبة إلى صيانة الأرواح والأمن الجسدي والروحي في الحكومة الإسلامية، فكان المجتمع يعيش بسلام وأمان، والنبي (صلى الله عليه وآله) لم يزهق روحاً واحداً من غير حق، وكانت حروبه حروباً مثالية وكانت جميعها دفاعية، فحين كان الاعتداء من جانب الكفار كان(صلى الله عليه وآله) يكتفي بأقل قدر من الضرورة في الحرب، ثم يعفو(9).

عفو الرسول (صلى الله عليه وآله)

وقد عفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أشد المعاندين له وهو أبو سفيان ومن أشبه، حينما استولى عليهم، فقال لهم: (ألا بئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وفللتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلوني.. فاذهبوا فأنتم الطلقاء)(10).

وعفى (صلى الله عليه وآله) عن وحشي الذي قتل حمزة عم النبي (صلى الله عليه وآله) سيد الشهداء .. وهكذا(11).

وعفى (صلى الله عليه وآله) عن هبّار الذي قتل ابنته زينب (عليها السلام) وقتل جنينها..

فإن هبار بن الأسود بعد أن جنى ما جنى وأهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه، جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله..

فقبل النبي (صلى الله عليه وآله) إسلامه..

فخرجت سلمى مولاة النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت لهبار: لا أنعم الله بك عينا، أنت الذي فعلت وفعلت..

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الإسلام محا ذلك.. ونهى عن التعرض له.

وعن ابن عباس قال: حينما كان هبار يعتذر إليه (صلى الله عليه وآله)، رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يطأطأ رأسه استحياءً مما يعتذر هبار! ويقول له: قد عفوت عنك(12).

قبول الشفاعة

ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أمر بقتل شخصٍ لجرمه، كان (صلى الله عليه وآله) يبدي عطفاً وحناناً، فإذا قيل له: هلا عفوت عنه، عفى عنه..

وفي التاريخ: إن النضر بن الحارث بن كلدة كان رجلاً من الكفار ومفسداً ، فقتله المسلمون بأمره (صلى الله عليه وآله) ، فجاءت أخته إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وقالت:

في قومها والفحل فحل معرق***أمحمد ولأنت صنو بخيبه

منّ الفتى وهو المغيظ المخنق***ما كان ضرّك لو مننت وربما

فكانت (الأخت) كافرة والمقتول كان كافراً مفسداً مستحقاً للقتل، لكن لما أنشدت الأبيات للرسول (صلى الله عليه وآله) رقّ لها الرسول (صلى الله عليه وآله)، وقال: لو كنت شفعت فيه قبل أن يقتل لكنت عفوت عنه(13).

إلى غير ذلك من الأمثلة.

عفوه (صلى الله عليه وآله) عن المتآمرين

وكذلك لم يعاقب الرسول (صلى الله عليه وآله) المنافقين الذين أرادوا قتله في ليلة العقبة (في قصة مشهورة)(14)...

كما عفى (صلى الله عليه وآله) عن غيرهم ممن همّوا بقتله(15)، مع العلم بأنهم كانوا من أشد المجرمين، ومن أخسّ الذين يستحقّون القتل، ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله) بسياسته الرشيدة كان يعفو مهما وجد إلى العفو سبيلاً.

احترام الأعراض

وهكذا كانت جميع الأعراض في حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمن وسلام، وان استحقّ بعضها الهتك..

فلما فتح الرسول (صلى الله عليه وآله) مكة المكرمة، أخذ (سعد بن عبادة) ينادي في أهل مكة:

اليوم يوم الملحمة***اليوم تسبى حرمة(16)

يعني: اليوم هو اليوم الذي نقتلكم ونجعلكم لحوماً، فهو يوم ملحمة ولحم، واليوم تسبى حرمكم ونساؤكم.

فقال الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمام عليّ (عليه السلام): اذهب وخذ الراية من سعد، وناد عكس ندائه..

فجاء علي (عليه السلام) وأخذ الراية وقال منادياً:

اليوم يوم المرحمة***اليوم تحفظ حرمة

يعني: إنّا نكرمكم ونرحمكم في هذا اليوم، ونحفظ حرمكم.

وهكذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) في حكومته الإلهية، فكان يعفو ويصفح.. ويعمل ما يمكن في سبيل ترسيخ دعائم الايمان والفضيلة، والصبر والاستقامة، والتقدم والوحدة، مما لم ير العالم مثل حكومته الرشيدة إلا في زمان أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، حيث رأى الناس في تلك الحكومة أيضاً ما رأوه في حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله).

وفاء الرسول (صلى الله عليه وآله)

وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) أوفى الناس بالنسبة إلى الناس، فأصدقاؤه وأصحابه الذين كانوا معه في مكة بقوا معه إلى حين مات في فراشه في المدينة المنورة، مع العلم أن بعضهم كانوا من المنافقين ولم يؤمنوا إلا ظاهراً، وأن بعضهم تجاسروا عليه بجسارات كبيرة، ولكنه (صلى الله عليه وآله) لم يتركهم ولم يستبدلهم بآخرين، فنفس الصديق الذي كان معه في مكة بقي معه في المدينة المنورة، وقد كان (صلى الله عليه وآله) قادراً على طرد بعضهم والانتقام من البعض الآخر.

شعبية الرسول (صلى الله عليه وآله)

وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) شعبياً إلى أبعد حد، كان مع الناس ومن الناس وإلى الناس وفي الناس، وكان يعطف على الكبير والصغير، فلم يكن يجلس في البروج العاجية ثم يأمر وينهى، ويزوّر ويمكر، ويظلم ويستبدد، وينفذ أوامره بسبب المال والحيلة والمكر والسيف ونحوها، مما اعتاده كثير من الحكّام.

عدم تغير الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد الحكم

والرسول (صلى الله عليه وآله) لم يتغيّر في المدينة المنورة عما كان عليه في مكة المكرمة، فلما جاء إلى المدينة المنورة، بنى غرفاً لزوجاته وغرفاً لأصحابه على شكل سواء، وكانوا في ذلك اليوم فقراء مطاردين مشرّدين، وكانت تلك الغرف مبنية من اللبن والطين وما أشبه، وكانت صغيرة جداً، حتى ان الغرفة ما كانت تستوعب حتى عشرين انساناً واقفين متلاصقين، كما يحدثنا بذلك التاريخ.

ثم إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) استولى على كثير من البلاد وأثرى وملك وتمكن أن يبني لنفسه قصوراً وأن يجعل لنفسه حرساً وحجابا، فقد صار رئيس الحكومة على الحجاز، وعلى اليمن الجنوبي، وعلى اليمن الشمالي، وعلى البحرين، وعلى أراضي الكويت، وعلى بعض الخليج، فكانت حكومته أكبر من خمس حكومات في خريطة عالمنا الحاضر، ومع ذلك لم يتغير لباسه، ولم يتغير فراشه، ولم يتغير بيته الطيني، ولم يتغير أثاثه، وتوفي (صلى الله عليه وآله) في نفس تلك الغرفة التي بناها بيديه الكريمتين من الطين واللبن أول ما هاجر إلى المدينة المنورة.

الرسول (صلى الله عليه وآله) المحبوب

إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبهذه الأخلاق الطيبة والسياسة الرشيدة كان محبوباً عند المسلمين إلى أبعد الحد ـ بل كان يحبه غير المسلمين أيضاً ـ .

وهذا الحب الناشئ عن الإيمان هو الذي جمع المسلمين حوله من يومه ذلك إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة.

فتراه (صلى الله عليه وآله) محبوباً عندما كان في مكة المكرمة، وعندما كان في المدينة المنورة، وفي القرون المتطاولة من بعده، ويزداد الناس حباً له(صلى الله عليه وآله) يوماً بعد يوم.

قصة جويرية

وقصة (جويرية) خير مثال على ذلك، حيث يعرف منها مدى حب الناس للرسول (صلى الله عليه وآله) واحترامهم له وإطاعتهم إياه.

فإن جويرية كانت أمة مملوكة، وقد كاتبت سيدها على أن تعطيه مبلغاً من المال في قبال تحريرها وفكّه لها، لكنها عجزت عن ذلك، فجاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلبت منه (صلى الله عليه وآله) أن يساعدها في فكها، فأعطاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما عليها من أقساط المكاتبة، فذهبت وفكت نفسها من سيّدها.

وقبل التطرق إلى تمام القصة وبيان موضع الشاهد منها لا بأس بالاشارة إلى ما يستفاد من هذه القطعة.. حيث إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عظمته كان في متناول جميع الناس حتى الإماء، وذلك حينما كان (صلى الله عليه وآله) رئيس دولة ورئيس دين.

مضافاً إلى انه (صلى الله عليه وآله) كان يقضي حاجة الناس حتى الأمة، ويعني ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن دكتاتوراً، ولا مستبداً، ولا متعالياً بحيث لا تصل إليه يد، وانما كان في متناول حتى يد الاماء والأطفال، يطلبون منه حاجاتهم ويقضيها لهم بكل تواضع.

ثم بعد ذلك لما تحررت جويرية من العبودية، تزوجها رسول الله(صلى الله عليه وآله) شفقة بها، حيث إنها أصبحت خلية ولم يكن هناك من ينفق عليها، ومن فلسفة زواجه (صلى الله عليه وآله) منها كان ترسيخ قانون (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (17)..

فلا فرق بين العبد والحر في ذلك، ولا الأسود والأبيض، والرسول (صلى الله عليه وآله) كان مسؤولاً عن المجتمع بأسره، نساءً ورجالاً، فكان يزوج النساء، ويزوج الشباب..

وهكذا تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان ذلك أكبر تواضع من الرسول (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى امرأة بسيطة عتيقة لا أهمية لها حسب منطق ذلك اليوم، ولما تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبحت من أمهات المؤمنين بفضل الرسول (صلى الله عليه وآله).

وكان في قبيلة (جويرية) مائة عبد وأمة في المدينة المنورة عند المسلمين، فلما عرفوا إن الرسول (صلى الله عليه وآله) تزوج من قبيلة أولئك العبيد والاماء، قالوا لعبيدهم وإمائهم: أنتم أحرار في سبيل الله كرامة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث تزوج من قبيلتكم.

وهذا نموذج من حب المسلمين الكثير للرسول(صلى الله عليه وآله)، فانهم وبملأ إرادتهم كانوا يحترمون الرسول (صلى الله عليه وآله) أشد الاحترام، حتى انهم لم يرضوا بأن يبقى أحد من قبيلة زوجة من زوجاته (صلى الله عليه وآله) رقّا في دارهم.

أبو رافع يفدي الرسول (صلى الله عليه وآله)

وهناك قصة أخرى تكشف عن حب المسلمين الشديد تجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي قصة أبي رافع (والقصة طويلة نشير إلى ما يهمنا):

إن أبا رافع جاء يوماً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فرآه (صلى الله عليه وآله) نائماً في ظنه، ورأى إلى جنب الرسول (صلى الله عليه وآله) حيّة، فخاف أن يترك الحية فتلدغ الرسول (صلى الله عليه وآله)، وإذا أراد قتل الحية استيقظ الرسول (صلى الله عليه وآله) من منامه، وهو خلاف راحة الرسول (صلى الله عليه وآله) .. فلم يرض أبو رافع بذلك، فقرر أن يفدي بنفسه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء ونام بين الرسول(صلى الله عليه وآله) وبين الحية، بحيث كان قريباً من الرسول (صلى الله عليه وآله)..

ولما قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) (مما ظنه نوماً، ولم يكن نوماً، وإنما كانت حالة تشبه السبات تعترض الرسول (صلى الله عليه وآله)، إبان نزول الوحي عليه) رأى (صلى الله عليه وآله) أبا رافع نائماً إلى جنبه، فقال (صلى الله عليه وآله) له: يا أبا رافع ما سبب نومك هنا، وفي هذا المكان؟

قال: يا رسول الله الحية.

فنظر الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الحية.

قال أبو رافع: يا رسول الله إني خفت إن تركت الحية أن تلدغك، وما اردت أن اوقظك عن نومتك، فقررت في نفسي ان أنام إلى جنبك (صلى الله عليه وآله) حتى إذا أرادت الحية أن تلدغ، تلدغني ولاتلدغك.

والقصة طويلة حيث أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله) ابا رافع: إن آية قرآنية نزلت عليه في شأن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقرأ (صلى الله عليه وآله) الآية على أبي رافع..

وكان ذلك من أسباب ان أبا رافع أصبح بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) ملازماً لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وحضر معه الجمل وصفّين والنهروان، وبعد ان قتل علي (عليه الصلاة والسلام) في الكوفة رجع إلى المدينة المنورة.

فهذا الحب الغريب من أبي رافع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كان سبباً لأن يعرض نفسه إلى التهلكة لتلدغه الحية ولا تلدغ الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا يرضى ان يستيقظ الرسول (صلى الله عليه وآله)..

إلى غير ذلك من القصص والشواهد التاريخية مما يدل على أهمية مقولة فاطمة الزهراء (عليها الصلاة والسلام) في خطبتها:

(وطاعتنا نظاماً للملّة) ..

حيث إن الملة كانت منتظمة في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)، مما سبب تقدم الإسلام والمسلمين.

وهكذا لو بقيت الأمة مطيعة لأهل البيت (عليهم السلام) لسادهم النظم والرفاه والسلام، كما تحقق ذلك في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

1ـ للتفصيل راجع (من فقه الزهراء (عليها السلام)) المجلد الثاني والثالث، شرح الخطبة الشريفة.

2ـ سورة آل عمران: 159.

3ـ راجع المناقب: ج1 ص235 فصل في وفاته (صلى الله عليه وآله).

4ـ راجع فقه القرآن: ج2 ص58 باب الرهن وأحكامه، وفيه: (أن النبي (صلى الله عليه وآله) رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير أخذه لأهله).

5ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج1 ص102.

6ـ المناقب: ج3 ص339 فصل في معجزاتها.

7ـ راجع الإقبال: ص528، والعمدة: ص347، ونهج الحق: ص184، وكشف الغمة: ج1 ص303.

8ـ سورة الإنسان.

9ـ للتفصيل راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ـ 2 للإمام المؤلف (دام ظله).

10ـ المناقب: ج1 ص209 فصل في غزواته.

11ـ للتفصيل راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1ـ ج2 للإمام المؤلف (دام ظله).

12ـ راجع شرح نهج البلاغة: ج18 ص14.

13ـ راجع بلاغات النساء: ص235.

14ـ راجع الإقبال: ص458، وتفسير القمي: ج1 ص301، وتفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص380.

15ـ كما في قصة اليهودية التي سمت النبي (صلى الله عليه وآله) في ذراع وعفى عنها، راجع بصائر الدرجات: ص503، والمحاسن: ص470.

16ـ الإرشاد: ج1 ص60 وص135، وشرح نهج البلاغة: ج17 ص272.

17ـ سورة الحجرات: 13.