الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

من أخبار فدك

عن النميري بن حسان قال: قلت لزيد بن علي وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع من فاطمة (عليها االسلام) فدك.

فقال: إن أبا بكر… أتته فاطمة (عليها السلام) فقالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاني فدك.

فقال لها: هل لك على هذا بينة؟

فجاءت بعلي عليه السلام فشهد لها، ثم جاءت بأم أيمن فقالت: أليس تشهد أني من أهل الجنة؟ قال: بلى ـ قال أبو أحمد: يعني أنها قالت ذاك لأبي بكر وعمر ـ .

قالت: فأشهد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطاها فدك.

فقال أبوبكر: فبرجل و امرأة تستحقينها أو تستحقين بها القضية؟.

وعن الحسن بن محمد بن علي: أن أبا بكر جعل سهم ذي القربى في سبيل الله، في الكراع والسلاح.

المهدي من آل محمد (ع)

عن أم سلمة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يبايع لرجل بين الركن والمقام عدة أهل بدر، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام. فيغزوهم جيش من أهل الشام، فإذا كانوا بالبيداء خسف بهم، ثم يغزوهم رجل من قريش أخواله كلب، فيلتقون فيهزمهم الله، فالخائب من خاب من غنيمة كلب.

وعن أبي هريرة قال: يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة، ويبقرون بطون النساء، ويقولون للحبلى في البطن: اقتلوا صبابة الشر، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم، فلا يدرك أسفلهم أعلاهم ولا أعلاهم أسفلهم.

وعن بسر بن لخم المعافرى قال: سمعت أبا فراس يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: إذا خسف بالجيش بالبيداء فهو علامة خروج المهدي عليه السلام .

صدقات علي بن أبي طالب عليه السلام

عن كشد بن مالك الجهني قال: نزل طلحة بن عبيد الله وسعيد ابن زيد عليّ بالمنحار ـ وهو موضع بين حوزة السفلى وبين منحويـن، على طريق التجار في الشام ـ حين بعثهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يترقبان له عن عير أبي سفيان، فنزلا على كشد فأجارهما.

فلما أخذ رسول الله ينبع، قطعها لكشد، فقال: يا رسول الله، إني كبير، ولكن اقطعها لابن أخي. فقطعها له، فابتاعها منه عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة الأنصاري بثلاثين ألف درهم، فخرج عبد الرحمن إليها فرمى بها وأصابه سافيها وريحها، فقدرها، وأقبل راجعاً، فلحق علي بن أبى طالب عليه السلام بمنزل وهي بلية دون ينبع فقال: من أين جئت؟

فقال: من ينبع، وقد شنفتها، فهل لك أن تبتاعها؟

قال علي عليه السلام : قد أخذتها بالثمن، قال هي لك. فخرج إليها علي عليه السلام فكان أول شيء عمله فيها البغيبغة وأنفذها.

قال أبوغسان: وأخبرني عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: بشر علي عليه السلام بالبغيبغة حين ظهرت، فقال عليه السلام : تسر الوارث.

ثم قال عليه السلام : هي صدقة على المساكين وابن السبيل وذي الحاجة الأقرب.

وحدثنا القعنبي قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه: أن عمر قطع لعلي عليه السلام ينبع، ثم اشترى علي عليه السلام إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عيناً، فبينما هم يعملون فيها إذا انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء، فأتي علي عليه السلام عنه فبشر بذلك، فقال: يسر الوارث. ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وأبناء السبيل القريب والبعيد، في السلم والحرب، ليوم تبيضّ فيه وجوه وتسودّ فيه وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النار، ويصرف النار عن وجهي.

وعمل علي عليه السلام أيضاً بينبع(البغيبغات) وهي عيون، منها عين يقال لها:(خيف الأراك) ومنها عين يقال لها:(خيف ليلى) ومنها عين يقال لها:(خيف بسطاس)، فيها خليج من النخل مع العين. وكانت البغيبغات مما عمل علي عليه السلام وتصدق به، فلم تزل في صدقاته حتى أعطاها حسينُ بن علي عبدَ الله بن جعفر بن أبي طالب، يأكل ثمرها، ويستعين بها على دينه ومؤونته على ألا يزوج ابنته يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، فباع عبد الله تلك العيون من معاوية، ثم قبضت حتى ملك بنو هاشم الصوافي، فكلم فيها عبد الله بن حسن بن حسن بن أبي العباس، وهو خليفة، فردها في صدقة علي عليه السلام عنه، فأقامت في صدقته حتى قبضها أبو جعفر في خلافته، وكلم فيها الحسن بن زيد المهدي، حين استخلف وأخبره خبرها، فكتب إلى زفر بن عاصم الهلالي، وهو والي المدينة، فردها مع صدقات علي عليه السلام .

ولعلي عليه السلام أيضاً ساقي على عين يقال لها:(عين الحدث) بينبع، وأشرك على عين يقال لها:(العصيبة) موات بينبع.

وكان له أيضاً صدقات بالمدينة:(الفقيرين) بالعالية، و(بئر الملك) بقناة، و(الأدبية) بالأضم.

ولعليعليه السلام في صدقاته(عين ناقة) بوادي القرى يقال لها: (عين حسن) بالبيرة من العلا. كانت حديثاً من الدهر بيد عبد الرحمن ابن يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة التميمي، فخاصمه فيها حمزة بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن علي ـ بولاية أخيه العباس بن حسن ـ الصدقة حتى قضى لحمزة بها، وصارت في الصدقة.

وله عليه السلام بوادي القرى أيضاً عين موات، خاصم فيها أيضاً حمزة ابن حسن بولاية أخيه العباس رجلين من أهل وادي القرى، كانت بأيديهما يقال لهما:(مصدر كبير مولى حسن بن حسن)، و(مروان بن عبد الملك بن خارست)، حتى قضى حمزة بها، فصارت في الصدقة.

ولعلى عليه السلام أيضاً حق على عين سكر.

وله عليه السلام أيضاً ساقي على عين بالبيرة وهو في الصدقة.

وله عليه السلام بحرة الرجلاء من ناحية شعب زيد واد يدعى الأحمر، شطره في الصدقة، وشطرة بأيدي آل مناع من بني عدي، منحة من علي عليه السلام ، وكان كله بأيديهم حتى خاصمهم فيه حمزة بن حسن، فأخذ منهم نصفه.

وله عليه السلام أيضاً بحرّة الرجلاء واد يقال له:( البيضاء) فيه مزارع وعفا وهو في صدقته.

وله عليه السلام أيضاً بحرّة الرجلاء أربع آبر يقال لها:( ذات كمات)، و( ذوات العشراء) و(قعين) و(معيد) و(رعوان) فهذه الآبر في صدقته.

وله عليه السلام بناحية فدك واد بين لابتي حرة يدعى:( رعية) فيه نخل ووشل من ماء يجري على بزرنوق فذلك في صدقته.

وله عليه السلام أيضاً بناحية فدك واد يقال له:(الأسحن)، وبنو فزارة تدعى فيه ملكاً ومقاماً، وهو اليوم في أيدي ولاة الصدقة في الصدقة.

وله عليه السلام أيضاً بناحية فدك مال بأعلى حرة الرجلاء يقال له:(القصيبة).

قال أبو غسان: وهذه نسخة كتاب صدقة علي بن أبى طالب (عليه السلام) حرفاً بحرف نسختها على نقصان هجائها وصورة كتابها، أخذتها من أبي، أخذتها من حسن بن زيد:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أمر به وقضى به في ماله عبد الله علي أمير المؤمنين، ابتغاء وجه الله ليولجني الله به الجنة، ويصرفني عن النار ويصرف النار عني يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، إن ما كان لي بينبع من ماء يعرف لي فيها وما حوله صدقة ورقيقها، غير أن رباحاً وأبا نيزر وجبير أعتقناهم، ليس لأحد عليهم سبيل، وهم موالي يعملون في الماء خمس حجج، وفيه نفقتهم ورزقهم ورزق أهليهم. ومع ذلك ما كان بوادي القرى، ثلثه مال ابني قطيعة، ورقيقها صدقة، وما كان لي بواد ترعة وأهلها صدقة، غير أي زريقا له مثل ما كتبت لأصحابه. وما كان لي باذنية وأهلها صدقة. والفقير لي كما قد علمتم صدقة في سبيل الله. وأن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة وجب فعله حياً أنا أو ميتاً ينفق في كل نفقة ابتغي به وجه الله من سبيل الله ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب والقريب والبعيد، وأنه يقوم على ذلك حسن ابن علي، يأكل منه بالمعروف وينفق حيث يريه الله في حل محلل لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يندمل من الصدقة مكان ما فاته يفعل إن شاء الله لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يبيع من الماء فيقضي به الدين فليفعل إن شاء الله لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله يسير إلى ملك، وأن ولد علي وما لهم إلى حسن بن علي، إن كان دار حسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها، فإنه يبيع إن شاء لا حرج عليه فيه، فإن يبع فإنه يقسم منها ثلاثة أثلاث، فيجعل ثلثه في سبيل الله، ويجعل ثلثه في بنى هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثه في آل أبي طالب، وأنه يضعه منهم حيث يريه الله.

وإن حدث بحسن حدث وحسين حي، فإنه إلى حسين بن علي وأن حسين بن علي يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسناً؛ له منها مثل الذي كتبت لحسن منها، وعليه فيها مثل الذي على حسن، وإن لبني فاطمة من صدقة عَليّ مثل الذي لبني علي، وإني إنما جعلت الذي جعلت إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وتكريم حرمة محمد وتعظيماً وتشريفاً ورجاء بهما، فإن حدث لحسن أو حسين حدث، فإن الآخر منهما ينظر في بني علي، فإن وجد فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنه يجعله أن شاء، وإن لم ير فيهم بعض الذي يريد، فإنه يجعله إلى رجل من ولد أبي طالب يرضاه، فإن وجد آل أبي طالب يومئذ قد ذهب كبيرهم وذوو رأيهم وذوو أمرهم، فإنه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم، وإنه يشترط على الذي يجعله إليه أن ينزل الماء على أصوله، ينفق تمره حيث أمر به من سبيل الله ووجهه، وذوي الرحم من بني هاشم، وبني المطلب، والقريب والبعيد، لا يُبَعْ منه شيء ولا يوهب ولا يورث، وإن مال محمد على ناحية، ومال ابني فاطمة ومال فاطمة إلى ابني فاطمة. وإن رقيقي الذين في صحيفة حمزة الذي كتب لي عتقاء.

فهذا ما قضى عبد الله علي أمير المؤمنين في أمواله هذه الغد من يوم قدم مكر ابتغي وجه الله والدار الآخرة، والله المستعان على كل حال، ولا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء قبضته في مال، ولا يخالف فيه عن أمري الذي أمرت به عن قريب ولا بعيد.

أما بعدي فإن ولائدي اللاتي أطوف عليهن السبع عشرة منهن أمهات أولاد أحياء معهن ومنهن من لا ولد لها، فقضائي فيهن إن حدث لي حدث: أن من كان منهن ليس لها ولد، وليست بحبلى فهي عتيقة لوجه الله، ليس لأحد عليها سبيل، ومن كان منهن ليس لها ولد وهي حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه، وأن من مات ولدها وهي حية فهي عتيقة، ليس لأحد عليها سبيل.

فهذا ما قضى به عبد الله علي أمير المؤمنين من مال الغد من يوم مكر.

شهد أبو شمر بن أبرهة، وصعصعة بن صوحان ويزيد بن قيس، وهياج بن أبى هياج.

وكتب عبد الله علي أمير المؤمنين بيده لعشرة خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين هـ.

ومنهن الدار التي يقال لها: (الدار الكبرى) دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، بحشّ طلحة، وأنما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن يُنزِلُ فيها ضيفان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانت أيضا تسمى: (دار الضيفان). فسرق فيها بعض الضيفان، فشكا ذلك عبد الرحمن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد بنى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده، فيما زعم الأعرج، وهي اليوم بيد بعض ولد عبد الرحمن بن عوف. 

مع أبي ذر الغفاري

عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أباذر!

قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله.

قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت في الدم؟

قال: قلت: ما خار الله لي ورسوله.

قال: عليك بمن أنت معه.

مع عبد الله بن أبى بن سلول

عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيُّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بني المصطلق، فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولا سيئا في منزل نزله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وكان في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل يقال له: جعال ـ وهم زعموا ـ أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال له جهجاه، فعلت أصواتهما واشتد جهجاه على المنافقين وردّ عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر يسقيه ـ وكان أجيراً لعمر ـ ومع جعال فرس لعبد الله بن أبي، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا.

فقال عبد الله بن أبيّ: هذا عبد الله بن أبى: هذا ما جاوزنا به؛ آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون.

وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين الفتية الأنصاريين فغضب وقال ـ وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) للإسلام ـ :

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

فخرج رجل من بنى سليم مغضباً من قول حسان، فلما خرج ضرب حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن المعطل؛ فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف، فلم يقطع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده ـ لضرب السلمي حسان ـ فقال: خذوه، فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه، فأسروه، وأوثقوه.

وبلغ ذلك سعدة بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه؛ فقال عمر: أثم إلى قوم رسول الله تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟! فغضب سعد لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل. وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم القتال، ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة ثم أرسله فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من كساك كساه الله من ثياب الجنة؟ قال: كساني سعد بن عبادة.

وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعز منها الأذل، فأحصى الله عز وجل عليه ما قال، وسمع زيد بن أرقم ـ رجل من بني حارثة بن الخزرج ـ قول عبد الله ابن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، هل لك في ابن أبيّ فانه يقول آنفاً: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذين ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم وما اتبعه منهم رجل، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عبّاد بن بشر أخا بني عبد الأشهل أو معاذ بن عمرو بن الجموح فليقتله.

فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله، فلما رأى ذلك عمر سكت، وتحدث أهل عسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقار في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل.

فلما استقل الناس قالوا: ما شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتقار في منزله، لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟ فبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئاً، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن كان سبق منك قول شيء فتب، فجحد وحلف، فوقع رجال بزيد بن أرقم وقالوا: أسأت بابن عمك وظلمته، ولم يصدقك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبينما هم يسيرون رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوحى إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرى عنه نظر فإذا هو بزيد بن أرقم…

فقال: أبشر فقد صدق الله حديثك، فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ إلى قوله: ( ولكن المنافقين لا يعلمون ) (1) .

فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقباء من طريق عمق سرح الناس ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟ فزعموا أنه قال: مات اليوم منافق عظيم النفاق ولذلك عصفت وليس عليكم منها بأس إن شاء الله، وكان موته غائظاً للمنافقين.

قال جابر بن عبد الله: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ ، وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم، وفُقِدَت راحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين الإبل، فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟

قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته؟

فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله؛ نافقت، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا ساعة. فمكث المنافق معهم شيئاً، ثم قام وتركهم، فعمد لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمع الحديث، فوجد الله قد حدثه حديثه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمنافق يسمع: أن رجلاً من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله، وقال: ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وأنها في الشعب المقابل لكم، قد تعلق زمامها بشجرة.

فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعاً حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم من مجلسه، فقال أنشدكم بالله هل أتى منكم محمداً فأخبره بالذي قلت؟

قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد، قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله.

فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه، فاستغفر له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ويزعمون أنه ابن اللصيت، ولم يزل ـ زعموا ـ يفسل حتى مات.

وعن موسى بن عقبة قال: حدثنا عبد الله بن الفصل أنه سمع أنس بن مالك ـ وقد سئل عن زيد بن أرقم ـ فقال: هو الذي يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هو الذي أوفى الله بأُذُنه؛ سمع رجلاً من المنافقين يقول ـ والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب ـ: لئن كان هذا صادقاً لنحن شر من الحمير.

فقال زيد بن أرقم: فقد والله صدق، ولأنت شر من الحمير، ثم رفع ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجحده القائل فانزل الله على رسوله: ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) (2) وكان ما أنزل الله من هذه الآية تصديقاً لزيد.

وعن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جلاس بن سويد قال: لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير، فقال عمير بن سعد وكان ربيبة في حجره: والله إن الذي يقول حق، وأنك لشر من الحمار، ورفع ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاه جلاس فرد قوله وكذبه وقال: والله ما قلت ذلك ولقد كذب عَليَّ فأنزل الله: ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) (3) الآية.

قال جلاس: صدق يا رسول الله، لقد قلت ذاك، وقد عرض الله علي التوبة وإني أستغفر الله وأتوب إليه مما قلت، وكان حَمَّل حمالة، أو عليه دين فأداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فذلك قوله: ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) (4) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمير:(وَفَتْ أذُنك وصدَقك ربُّك) وقال عمير لجلاس: أم والله لولا أني خشيت أن ينزل في كتاب أو وحي بكتماني عليك لكتمت عليك.

وعن أسامة بن زيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ركب على حمار عليه إكاف، فوقه قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر.

فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول ـ وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبيّ ـ فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفة بردائه، ثم قال: لا تغيروا علينا، فسلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقاً فلا تؤذنا في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجلسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتشاورون، فلم يزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال: يا سعد ألا تسمع إلى ما قال أبو حباب ـ يريد عبد الله بن بأبيّ ـ قال: كذا وكذا.

فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي نزل الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرفه فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

أم كلثوم بنت عقبة

حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان قال: حدثني عبد العزيز بن عمران عن مجمع بن يعقوب الأنصارى، عن الحسن بن السالب بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي أحمر قال: قالت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط: أنزل فيّ آيات من القرآن، كنت أول من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشاً على أنه من جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بغير إذن وليه رده إليه، ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يردوه إليه، قالت: فلما قدمت المدينة قدم عليّ أخي الوليد بن عقبة، قالت: ففسخ الله العقد الذي بينه وبين المشركين في شأني، فأنزل الله:

[ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ] إلى قوله: [ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن] (5).

قالت: ثم أنكحني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد بن حارثة، وكان أول من نكحني فقلت: يا رسول الله، زوجت بنت عمك مولاك؟ فأنزل الله: [ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ] (6) قالت: فسلمت لقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم قتل عني فأرسل إلى الزبير بن العوام أبي بن خالد فاحبسني على نفسه. فقلت نعم، فأنزل الله: [ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله] (7). قالت: ثم حللت فتزوجت الزبير، وكان ضراباً للنساء فوقع بيني وبينه بعض ما يقع المرء وزوجه فضربني وخرج عني وأنا حامل في سبعة أشهر، فقلت: اللهم فرق بيني وبينه، ففارقني فضربني المخاض فولدت زينب بنت الزبير، فرجع وقد حللت فتزوجت عبد الرحمن بن عوف، فولدت عنده إبراهيم ومحمداً وحميداً بني عبد الرحمن بن عوف.

وعن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه: أن أم كلثوم بنت عقبة كانت تحت الزبير بن العوام، وكانت له كارهة، وكان شديداً على النساء، فكانت تسأله الطلاق فيأبى، فضربها المخاض وهولا يعلم، فألحت عليه يوماً وهو يتوضأ للصلاة فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة فوضعت، فأتبعه إنسان من أهله وقال: إنها وضعت، قال: خدعتني خدعها الله، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكر ذلك له، فقال: سبق فيها كتاب الله، اخطبها قال: لا، لا ترجع إلي.. 

ذكر اللعان

عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية(8)، قال سعد بن عبادة يا رسول الله أهكذا أنزلت؟ فلو وجدت لكاعاً يتفخذها رجل لم يكـن لي أن أخبركم ولا أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فو الله لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضى حاجته.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني عجبت من ذلك لما أخبرك الله فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فإن الله يأبى إلا ذلك، فقال: صدق الله ورسوله.

قال: فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكذاك إذ جاء هلال بن أمية الواقفي فقال: يا رسول الله، إني جئت البارحة عشاء من حائط لي كنت فيه فرأيت مع أهلي رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما جاء به، وقيل: يجلد هلال وينكل في المسلمين. فقال هلال: يا رسول الله، إني أرى في وجهك أنك تكره ما جئت به، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فَرَجَاً، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكذاك إذ نزل عليه الوحي وكان إذا نزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه وبرد جسده ـ فلما رفع الوحي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فَرَجَاً، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ادعوها، فدعيت، فقال: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ فقال هلال: يا رسول الله، ما قلت إلا حقاً، ولقد صدقت، فقالت هي عند ذلك: كذب، فقيل لهلال: أشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وقيل له عند الخامسة: يا هلال اِتقِ الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال: لا والله لا يعذبني الله عليها أبداً كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة(أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين).

وقيل لها: عند الخامسة: يا هذه اتقي الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. قال: فبكت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة(أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) وقضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أن لا تُرمَى ولا يُرمَى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها جُلِدَ الحد، وليس لها عليه قوت ولا سكنى من أجل إنهما يتفرقان بغير طلاق ولا متوفى عنها.

وعن سعيد بن جبير قال: كنا إذا اختلفنا في شيء بالكوفة كتبته حتى أسأل عنه ابن عمر، وكان فيما سألته عن الملاعنة، فقال: فرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أخوي بني العجلان، وقال:(الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟) ثلاث مرار .

قال أيوب: فحد ثنيه به عمرو بن دينار فقال في المدينة شيء لا أراك تحد ثنيه، قال: يا رسول الله ما لي؟ قال: لا مال لك إن كنت صادقاً فقد دخلت بها، وإن كنت كاذباً فهو أبعد لك. 

قصة عامر

عن عكرمة قال: جاء عامر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله الخلافة من بعده، وسأله المرباع وسأله أشياء، فقال له رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): زحزح قدميك لا تنزعك الرماح نزعاً عنيفاً، والله لو سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبيبة من سبيبات المدينة ما أعطاك.

فولى عامر غضبان، وقال: لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم إن لم تهد عامراً فاكفنيه)، فأخذته غذة كغدة البكر، فجعل ينادي: يا آل عامر، غدة كغدة البكر!! حتى قتلت عدو الله.

وعن عبد الله بن وهب قال: سمعت ليث بن سعد يحدث: أن أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل أتيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدثه فلما طال عليه انصرف، قال له صاحبه: لقد رأيت عنده شيئاً أن رجليه لفي الأرض وأن رأسه لفي السماء، لو دنوت منه لأهلكني. فأما أربد فأصابته صاعقة،

وأنزل الله: [ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله] (9).

وأما عامر فإنه قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم اكفنيه، فأخذته غدة فقتلته. 

تشريع الظهار

عن أبي العالية الرياحي قال: كانت خولة بنت دليج عند رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر سيئ الخلق فقيراً، وكان طلاق الناس إذا أراد الرجل أن يفارق امرأته قال: أنت عليّ كظهر أمي، فنازعته في شيء فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، فاحتملت عيلاً لها، أو عيلين منه، ثم أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير البصر سيئ الخلق، فقير، ولي منه عيل أو عيلان، فنازعته في شيء، فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد الطلاق يا رسول الله.

فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأسه فقال:(ما أعلمك إلا قد حرمت عليه) فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وبأصبيتى، وتحولت عائشة إلى شق رأسه تغسله، وتحولت معها فقالت له مثل ذلك، وقال لها مثل ذلك، فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وبأصبيتى، وتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت لها عائشة: وراءك وراءك، فتنحت، فمكث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما هو فيه حتى إذا انقطع الوحي وعاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كان، قال:(يا عائشة آتي امرأة) فدعتها فجاءت، فقال:اذهبي فجيئي بزوجك، فذهبت تسعى، فجاءت به كما قالت ضرير البصر سيئ الخلق فقيراً.

فلما انتهى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم:( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما ) (10) إلى آخر الآية.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أتجد رقبة تعتقها؟ قال: لا يا رسول الله، قال:( أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: فأعتل، قال:(أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟) قال: لا، إلا أن تعينني يا رسول الله، قال: فأعانه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصرف الطلاق إلى الظهار، قال علي(عليه السلام): يعنى أن الظهار كان طلاقهم فجعل ظهاراً.

وحدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، أن خولة لتشتكي زوجها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخفى على أخبار بعض ما تقول، فأنزل الله عزوجل: ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) .(11)

وحدثنا هارون بن عمر قال: حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة قال: خرج عمر من المسجد ومعه الجارود العبدي، فإذا بامرأة برزة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر فردّت عليه ـ أو سلمت عليه فردّ عليها ـ ثم قالت: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تصارع الصبيان، فلم تذهب الأيام والليالي حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب منه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر، فقال الجارود: هيه، فقد أكثرت وأبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر: أو ما تعرف هذه؟ هذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة بن الصامت التي سمع الله قولها من سمائه، فعمر والله أجدر أن يسمع لها.

وعن يزيد بن زيد في قول الله: ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) (12) فقال: هي خولة بنت الصامت، كان زوجها مريضاً فدعاها فلم تجبه، ثم دعاها فلم تجبه، فقال: أنتِ عليّ مثل ظهر أمي.

وعن يزيد بن زيد، عن خولة قال: كان زوجها مريضاً فدعاها ـ وكانت تصلي ـ فأبطأت عليه، فقال: أنت عليّ مثل ظهر أمي إن أنا وطئتك، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكت ذلك إليه، ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغه في ذلك شيء.

ثم أتته مرة أخرى، فدعاه، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: اعتق رقبة.

قال: ليس عندي مال.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : فصم شهرين متتابعين.

قال: لا أستطيع.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أطعم ستين مسكيناً ثلاثين صاعاً.

قال: لست أملك ذلك إلا أن تعينني، فأعانه بخمسة عشر صاعاً وأعانه الناس حتى بلغ ثلاثين صاعاً.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أطعم ستين مسكيناً.

فقال: يا رسول الله، ما أجد أحد أفقر إليه مني، وأهل بيتي.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : خذه أنت وأهل بيتك. فأخذه. 

الهجرتان

وعن عدي بن ثابت، عن أبى بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: لقي عمر أسماء بنت عميس فقال: نعم القوم أنتم، لولا أنكم سبقتم بالهجرة، فنحن أفضل منكم. فقالت: كنتم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم جاهلكم ويحمل راجلكم، وفررنا بديننا ولست براجعة حتى أدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخلَت عليه فقالت: يا رسول الله، إني لقيت عمر فقال: كذا وكذا.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لكم هجرتكم مرتين؛ هجرتكم إلى الحبشة وهجرتكم إلى المدينة).

قصة الدرع المسروقة

عن هشام بن عروة أن ابن أبيرق الظفري كان سرق درعاً من يهودي، فأخذه اليهودي بها، فرمى به غيره، فأغضبهم ذلك فقالوا: أراد أن يعير أحسابنا، فكلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقوم بعذره، فلما رجعوا من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنزل الله على رسوله(صلى الله عليه آله وسلم) فأخبره خبره :

( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً) (13) وما ذكر فيها من الشأن.

قال:( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً _ ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً _ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً) (14) فلو أنه مات قبل منه إن شاء الله، ولكنه حمى أنفه فخرج إلى قريش، فلبث فيهم. ثم عثروا عليه قد سرق ثياب الكعبة فقدموه فقتلوه.

وعن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشير وبشر ومبشر، وكان مبشر رجلاً منافقاً، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث فقال:

أو كلما قال الرجال قصيدة أضموا وقالوا: ابن الأبيرق قالها؟

قال: وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، فكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافحة من الشام بالدرمك ابتاع الرجل منها فخص به نفسه، فأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافحة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح له: درعان وسيفاهما وما يصلحهما، فعدى عليه من تحت الليل فنقبت المشربة فأخذ الطعام والسلاح، فلما أتاني عمي رفاعة قال: ابن أخي، تعلم أنه قد عدى علينا من ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا؟

قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقالوا: قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا: ـ ونحن نسأل في الدار ـ: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل؛ رجل منا له صلاح و إسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق !! والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبين هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فو الله ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم يشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت له ذلك؟

قال قتادة: فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكرت ذلك فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له فأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سأنظر في ذلك.

فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسيد بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه أناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة عن غير ثبت ولا بينة) قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض ما لي ولم أكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك.

فأتاني عمي فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: الله المستعان.

قال: فلم يلبث أن نزل القرآن: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيماً) (15) بني أبيرق .[ وإستغفر الله] أي: مما قلت لقتادة [ إن الله كان غفوراً رحيماً _ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم] أي: بني أبيرق( إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً_ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً _ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً _ ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً) (16) أي: لو أنهم استغفروا الله لغفر لهم [ ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً _ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئا ] قولهم للبيد [ فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً _ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك] يعني أسيدا وأصحابه( وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً _ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) (17).

قال: فلما نزل القرآن أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسلاح فرده إلى رفاعة، قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح ـ وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى أن إسلامه مدخولاً ـ قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً.

قال: فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد، فأنزل الله فيه:( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً _ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً) (18).

فلما نزل على سلافة رماها حسان بأبيات شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت إلي شعر حسان، قالت: والله لا يثبت في صدري، قد علمت أنك لم تأتني بخير ـ أو قالت ـ : أهديت إلي هجاء حسان، فأخذت رحله فألقته في البطحاء، فخرج يسير إلى الطائف فذهب ينقب بيتاً فانهدم عليه فمات، فقال أهل مكة: ما كان ليفارق محمداً رجل من أصحابه فيه خير. 

قصة العضباء

عن عمران بن حصين قال: كانت العضباء لرجل من عقيل، وكانت من سوابق الحاج فأسر الرجل وأخذت العضباء منه، فمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في وثاق ـ ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حمار عليه قطيفة ـ فقال: يا محمد، علامَ تأخذونني وتأخذون سابقة الحاج؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (نأخذك بجريرة قومك وحلفائك ثقيف) ـ قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحـاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال فيما قال: إني مسلم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ولو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح).

قال: ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد، إني جائع فأطعمني، وإني ظمآن فاسقني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (هذه حاجتك)(19) ففدى بالرجلين، وحبس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العضباء لرحله، قال: ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به، وكانت العضباء فيه، وأسروا امرأة من المسلمين، فكانوا إذا نزلوا أراحوا إبلهم بأفنيتهم، فقامت المرأة ليلاً بعد ما ناموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجربة فركبتها، ثم وجهتها قِبَل المدينة، ونذرت إنِ الله أنجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة وقيل: ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنذرها، وأتته فأخبرته، فقال: (بئس ما جَزَتها ـ أو بئس ما جزيتيها ـ نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها)، ثم قال: (لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) قال عفان: وقال لي: وهيب: كانت ثقيف حلفاء بني عقيل، وقال عفان: وزاد حماد بن سلمة قال: وكانت العضباء إذا جاءت لا تمنع من حوض ولا نبت.

ويقال: إن نهيكا ركب إلى ثقيف فكلمهم، وإنه قال هذه الأبيات لأخيه أبي بن مالك و من معهما:

وكانوا هم المولى فنادوا بحملهم عليك وقد كادت بك النفس تيأس 

قدوم عروة بن مسعود وإسلامه 

عن ابن شهاب قال: لما صدر أبوبكر ـ وقد أقام الناس حجهم ـ فقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسلم، ثم استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرجع إلى قومه، فقال: (إني أخاف أن يقتلوك) فقال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني.

فأذن له فرجع إلى الطائف، فقدم عشاء فجاءته ثقيف فحيوه فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فعصوه واتهموه من الأذى ما لم يكن يخشاهم عليه، وخرجوا من عنده، حتى إذا أسحر وطلع الفجر قام على غرفة له في داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فزعموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال حين بلغه قتله: مثل عروة مثل صاحب ياسين؛ دعا قومه إلى الله فقتلوه،وكان صاحبهم رجلاً يقال له: حبيب ـ وكان نجاراً ـ فقال: [ يا قوم اتبعوا المرسلين_ اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون] (20) وقال: [ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون _ أ أتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون _ إني إذاً لفي ضلال مبين_ إني آمنت بربكم فاسمعون ] (21).

فقاموا إليه فأخذوا قدومه من قفّته فضربوه به على دماغه فقتلوه، فقيل له: (أدخل الجنة) فلما دخلها ذكر قومه قال: [ يا ليت قومي يعلمون _ بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين] .(22)

ممن عذبوا في الله

عن سعيد بن المسيب قال: خرج صهيب مهاجراً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتبعه نفر من المشركين فنثر كنانته وقال لهم: يا معشر قريش قد تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إليّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي منه في يدي شيء، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه. قالوا فدلنا على مالك ونخلي عنك. فتعاهدوا على ذلك، فدلهم ولحق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ربح البيع أبا يحيى.

وعن عمر مولى غفرة: أنه بلغه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خرج مهاجراً إلى المدينة أخذ المشركون عمار بن ياسر وعبد الله بن سعد، فشرح بالكفر صدراً.

وأما عمار فلم يزالوا يعذبونه حتى كادوا يقتلونه، فلما رأوا أنه يأبى عليهم أن يكفر، قالوا: تسب النبي ونخلي سبيلك، فلما فعل فعلوا.

فخرج حتى قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما رآه قال: ( أفلح وجه أبا اليقظان؟) قال: ما أفلح وجهه ولا أنجح، قال: (ما لك أبا اليقظان؟) قال: بدروني حتى سببتك، قال: ( فكيف تجد قلبك؟) قال: يحبك ويؤمن بك، قال: (فإن استزادوك من ذلك فزد).

وحدثنا عبد الله بن فاروق، عن أبيه، عن صفوان بن أمية أنه قيل له: إن الجنة لا يدخلها إلا من هاجر، قال: فقلت: لا أدخل منزلي حتى آتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأسأله، قال: فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت: يا رسول الله، إنهم يقولون لا يدخل الجنة إلا من هاجر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية إن استنفرتم فانفروا).

قال: أبو زيد بن شبة: كان نعيم بن عبد الله بن النحام يمون عالة بني عدي، فأراد الهجرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله قومه المقام فيهم، وقالوا: إنه لا ينالك أحد بمكروه ومنا نفس حية، فأقام، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ( قومك كانوا لك خيراً من قومي لي؛ أخرجني قومي وحبسك قومك) قال نعيم: يا رسول إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وحبسني قومي عنها.

وحدثنا أبو الوليد القرشي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب، عن جبير بن نفير: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا صلى بالناس فسلم قام فتصفح بوجهه الناس، فإذا رأى رجلاً لم يكن رآه قبل ذلك سأل عنه. قال جبير: فرأى يوماً رجلاً لم يكن رآه قبلها فقال:(من تكون يا عبد الله؟) فرفع رأسه فقال: أنا واثلة بن الأسقع الليثي، قال: ( فما جاء بك؟) قال: مهاجراً إلى الله ورسوله، قال:(هجرة إقامة أم هجرة رجعة؟ ) ـ قال: وكان منهم من يسلم ثم يرجع ومنهم من يسلم ويقيم ـ قال: بل هجرة إقامة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(أعطني يدك) فبسطها فصافحه على:(شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وتطيع الله ورسوله فيما استطعت)، قال: نعم، فصافح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على يده.

وعن أبي حرب ـ يعني: ابن أبي الأسود الديلي، عن طلحة، قال أبو زيد: هذا طلحة بن عمرو النضري ـ قال: كان من قدم المدينة، فكان له بها عريف نزل على عريفه، ومن لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت فيمن نزل الصفة، فوافقت رجلين فكان يجري علينا في كل يوم مد من تمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فانصرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فناداه رجل من أهل الصفة: يا رسول الله، أحرق التمر بطوننا، وتخرقت علينا الخنف، فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى منبره فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما لقي من قومه، حتى أن كان ليأتي علي وعلى صاحبي بضعة عشر يوماً ما لنا طعام إلا البرير فقدمنا على إخواننا من الأنصار ـ وجل طعامهم التمرـ فواسونا ولو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكم ولكن لعلكم ستدركون زماناً ـ أو من أدركه منكم ـ تلبسون فيه مثل أستار الكعبة ويغذي ويراح عليكم بالجفان.

1- المنافقون: 8.

2- التوبة: 74.

3 - التوبة: 74.

4 - التوبة: 74.

5 - الممتحنة: 10.

6 - الاحزاب: 36.

7 - البقرة: 235.

8 - أي آية اللعان.

9 - الرعد: 11.

10- المجادلة: 1.

11- المجادلة: 1.

12- المجادلة: 1.

13- النساء: 107.

14- النساء: 112-110.

15- النساء: 105.

16- النساء: 110-106.

17- النساء: 14-113.

18- النساء: 116-115.

19- أي انها مقضية.

20- سورة يس: 21-20.

21- يس: 25-22.

22- يس: 27-26.