الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

علوم العرب قبل الإسلام

جزيرة العرب شحيحة المياه كثيرة الصحاري والجبال فلم يشتغل أهلها بالزراعة لجدب الأرض. والإنسان صنيعة الإقليم، فنشأ العرب على ما تقتضيه البلاد المجدبة من الارتزاق بالسائمة والترحال في طلب المرعى، فغلبت البداوة على الحضارة فيهم وانصرف أكثر همهم إلى تربية الماشية وهي قليلة بالنظر إلى احتياجاتهم فنشأ بينهم التنازع عليها وجرّهم التنازع إلى الغزو واضطرهم الغزو إلى الانتقال بخيامهم وأنعامهم من نجع إلى نجع ومن صقع إلى صقع ليلاً ونهاراً. وجوّهم صافٍ وسماؤهم واضحة فعولوا في الاهتداء إلى السبل على النجوم ومواقعها. واحتاجوا في مطاردة أعدائهم إلى استنباط الأدلة للكشف عن مخابئهم فاستنبطوا قيامة الأثر وألجأهم ذلك أيضاً إلى توقي حوادث الجو من المطر والأعاصير ونحوها فعنوا بالتنبؤ بحدوث الأمطار وهبوب الرياح قبل حدوثها وهو ما يعبرون عنه بالأنواء ومهاب الرياح. ودعاهم الغزو من الجهة الأخرى إلى العصبية لتأليف الأحزاب فعمدوا إلى الأنساب يترابطون بها، وحيث أقاموا في بادية صفا جوها وأشرقت سماؤها صفت أذهانهم وانصرفت قرائحهم إلى قرض الشعر يصفون به وقائعهم أو يبينون به أنسابهم أو يعبرون به عن عواطفهم، وقويت فيهم ملكة البلاغة فبرعوا في إلقاء الخطب على أن العرب لم يسلموا مما وقع فيه معاصروهم من الأمم العظمى من اعتقاد الكهانة والعرافة وزجر الطير وخط الرمل وتعبير الرؤيا، وقد سميناها علوماً بالقياس على ما يماثلها عند الأمم الأخرى في عصر العلم وإلا فالعرب لم يتعلموها في المدارس ولا قرأوها في الصحف ولا ألفوا فيها الكتب لأنهم كانوا أميين لا يقرأون ولا يكتبون وإنما هي معلومات تجمعت في ذاكرتهم بتوالي الأجيال بالاقتباس أو الاستنباط وتنقلت في الأعقاب، أما علومهم فهي:

1 ـ علم النجوم عند العرب

إن العرب مدينون بعلم النجوم للكلدان وهم يسمونهم الصابئة ـ والصابئة إن لم يكونوا الكلدان أنفسهم فهم خلفاؤهم أو تلامذتهم ـ وكان الصابئة كثيرين في بلاد العرب ولهم مثل منزلة النصارى أو اليهود، فأخذ العرب عنهم علم النجوم، ولا غرابة في إتقانهم معرفة النجوم ومواقعها فإنها كانت دليلهم في أسفارهم وأكثر أحوالهم فكانوا إذا سألهم سائل عن الطريق المؤدي إلى البلد الفلاني قالوا: (عليك بنجم كذا وكذا) فيسير في جهته حتى يجد المكان وربما استعانوا على ذلك أيضاً بذكر مهاب الرياح يعبرون بها عن الجهات.

2 ـ الأنواء ومهاب الرياح

ويراد بالأنواء عندهم ما يقابل علم الظواهر الجوية عندنا مما يتعلق بالمطر والرياح. وكانوا إذا مطرت السماء نسبوا المطر إلى تأثير النجم المتسلط في ذلك الوقت فيقولون مثلاً مطرنا بنوء المجرة أو هذا نوء الخريف مطرنا بالشعري، وقالوا: إن النوء سقوط نجم ينزل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه في الشرق مع أنجم المنازل ولذلك كانت الأنواء 28 نوءً أو نجماً كانوا يعتقدون أنها هي علة الأمطار والرياح والحر والبرد.

وكان العرب في حاجة إلى معرفة مهاب الرياح للاهتداء بها في أسفارهم ولذلك فقد وضعوا لها الأسماء:

(1) مهب الصبا من الشمال (2) مهب الشمال من المغرب (3) مهب الدبور من الجنوب (4) مهب الجنوب من المشرق.

3 ـ الميثولوجيا

ومما يلحق بعلم النجوم أيضاً ما يعبر عنه الإفرنج بالميثولوجيا وهي عبارة عما كانوا يزعمون وقوعه بين الكواكب أو هي الآلهة عندهم من الحروب أو الزواج أو نحو ذلك من حوادث البشر على نحو ما ذكروه عن آلهة اليونان. ومن هذا القبيل تأليههم بعض المشاهير من الملوك أو القواد أو الأسلاف واعتبار البعض الآخر من نتاج الملائكة أو الجان، فعندهم مثلاً أن بلقيس كانت أمها جنية وأن جدها كان من نتاج الملائكة وبنات آدم، وكذلك كان ذو القرنين عندهم أمه آدمية وأبوه من الملائكة.

4 ـ الكهانة والعرافة

هما لفظان لمعنى واحد وفرق بعضهم بينهما فقال: الكهانة مختصة بالأمور المستقبلة، والعرافة بالأمور الماضية، وعلى كل حال فالمراد بهما التنبؤ واستطلاع الغيب، على أن العرب كانوا يعتقدون في الكاهن القدرة على كل شيء، وأن ذلك يأتيهم بواسطة الأرواح فمن كان منهم يعتقد التوحيد نسب ذلك إلى استطلاع الغيب عن أفواه الملائكة، وإذا كان من عبدة الأصنام اعتقد احتلال الأرواح في الأصنام وإباحتها أسرار الطبيعة للكهان والسدنة فيقول العرب إن الأصنام تدخلها الجن (أي الأرواح) وتخاطب الكهان وإن الكاهن يأتيه الجني بخبر من السماء وربما عبّروا عنه بالهاتف، وكان للكهان عند العرب لغة خاصة تمتاز بتسجيع خصوصي يعرف بسجع الكهان مع تعقيد وغموض، ولعلهم كانوا يتوخون ذلك للتمويه على الناس بعبارات تحتمل غير وجه كما يفعل بعض مشايخ التنجيم في هذه الأيام حتى إذا لم يصدق تكهنهم جعلوا السبب أنه قصور الناس في فهم قول الكاهن.

القيافة

ومن قبيل الكهانة أيضاً القيافة لكنها تختص بتتبع الآثار والاستدلال منها على الأعيان وهي قسمان: قيافة الأثر، وقيافة البشر: فهي الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد بينهما في النسب والولادة وسائر أحوالهما وهي من قبيل الفراسة، ومن هذا القبيل زجر الطير وخط الرمل وقد أغضينا عنهما لضيق المقام.

5 ـ الطب في الجاهلية

الطب من جملة العلوم التي وضع أساسها الكلدان كهنة بابل وهم أول من بحث في علاج الأمراض فكانوا يضعون مرضاهم في الأزقة ومعابر الطرق حتى إذا مرّ بهم أحد أصيب بذلك الداء فيعلمهم بسبب شفائه فيكتبون ذلك على ألواحٍ يعلقونها في الهياكل ولذلك كان التطبيب عندهم من جملة أعمال الكهان، وكان للتطبيب عندهم طريقتان: الأولى طريقة الكهان والعرافين، والثانية طريقة العلاج الحقيقية، فالكهان كانوا يعالجون بالرقي والسحر أو بذبح الذبائح في الكعبة والدعاء فيها أو بالتغريم أو نحو ذلك، وأما معالجاتهم العقارية فشبيهة بما كان عند المصريين وغيرهم من الأمم القديمة فقد كانوا يعالجون بالعقاقير البسيطة أو الأشربة وخصوصاً العسل فإنه كان قاعدة العلاج في أمراض البطن ـ على أن اعتمادهم في معالجة الأمراض كان معظمه عائداً إلى الجراحة كالحجامة والكي ـ .

الأطباء

وأما الأطباء فقد كانوا في أول الأمر من الكهنة ثم تعاطى الطب جماعة من العرب ممن خالطوا الروم والفرس وأخذوا الطب عنهم فاشتهروا بهذه الصناعة، والظاهر أن بعضهم كان يخصص نفسه للأعمال الجراحية فيغلب عليه لقب الجراح وأشهر جراحي الجاهلية ابن أبي رومية التميمي فقد كان جراحاً مزاولاً لأعمال اليد.

ونظراً لعناية العرب بخيولهم وإبلهم كان بعض الأطباء يخصص نفسه لمعالجتها مما يعبرون عنه اليوم بالبيطرة، ومن بياطرة الجاهلية العاص بن وائل.

6 ـ الشعر في الجاهلية

الشعر عند العرب الكلام المقفّى الموزون، والتصورات الشعرية فطرية في العرب أما النظم فحادث عندهم، وربما صاغوا الشعر أولاً بعبارات قصيرة تحفظ وتتناقل على سبيل الأمثال، ومنها الأمثال الحكمية ونحوها.

وظلوا دهراً طويلاً يقول شاعرهم من الرجز البيتين أو الثلاثة إذا هاجت فيه قريحة الشعر لمفاخرة أو مشاتمة أو منافرة وكانوا كلما نبغ فيهم نابغة أدخل في النظم تحسيناً، والمهلهل يقولون أنه أول من قصد القصائد وامرؤ القيس أول من أطالها وتفنن في نظمها وفتح الشعر وبكى ووصف، وهم يعدون منظوماتهم بالقصائد وليس بالأبيات، فقد ذكروا أن أبا تمام صاحب كتاب الحماسة كان يحفظ من أشعار العرب (الجاهلية) 14.000 أُرجوزة غير القصائد والمقاطيع وكان حماد الراوية يحفظ 27.000 قصيدة على كل حرف من حروف الهجاء ألف قصيدة، وكان الأصمعي يحفظ 16.000 أُرجوزة وكان أبو ضمضم يروي أشعاراً لمائة شاعر كل منهم اسمه عمرو.

منزلة الشعر

فكانوا يثيرون بذلك غيرة أبنائهم على إتقان الشعر ويحرّضونهم على نظمه، لأن الشعراء كانوا حماة الأعراض وحفظة الآثار ونقلة الأخبار وربما فضلوا نبوغ الشاعر فيهم على نبوغ الفارس ولذلك كانوا إذا نبغ فيهم شاعر من قبيلة أتت القبائل الأخرى فهنأتها به وصنعت الأطعمة واجتمعت النسوة يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس وتتباشر الرجال والولدان. وقد بلغ من احترام العرب للشعر والشعراء أنهم عمدوا إلى سبع قصائد اختاروها من الشعر القديم وكتبوها بماء الذهب في القباطي (التيل المصري) بشكل الدرج الملتف وعلقوها في أستار الكعبة وهي المعلقات ولذلك يقال لها المذهبات أيضاً كمذهبة امرئ القيس ومذهبة زهير.

7 ـ الخطابة في الجاهلية

الخطابة تحتاج إلى خيال وبلاغة ولذلك عددناها من قبيل الشعر أو هي شعر منثور وهو شعر منظوم وإن كان لكل منهما موقف. فالخطابة تحتاج إلى الحماسة ويغلب تأثيرها في أبناء عصر الفروسية وأصحاب النفوس الأبية طلاب الاستقلال والحرية مما لا يشترط في الشعر، أما العرب فقد قضى عليهم الإقليم بالحرية والحماسة وهم ذووا نفوس حساسة مثل سائر أهل الخيال الشعري فأصبح للبلاغة وقع شديد في نفوسهم فالعبارة البليغة قد تقعدهم أو تقيمهم بما تثيره في خواطرهم من النخوة.

مواضيع الخطب

وكان العرب يخطبون بعبارة بليغة فصيحة وهم أميون لا يقرأون ولا يكتبون وإنما كانت الخطابة فيهم قريحة مثل الشعر وكانوا يدربون فتيانهم عليها من حداثتهم لاحتياجهم إلى الخطباء في إيفاد الوفود مثل حاجتهم إلى الشعراء في حفظ الأنساب والدفاع عن الأعراض.

ومن هذا القبيل وفود القبائل على النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد أن استتب له الأمر فقد جاءه من كل قبيلة وجهاؤها وخيرة بلغائها لاعتناق الإسلام أو للاستفهام أو غير ذلك ومن هذا القبيل وفود العرب على الخلفاء للتسليم والتهنئة.

الخطباء

وجملة القول أن الخطباء كانوا عديدين في النهضة الجاهلية كالشعراء والغالب فيهم أن يكونوا أمراء القبائل أو وجهاءها أو حكماءها، وكان لكل قبيلة خطيب أو غير خطيب كما كان لها شاعر أو غير شاعر.

8 ـ مجالس الأدب وسوق عكاظ

كان العرب يعقدون المجالس لمناشدة الأشعار ومبادلة الأخبار والمسامرة أو البحث في بعض الشؤون العامة وكانوا يسمون تلك المجالس الأندية.

الأسواق

والمراد بالسوق مكان يجتمع فيه أهل البلاد أو القرى في أوقات معينة يتبايعون ويتداولون ويتقايضون، وكان للعرب في الجاهلية أسواق يقيمونها في أشهر السنة وينتقلون من إحداها إلى الأخرى يحضرها العرب من قرب منهم ومن بعد، فإذا فرغوا من سوقٍ انتقلوا إلى سواها، وأشهر أسواق العرب في الجاهلية سوق عكاظ وهي مكان بين الطائف ونخلة، فكانت العرب إذا قصدت الحج أقامت بهذا السوق من أول ذي القعدة يبيعون ويشترون إلى عشرين منه ثم يتوجهون إلى مكة فيقضون مناسك الحج ثم يعودون إلى أوطانهم ومن كان له أسير سعى في فدائه هناك ومن كانت له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة في أيام المواسم وهم أناس من تميم، ومن كان له ثأر على أحد ولم يعرف مكانه طلبه في الموسم أو أراد أحد أن يعمل عملاً تعرفه العرب أو يستشهدها فيه عمله في عكاظ أو أراد أن يفاخر أحداً على مشهد من الناس فاخره هناك. وكانوا يتفاخرون حتى في كبر المصائب.

9 ـ الأنساب في الجاهلية

كان للأنساب في عصور الجاهلية عند الأمم القديمة شأن كبير وكان للناس عناية عظمى في حفظ أنسابهم للتناصر على الأعداء أو للتفاخر بالآباء. والعرب من حيث أنسابهم فرع من العبران لأن العدنانيين منهم يرجعون في أصل آبائهم الأولين إلى إسماعيل بن إبراهيم، وكان النسابون يحفظون أسماء القبائل وما يتفرع منها حفظاً دقيقاً فإذا عرض لهم رجل فقال: أنا من بني تميم مثلاً ما نسبي؟ فإنه يبدأ من قبيلة تميم وما تفرع منها من العمائر والبطون والأفخاذ حتى ينتهي إلى الفصيلة ومنها إلى والد السائل أو إليه هو نفسه.

10 ـ التاريخ

لم يكن عند عرب الجاهلية تاريخ من قبيل ما نفهمه من هذه اللفظة اليوم ولكنهم كانوا يتناقلون أخباراً متفرقة بعضها حدث في بلادهم والبعض الآخر نقله إليهم الذين عاشروهم من الأمم الأخرى، فمن أمثال أخبارهم حروب القبائل المعروفة بـ(أيام العرب) وقصة سد مأرب واستيلاء أبي كرب تبان أسعد على اليمن وبعض من خلفه وملك ذي نواس وقصة أصحاب الأخدود وفتح الحبشة لليمن وقصة أصحاب الفيل وقدومهم للكعبة.

الخلاصة

وجملة القول أن ما أسميناه علوم العرب قبل الإسلام يبلغ إلى بضعة عشر علماً فلما جاء الإسلام أهمل بعضها كالكهانة والعرافة والقيافة وبقي بعضها عند أهله ونشأ ما يقوم مقامه في عصر الحضارة كالنجوم والأنواء ومهاب الرياح والطب والخيل وارتقى الباقي واتسع عما كان في الجاهلية كالشعر والخطابة والبلاغة وكان الإسلام مساعداً على ارتقائها بالقرآن.