الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

العلوم الإسلامية

هي العلوم التي اقتضاها الإسلام والتمدن الإسلامي على ما تقدم وتقسم إلى ثلاثة أقسام:

(1) العلوم الشرعية وهي العلوم الدينية الإسلامية.

(2) العلوم اللسانية وهي التي اقتضاها الإسلام ضمناً فاحتاجوا إليها في ضبط قراءة القرآن أو تفسيره أو تفهّمه وتفهّم الحديث.

(3) التاريخ والجغرافيا.

1 ـ العلوم الشرعية الإسلامية

القرآن.. جمعه وتدوينه

لا غرو إذا اهتم المسلمون بجمع القرآن وحفظه لأن عليه يتوقف دينهم ودنياهم وأول أسباب حفظه تدوينه. والقرآن لم يظهر مرة واحدة وإنما ظهر تدريجاً في أثناء عشرين سنة على مقتضى الأحوال من أول ظهور الدعوة إلى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بعضه في مكة وبعضه في المدينة فكان كلما تلا آية أو سورة كتبوها على صحف الكتابة في تلك الأيام وهي الرقاع من الجلود والعريض من العظام كالأكتاف والأضلاع وعلى العسب وهي قحوف جريد النخيل واللخاف وهي الحجارة العريضة البيضاء، فتوفي النبي (صلّى الله عليه وآله) سنة 11هـ والقرآن إما مدون على أمثال هذه الصحف أو محفوظ في صدور الرجال، وكانوا يسمّون حفظته (القرّاء) وكان أكثر الناس عناية في تدوينه على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسعد بن عبيد بن النعمان وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وثابت بن زيد وأبي بن كعب وغيرهم. فلما قام أبو بكر بالأمر وارتد أهل جزيرة العرب عن الإسلام بعث جنداً لمحاربتهم فقتل من الصحابة في تلك الحروب جماعة كبيرة وخصوصاً في غزوة اليمامة فقتل فيها وحدها 1.200 من المسلمين فيهم 700 من القراء. فلما بلغ ذلك إلى أهل المدينة فزعوا فزعاً شديداً مما أدى إلى أن يجمع أبو بكر القرآن.

وفي أيام عثمان اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في مصر والشام والعراق وفارس وأفريقيا وفيهم القراء وعند بعضهم نسخ من القرآن وقد رتّبها كل منهم ترتيباً خاصاً فعوّل أهل كل مصر على من قام بينهم من القراء. فأهل دمشق وحمص مثلاً أخذوا عن المقداد بن الأسود وأهل الكوفة أخذوا عن ابن مسعود وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب ومع شدة عناية القراء في حفظ القرآن وضبطه لم يخل من الاختلاف في قراءة بعض سوره.

واتفق في أثناء ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في جملة من حضر غزوة أرمينيا وآذربيجان فرأى في أثناء سفره اختلافاً بين المسلمين في قراءة بعض الآيات وسمع بعضهم يقول لبعض: (قراءتي خيرٌ من قراءتك) فلما رجع إلى المدينة أنبأ عثمان بذلك وأنذره بسوء العقبى إن لم يتلاف الأمر إلى أن قال: (أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى) فبعث عثمان إلى حفصة أن (أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك) فأرسلتها، فدعا عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأمرهم أن ينسخوا القرآن ويستعينوا على القراءة بما حفظه القراء وقال لهم: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم) ففعلوا ذلك سنة 30هـ وكتبوا أربعة مصاحف بعثها عثمان إلى الأمصار الأربعة مكة والبصرة والشام واثنين أبقاهما في المدينة واحد لأهلها وواحد لنفسه وهو الذي يسمونه (الإمام) ثم أمر بجمع كل ما كان قبل ذلك من المصاحف والصحف وأمر بإحراقه (يراجع بهذا الشأن (البيان للإمام الخوئي) (م2).

على أن الخلفاء والأمراء كانوا يبذلون جهدهم في جمع الكلمة على مصحف عثمان والتشديد في إعدام ما سواه وفي جملة مساعيهم أن الأمراء كانوا يكتبون نسخاً من ذلك المصحف يضعونها في المساجد ليتلوها الناس ويرجعوا إليها في تصحيح ما بين أيديهم من المصاحف الخصوصية، وربما كتب الأمير عدة مصاحف وفرقها في الأمصار.

قراءة القرآن

كان للقراءة شأن عظيم في أول الإسلام لقلة الذين يقرأون يومئذ فسموا الذين كانوا يحفظون القرآن (قرّاء) تمييزاً لهم عن سائر المسلمين لأنهم كانوا أميين. على أنه لم يمض على إرسال عثمان مصاحفه إلى الأمصار زمن قصير حتى أصبح لأهل كل مصر قراءة خاصة يتبعون فيها قارئاً يثقون بصحة قراءته وتنوقل ذلك واشتهر. ثم استقر منها سبع قراءات معينة تواتر نقلها بأدائها واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها فصارت هذه القراءات السبع أصولاً للقراءة ويعدها بعضهم عشراً، وكانوا يرجعون في إثبات صحة القراءة إلى الإسناد المتسلسل كقولهم: قرأ يعقوب بن إسحاق على سلام وقرأ سلام على عاصم وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقرأ عليّ على النبي (صلّى الله عليه وآله).

تأثير القرآن

إن قراءة القرآن وحفظه من أول واجبات المسلمين وخصوصاً في أوائل الإسلام فانطبعت أوامره ونواهيه في أفئدتهم وارتسمت عباراته على ألسنة أُدبائهم وأصبح هو المرجع في الشرع والدين واللغة والإنشاء وفي كل شيء، فاقتبسوا أساليبه في خطبهم وكتبهم وتمثلوا بآياته في مؤلفاتهم وظهرت آدابه وتعاليمه في أخلاقهم وأطوارهم مع تباعد الأمم التي اعتنقت الإسلام في أصولها ولغاتها وبلادها. واستشهدوا بأقواله ونصوصه في علومهم اللسانية فضلاً عن العلوم الشرعية، فقد كان في كتاب سيبويه وحده 300 آية من القرآن وأصبح أهل البلاغة لا تروق لهم الكتابة أو الخطابة إلا إذا رصّعوها بشيء من آيات القرآن كما سترى في باب الخطابة في الإسلام وفي باب البلاغة من اقتباس الآيات وإدخالها في عبارات الخطب والرسائل والتوقيعات.

على أنهم كانوا لفرط اشتغالهم بحفظ القرآن وقراءته وتفهمه لو ذكر الرجل حرفاً أو كلمة انتبه السامع للآية كلها، ولذلك كثيراً ما كانوا يرمزون بالكلمة الواحدة إلى آية يفهمها العارف ويعمل بها وقد تخفى على كثيرين.

وقد عني المسلمون في كتابة القرآن وحفظه عناية ليس بعدها عناية فكتبوه على صفائح الذهب والفضة وعلى صفائح العاج وطرّزوا آياته بالذهب والفضة على الحرير والديباج وزيّنوا بها محافلهم ومنازلهم ونقشوها على الجدران في المساجد والمكاتب والمجالس ورسموه بكل الخطوط وأجملها على كل أصناف الرقوق والجلود والورق بالأدراج والكراريس والرقاع بأصناف المداد وألوانها وكتبوا بعض الكلام بالذهب، وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يتبرّكون بكتابة المصاحف بأيديهم ويختزنونها في المساجد أو نحوها. وقد ضبطوا عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه وعدّوا ما فيه من الألفات والباءات إلى الياءات.

تفسير القرآن

كان العرب عند ظهور الدعوة كلما تليت عليهم سورة أو آية فهموها وأدركوا معانيها بمفرداتها وتراكيبها لأنها بلسانهم وعلى أساليب بلاغتهم ولأن أكثرها تُليت في أحوال كانت كالقرائن يسهل فهمها وإذا أشكل عليهم شيء منها سألوا النبي (صلّى الله عليه وآله) فكان يبين لهم المجمل ويميز الناسخ من المنسوخ، فحفظ أصحابه عنه ذلك وتناقلوه فيما بينهم وعنهم أخذ من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين. ولما صار الإسلام دولة واحتاجوا إلى الأحكام والقوانين كان القرآن مصدر استنباطها فزادت العناية في تفسيره وأصبح القراء والمفسرون مراجع المسلمين في استخراج تلك الأحكام أو هم الفقهاء في أول عهد الإسلام، وكانوا يتناقلون التفسير شفاهاً إلى أواخر القرن الأول ثم كتبت التفاسير وكتب التفسير كثيرة جداً (ذكر منها صاحب كشف الظنون نيفاً وثلاث مائة تفسير وقال إنه ذكر بعضها وكانت أكثر من ذلك كثيراً) (العلامة المجلسي ذكر أنه وجد من التفاسير ونحوها ـ إلى زمانه ـ أربعة عشر ألف كتاب (م)).

الحديث

لما اشتغل المسلمون في تفهم معاني القرآن كان في جملة ما افتقروا إليه في تفهمها أقوال النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو ما عبّروا عنه بالأحاديث النبوية وأقدم مَن سمعها الصحابة وحفظوها فكانوا إذا أشكل عليهم فهم آية واختلفوا في تفسيرها أو حكم من أحكامها استعانوا بتلك الأحاديث على استيضاحها، فلما كانت الفتوح تفرق الصحابة في الأرض وعند كل منهم بعض الأحاديث وقد يتفرد بعضهم بأحاديث لم يسمعها سواه فأصبح طالب الحديث إذا كان من أهل دمشق مثلاً لا يستوفيه إلا إذا رَحلَ في طلبه إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة والري ومصر وغيرها وكذلك المقيم في أحد هذه البلاد فإنه لا يستطيع استيفاء الحديث ما لم يطلبه من البلاد الأخرى وهذا ما يعبرون عنه بالرحلة في طلب العلم.

وضع الأحاديث

نشأت الفتنة بعد مقتل عثمان واختلف المسلمون في الخلافة وادّعاها غير واحد فانصرفت عناية كل حزب من أحزابهم إلى استنباط الأدلة واستخراج الأحاديث المؤيدة لدعواهم فكان بعضهم إذا أعوزهم حديث يؤيدون به قولاً أو يقيمون به حجة اختلقوا حديثاً من عند أنفسهم، وتكاثر ذلك في أثناء تلك الفوضى فكان المهلب بن أبي صغرة مثلاً يضع الأحاديث ليشدّ بها أمر المسلمين ويضعف أمر الخوارج وهو مع ذلك معدود من الأتقياء والنبلاء مع علمهم بما كان يضعه من الأحاديث لأنهم كانوا يعدون ذلك خدعة في الحرب وأمثال المهلب كثيرون كانوا يضعون الحديث لأغراض مختلفة. وتسابق الناس خصوصاً إلى وضع الأحاديث في أثناء البحث في شروط الخلافة نظراً لما رأوه من تأثير الحديث فيها من أول عهدها، فلما هدأت الفتنة وعمد المسلمون إلى التحقيق كانت تلك الموضوعات قد تكاثرت فاشتغلوا في التفريق بينها وبين الصحيح فألفوا كتباً كثيرة في الحديث وميزوا صحيحه من فاسده وجعلوه مراتب، ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا عليها لهذه المراتب.

إسناد الحديث

وترتب على أهمية الحديث في الدين والدنيا تعرضه للوضع والتحريف كما رأيت فاحتاج إلى العناية في تحقيقه ولم يكن ذلك ميسوراً في العصور الأولى إلا بالحفظ والرجوع بالمحفوظ إلى المصدر الأصلي الذي أخذ عنه بالتسلسل وهو (الإسناد) كأن يقال: (حدثنا فلان أو أخبرنا فلان أو أملى عليّ فلان ما هو كذا وكذا) فلما بعدت الرواية جعلوها متسلسلة فقالوا: (حدثنا فلان عن فلان عن فلان أنه سمع فلاناً يقول كذا وكذا) وتطرق المسلمون في طريقة الإسناد من الحديث إلى غيره من العلوم النقلية كالتاريخ والأدب كما هو مشهور وتتبعوا طريقة الإسناد المتسلسل في كثير من العلوم الإسلامية مما لم يسبق له مثيل في البلاد الأخرى أو الأمم الأخرى.

الفقه

لما صار الإسلام دولة احتاج أمراؤه إلى ما يقضون به بين رعاياهم في أحوالهم الشخصية ومعاملاتهم المدنية فرجعوا إلى القرآن والحديث، فاستخرجوا منهما شريعة نظّموا بها حكومتهم وحكموا بها بين رعاياهم وذلك طبيعي في الدول الكبرى ومن هنا كان نشوء الفقهاء.

الرأي والقياس

وكانت علوم القرآن قد انتشرت في العراق وفارس ونبغ من أبنائهما من درس الفقه والفتيا ولكنهم مازالوا عيالاً فيهما على أهل المدينة لأنهم أوثق الناس بحفظ الحديث وقراءة القرآن. وكان الحديث قليلاً في العراق على الخصوص، وكان المسلمون غير العرب هناك أكثرهم الفرس وهم أهل تمدن وعلم فعمدوا إلى استخدام القياس العقلي في استخراج أحكام الفقه من القرآن والحديث فخالفوا بذلك أهل المدينة لأنهم كانوا شديدي التمسك بالتقليد فكان من جملة مساعي المنصور في تصغير أمر المدينة وفقهائها وخصوصاً مالك بعد أن أفتى بخلع بيعته أنه نصر فقهاء العراق القائلين بالقياس وكان كبيرهم يومئذ أبو حنيفة النعمان في الكوفة فاستقدمه المنصور إلى بغداد وأكرمه وعزز مذهبه، وكان أبو حنيفة لا يحب العرب ولا العربية حتى أنه لم يكن يحسن الإعراب ولا يبالي به ولذلك كان الربيع حاجب المنصور يقاومه لأن الربيع ينتسب إلى العرب وكان يكره الفرس وابنه الفضل هو الذي سعى في قتل البرامكة، فلما نصر المنصور أبا حنيفة وأصحابه وهم المعروفون بأهل الرأي أو القياس ازداد مالك تمسكاً برأيه وتبعه فقهاء الحجاز وهم أهل الحديث، وانقسم الفقهاء إلى قسمين أهل الحديث وأهل الرأي.

منزلة العلماء عند الخلفاء

يراد بالعلماء في عرض الكلام عن العلوم الإسلامية علماء الحديث والقرآن والفقه وقد علمت ما كان من منزلة هذه العلوم في الخلافة فلا عجب بعد ذلك إذا رأيت الخلفاء يكرمون الفقهاء وأصحاب الحديث والزهاد والعلماء، وكان الإكرام في أول الأمر للفقهاء والمحدثين خاصة ثم شمل أصحاب سائر العلوم الإسلامية كالنحاة واللغويين فقد كان الرشيد يجلس الكسائي ومحمد بن الحسن على كرسيين في مجلسه ولما مات هذان في الري في يوم واحد قال الرشيد: (دفنت الفقه والعربية في الري). وقد تنازع الأمين والمأمون ـ ولدا الرشيد ـ في حمل نعال أستاذهما الفراء وتقديمها إليه حتى اصطلحا على أن يقدم كل منهما واحدة.

2 ـ العلوم اللسانية

النحو

النحو بمعناه الحقيقي طبيعي على لسان كل متكلم يتلقنه من مرضعه، لأن الإنسان يتعلم النحو وهو يتعلم النطق إذ بدونه لا يحسن التعبير عن أفكاره أما إذا أراد أن يتعلم لساناً غير لسانه فدرس (قواعد النحو) يسهل عليه تناوله، ولذلك فالأمة قد تقضي قروناً متطاولة وهي تتكلم وتخطب وتنظم الشعر قبل أن تدون قواعد النحو وتجعله علماً.

وضع النحو العربي وواضعه

وهكذا العرب فقد نظّموا الشعر وألّفّوا الخطب وتناشدوا وتراسلوا قبل تدوين النحو لأن ملكة اللغة كانت طبيعية فيهم، على أنهم اضطروا إلى ضبط تلك القواعد وتدوينها بأسرع مما اضطر إليه اليونان والرومان التماساً للدقة في ضبط معاني القرآن، فلم يمض على دولتهم نصف قرن حتى شعروا بالحاجة إلى النحو، والمؤرخون مجمعون على أن أبا الأسود وضع النحو وهو يقول إنه تلقّى ذلك عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) والعرب كانوا يعرفون الإعراب قبل علم النحو كما كانوا يحسنون النظم قبل علم العروض وكان ذلك ملكة طبيعية فيهم حتى اختلطوا بالأعاجم وأسلم هؤلاء وليس فيهم ملكة اللغة ليفهموا القرآن فاضطروا إلى ضبطها وكان المسلمون أكثر اشتغالاً في ذلك، بدأ بعلم النحو أبو الأسود وأتمه من جاء بعده من أهل البصرة والكوفة.

الأدب واللغة

لما أخذ المسلمون في تفسير القرآن احتاجوا إلى ضبط معاني ألفاظه وتفهّم أساليب عباراته فجرّهم ذلك إلى البحث في أساليب العرب وأقوالهم وأشعارهم وأمثالهم ولا يكون ذلك سالماً من العجمة أو الفساد إلا إذا أخذ عن عرب البادية الذين كانت قريش في الجاهلية تتخير من ألفاظهم وأساليبهم، فعني جماعة كبيرة من المسلمين في الرحلة إلى بادية العرب والتقاط الأشعار والأمثال والسؤال من أفواه العرب عن معاني الألفاظ وأساليب التعبير وسموا الاشتغال بذلك مع ما يتبعه من صرف ونحو وبلاغة بعلم الأدب.

وكان أكثر المشتغلين في جمع اللغة وآدابها العجم لحاجتهم إلى ذلك أكثر من العرب.

علماء الأدب بالبصرة والكوفة

وكان الحفاظ والرواة يدققون في ما يأخذونه عن العرب من شعر أو مثل أو قول أو غير ذلك أو ما يسمعونه من معانيها لأن عليها يتوقف تفسير القرآن ولذلك فإنهم اتخذوا في نقل اللغة طريقة الإسناد المتسلسل ـ كما كانوا يفعلون في رواية الحديث ـ وعني الناس بحفظها مثل عنايتهم بحفظه لاعتبارهم أن ناقل اللغة يجب أن يكون عدلاً كما يشترط في ناقل الحديث لأنها واسطة تفسيره وتأويله، على أنهم لم يستطيعوا ذلك تماماً.

وزها القرن الثاني وبعض الثالث في البصرة والكوفة ونبغ فيهما النحاة والرواة والحفاظ والأدباء والشعراء

علماء الأدب في بغداد

ومازال هذان المصران (البصرة والكوفة) مصدري العلوم الإسلامية حتى بنيت بغداد وانتقل العلم إليها وغلب ورود أهل الكوفة إلى بغداد لقربهم منها. وكان العباسيون يكرمونهم لأنهم نصروهم لما قاموا لطلب الخلافة، فقدمهم الخلفاء على أهل البصرة واستقدموهم إليهم ووسعوا لهم ورغب الناس في الروايات الشاذة وتفاخروا بالنوادر وتباهوا بالترخيصات وتركوا الأصول واعتمدوا على الفروع. واشتهر منهم في ذلك العصر الفراء عبد الله بن سعيد الأموي وأبو الحسن الأخفش الكوفي وأبو عكرمة الضبي وأبو عمرو الشيباني وغيرهم وكانت علوم اللغة في أول أمرها مشتركة مختلطة ثم تميزت وتشعبت فصارت علوماً عديدة كل منها مستقل عن الآخر كالنحو والصرف واللغة والمعاني والبيان والاشتقاق والعروض والقوافي وأخبار العرب وأمثالهم والجدل وغيرها وقد يطلقون عليها علم الأدب ولكل منها تاريخ وشروح هي من شأن تاريخ آداب اللغة.

بلاغة الإنشاء

البلاغة في الإنشاء مما اقتضاه القرآن لأنه مثال البلاغة والفصاحة عندهم يتخذونه في خطبهم ورسائلهم وإنشائهم وإذا لم يتخذوه عمداً فشيوع حفظه فيهم أكسبهم ملكة البلاغة مع ما كانوا فيه من أسباب الحماسة والأنفة إبان دولتهم، فدخلت لغة العرب بعد الإسلام في طور جديد من البلاغة والفصاحة.

إنشاء الرسائل

فالرسائل كانت عبارتها عندهم مثل عبارة الخطابة من حيث التفنّن في أساليب الخيال بالتهديد أو الوعيد أو النصح أو الاستنهاض أو الاستعطاف أو نحو ذلك من المعاني الشعرية، وكانوا في أوائل الإسلام يتوخون الاختصار فيها على قدر الإمكان عملاً بالحديث القائل: (أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً) فكانوا يجمعون المعنى الكبير في اللفظ القليل حتى تكاد ترى المعنى مجرداً من اللفظ، وكان لتلك الرسائل تأثير مثل تأثير الخطب البليغة كأنهم استعاضوا بعد زمن الفتح ببلغاء الكتاب عن بلغاء الخطباء.

التوقيعات

ويعدّ من هذا القبيل أيضاً التوقيعات وهي ما كان يوقعه الخلفاء على ما يرفع إليهم من القصص بما يشبه (التأشير) في دواوين هذه الأيام وكانوا يتفنّنون في التوقيع تفنّناً بديعاً، ويغلب أن يجعلوا أجوبتهم آيات من القرآن أو جملاً من الحديث أو أشعاراً مشهورة وكان الأمراء والوزراء أيضاً يوقعون مثل توقيعات الخلفاء في ما يرفع إليهم من القصص، ومازال الاختصار عمدة البلاغة في رسائلهم ومكاتباتهم حتى تحضّروا واختلطوا بالفرس بالمصاهرة والمعاشرة فاقتبسوا منهم التفخيم والمبالغة والتوسع، وقد بدأوا بذلك من أوائل القرن الثاني للهجرة.

إنشاء الكتب

ويراد بها الكتب المؤلفة في المواضيع الأدبية أو العلمية أو التاريخية أو نحوها وهي تختلف بلاغة وفصاحة باختلاف مواضيعها، وكتب الأدب أحوج إلى البلاغة لما تقتضيه المواضيع الأدبية من التخيلات الشعرية والكنايات ونحوها، والغالب في كتّاب الأدب أن يطالعوا آداب العرب ويخالطوهم ويحفظوا أساليبهم في أشعارهم وخطبهم وأقوالهم فتحصل فيهم ملكة البلاغة العالية ولذلك كان الفقهاء وأهل العلوم الطبيعية قاصرين في البلاغة لاستغناء هذه العلوم عن الخيال، ولما أقدم المسلمون على تأليف الكتب وكان معظم المؤلفين من الفرس اصطبغت البلاغة العربية بشيء من أسلوب الفرس فنشأ عنها الكلام المرسل المتناسق، وأحسن أمثلته عبارة ابن المقفع في كتاب كليلة ودمنة فإنها لا تزال عنوان البلاغة والسهولة إلى هذا اليوم.

السجع

ولما نضج التمدن الإسلامي وكثر فيه الأدباء والشعراء وأصبح الشعر شائعاً على ألسنة الناس على اختلاف طبقاتهم وكثر تمثلهم به وتناشدهم إياه ألف الناس التلذذ برنة القافية فاستحسنوا إدخالها أولاً في المراسلات وهو التسجيع وقد كان في أول أمره مقبولاً لقلته وحسن وقعه حتى أدخلوه في الكتب وكتبوا به المقامات في أواخر القرن الرابع وأول من فعل ذلك بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398هـ ولعله اقتبس نسقها من أحمد بن فارس الرازي المتوفى سنة 390هـ وعلى منواله نسج الحريري ولكنه تباعد عن السهولة والطلاوة.

3 ـ التاريخ والجغرافية

التاريخ

بقي الإنسان أحقاباً لم يدوّن فيها التاريخ لأنه لم يكن يعرف الكتابة ولأن أحواله لم تستدعِ التدوين مع انصراف همه في تلك العصور إلى ضروريات الحياة على أنه ما لبث أن أُصيب بطوارق الحدثان فحفظ أكثرها تأثيراً في أحوال معايشه كالطوفان والقحط والحرب ونحوها وتنوقلت تلك الأخبار في أعقابه دهوراً وهي تتعاظم وتتكيّف على ما تطلبه طبيعة الإنسان من التلذذ باستماع الغريب والمنافسة في التأثير على السامع بما يلقيه من الأخبار المنمقة المستغربة، فوصلت أخبار الأوائل إلى زمن التاريخ والعرب قبل الإسلام كانوا يعدّون من أضعف الأمم المتمدنة في التاريخ، فلما ظهر الإسلام اشتغلوا بالفتوح والحروب حتى إذا استتب لهم الأمر وفرغوا من الفتح تدرّجوا في وضع التاريخ مثل تدرّجهم في سائر العلوم الإسلامية، وقد عددنا التاريخ من هذه العلوم ليس لأنه خاصاً بالإسلام بل لأن الإسلام دعا إلى وضعه، وسماع أخبار العظماء يستنهض الهمم إلى الاقتداء بهم ولذلك كان أكثر القوّاد العظام الراغبين في العلا من العرب وغير العرب يتتبعون أخبار من سبقهم من مشاهير القواد وإذا وقع أحدهم في مشكلة سياسية تدبر ما حدث من أمثالها قبله تسهيلاً لإبراء حكمه فيها، وكان بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إذا دخل شهر رمضان أحضرت له كتب التواريخ والسير وجلسوا يقرأون عليه أحوال العالم فأصبح علم التاريخ من علوم الملوك وأصحاب السيادة وكان من الأمثال الشائعة في أوائل الإسلام قولهم: (علم الملوك النسب والخبر وعلم أصحاب الحروب درس كتب الأيام والسير وعلم التجار الكتاب والحساب) فلما ضعف شأن الخلافة العباسية واستبد الوزراء في أمور الدولة أصبح همهم منع الخلفاء من مطالعة التاريخ أو السير خوفاً من أن يتفطّنوا إلى أشياء لا يحب الوزراء أن يتفطنوا لها.

مصادر التاريخ الإسلامي

للتاريخ الإسلامي مصادر كثيرة تدرج فيها على مقتضى الأحوال وإليك تمثيل ذلك: لما اشتغل المسلمون بجمع القرآن وتفسيره وجمع الأحاديث احتاجوا إلى تحقيق الأماكن والأحوال التي كتبت بها الآيات أو قيلت بها الأحاديث فعمدوا إلى جمع السيرة النبوية لأنها شاملة لكل ذلك فتناقلوها مدة ثم دونوها ولما اشتغل المسلمون في ضرب الخراج على البلاد اختلفوا في بعضها هل فتح عنوة أو صُلحاً أو أماناً أو قوة وفي شروط الصلح أو الأمان، فاضطروا إلى تدوين أخبار الفتح باعتبار البلاد فألّفوا كتباً في فتح كل بلدٍ على حدة.

الطبقات والمغازي

وقد رأيت في ما تقدم من كلامنا عن القرآن والحديث والنحو والأدب أن العلماء اضطروا لتحقيق مسائل هذه العلوم إلى البحث في أسانيدها والتفريق بين ضعيفها ومتينها فجرّهم ذلك إلى النظر في رواة تلك الأسانيد وتراجمهم وسائر أحوالهم حتى أصبح من شروط الاجتهاد في الفقه معرفة الأخبار بمتونها وأسانيدها والإحاطة بأحوال النقلة والرواة عدولها وثقاتها ومطعونها ومردودها والإحاطة بالوقائع الخاصة بها فقسموا رواة كل فن إلى طبقات فتألف من ذلك تراجم العلماء والأدباء والفقهاء والنحاة وغيرهم مما يعبرون عنه بالطبقات. ومنها طبقات الشعراء وطبقات الأدباء وطبقات النحاة وطبقات الفقهاء وطبقات الفرسان والمحدثين واللغويين والمفسرين والحفاظ والمتكلمين والنسابين والأطباء حتى الندماء والمغنيين وغيرهم وألفوا في كل باب غير كتاب، ولذلك كان المسلمون أكثر أمم الأرض كتباً في التراجم لأفراد الرجال.

التواريخ العامة

فانقضى القرن الثاني للهجرة ونصف الثالث وكُتب التاريخ عند المسلمين الطبقات والمغازي والسِيَر والفتوح على ما تقدم، أما التواريخ العامة مثل تواريخ الأمم أو البلاد قديماً أو حديثاً فلم يشتغلوا بها إلا بعد ذلك وأقدم من كتب في التاريخ العام ابن الواضح المعروف باليعقوبي وكتابه مطبوع في جزءين جزء في التاريخ القديم كاليهود والهنود واليونان والروم والفرس وغيرهم والثاني في تاريخ الإسلام من ظهوره إلى أيام المعتمد العباسي الذي تولى الخلافة سنة 256هـ، وظل الناس على هذه التواريخ وقليل غيرها إلى القرن السابع للهجرة إذ انقضت الدولة الإسلامية العربية ـ العباسية في العراق والفاطمية في مصر والأموية في الأندلس ـ وقامت دول الأتراك والأكراد والبربر فانتقل الناس إلى عصر جديد فعمدوا إلى تدوين تاريخ العصر المنقضي فاستعانوا بالكتب التي تقدم ذكرها فاختصروا مطولها وبوّبوا مشوشها وجمعوا بين مواضيعها وأضافوا ما لم يدركه أصحابها، وألّفوا عدة تواريخ مطوّلة أشهرها كتاب الكامل لابن الأثير المتوفى سنة 630هـ.

ونهج بعض المؤرخين في تآليفهم منهجاً آخر فجعلوا مؤلفاتهم بأسماء المدن فضمنوا كتبهم وصف تلك المدن وتراجم الذين عاشوا فيها، وأطول المؤلفات من هذا الصنف تاريخ بغداد للخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ وتاريخ دمشق لابن عساكر المتوفى سنة 571هـ في ثمانين مجلداً.

التراجم والمعاجم

وأما التراجم فكانت في القرون الأولى تدوّن في الطبقات باعتبار المهن أو العلم الذي يجمع كل طبقة فلما نضج العلم وأخذ العلماء في الترتيب والتبويب نبغ جماعة من المؤرخين استخرجوا من الطبقات وغيرها كتب التراجم ورتّبوها على حروف المعجم وأشهر تلك الكتب (وفيات الأعيان) لابن خلكان المتوفي سنة 681هـ ثم (فوات الوفيات) لصلاح الدين الكتبي المتوفي سنة 764هـ استدرك فيه ما فات ابن خلكان ذكره وكلاهما مطبوعان ومشهوران، ويمتاز التاريخ عند العرب على سواه عند سائر الأمم التي تحضّرت قبلهم بكثرة ما كتبوه من التراجم وأكثره بشكل القواميس وهم السابقون في ذلك وعنهم أخذ أهل العالم تأليف المعاجم التاريخية، فعندهم من قواميس التراجم بضعة صالحة هي كنوز في التاريخ والجغرافية والأدب والعلم، فوفيات الأعيان معجم يزيد عدد الترجمات فيه على 820 ترجمة مرتبة على أحرف الهجاء غير ما جاء عرضاً في أثناء الكلام على الآخرين، ومن مزاياه أنه يضبط الأعلام من أسماء الرجال والأماكن ويذكر سِنِيّ الوفاة والولادة ويضمن التراجم كثيراً من الفوائد الأدبية والعلمية مما يندر في سواه.

عدد كتب التاريخ

فالمسلمون ألّفوا في التاريخ كتباً لا تحصى وما من أمة قبل العصر الحديث بلغت في هذا العلم ما بلغ إليه المسلمون، فإن كتب التاريخ الواردة أسماؤها في كشف الظنون فقط تزيد على 1.300 كتاب غير الشروح والاختصارات وغير ما ضاع من تلك الكتب وأهمل ذكره وهو كثير جداً ومن كتب التاريخ العام ما هو مرتب أحسن ترتيب باعتبار السنين كالطبري وابن الأثير وأبي الفداء أو باعتبار الأمم والدول كالمسعودي والفخري وابن خلدون أو بحسب المدن أو الملوك مما لا يحصى. وأكثرها حسن العبارة بليغها مع إسهاب ربما زاد في بعض الأحوال حتى يخرج عن موضوع الكتاب. ويغلب الصدق في روايات كتاب المسلمين لما تعودوه من الإسناد في تناقل الأخبار إلا ما دخل تواريخهم في العصر الأول لأغراض بعض ذوي المطامع أو الأهواء والعرب لا يزالون على سذاجتهم.

انتقاد المؤرخين المسلمين

وإنما يعاب المؤرخون المسلمون لاقتصارهم في التواريخ أو التراجم على إيراد الحوادث على عواهنها كما بلغت إليهم وقد يسندونها إلى راوٍ أو عدة رواة بلا انتقاد ولا تمحيص ولا قياس اكتفاءً بالإسناد، ومما ينتقد عليهم أيضاً أنهم يصرفون عنايتهم في التواريخ إلى تدوين أخبار الحرب والفتح والعزل والولاية والولادة والوفاة، وقلما يذكرون تاريخ الآداب أو العلوم أو أحوال الدولة من الحضارة وأسبابها وتعليل الحوادث وما نجم عنها وقياس بعضها على بعض إلا ما يجيء عرضاً، ويندر أن ترى من بعض المؤرخين تصريحاً بمساوئ أحد الخلفاء أو الأمراء أو غيرهم من أولي الأمر، وأكثر ما عثرنا عليه من أمثال ذلك في كتاب الآداب السلطانية للفخري وتاريخ ابن خلدون، أما الفخري فقد صرّح بذلك انتصاراً لآل علي كقوله على أثر حكاية وقعت للرشيد مع أبي نؤاس في الرشيد:

قد كنت خفتك ثم آمنني***من أن أخــافك خوفك الله

ثم قال: (ولم يكن الرشيد يخاف الله وأفعاله بأعيان آل علي (عليه السلام) أولاد بنت نبيه بغير جرم.. إلخ) ومما يؤاخذ به مؤرخو المسلمين أيضاً بالنظر إلى آداب هذه الأيام أنهم إذا عرض لهم في بعض الأخبار ألفاظ بذيئة أو واقعة يخجل سماعها الأديب فإنهم يذكرونها بألفاظها كما يذكرون سائر الحوادث.

الجغرافيا أو تقويم البلدان

لفظ الجغرافية وحده كافٍ للدلالة على أن هذا الفن ليس من موضوعات العرب ولكننا ذكرناه هنا لارتباطه بالتاريخ ولأن العرب كتبوا في وصف الطرق والبلاد والمدن قبل نقل الجغرافية إلى العربية لأسباب خاصة بالإسلام. وأول من وضع أساس هذا العلم الفينيقيون لأنهم أقدم تجار العالم وأكثرهم أسفاراً فقد ارتادوا شواطئ البحر الأبيض واستعمروا بعضها منذ بضعة وثلاثين قرناً فاطلع الفينيقيون في أثناء أسفارهم على أحوال كثير من البلاد وعرفوا المسافات بينها وأخبار أهلها إلى زمن بطليموس القلوذي في أواسط القرن الثاني للميلاد فألّف كتاباً وافياً في الجغرافية عيّن فيه الأماكن بالحسابات الفلكية ورسم الخرائط على الحسابات الرياضية وضبط الأقسام الجغرافية وحقق أماكنها على ما بلغ إليه العلم في عصره وذكر فيه عدد المدن في أيامه 4.350 وسماها مدينة مدينة وعدد الجبال 200 جبل ذكر ما في بطونها من المعادن وذكر ما على الأرض من الخلائق وغير ذلك.

الجغرافية عند المسلمين

ولكن المسلمين بدأوا بوضع الجغرافية قبل اطلاعهم على كتاب بطليموس لثلاثة أسباب غير السببين اللذين دعوا اليونان أو غيرهم إلى وضعها، لأن العرب من أكثر الأمم فتحاً وغزواً وقد تفرقوا بعد الإسلام في الأربعة أقطار المسكونة، وخصوصاً أهل الحجاز كانوا تجاراً من زمن الجاهلية ثم اتسعت تجارتهم في الإسلام باتساع مملكتهم، أما الأسباب الثلاثة التي يمتاز بها العرب على سواهم فأولها: الحج لأن المسلمين على اختلاف بلادهم وأقاليمهم يحجون إلى مكة والحج فريضة على المسلم ولو كان في الهند أو الصين أو غيرهما والقدوم إلى مكة يستلزم معرفة الطرق والمنازل، وثانيها الرحلة في طلب العلم فقد رأيت في ما تقدم أن المسلمين كانوا يرحلون في طلب العلم إلى سائر الأمصار الإسلامية والرحلة تستلزم معرفة الأماكن والمناطق، ولذلك كان أول ما ألفه العرب في الجغرافية من عند أنفسهم ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية، وأول من ألّف في ذلك رواة الأدب والشعر كالأصمعي والسكوني ثم ألّفوا في بلاد العرب كلها كما فعل الهمذاني في جزيرة العرب وأبو الأشعث الكندي في جبال تهامة وغيره. والسبب الثالث أن العرب فتحوا العالم واختلفوا في طرق الفتح باختلاف البلاد بين أن تكون قد فتحت صلحاً أو عنوة أو أماناً أو قوة ولكل من ذلك حكم في قسمة الفيء وأخذ الجزية وتناول الخراج واقتناء المقاطعات والمصالحات وإنالة التسويفات والإقطاعات لا يسع الفقهاء جهلها فضلاً عن الأمراء، فأصبح علم ذلك عندهم من قبيل الدين ولا يتوصل إليه إلا بالتاريخ والجغرافية ولما ترجمت الجغرافية إلى العربية واطلع العرب عليها أخذوا في تأليف الكتب على مثالها وتوسّعوا في ذلك وزادوا عليه ما عرفوه من قبل.