الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

هارون والكفر 

قيل: إن ملحداً جيء به إلى (هارون العباسي) فسأله: يا عدو الله هل أنت من كبار الزنادقة؟

قال الرجل: كيف أكون منهم وأنا أصلي الفرائض وأعمل بالسنن؟

قال هارون: سأجلدك بالسوط حتّى تعترف وتقرّ بالزندقة.

قال الرجل: إن ضربتني فقد خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: لماذا؟

قال الرجل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضرب حتى يقّر الناس بالإسلام، وأنت تضرب حتى يقّر الناس بالكفر.

فاستحى هارون من هذا الكلام وأطلق سراحه. 

قتلت ستين علوياً

ذكر (عبد الله البزّار النيشابوري): كانت لي صداقة وطيدة مع (حميد بن قحطبة) أحد الأمراء في دولة (هارون العباسي).

قال: فدخلت عليه في شهر رمضان نهاراً وكان مشغولاً بالأكل فلمّا سألته عن السبب؟ أخذته العبرة وشرع بالبكاء فانحدرت دموعه على وجناته.

قلت له: ما يبكيك يا أمير؟

قال: استدعاني هارون العباسي في إحدى الليالي، ولمّا حضرت رأيت عنده شمعة مشتعلة، وفي مقابله سيفاً مسلولاً، فلمّا رآني سألني: كيف يكون ولائك لأمير المؤمنين؟

قلت: فداه نفسي ومالي ولا قيمة لنفسي ومالي عند رضاه.

فتبسّم من كلامي وأذن لي بالرجوع.

فما أن وصلت إلى الدار الاّ أتاني مبعوثه ثانية وقال لي: أمرني الخليفة بإحضارك ثانية.

فرجعت إليه مرّة أخرى.. وكررّ عليّ السؤال السابق.. فأجبته: في سبيل الخليفة لا ثمن لنفسي ومالي وأولادي وديني (فداه نفسي ومالي وأولادي وديني).

فسرّه كلامي وضحك وقال لي: اذن خذ هذا السيف ونفذ ما يأمرك هذا الحارس.

فذهبنا معاً إلى دار مغلقة بابها، ففتح الحارس الباب وكان في وسط الدار بئر وكان في تلك الدار ستون شخصاً سجيناً وهم ما بين طاعن في السن وشاب في عنفوان شبابه غبر شعث الشعور مكبّلين، والكلّ علويوّن من أولاد وأحفاد الإمام علي(عليه السلام وفاطمة (عليها السلام) فأمرني الحارس بقطع رؤوسهم.

وكلمّا قطعت رأس أحد منهم رمى الحارس بجسده في البئر وكان آخر من أردت قطع رأسه شيخاً طاعناً في السن، التفت إليّ وقال: قاتلك الله بم تجيب جدّنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة إذا وردت عليه؟

ارتعد جسمي من هذا الكلام، ولكن الحارس نظر إليّ بغضب، عند ذلك قطعت رأسه، فبذلك قتلت ستين علويّاً في يوم واحد، فبعد هذه الجريمة ما فائدة الصلاة والصيام، وأنا بلا شك من المخلّدين في النار.

الشقيق البلخي وهارون

يذكر: أن هارون العباسي طلب من (الشقيق البلخي) أن ينصحه ويعظه.

فقال شقيق: إن الله خلق محلاً يقال له الجحيم وجعلك واقفاً حوله وأعطاك في الدنيا ثلاثة أشياء:

1: بيت المال.

2: السيف.

3: السوط.

وقال لك: أبعد الخلق عن النار بهذه الثلاثة، من خالف الحق أدبّه بالسوط، ومن قتل نفساً بغير حق اقتص منه بالسيف، ومن احتاج إلى مال وافتقر اجعل له من بيت المال نصيباً ومعاشاً، ولو خالفت أوامر الله تكون أمام من يدخل النار.

قال هارون: زدني.

قال شقيق: أنت بمثابة نبع ماء وعمّالك من الوزراء وغيرهم، بمثابة الأنهار التي تتفرّع من هذا النبع، فلو كان النبع كدراً كانت الأنهار كلها كدراً.

يعنى: انه لو كنت جاهلاً وظالماً وسيئ الخلق وفاسد السريرة كان جميع الناس في دولتك هكذا.

وكان هارون يسمع لأمثال هذه العظات لكنه ما كان يرتدع عن الظلم كما هو مشهور عنه.

أقول: لكن الناس بشكل عام إلاّ من خرج بالدليل يقتدون بالسلاطين، ولذا قال علي (عليه السلام): (الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم)(1).

البكاء المصطنع

كتبوا حول خداعات (هارون العباسي) أنه كان يتظاهر بأداء صلاة الفرائض.. وفي نفس الوقت كان يرتكب القتل ويسفك الدماء ويهتك الأعراض وينهب الأموال، وكان القتل في نظره بسيطاً جداً لا قيمة له.

فاستدعى يوماً (ابن السمّاك) الواعظ المعروف.

فلمّا حضر سأله أن ينصحه.

فقال الواعظ: اتق الله الواحد الأحد وأخش منه واعلم أنك غداً قائم بين يدي الله وتؤمر إلى أحد المقامين لا ثالث لهما: إما الجنّة وإما النّار.

فتصنّع هارون بالبكاء.

فعند ذلك التفت (فضل بن الربيع) الحاجب إلى الواعظ ينتقده ويعترض عليه قائلاً: سبحان الله هل تشّك في أن الخليفة يدخل الجنة؟

فالتفت الواعظ نحو هارون وأشار إلى فضل وقال: يا هارون أقسم بالله أنّ هذا الرجل لا يكون معك في ذلك اليوم فاتقّ الله وفكرّ في أمر أخرتك.

ولا يخفى على من راجع التاريخ أن هارون لم ينته من أعماله الاستبدادية وكان متوغلاً في الظلم والجور ويكفيه أن يخلّد في النار أن قتل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام .

البرامكة وهارون العباسي

لمّا أدبرت الدنيا على البرامكة وأساء الظن بهم هارون، أخذ يخطط مدة عشر سنين في الإطاحة بهم.

وكان لهارون خادم يدعى (مسرور) وكان جسراً، فقال يوماً للخليفة: أوامر الخليفة سارية في الشرق والغرب، فما هو السبب أن لا يأمر الخليفة في دفع (البرامكة) والإطاحة بهم، وإني أرى تغيّر الخليفة عليهم؟

قال هارون: أنا ومنذ عشر سنين أفكر في استيصالهم ولكن ما كنت أجد من يملأ فراغهم ويدير الأمور مثلهم وفي هذه المدّة كونّت جماعة لأداء هذه المهمة إذ لو عزلتهم في بادىء الأمر لاختلت الأمور واضطربت نظام البلاد وقد حان الحين بضربهم واستيصالهم.

أقول: وصدق المثل: (من أعان ظالماً سلط الله عليه) وفي الحديث: (من أعان ظالماً فهو ظالم)(2).

غصب أملاك الناس

روي أن (أبا جعفر الدوانيقي) الخليفة العباسي سأل أحداً وقال له : قل لي بصراحة ما ترى في ولدي (مهدي) من عيوب، حتى أمنعه عن ذلك؟

قال الرجل: لا عيب فيه سوى أنه لا محبّة له في قلوب الناس.

فكّر الخليفة كثيراً في هذا الأمر.. ثم أخذ يغصب أملاك الناس ويدع أسنادها في خزانته، ثم أوصى ابنه عند وفاته، وقال: أرجع تلك الأملاك إلى أصحابها لكي تكسب محبّتهم وتتمكن من الحكومة عليهم، وقد كانت اغتصاب أملاك الناس لأجل مصلحتك!.

مصّاص الدماء يبكي

(منصور) الخليفة العباسي كان في منتهى القساوة والظلم والاستبداد، وكان سفّاكاً للدماء ومتهوراً وكان حريصاً للغاية.

ولكن عندما كان يخطب ويعظ الناس كان يبكي ويبكيّ الناس، ويذم الدنيا والمنهمكين عليها في جمع الثروة وحطامها.

وكان يضع إلى جنب مصلاّه في الليل قلماً ودواةً وقرطاساً وكلما فرغ من صلاة، كتب ما يريد ان يفعله من قتل وسفك دم ونهب وظلم وجور لعباد الله، وكان ينفذ عند الصباح كل ما كتبه في الليل، وقد نظم أبو الذياد (وهو من كبار الشعراء) شعراً بهذه المناسبة مخاطباً إياّه ما مضمونه:

إن عملك يشبه ذلك الصياد الذي كان يصطاد الطيور في البرد الشديد فلمّا أراد أن يذبحها كانت تجري دموعه لا رفقاً بالطيور بل لشدة البرد ولكن الرائي يتصور أن بكائه رفقاً بالطيور. فبكاء (منصور) على المنبر وقتله الأبرياء يشبه بكاء ذلك الصيّاد، أو بكاء الثعلب.

الحياة مع العدل

سأل أبو مسلم الخراساني من رجل هروي طاعن في السن كم عمرك؟

قال: ستة سنين.

قال أبو مسلم: كيف يكون ذلك وأنت ترى على أعتاب السبعين؟

قال الشيخ: العمر هو ما كان يقضي في الأمن والدعة، وإننا لم نر ذلك سوى مدّة تسلّمك للأمارة فاستقر الأمن والعدل فعشنا براحة، وكانت مدّة الأمن لم تتجاوز الست سنين، لأن قبلها كنّا نلاقي المتاعب والمظالم والجور من بني أمية، لذلك لا نحسب تلك الأيام من أعمارنا.

أقول: نعم لو بقي هذا الشيخ فترة في حكومة بني العباس لابتلي بظلم أشد من ظلم بني أمية أو مثله.

أبو حنيفة يصنع القراميد

قيل: إنّ (أبا جعفر المنصور) الحاكم العباسي قررّ بناء مدينة بغداد في عام 145 هـ ، فلمّا تم البناء، قال لأبي حنيفة: عليك أن تتصدّى منصب القضاء.

فلم يقبل أبو حنيفة وأبى من التصدّي.

فحلف المنصور إلاّ ولابد من أن يقبله أو منصباً آخر مهماً.

وفي مقابله حلف ابو حنيفة أيضاً أن لا يقبل أي منصب.

فغضب الخليفة من تمرد أبي حنيفة ولكن أراد المندوحة من يمينه، فأجبر أبا حنيفة بصنع القراميد وعدّها، وجعله مسئولاً على العمّال وكان أبو حنيفة مجبوراً على ذلك مدة من حياته إلى أن سمّ وهو في السجن.

أبو مسلم الخراساني والخليفة

يقال: إنّ (أبا مسلم الخراساني) مثّل نفسه مع الخلفاء العباسيين بهذه القصة وهي:

ان عابداً مرّ بميتة أسد، فحدث في نفسه: إن من الحيف أن يموت الأسد ويبقى أخسّ الحيوانات كالكلب والفارة حيّا، فدعا للأسد فاحتيي بأمر الله.

وعندما احتيي الأسد قال الأسد للعابد: أنا أشكرك لأنك دعوت وكنت سبباً في حياتي ولكن أخشى أن يصدر منيّ سوءاً فيما بعد وتدعو ثانية عليّ فأموت فاللازم أن أفترسك للاحتياط لأني أرى حياتك سبباً لموتي.

قال أبو مسلم : حكايتي مع بني العباس يشبه هذا العابد والأسد فانهم احتيوا بسبب جهدي، والآن يرون وجودي سبباً لموتهم وفنائهم ولذا يريدون قتلي.. ولذلك قتلوه.

أبو مسلم وحيلة المنصور

عند ما أساء المنصور الظن بأبي مسلم الخراساني استدعى في ليلة (يزيد بن مسلم) الذي كان من عقلاء البلاط، وشاوره في أمر أبي مسلم.

فقال للمنصور: الرأي الصائب في نظري هو قول الشاعر: ما مضمونه: واذا ساء ظنك في شخص اردت به خيراً فضع سيفك البتاّر يحكم.

فأنكر عليه المنصور ما قاله وقال: قطّع الله لسانك كيف أقتله مع مواقفه العديدة في نصرتنا وإعلاء دولتنا وسوابق خدماته، ثم طرده من عنده.

وبعد مدة من الزمن لمّا قتل المنصور أبا مسلم استدعى يزيد ابن مسلم وقال له: أصبت الرأي في حينه ولكنّي ما كنت أعتمد عليك في ذكر ما قصدته وخشيت أن يسمع مقالتك لي أحد وتصديقي لك ويصل الخبر إلى أبي مسلم ويصعب الأمر عليّ ولذا طردتك ونهرتك مع أن مشورتك لي كان صوابها !. 

اعتراف أبي مسلم

شوهد (أبو مسلم الخراساني) في عرفات وهو يقول: إلهي أستغفرك من ذنوبي وأطلب منك الغفران وإن كنت أعلم أنك لا تغفر لي.

فقيل له: لماذا تيئس من رحمة الله وغفرانه؟

قال: إني نسجت ثوباً سداها ولحمتها من الظلم والعدوان وألبستها جسد بني العباس وما دامت دولتهم باقية فصراخ الناس من ظلمهم وتعديهم وتجاوزهم متعالية، ومع كل هذه المظالم والتعديات كيف أرجو المغفرة.

عدالة عامل المأمون

روي أنه اشتكى جمع من الفلاحين من ظلم عامل (المأمون العباسي).

فقال المأمون في جوابهم: لا يوجد بين جميع ولاتي أعدل وأصدق من هذا الوالي! فانه من قرنه إلى قدمه بل في كل عضو منه تموج العدالة والإنصاف!.

فأجابه أحدهم وكان طريفاً: يا أيّها الخليفة إذن ابعث من كلّ جزء منه إلى ولاية من الولايات ليعم العدل والإنصاف في كل البلاد، ولكي يرفه الناس وتطيب لهم العيش.

ذبح الأولاد

بعض خلفاء آل عثمان كان من عادتهم أن لا يبقوا لأنفسهم إلاّ ولداً واحداً، فكانوا يأخذون الأكثر من الولد الواحد ويذبحونه بأيديهم، اعتباراً من قصّة المأمون والأمين، حيث صار بينهما التحارب والتنازع ممّا أدّى إلى ضعف الملك.

فكانوا يقولون: إن قتل بعض الأولاد ـ حتى لا يبقى إلاّ ولد واحد يرث الحكم ـ أهون من إبقائهم حتى يتحاربوا ويتنازعوا.

وكانوا غافلين من أن ذهاب الحكومات ليس بسبب تنازع الولدين أوما أشبه، فكثيراً ما كان ذلك بسبب التنازع بين الملك وملك آخر، أو قوة ثورية أخرى.

وإنمّا العلاج لعدم التنازع: تقسيم القدرة والانتخابات الحرّة.

من دكتاتوريّة العباسيّين

كان للمتوكل العباسي كيس مليء بالحيّات والعقارب، وكان يضع ذلك الكيس قريباً منه.

فكلما أراد أن يضحك على الحاضرين فتح رأس الكيس ونفضه في وسط المجلس..

وإذا بالوزراء وسائر من حضر المجلس يهربون في كل اتجاه، وأحياناً تصيبهم لدغة عقرب أو حيّة.

خداع المأمون العبّاسي

ما كان استدعاء (المأمون العبّاسي) للإمام الرضا (عليه السلام) وجلبه من المدينة المنوّرة إلى مرو والفرض عليه بقبوله لولاية العهد إلاّ خداعاً للناس والتهريج على الإمام الرضا (عليه السلام) بأنه يطمع في الرياسة والوصول إلى الحكومة، وما أشبه.

لكن الأمام الرضا (عليه السلام) بدرايته وحنكته السياسية وبامامته الالهية كشف النقاب عن وجه المأمون ومؤامراته.

وذلك عن طريق انعقاد المجالس للبحث والمناظرة والتعايش مع الفقراء والمعوزين كجدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب74(عليه السلام) وعدم الاعتناء بأعوان وأزلام المأمون.

فعرف الناس عظمة الامام عليه السلام حتى صار المأمون يفكر في قتل الإمام عليه السلام وقتل أنصاره.

وقد ورد في التاريخ: ان أهل خراسان طلبوا من الإمام عليه السلام أن يصلّي بهم صلاة الاستسقاء بسبب الجفاف الذي حلّ بهم، فصلّى الإمام عليه السلام وهطلت الأمطار ببركة الإمام عليه السلام ودعاءه.

فوشى بعض المقربين إلى المأمون وقال له: هل تريد انتقال الخلافة من بني عباس إلى أهل بيت علي عليه السلام ؟

اعلم أنك سوف تهلك نفسك وعشيرتك بيدك حيث جئت بهذا الساحر ابن الساحر! ـ يريد بذلك الأمام الرضا عليه السلام ـ الذي كان مجهولاً لا يعرفه أحد وصيّرته علماً يشار إليه بالبنان، وأن نزول المطر بدعائه صار سبباً لحشد الناس حوله والمودّة إليه وأخشى أن يملك الخلافة ويجعلها في أبناء علي عليه السلام ، هل رأيت من يفعل بنفسه بمثل ما فعلت أنت بنفسك وسلطانك؟

قال المأمون: إن الرجل كان يدعو الناس إلى نفسه سرّاً فأردت أن أجعله وليّاً للعهد حتّى تكون دعوته إلينا، وليعلم أن السلطنة لنا، وخشيت إن تركته في المدينة أن يثلم في حكومتنا ثلمة لا يمكننا سدّها ويصعقنا بضربة قاضية يقصم ظهرنا بما لا نطيق تحمله.

ثم قال نعم: هذا الخطأ الذي ارتكبناه، إذ مع تعريفه للناس تعرضنا للهلاك، فعلى هذا لا ينبغي أن نتهاون في أمره واللازم أن ننقص من شخصيته شيئاً فشيئاً حتىّ لا يليق بالخلافة ثم نتخذ تدبيراً كي نتقي شرّ هذه الآفة للحكومة.

ولكن الإمام عليه السلام مع علمه الخارق كشف زيف مأمون وأسقط النقاب عن وجه الخليفة المخادع، حيث كان المأمون يتظاهر بالمحبّة لعترة الرسول (عليه السلام) ليستحكم بها أعمدة دكتاتوريته، فالإمام عليه السلام بعمله ومواقفه الحكيمة تمكّن من فضح الخليفة وسلب الشرعية عنه والوقوف دون الناس به.

ولو لم يقبل الإمام عليه السلام منصب ولاية العهد وكان منـزوياً في المدينة لما كان ينكشف للناس والتاريخ صورة المأمون وواقعه المرائي وحكومة بني العباس الطاغية، فصدق قوله سبحانه: [ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين] (3).

الحياة بعد الإقبار

عندما انتصر (طاهر ذو اليمينين) على (عبد الله بن محمد الأمين) أمر بإقباره ودفنه وهو حيّ، فجعلوه في تابوت ودفنوه في الليل بعيداً عن الأنظار سراً.

وكان هناك رجل وصل إلى مدينة بغداد ليلاً فاضطر أن ينام خارج المدينة فانتبه من نومه على إثر كلام عمّال (طاهر ذو اليمينين) فعلم أنهم يريدون دفن شخص حيّاً فصبر حتىّ انصرفوا فأسرع بإخراج التابوت من القبر وفتح التابوت فرأى فيها شاباً.. فسأله من أنت وما ذنبك؟

قال: أنا كاتب (أي: أعرف الكتابة) وحافظ للقرآن، أعدائي غلبوا عليّ وقد رأيت ما صنعوا بي وأنا بريء.. وان الله ما أحب أن أموت مظلوماً، فأرسلك إليّ وأعاد لي الحياة، هل يمكنك أن تؤويني مدةّ بعيداً عن الأنظار وتكون لي كما يناسب الكرماء؟

 

فأخذه الرجل إلى قريته، ولمّا عرف أنه شاب له بعض الكمالات، جعله معلماً لأولاده، فعاش عبد الله سنيناً مجهولاً لا يعرفه أحد وبعد ثلاثين عاماً من حياته المخفية غادر الحياة في سنة 219 هجرية في خلافة (المعتصم العباسي).

الخليفة الأميّ

كان مع (المعتصم العباسي) عبد في أيام صغره يرافقه في الذهاب إلى الدرس ويشاركه في التعلم..

وعندما مات العبد قال هارون العباسي لولده: قد مات غلامك.

فقال معتصم لأبيه: نعم يا أبه مات غلامي وأرتاح من الذهاب إلى المدرسة وقراءة الدروس.

فقال هارون: إن كان التعلم عليك شاقاً إلى هذا الحد إذاً لا تذهب إلى المدرسة ولا تقرأ الدرس.

فكان عاقبة أمر المعتصم أنه لمّا صار خليفة بعد المأمون أتته رسالة من أحد عمّاله فأخذ الوزير يقرأ الرسالة، فكانت من جملة الكلمات التي قرأها الوزير في الرسالة لفظ (كلاء) فسئل المعتصم من الوزير ما معنى (كلاء)؟

قال الوزير: أنا أيضاً لا أعرف.

فقال المعتصم: الخليفة أميّ والوزير عاميّ .

ثم قال: من موجود خارج الدار من الكتّاب؟

قيل: محمد بن عبد الملك حاضر خلف الباب.

قال: ائتوا به.

فلمّا حضر وفسرّ معنى الكلاء أعجب المعتصم منطقه وفضله فجعله وزيراً لنفسه وأعطاه مطلق الاختيار وبقي في منصب الوزارة إلى أيّام (المتوكل العباسي) فأمر المتوكل بقتله، فقتل.

السلام عليك يا الله

جاءوا بأعرابي إلى الخليفة، فلمّا رأى الخليفة جالساً على الكرسي والناس حوله واقفون كالعبيد، قال: السلام عليك يا الله.

قال الخليفة: أنا لم أكن الله.

فقال الأعرابي: السلام عليك يا جبرائيل.

قال: لم أكن جبرائيل.

فقال الأعرابي: إذا لم تكن الله ولم تكن جبرائيل فلماذا رافع نفسك وجالس على الكرسيّ في الأعلى، تذل الناس، إذن انزل واجلس ما بين الناس.

أبو العباس السفاح

قتل ( أبو العباس السفاح) جماعة بسبب عمارة بناها على الملح.

فأحضر أنصار الحكّام السابقين في تلك العمارة، ثمّ أمر بفتح الماء على مبانيها، ولماّ ذاب الملح انهدمت عليهم جميعاً وماتوا.

1- تحف العقول: ص208.

2- عيون أخبار الرضا عليه السلام ج2 ص235 ب58 ح7.

3- سورة آل عمران: 54.