الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

العلم في ست كلمات

التقى النبي عيسى المسيح (عليه السلام) براع في الصحراء، فقال له: أيها الرجل! أفنيت عمرك في الرعي، ولو قضيت عمرك في طلب العلم وتحصيله لكان أفضل لك؟

فقال الراعي: يا نبي الله! أخذت من العلم ست مسائل وأعمل بموجبها.

الأولى: ما دام الحلال موجوداً لا آكل حراماً.

الثانية: ما دام الصدق موجوداً لا أكذب.

الثالثة: ما دمت أرى عيبي، لا أنشغل بعيوب الآخرين.

الرابعة: حيث لم أجد إبليس قد مات لا أئتمن وساوسه.

الخامسة: ما دمت لا أرى خزانة الله خالية لا أطمع بكنز المخلوق، ولحد الآن لم تنقص خزانة الله حتى أحتاج لمخلوق.

السادسة: حيث لم أر رجلي تطئان الجنة، لا أؤمن عذاب الله تعالى.

فقال عيسى (عليه السلام): هذا هو علم الأولين والآخرين الذي قرأته أنت وأخذته.

استقامة الميرزا مهدي النراقي في طلب العلم  

كان الحاج الميرزا مهدي النراقي (رحمه الله) صاحب (معراج السعادة) وكتب أخرى في أيام التحصيل بمنتهى الفقر وخلو اليد لدرجة لا يمكن معها من تهيئة فانوس للمطالعة، وكان يستفيد من ضياء الفوانيس الموجودة في أماكن أخرى من المدرسة، ولم يطلع عليه أحد.

ومع هذه الشدة والضيق في المعاش كان شديد التعلق والرغبة بطلب العلم، حتى أن الرسالة التي كانت تأتيه من موطنه لا يفتحها ولا يقرأها خوفاً من أن يكون فيها مطلب يكون باعثاً لتشتت حـــواسه، ويمنعه من الدرس، وكان يضع الرسائل مختومة كما هي تحت البساط.

وكان أبوه ـ أبو ذر ـ قد قتل فكتبوا إليه يخبرونه بقتله، فوضع كعادته الرسالة تحت البساط أسوة ببقية الرسائل، وبعد أن يأس منه الأهل والأقارب كتبوا إلى أستاذه وأخبروه بالحادثة وطلبوا منه أن يخبره بالأمر، وأن يرسله إلى قرية نراق لأجل إصلاح أمر التركة والورثة. فلما حضر النراقي (رحمه الله) الدرس أخذ بيده الأستاذ وكان مغتماً، فسأله النراقي: لماذا أراك مغتماً وحزيناً؟ أجاب الأستاذ: ينبغي عليك الذهاب إلى نراق فقال النراقي: لأجل من؟ قال: إن والدك كان مريضا، فقال النراقي: إن الله سيحفظه ويعافيه، فابدأ بالدرس.

فصرح له الأستاذ بمقتل والده، وأمره أن يتوجه إلى نراق، فامتثل الأمر ولم يبق أكثر من ثلاثة أيام ثم عاد بعدها، وعلى هذا المنوال كان النراقي (رحمه الله) يطلب العلم حتى بلغ مكانة سامية فيه.

السيد نعمة الله الجزائري واستقامته في طلب العلم  

كان السيد نعمة الله الجزائري (رحمه الله) من تلامذة العلامة المجلسي (رحمه الله) المقربين، وقد تحمل الكثير من الصعاب والمشقات في طلب العلم، وفي أوائل أيام تحصيله لما لم يكن متمكناً من تهيئة سراج، كان يستفيد من ضوء القمر للمطالعة، حتى ضعف بصره من كثرة المطالعة على نور القمر، والكتابة، وكان يضع في عينيه من التربة المقدسة لسيد الشهداء (عليه السلام) طلباً لتقوية نور بصره، وببركة تلك التربة فقد قوي نور بصره.

وبعد أن نقل المحدث القمي (رحمه الله) هذه الحكاية قال: حينما يستولي الضعف على عيني نتيجة زيادة المطالعة والكتابة، أتبرك بتربة مراقد الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وأحياناً أمسح كتب الأحاديث والأخبار عليها، والحمد لله أن عيني إلى الآن في غاية القوة والإبصار، آملاً أن ينور الله عيني في الدنيا والآخرة ببركتهم.

استقامة وصمود الآخوند الخراساني (رحمه الله) في طلب العلم  

ذكروا بصدد عسر الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني (رحمه الله) صاحب (الكفاية) أيام تحصيله العلم، وبعد وضعه الصعب من ناحية المأكل والملبس نقلاً عنه: لم أفكر تلك المدة إلا بالغداء، وكنت قانعا بهذا الوضع، … وكان الطلاب لا يعتنون بي، إلا من كان من الفقراء من مثلي أو أسوء مني حالاً، وكان نومي لا يزيد على ست ساعات، لأن النوم العميق للإنسان لا يكون ببطن خالية، فكنت أسهر الليالي وأسامر النجوم، وفي تلك الأحوال كان يمر بخاطري أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان يقضي أكثر لياليه على هذا المنوال، وأني بهذه المعاناة وشدة الضيق من فاقة وفقر كنت أحس، وأفكر أني في عالم آخر، وهناك قوة تجذب روحي إليها.

وكان مع هذه المصاعب التي كان لها الوقع الكبير في نفس الآخوند، قد فقد أولاده وزوجته الشابة، وبقي لوحده، ولو كان غيره مكانه ربما لم يستطع أن يقاوم ويصمد بوجه تلك الأعاصير التي أثقلت كاهله، وكادت أن تسوقه إلى غير ما ينبغي ويريد، إلا أن تلك الروح المستنيرة لم تتزلزل ولو قليلاً.

وبعد أن دفن ابنه وزوجته ترك البيت، وكان في النهار يحضر مجالس درس الأساتذة، وفي الليل وفي مكان حقير وصغير يقع في المدرسة يقضي وقته بالمطالعة وحل المسائل، وفي ليالي الشتاء القارصة كان يجلس دون أن يستعين بنار يتدفأ عليها، ويطالع فروع الفقه المختلفة والأصول ودقائق الدروس، وفي إحدى الليالي جلس إلى جنب شعلة النفط في الحجرة، ووضع يديه تحت رأسه وعيناه تنظر إلى الكتاب، ليدرك مسألة في الأصول ولكثرة مطالعته تعبت عيناه، واستغرق في نوم عميق، وكانت الشعلة قد أخذ نارها يتسرب إلى يده قليلاً قليلاً فأحرقت جلد يده اليمنى، وكان أكله الحار فقط الخبز الذي يأخذه من الخباز لتوه، وبعد مدة أصاب مقداراً من الرز، فقام بتنظيفه وصبه في إناء، ووضعه على النار ليطبخ، فلما أراد أن يأخذه سقط من يده على الأرض وحرم من أكله، مضافاً إلى احتراق يده ومضت مدة وهو يعاني من آلام حرق اليد.

الحاج ملا هادي السبزواري في كرمان

ينقل: إن الحاج الملا هادي السبزواري ذهب إلى كرمان دون أن يعرفه أحد، فدخل المدرسة، وطلب من المتولي للمدرسة غرفة، ولما لم يعرف المتولي الملا هادي سأله: هل أنت من العلماء؟ فأجابه الملا كلا، فقال المتولي: بأن الغرف مخصوصة للطلبة.

وأخيراً أقنع المتولي بأن يستريح في زاوية الغرفة شريطة أن يقوم بمساعدة الخادم بأعمال المدرسة.

وفي بعض الأحيان كان يقوم السبزواري بمشاركة الطلبة في البحث، ولم يمض على ذلك وقت طويل حتى تزوج بابنة خادم المدرسة، ثم عاد إلى سبزوار بصحبة زوجته ومضت السنون وشهرة الحاج تزداد يوماً بعد يوم، وأخذ الطلبة يتوافدون من الأطراف إلى سبزوار لتلقي الحكمة والفلسفة، وقد وفد بعض طلبة كرمان إلى درس الحكيم فجاء الحكيم وصعد المنبر وأخذ يدرس، فما أن رآه طلبة كرمان حتى فهموا بأنه صهر خادم المدرسة في كرمان، ولم يتعرفوا عليه طيلة هذه المدة، وأسفوا على ذلك لعدم استفادتهم خلال تلك المدة من مقامه العلمي، وأخذوا يتحدثون بصوت عال بشكل ألفت بقية الطلاب، وبعد انتهاء الدرس وخروج الأستاذ من المدرسة، اعترض طلاب سبزوار على طلاب كرمان، فنقل طلاب كرمان القصة من أولها وكيف أن الحكيم الكبير كان لا يظهر نفسه ومقامه العلمي، طيلة هذه الفترة.

طلب العلم حتى الموت

جاء شخص وعليه علامات الانكماش إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقال له: أحس في نفسي أني أموت بعد ساعة، فقال له (عليه السلام): (الموت ليس مشكلة، كلنا نموت).

فقال له: ماذا أعمل في هذه الساعة؟

قال (عليه السلام): (اطلب العلم).

أموت عالماً بالمسألة خير من أن أموت جاهلاً بها

كان أبو الريحاني البيروني وحيد زمانه في فنون الحكمة والرياضيات، وكان مسلّم أقرانه في صناعتي الطب والتنجيم، وكان في تحصيل المعارف والعلوم، بحيث لم يكد يفارق طرفة النظر، ولا قلبه الفكر، ولا يده التحرير، ولا لسانه التقرير، إلا في يوم النيروز والمهرجان.

ولما صنف (القانون المسعودي) أجازه السلطان بحمل من فضة فرده مظهراً الاستغناء عنه.

دخل عليه بعض أصحابه وهو يجود بنفسه، فقال له في تلك الحال: كيف قلت لي يوما: حساب الجدات في الإرث؟

فقال: أفي هذه الحال؟

قال: يا هذا، أودع الدنيا وأنا عالم بها، أليس خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها؟

قال: فذكرتها له، وخرجت. فسمعت الصراخ عليه، وأنا في الطريق.

في أثناء الدرس أغمي عليه من شدة الجوع

نقل عن الأستاذ جلال الهمائي إنه قال: كنت زميلاً للمرحوم آية الله الحاج الشيخ هاشم القزويني (من أساتذة الحوزة العلمية بالمشهد المقدس الرضوي) في أيام الشباب بأصفهان، وفي أحد الأيام وفي أثناء المباحثة تغير حاله وأغمي عليه وسقط إلى الأرض، فاستوحشنا واضطربنا من هذا المشهد، فجئنا إليه بطبيب من أطباء أصفهان ذلك اليوم وبعد الفحص الدقيق، أمر الطبيب بإعطائه شراب السكر، ففتح عينيه، وبدون فاصلة أخذ الكتاب وقال: ماذا بقي من البحث؟ وما إن خرج الطبيب من الحجرة، حتى أشار إلي أن أقترب منه، وأسر لي: بأن إغماء الشيخ من شدة الجوع، ودعاني إلى إحضار الغذاء إليه على وجه السرعة، وبعد التحقيق تبين أن الشيخ هاشم لم يدخل الطعام في جوفه ليومين.

وهكذا كانوا يهتمون بالعلم ولذا بلغوا درجات رفيعة.

كتابة تفسير القرآن في ميدان الحرب!

روى الشيخ محمد علي الأراكي في وصف المرحوم الآقا نور الدين العراقي قائلاً: كان من أهل الكشف والكرامات ومن أهل الحقيقة، وكفى به كرامة أنه كان في جبهة الحرب، يأخذ القلم والورق ويكتب تفسير القرآن!

ولو كان غيره، لاشتبه في كلامه اليومي، ولم يميز المبتدأ عن الخبر فكيف تكون مشاعر الإنسان في داخل جبهة الحرب بهذه الكيفية ولكن هذا الشخص كان جالساً يقرر ويضع التصاميم، ويكتب تفسيراً مثل هذا بكل دقة وإتقان.

وكم يؤسف له أن الانشغالات منعته من إكمال هذا التفسير وكان في ذلك الوقت في مدينة (آراك) وكانت ترد عليه الأسئلة والاستفتاءات من الأطراف والأكناف والقرى، إضافة إلى المراجعات في أمور أخرى.

ولم يكن المرحوم الآقا نور الدين في المسائل محتاجاً إلى كتاب، فكل هذه الاستفتاءات التي ترد عليه، لم نذكر أنه قال: ائتوني بالكتاب الفلاني حتى أرى ما فيه، فكان حاضر الجواب، فهذا التفسير الذي لم يكن لديه كتاب لغة، وتاريخ وتفسير، بل كتبه بعقله ومحفوظاته، فأي محفوظات كانت لديه حتى يكتب مثل هذا التفسير في ذلك الوقت العسير!!

علماء الإمامية وتحمل الصعوبات

ذكر صاحب (اللمعات) قال: ذكر أستاذنا الشيخ حسن بن الشيخ جعفر صاحب كتاب (كشف الغطاء): (أن الشيخ الكبير بعد نوم طفيف في الليل، كان يطالع حتى وقت الصلاة ـ صلاة الليل ـ، ثم يقوم للصلاة والتضرع والمناجاة حتى الصبح، وفي إحدى الليالي سمعنا صراخه وصياحه وهو يضرب على رأسه ووجهه، فاستوحش إخواني من هذا المشهد، فأسرعنا إليه فوجدناه في حالة غير طبيعية، ودموعه تسيل على وجهه حتى ابتلت لحيته، فأخذنا بيده، ولما سألناه عن السبب في ذلك؟ قال: في أول الليل كانت تخطر على بالي مسألة فقهية وبـيّـن العلماء الأعلام حكمها، وأردت دليلها من أحاديث أهل البيت (عليه السلام) فأخذت أبحث لساعات في كتب الأخبار فلم أهتد إليها، ولما بلغ بي التعب أشده قلت: جزى الله العلماء خيراً حكموا بدون دليل! ثم نمت فرأيت في عالم الرؤيا كأني أتوجه لزيارة الحرم المطهر لأمير المؤمنين (عليه السلام) فلما وصلت إلى مكان خلع الأحذية رأيت أمام الإيوان الفرش ومنبراً عالياً في صدر المجلس، وكان شخص موقر وصاحب وجه نوراني على المنبر مشغولاً بالدرس، وكان أمام الإيوان مملوءاً من العلماء الأعلام، فسألت أحدهم: من هم هذه الجماعة؟

ومن يكون هذا المدرس؟ فقال في جوابي: إن هذا المدرس هو المحقق الأول صاحب (الشرائع) وهذه الجماعة هم علماء الإمامية، فسررت من ذلك وغمرني الفرح وتقدمت إلى المنبر وسلمت على المحقق، وكنت متوقعاً أن يلتفت إلي ويعتني بي، فرأيت أنه لم يعر لي اهتماماً، ولم يكن رد سلامه لي حاراً فتألمت من ذلك وعتبت عليه وقلت له: ألست من علماء الإمامية؟

فقال لي : أي جعفر! إن علماء الإمامية قد تحملوا المصاعب الكثيرة حتى جمعوا أخبار الأئمة الأطهار (عليه السلام) من الرواة في أطراف البلاد، وكتبوا كل حديث في محله مع أسماء الرواة وأحوالهم وتصحيح رواياتهم وتوثيقها وتضعيفها، حتى تكون سهلة المنال لأمثالكم، وأنت بأربع ساعات تجلس على الفرش وتلاحظ بعض الكتب الحاضرة، دون جميعها وتعترض على العلماء بأنهم أفتوا بدون مستند ودليل، مع أن هذا الرجل الحاضر والجالس تحت المنبر في عدة مواضع من كتابه كتب حديث هذا الحكم، وكتابه من ضمن الكتب الموجودة عندكم، ومؤلفه هو نفس هذا الشخص والمسمى الملا محسن الـــفيض فارتعشت من كلام المحقق هذا، وفزعت من النوم، مظهراً ندمي على ما بدر مني وكانت في الكتاب المذكور الرواية التي أردتها.

كيف بدأ السكاكي بطلب العلم؟

الشيخ يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي الخوارزمي الملقب (سراج الدين السكاكي). صاحب كتاب ( مفتاح العلوم) الذي يذكر فيه اثني عشر علماً من علوم العرب، مع أنه لم يكن من العرب.

كان في باديء أمره حداداً فعمل بيده محبرة صغيرة من حديد، وجعل لها قفلاً عجيباً، ولم يزد وزن تلك المحبرة وقفلها عن قيراط واحد، فأهداها إلى ملك زمانه، ولما رآه الملك وندماء مجلسه الرفيع لم يزيدوا على الترحيب بالرجل على صنعته، واتفق أنه كان واقفاً في الحضور إذ دخل رجل آخر، فقام الملـــك احتراماً لذلك الرجل، وأجلسه في مقامه، فسأل عنه السكاكي؟ فقيل: إنه من جملة العلماء.

ففكر السكاكي في نفسه أنه لو كان من هذه الطائفة لكان أبلغ إلى ما يطلبه من الفضل والشرف والقبول، وخرج من ساعته إلى المدرسة لتحصيل العلوم، وكان إذ ذاك قد ذهب من عمره ثلاثون سنة.

فقال له المدرس: لعلك في سن لا ينفعك فيه التعلم، وأرى ذهنك مما لا يساعدك على أمر التحصيل، فلا بد من الامتحان، ثم أخذ يعلمه هذه المسألة التي هي من آراء إمامهم الشافعي، وقال له: قال الشيخ: جلد الكلب يطهر بالدباغة، وجعل يكرر له هذه العبارة عليه، ثم لما جاءه من الغد طلب منه أن يحكي درس أمسه الذي لقنه فقال: قال الكلب: جلد الشيخ يطهر بالدباغة، فضحك منه الحاضرون.. وعلّمه الأستاذ شيئاً آخر. وهكذا إلى أن مضى من عمر السكاكي في ذلك التعب في أمر التحصيل عشرة أعوام أخر، فيأس من نفسه بالكلية، وضاق خلقه، فخرج إلى البراري والجبال، فاتفق أنه كان يتردد يوماً في شعب الجبال، إذ وقع نظره على قليل من الماء يتقاطر من فوقه على صخرة صماء، وقد ظهر فيها ثقب من أثر ذلك التقاطر، فاعتبر بذلك وقال: ليس قلبك بأقسى من هذه الحجرة، ولا خاطرك أصلب منها، حتى لا يتأثر بالتحصيل، ورجع ثانياً إلى المدرسة بعزمه الثابت، وصمم في الأمر إلى أن فتح الله عليه أبواب العلوم والمعارف، وحاز قصب السبق على كثير من الأماثل والأقران من العظماء والأعيان.

فقر الملا محمد صالح المازندراني أيام التحصيل وعاقبته

كان الملا محمد صالح المازندراني (رحمه الله) فقيراً جداً وخالي اليد، وكان يرتدي الملابس العتيقة الممزقة، فكان لا يشارك في مجلس الدرس خجلاً وحياءً، بل كان يجلس خارج المدرسة ويستمع إلى درس الأستاذ، وكان يكتب تحقيقاته على أوراق الأشجار، وقد ظن سائر الطلاب أن هذا الرجل شحاذ فقير جاء ليستجدي.

وقد أشكلت على الأستاذ الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) مسألة في أحد الأيام، وأحال حلها إلى اليوم الثاني، وفي اليوم الثاني لم يتوصل إلى حل المسألة، فأحيلت إلى اليوم الثالث.

وفي هذه الأثناء دخل أحد طلاب المدرسة على الملا صالح فوجد أمامه أوراق الصفصاف فأخذ اثنين أو ثلاثة من أوراق الصفصاف فوجد فيها حل المشكلة المعضلة، فذهب في اليوم الثالث إلى مجلس الدرس، وطرحت المسألة ولم يتمكن أحد من إيجاد الحل لها، ثم بدأ ذلك الطالب ببيان حل المسألة، فتعجب الملا محمد تقي المجلسي وأصر على القول: بأن هذا الجواب ليس من عندك بل هو من شخص آخر تعلمته منه فمن هو؟

وأخيراً، نقل ذلك الطالب قضية الملا محمد صالح، ولما اطلع الآخوند المجلسي على كيفية حال الملا محمد صالح، ورآه جالساً خارج معهد الدرس، أرسل على الفور أن يحضروا له الملابس، وطلب منه أن يدخل معهد الدرس، واستمع منه حل هذا الإشكال شفاهاً، وبعد ذلك عين له المجلسي حقوقاً شهرية. وقربه واشتهر بالعلم والفضل.

صبر الملا محمد صالح المازندراني واستقامته في طلب العلم

كان والد الملا محمد صالح المازندراني قد ابتلي بالفقر والفاقة، وقد قال لولده الملا محمد صالح يوماً: فكر في أمر معاشك لأني لا أتمكن من تحمل معاشك بعد هذا اليوم، فاضطر الملا محمد صالح إلى أن يهاجر إلى أصفهان ويسكن في إحدى مدارسها، وكانت لهذه المدرسة موقوفة تعطي لكل شخص في اليوم الواحد (غازيني) العملة الرائجة في ذلك الزمان، إلا أنها لم تكن كافية لمصرف يوم واحد، وكان الملا صالح ولمدة طويلة يطالع على ضوء بيت الخلاء، ومع كل هذه الظروف القاسية التي مر بها إلا أنه استمر في طلب العلم صابراً صامداً حتى بلغ درجة من العلم والفضل أهلته للمشاركة في درس الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) وما أن مرت الأيام حتى صار يشار إليه بالبنان، وصار من أبرز تلامذة المجلسي وكانت له مهارة فائقة في مسائل الجرح والتعديل، حتى أصبح موضع اعتماد الأستاذ ونال مرتبة سامية.

وذات يوم طلب منه أستاذه الملا محمد تقي المجلسي (رحمه الله) بعد انتهاء الدرس أن يسمح له بانتخاب زوجة له، ثم دخل الملا محمد تقي بيته ونادى ابنته الفاضلة العالمة (آمنة بكم) وكانت قد بلغت من العلوم حد الكمال، وقال لها: أي بنية! وقع نظري على زوج لك، هو في نهاية الفقر، ولكنه في الوقت نفسه في غاية الفضل والعلم والتقوى، والأمر موقوف على إذنك.

فقالت آمنة بكم: الفقر ليس بعيب للرجل.

ثم بعد ذلك عقد المرحوم المجلسي مجلساً ليزوج ابنته (آمنة بكم) من الملا محمد صالح. وفي ليلة الزواج رفع الملا محمد صالح البرقع عن وجه العروس لينظر إليها فأخذ يشكر الله المنان وظل مشغولاً بالحمد والشكر، ثم اشتغل بمطالعة دروسه وتهيئتها، فاتفقت له مسألة مشكلة أشغلت باله حتى الصباح، ولما نهض وذهب إلى المسجد لحضور الدرس، أخذت العروس ورقة وحلت المسألة حلاً كاملاً وأودعت الورقة التي كتبت فيها حل المسألة في طيات الكتاب، فلما رجع الملا محمد صالح من الدرس وفتح الكتاب رأى أن المسألة قد حلت بواسطة زوجته، فسر سروراً كبيراً لما عرف من فضل زوجته، فسجد لله شكراً، ومضت على ذلك ثلاثة أيام بلياليها كان الملا صالح مشغولاً فيها بالعبادة والشكر لله، وبعد أن أطلع الملا محمد تقي على هذه القضية قال للملا محمد صالح: إذا لم تعجبك هذه الزوجة فسأختار لك غيرها، فقال: ليس الأمر كذلك، بل أني عاهدت الله أن أكون مشغولاً ثلاثة أيام بلياليها بالعبادة والشكر على هذه النعمة الكبرى.

الاستقامة والصبر العجيب في المباحثات العلمية

ذكر صاحب (التكملة) قال: نقل لي العبد الصالح الحاج كريم فرّاش الصحن المطهر لسيد الشهداء (عليه السلام) قال: كنت في سن العشرين من عمري أقوم بخدمة الصحن الحسيني، وفي إحدى الليالي نادى منادي الصحن: أن تغلق أبواب الحرم، فرأيت الآقا الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني معاً وهما مشغولان بمباحثة علمية وقد خرجا من داخل الحرم ووقفا في الرواق المطهر، وانشغلا أيضاً بالمذاكرة حتى نادى المنادي ثانية: أن تغلق أبواب الحرم، فخرجا من الصحن من باب القبلة واستمرا في المذاكرة خلف الباب، حتى طلع الصبح، وكنت قد أتيت لفتح أبواب الصحن المطهر فوجدتهما واقفين يتناظران، فاستغربت من ذلك، وصرت مبهوتاً من حالهما، ولما كان الشيخ يوسف (رحمه الله) إماماً للجماعة ذهب للصلاة، وافترش الآقا البهبهاني (رحمه الله) عباءته وصلى وذهب لمنزله، وهكذا كانا يهتمان بالعلم ويرجحانه حتى على النوم ولذا نراهما بلغا ذلك المبلغ العظيم حتى خلدا في الخالدين.

همة صاحب (مفتاح الكرامة) في التعليم

تناول السيد الأمين في (أعيان الشيعة) الجد والسعي المتواصل للسيد جواد العاملي صاحب (مفتاح الكرامة) قائلاً: كان في الجد وتحصيل العلم قليل النظير، وقد أفنى عمره في الدرس والتدريس والبحث والمطالعة والتأليف وخدمة الدين، وكان يستغرق وقته ليلاً ونهاراً في ذلك، دون أن يحدث له ضعف واضطراب، وكان مشغولاً بالبحوث العلمية حتى في أيام الأعياد وليالي القدر من شهر رمضان، واستمر على هذه الحال حتى سن الشيخوخة وكله رغبة ونشاط في هذا المضمار، وكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، ولما سئل: ما هي أفضل أعمال ليلة القدر؟

أجاب: بإجماع علماء الإمامية هو الاشتغال بطلب العلم.

وفي أيام محاصرة النجف من قبل الوهابية بين سنوات (1331 و 1336هـ) كان العلماء مع الأهالي يقومون بالدفاع عن المدينة، وفي الوقت الذي كان يشارك العلماء في الجهاد والمحافظة على المدينة ووسائل الدفاع وتشجيع المجاهدين والحراس وترغيبهم، تراه لا يفتر قلمه عن التأليف والتدريس، فقد كتب في تلك اللحظات رسالة في وجوب الدفاع عن النجف، كما استمر في كتابة بعض مجلدات (مفتاح الكرامة) مثل: مجلد الضمان والشفعة والوكالة وكان له من العمر حدود السبعين.

وإحدى الأمثلة على استمرارية الجد والجهد في الليل والنهار هي: أنه في نهاية العديد من مجلدات (مفتاح الكرامة) تراه يكتب: (قد تم الفراغ منه ليلة كذا) وذكر في مجلد الوقف (قريب منتصف الليل)، والمجلد الثاني من الطهارة (في الربع الأخير من الليل) ومجلد الوكالة (بعد منتصف الليل) ومجلدين من الشفعة (في الليل) وبعض المجلدات الأخرى (في ليلة القدر) أو (ليلة عيد الفطر).

وفي آخر مجلد الإقرار من (مفتاح الكرامة) كتب: في شهر رمضان من هذه السنة كتبت ثمانية أو تسعة أو عشرة أجزاء من الأبحاث، إضافة إلى الأعمال الأخرى التي أقوم بها في شهر رمضان، وما تركت الكتابة إلا لبعض المؤثرات التي كانت سبباً للتعطيل.

ونقل حفيده السيد جواد بن السيد حسن قال: كانت ابنة صاحب (مفتاح الكرامة) سيدة جليلة القدر ومشهورة بالتقوى والعبادة وكانت قد عاشت خمسة وتسعين عاماً من العمر، دون أن تعاني من ضعف الحواس أو عدم القدرة، وكانت تقول: إن والدي ما كان ينام الليل إلا قليلاً من الوقت، ولم يتفق لي أن رأيته وهو نائم بل كان مستيقظاً على الغالب مشغولاً بالمطالعة والكتابة.

ونقل حفيده الشيخ رضا بن زين العابدين العاملي الذي كان مدة في بيته وكان ينام بعد الفراغ من مطالعاته في الليالي قال: كنت أرى جدي يقظاً ومشغولاً بعمله، وكان يلتفت إلى حفيده ويقول: ما هذا العشق بالنوم، وهذا المقدار الذي نأخذه من النوم يكفينا، وكان يضع رأسه على يده، ويغفو إغفاءة قصيرة جداً، ثم يعود إلى عمله، وأحياناً يوقظ حفيده لصلاة الليل، ويقوم هو بالمطالعة.

وكان معروفاً بين العلماء في زمانه وحتى موته بالدقة والضبط وصفاء الذات، وكان يرجع إليه كبار العلماء لحل المسائل المشكلة فيأخذون منه الجواب أو يطلبون منه تأليفاً في ذلك، وكان تأليف كتبه بالتماس أساتذته: كالشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد صاحب الرياض.

منزلة العلم واحترام المعلم عند الرازي

روى ياقوت الحموي في كتابه (معجم الأدباء) عن أبي طالب عزيز الدين (من أدباء وعلماء القرن السادس الهجري) قال: في اليوم الذي ورد الفخر الرازي إلى مرو كانت له منزلة كبيرة وصيت ذائع وأبهة عظيمة، حتى أن أحداً لم يكن يستطيع أن يقاطع كلامه، وكنت قد حضرت عنده للاستفادة منه.

فقال لي يوماً: أحب أن تكتب لي كتاباً في سلسلة الطالبيين (أولاد أبي طالب) حتى أقرأه، ولا أبقى جاهلاً في هذا الصدد.

فقلت له: تريد أن أرسمه على شكل مشجرات الأنساب أو أكتبه بشكل نثر؟

فقال: أريد شيئاً أتمكن من حفظه، وكتابة المشجرات لا تفي بهذا الغرض.

فقلت: سمعاً وطاعة! وذهبت وكتبت الكتاب بعد أن أسميته (الفخري) وجئت به إليه.

وبعد أن رأى الكتاب نزل من مسنده الشخصي وجلس على الحصير، وقال لي: اجلس أنت على هذا المسند.

فرأيت بجلوسي على المسند بحضوره فيه نوع من التجاسر، إلا أنه خاطبني بقوة وقال: اجلس في المكان الذي أقوله لك.

وعلى مهابته وبدون اختيار جلست في المكان الذي عينه لي، وجلس هو مقابلي، وقرأ الكتاب بحضوري، وكان يسأل مني بعض الكلمات غير المفهومة والصعبة حتى قرأ الكتاب بكامله عندي، ثم قال لي: الآن اجلس أي مكان تريده، لأن في هذا الكتاب علماً، وأنت في هذا العلم أستاذي وأنا تلميذك، وأتتلمذ في حضورك لأستفيد وليس من الأدب أن يبتعد التلميذ عن الأستاذ ولا يقابله، ويجلس بعيداً عنه أو فوقه. وبعد ذلك طلبت منه أن يجلس على مسنده، وأنا أجلس في المكان الذي جلس منه لأقرأ أنا عليه وأستفيد من علومه.

أسلوب الميرزا الشيرازي (رحمه الله) في أجوبة المسائل

أورد العلامة الأمين (رحمه الله) في (أعيان الشيعة) في شرح أحوال الميرزا حسن الشيرازي (قده) أنه قال: حينما يستفتى في مسألة يتوجه بنظره إلى أهل العلم الحاضرين في المجلس، ويسأل منهم واحداً واحداً: ما رأيكم في هذه المسألة؟

وهذه الطريقة لها فائدتان: الأولى: يضم هؤلاء إلى رأيه، ويستفيد من بعض النقاط التي لم تخطر على باله، والأخرى: إن ميزان القدرة العلمية للأشخاص تعرف بهذه الطريقة.

وهناك طريقة أخرى لدى الشيرازي (رحمه الله) وهي: أنه عندما يسأل أو يريد أن يريد أن يسأل أو يدخل مبحثاً، وقبل إعطاء الجواب أو الدخول في البحث أول ما يبدأ بكتابة المسألة والموضوع وما قيل فيه من النقض والإبرام، وقيل كان يجمع كل أسبوع هذه الكتابات ويطرحها في نهر دجلة، ولم نعلم ما العلة في عدم حفظ مثل هذه الأوراق المكتوبة، ولو حفظت لاستفيد منها، ومن الجائز أن تكون تلك الأوراق المطروحة في نهر دجلة غير متعلقة بالمسائل العلمية.

نِلْتَ ولم أنل

قال شقيق البلخي: كنت أحضر مع أبي يوسف القاضي مجلس أبي حنيفة، وبعد الفراغ من التحصيل افترقت عن أبي يوسف مدة ليست بالقصيرة، ولما قدمت بغداد رأيت أبا يوسف جالساً في مجلس الفتوى والقضاء، والناس مجتمعون حوله، فلما أبصرني عرفني، وقال لي: أيها الشيخ! ما الذي حملك على تغيير زيك؟ (حيث كنت لابساً السواد).

فقلت له: ما كنت تتوقع من طلب العلم قد نلته يعني الرياسة والمال والجاه ـ ومقصودي من طلب العلم ـ يعني المعرفة ـ لم أنله، فلبست السواد، وإذا أردت أن تعرف الرجل فانظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما يكون قلبه أوثق، فلما سمع أبو يوسف هذا الكلام بكى بكاءً شديداً.