الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

حروب الرسول (ص) ـ القسم الثاني

بحران

وخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في جمادى الأولى من نفس السنة، إلى (بحران) وهي قرية من نواحي (الربذة) مع ثلاثمائة من أصحابه، وذلك أنّ جمعاً من (بني سليم) تجمعوا هناك يريدون الكيد، فلما وصل إليهم الرسول، تفرقوا، فلم تقع حرب، ورجع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة.

أحد

وخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، في منتصف شوال، من نفس السنة، إلى (أحد) وهو جبل، يقرب من المدينة، مقدار فرسخ، وكان السبب أن الكفار، جمعوا عدتهم، للانتقام من المسلمين، الذين غلبوهم، في (بدر) فاكتملت عدتهم (خمسة آلاف) وكان عدد المسلمين (ستمائة).. وكان لواء الرسول بيد (مصعب)، وجعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف جيشه خمسين رجلاً برئاسة (عبد الله) لئلا يباغتهم العدو من خلفهم، وأمر هؤلاء أن لا يتحركوا من مواضعهم، سواء غلب المسلمون، أم غُلِبوا.

ثم خطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة، وأجاز المسلمين بالقتال.. فاندفع الطرفان يقاتلون، بأقوى ما يقدرون عليه، أما المسلمون فيطلبون نصرة الإسلام، وتقدم الدين، ونشر العدل، وأما الكفار فيطلبون الثأر لقتلاهم في (بدر) ويريدون الانتقام من الدين ورسوله، ووراؤهم نساؤهم تشجعهم وتحثهم على الصمود والاستبسال وكانت (هند) زوجة (أبي سفيان) قد وعدت عبده (وحشياً) إن قتل الرسول، أو علياً، أو حمزة، أن تعتقه.

لكن (الوحشي) لم يجرأ على الإقدام على قتل الرسول والأمير، فعمد إلى حراب، فصوبه إليه فأصاب بطن حمزة، وخرج من ظهره، فاستشهد عليه السلام، وسماه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (سيد الشهداء).

وعلى الرغم من الخسارة الفادحة التي لحقت بالمسلمين من قتل حمزة، فإن قواتهم بقيت مسيطرة على الموقف تماماً.. وأخذ الإمام أمير المؤمنين (ع) يكثر القتلى في حملة لواء المشركين، فقد كان لواؤهم بيد (بني عبد الدار) فقتل الإمام (ع) منهم الحامل الأول ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، ثم السادس، ثم السابع، ثم الثامن، ثم التاسع، ثم حمله عبد لهم، فصرعه الإمام عاشر عشرة.. وكانوا جميعاً من الشجعان الذين لا نظير لهم.

وينسب إلى الإمام أنه أنشد، بعد ما لاقى (سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام):

(أفاطم، هـاك السـيف غيــر ذميم          فلســت بــرعــديد، ولا بــمليم)

(أميطــي دمـــاء القـــوم عنه فإنه          سقى آل عبد الدار سقي حميم)

سيطر المسلمون على الحرب في (أحد) أول الأمر حتى تصدعت صفوف المشركين، فزحف المسلمون عليهم، فانهزموا أمامهم كأنهم جراد منتشر، حتى أحاط المسلمون بنساء المشركين، ووقع صنمهم الذي حملوه على جمل للتبرّك به.. ولما طاردهم المسلمون، رجعوا يجمعون الغنيمة.. وخالف أصحاب (عبد الله): الذين جعلهم النبي في الجبل، وقال بعضهم لبعض: (لِمَ تقيمون ها هنا، وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء اخوانكم ينتهبون العسكر؟) ولم يفدهم تذكير (عبد الله) بوصية الرسول التي أوصاهم، بعدم التخلي عن مراكزهم سواء غَلَب المسلمون أم غُلِبوا.. فتوجهوا إلا قليل منهم إلى المسلمين ليشتركوا معهم في النهب بالغنيمة.

خالد بن الوليد مع المشركين:

وهنا.. انتهز (خالد بن الوليد) فرصة ترك هؤلاء مراكزهم في الجبل، فهجم على مواضع الرماة، فكشفهم لقلتهم.. ثم انتصر (خالد) وجيشه، على المسلمين من خلفهم، ونادى بقريش أن يرجعوا، فالتحمت عساكر الكفار من جميع الجوانب، فطوقوا المسلمين، وأحاطوا بهم من كل جانب، وكانت مباغتة بالنسبة إلى المسلمين، وهم مشتغلون بجمع الغنيمة، غير متهيئين للقتال... 

انهزام المسلمين وثبات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

انهزم المسلمون ولم يبق منهم إلا أمير المؤمنين عليه السلام وبعض آخر، وأحاط الكفار بالرسول، من كل جانب، يعزمون قتله، وكلما تشدّ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتيبة، قال: يا علي اكشفها، فينقض فيهم علي (ع) فيحصدها بسيفه، ولم يزل الإمام يحارب، حتى أصابه تسعون جراحة في رأسه ووجهه، وصدره وبطنه، ورجليه ويديه، وانكسر سيف الإمام فطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيفاً فنزل عليه (ذو الفقار)، ونادى مناد من السماء ـ وهو جبرئيل ـ (لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار).

ونادى مناد من المشركين: قتل محمد، فارتد بعض الأصحاب، وجعل بعض الأصحاب يحاربون، قائلين إنه لو مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنهم يحاربون لله الذي لم يمت. وشجوا وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكسروا بعض أسنانه، وقتل صاحب لواء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (مصعب) بعد أن قطعت يداه، وكان عدد القتلى من المسلمين سبعين شخصاً لكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ موقفاً حازماً، وتمكن أخيراً من جمع المسلمين حوله، وهزيمة المشركين، وبهذا انتهت المعركة.

كان النصر الأخير في (أحد) للمسلمين، لكن بعد أن صرع منهم سبعون، وجرح النبي والوصي جراحات بالغة، وقتل (حمزة): عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (سيد الشهداء)..

هند آكلة الأكباد:

ولعبت (هند) أم (معاوية) في هذه الحرب دوراً مخزياً، فقد كانت تهلهل وتضرب الدفوف ـ ابتداء الحرب ـ تشجيعاً للكفار.. وكانت قد هيأت (الميل والمكحلة) فإذا رأت فرار أحد الكفار، دفعتها إليه قائلة: إنما أنت امرأة فاكتحل بها، تقصد بذلك ردّه إلى القتال، وحرضت (الوحشي) على قتل (حمزة) ولما قتل، وأخبرت بذلك، جاءت، حتى وقفت عليه وقطعت (أنفه) و(أصابعه) وشقت بطنه، وأخذت كبده، فوضعتها في فيها ولاكتها، لكنها تحجرت في فيها، فلم تتمكن من ازدرادها، ومن هناك عرفت بـ(آكلة الأكباد).. وصنعت بعد الحرب، من هذه الأشلاء المقطعة (قلادة) تقلدت بها، وكانت تفتخر على نساء (مكة)...

أبو سفيان:

كما أن (أبا سفيان) زوجها، لعب دوراً مخزياً، في هذه الحرب، ومن أعماله اللاإنسانية، ما حكاه (حليس) سيد الأحباش، قال: مررت بأبي سفيان، وهو على جثة (حمزة) يضرب بزج رمحه في شدق (حمزة) ويقول: ذق، يا عاق.. فقلت متعجباً من فعله البشع بالجثة: هذا يزعم أنه سيد قريش، يصنع بابن عمه ما ترون؟ فخجل (أبو سفيان) وترجى مني كتمان الأمر، وقال: إنه (زلة) فاكتمها عني.

وبعد ما وضعت الحرب أوزارها، أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين، بحفر القبور للقتلى، وصلى عليهم، وأمر بأن يزملوا في ثيابهم ودمائهم، ثم دفنهم كل اثنين في قبر، وكل ثلاث في قبر، وهكذا.. وخصص (حمزة) من بينهم، بأن كبّر على جنازته سبعين تكبيرة.

وقد كان وقع هذه الحرب أليماً على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، كما أن استشهاد حمزة، كان خسارة فادحة إذ كان ثالث المتحمسين للإسلام ـ بعد الرسول وعلي عليهما الصلاة والسلام ـ وزلزلت هذه الوقعة مكانة المسلمين السامية في نفوس أهل مكة واليهود والقبائل، بعد أن اكتسبوا هيبة لا تجارى، بعد وقعة بدر.

غزوة حمراء الأسد

لما رجع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة (أحد) أوحى الله تعالى إليه: أن اخرج في وقتك هذا بطلب قريش، ولا يخرج معك من أصحابك إلا من كانت به جراحة.. فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصحابه في غد يوم (أحد) يريد (قريش).

وإنما جاء الوحي بهذا الخروج، ليخفف عن وقع الهزيمة في (أحد) ويرد إلى المسلمين معنوياتهم التي فقدوها، وليعيد إلى المسلمين سلطانهم في النفوس، وتدخل الرهبة في روع الكفار واليهود وسائر المناوئين.

فخرج المسلمون، وكان من شدة جراح بعضهم أن لم يتمكن من السير المستمر، فكان يحمله بعض المسلمين فينة، ويمشي فينة، حتى وصلوا إلى (الروحاء) على ثمانية أميال من المدينة.

لكن (قريشاً) لما علمت بخروج المسلمين، فرّت إذ رهبت جانب هذه الحركة الجريئة التي كانت لها دلالتها الرفيعة.

فإن (أبا سفيان) لما سمع بخروج المسلمين لقتال (قريش) خاف أن يكون الرسول جاء من المدينة بقوات جديدة، فكان يترصد الأخبار، ليطلع على الحال، وقد وقع في قلبه هول عظيم، من هذه الحركة إذ هزيمة المسلمين في أحد، كانت مكيدة، لا انهزاماً حقيقياً، فمن الجدير أن يخشى من المسلمين، وقد ساعدت الأقدار، هذا المعنى:

فقد مر بأبي سفيان (معن) وكان قد مر قبل ذلك بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، فسأله أبو سفيان عن المسلمين وكان (معن) لا يزال مشركاً، مما يسبب الوثوق بكلامه.

فأجاب (معن): (إن محمداً قد خرج في أصحابه يطلبكم، في جمع لم أرَ مثله قط، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه، وكلهم أشد ما يكون عليكم حنقاً ومنكم للثأر طلباً).

وهنا أسقط في يد (أبي سفيان) ورأى لزاماً عليه أن ينهزم، لئلا يصطدم بالجيش الإسلامي حتى تنكسر قريش، بما لا تقوم لهم قائمة من بعد، ففروا.. ولما وصل النبي وعلم بفرار القوم، بقى في (الروحاء) أياماً ثم رجع إلى المدينة، وبهذه الحركة استرد المسلمون، شيئاً كبيراً من سمعتهم التي كانوا قد فقدوها يوم (أحد).

بنو النضير

قتل أحد أصحاب الرسول نفرين ممن كانا في عهد الإسلام ـ وكان قتله لهما اشتباهاً ـ فأراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يستقرض ديتهما من (بني النضير) وهم يهود قريب المدينة، عددهم زهاء الألف، فأظهروا قبول إقراض الدية، وعزموا الرسول داخل الحصن، لكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أبى، واتكأ على جدار الحصن وهناك نزل عليه (جبرئيل) وأخبره بأنهم عازمون على الغدر به، وتبين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك من حركاتهم، حيث إنهم تآمروا بينهم أن يذهب أحدهم إلى سطح الجدار الذي كان الرسول متكئاً عليه، فيلقي على رأس الرسول حجر الرحى ليقضي على حياته الشريفة.

قفل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، راجعاً إلى المدينة، قبل أن يأخذ القرض، وأرسل رسولاً إلى (بني النضير) أن نقضتم ميثاقكم، وأردتم الغدر، فاخرجوا من بلادي، ولقد آجلتكم عشرة أيام.. وحينذاك لم يجدوا مناصاً عن الخروج.. إلا أن بعض المنافقين وعدهم النصر، ونهاهم عن الخروج، فلم يخرجوا، وأخبروا النبي أنهم لن يخرجوا فليفعل الرسول ما بدا له، وعزموا على المقاتلة.

فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع جمع من أصحابه، ورايته بيد الإمام أمير المؤمنين (ع)، وحصروا حصونهم، وأخذوا يحتلون بيوتهم، فكانت اليهود، تنسحب عن دار إلى دار، وكلما انسحبت فلشت البناء الذي في معرض الاحتلال، واستماتوا، فأراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قطع آمالهم عن أراضيهم، فأمر بقطع نخيلهم.

يئس اليهود عن النجدة، وأرسلوا إلى النبي رسولاً يطلبون منه أن يسمح لهم بالخروج جميعاً مع حمل جميع أموالهم فأذِِن لهم الرسول بشرط أن لا يحملوا أكثر مما تحمله إبلهم فقط.. لكنهم لم يقبلوا، وبقوا مستميتين ولما ضيق عليهم الحصار، قبلوا شرط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن الرسول جزاهم عن عنادهم، فلم يسمح لهم بحمل شيء من أموالهم، وإنما أذن لهم بالخروج بدون حمل أثقالهم.

فقبلوا الشرط، وخرجوا وحدهم، وخلفوا أموالهم كلها للإسلام، فقسم (صلى الله عليه وآله وسلم) الأموال بين المهاجرين الأولين وأعطى منها لنفرين من الأنصار.

وبجلاء بني النضير، استراح المسلمون من عدو لدود لهم، كان يكيد لاجتثاث الإسلام من جذوره. 

ذات الرقاع

اجتمع (بنو ثعلبة) و (بنو محارب) و (بنو غطفان) في نجد، للهجوم على المدينة، وعلم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك.. فخرج في (أربعمائة) أو (سبعمائة) من أصحابه، حتى نزل (نخلا) وهي قريبة من (ذات الرقاع) وهي منزل تجرة كانت العرب تعبدها.

ومع أن الأعراب الذين تجمعوا لغزو المدينة، كانوا كثيرين، إلا أنهم لما عرفوا بمباغتة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أسقط في أيديهم، وأخذهم الرعب، فتفرقوا منهزمين قبل اللقاء، وتركوا نساءهم، وثقلهم، وحين وصل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يجد إلا النساء والمتاع، فجعلها فيئاً للمسلمين، وعاد إلى المدينة.

صمود المسلمين:

وقد كان المسلمون في طريق عودتهم إلى المدينة حذرين، خوفاً من قيام المشركين بهجوم مقابل عليهم فتناوبوا الحراسة ليلاً، وفي ذات ليلة قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من يحرسنا الليلة؟ فانتدب عمار بن ياسر وعباد بن بشير للحراسة.. فجاء أحد المشركين، ممن أسرت امرأته لإنقاذها، وكان الرجلان تناوبا الحراسة، فنام عمار وقام عباد يصلي، ويقرأ سورة (الكهف) بعد الحمد.

رأى المشرك (عباد) فعلم أنه دبيئة القوم، فرماه بسهم، فأصابه، لكنه لم يقطع صلاته، ورماه بسهم ثاني، وبسهم ثالث، حتى خاف (عباد) من الهلاك، فأتم صلاته وأيقظ عمار. فلما رأى المشرك إياهما، علم أنه لا يتمكن من مقابلتهما، ففر هارباً.. ولما رأى (عمار) ما بـ (عباد) من الجراح، قال: ألا أيقظتني أول ما رماك؟ قال (عباد): كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع علي الرمي أعلمتك، وأيم الله لو لا خوف أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها.

بدر الصغرى

قال (أبو سفيان) يوم (أحد) (يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل) لذا أمر الرسول أصحابه بالخروج إلى (بدر) فخرج هو (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم ينتظر وعد (أبي سفيان) وخرج (أبو سفيان) من (مكة) مع ألفي فارس، ووصلوا إلى (ظهران) لكنهم لما علموا بخروج الرسول، خافوا وهلعوا، ولم يجرأوا على الإقدام فرجعوا إلى (مكة) وبقى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في (بدر) ثمانية أيام ينتظرهم. حتى علم برجوعهم إلى (مكة) فآب (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة.

دومة الجندل

البدو التي كانت تقطن منطقة (دومة الجندل) أخذت في الاعتداء على الناس والقوافل بالسلب والنهب كما احتمل هجومها على المدينة.. لذاك عزم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على المسير إليهم، فخرج في ألف من أصحابه، وهي تبعد عن (دمشق) خمس ليال، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يسير ليلاً ويكمن نهاراً، حتى وصلوا إليها، لكن الأخبار قد سبقتهم إلى (البدو) ففروا عن وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يظفر بهم المسلمون فرجعوا إلى (المدينة) بعد أن زرعوا في نفوس تلك المنطقة، رهبة للمسلمين، وخاف أهل (الدومة) من القيام، مرة أخرى، بالسلب والنهب لسائر القوافل.

بنو المصطلق

فحشدت جموع (بني المصطلق) تحت قيادة (حارث) على ماء قرب مكة، يسمى (المريسع)، لغزو المدينة، فبلغ ذلك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج في طلبهم، مع ألف من المسلمين، فأحاطوا بهم ووقع القتال، وحيث كان الأمر مباغتة، ظفر المسلمون بهم، بعد أن قتلوا منهم عشرة، وقتل من المسلمين رجل واحد، وأخذوا الأسرى قافلين إلى (المدينة).

وقد فرح المسلمون بهذا النصر السريع، إلا أن حادثاً بدّل الفرح ألماً ومضضاً، فقد تزاحم بعض المهاجرين والأنصار، على الماء، مما سبب النزاع، فنادى الأنصاري (الخزرجي): يا معشر الأنصار؟ ونادى المهاجري: يا معشر المهاجرين؟! ووقعت فتنة استغلها (عبد الله بن أبيّ): المنافق.. وخاطب الأنصاري، قائلاً: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم ببلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، ثم أردف.. لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز الأذل (يريد إخراج الرسول والمهاجرين).

ولم علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمر، أمر بالرحيل (فوراً) لئلا يستفحل الخطب، وتقع فتنة، ووصلوا إلى المدينة بعد سير طويل حيث دام ثلاثين ساعة واستجاز (ابن عبد الله) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قتل أبيه؟ لكن الرسول لم يأذن له، قائلاً: إنا لا نقتله، بل نحسن صحبته ما بقى معنا.

وفي هذه القصة نزلت (سورة المنافقين).

واقعة الأحزاب

ويسمى (الخندق) يئس المشركون واليهود، والقبائل، من إمكان القضاء على الإسلام، بانفرادهم فتفكروا في تجميع قواهم، لضرب الإسلام فتجمعت عشرة آلاف مقاتل من (قريش) و(بني سليم) و(أسد) و(فزارة) و(أشجع) و(غطفان) عدا يهود (بني قريظة). ولما علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأمر استشار أصحابه في الأمر. فإن هذه القوة الهائلة لا يمكن الصمود أمامها، وأخيراً وبعد الاستشارة قرر الرسول عدم الخروج من المدينة، بل يحفر خندق حولها، ويجعل للخندق جهة خاصة للقتال، لئلا يحيط العسكر بالمسلمين، فيبيدوهم عن آخرهم.

وقد كان للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد بحسن الجوار مع (بني قريظة) وهم يهود قرب المدينة، لكن (الأحزاب) تمكنت من استمالة (بني قريظة) لنقض العهد، وبذلك دخل في قلوب المسلمين رعب عظيم.. وبعد أن فرغ المسلمون من حفر (الخندق) أتتهم الجيوش كالسيل، كما وصفها الله سبحانه:

(إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً)(1)

حفر الخندق:

وبعد ما تم حفر الخندق، خرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، في ثلاثة آلاف من المسلمين، يواجهون الأحزاب وبينهما الخندق وطال الأمر بين الطرفين بضعاً وعشرين ليلة، لم يكن بينهما إلا الرمي، فإن الأحزاب لم يقدروا على العبور، والمسلمون لم يشاءوا ذلك، وبعد ذلك جاء (عمرو بن عبد ود) و(عكرمة بن أبي جهل) وجماعة آخرون من أقوى شجعان الأحزاب، فعبروا الخندق عن مضيق كان فيه، ثم أخذوا يجولون ويصولون، يطلبون المبارزة من المسلمين، لكن المسلمين قد أخذتهم الرهبة فلم يجرأ أحد منهم على الإقدام.. فأنشأ (عمرو ابن عبد ود):

(ولقـد بححت من النداء          بجمعكم هل من مبارز)

إلى آخر الأبيات.. وهنا قام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، مرات يستأذن الرسول لمبارزته، لكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يأذن له، ليمتحن بعض المسلمين.. وسائر محالهم.

وقد كان قتلى المسلمين (ستة) وقتلى الكفار دون العشرة، ومرّ الأمر بسلام وزادت قوة المسلمين المعنوية إلى حد هائل. مما يئس الكفار من النيل منهم بعد ذلك.

تمارين

1 ـ تكلم عن الغزوة التي وقعت بين الرسول والمشركين عند أحد.

2 ـ من هو أهم شخصية قتل في حرب أحد؟ وكيف كان مقتله؟

3 ـ ماذا كانت آثار غزوة أحد في نفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

4 ـ لماذا أوحى إلى الرسول ليخرج إلى حرب قريش بعد حرب أحد؟ وما هو اسم هذه الغزوة؟ اذكر ما حدث بينه وبين قريش.

5 ـ من هم بنو النضير؟؟ تكلم عن كيدهم بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

6 ـ ماذا اتخذ الرسول تجاه بني النضير لغدرهم وكيدهم؟

7 ـ تكلم عن غزوة ذات الرقاع مفصلاً؟

8 ـ اذكر مثالاً واحداً لصمود المسلمين في ساحة الجهاد والدفاع عن الإسلام وخصوصاً في غزوة ذات الرقاع...

9 ـ ماذا حدث في دومة الجندل؟

10 ـ من هو عبد الله بن أبي وماذا فعل؟ ولماذا نزلت سورة المنافقين؟

11 ـ تكلم عن حرب الأحزاب... واذكر لمن كان الانتصار؟

 

1 ـ سورة الأحزاب، آية: 10 و11.