الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

الإمام الحسين (عليه السلام) يهتف بالقرآن

لقد قرأ رأس الإمام الحسين (عليه السلام) القرآن الكريم على الرمح، وفي مجلس عبيد الله بن زياد، وفي مجلس يزيد بن معاوية شارب الخمر، ولاعب القمار والشطرنج، كما قرأ أبوه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام ولادته الأولى، القرآن الحكيم وهو ابن ثلاثة أيام أي: عندما خرجت به أمه فاطمة بنت اسد من الكعبة بعد أن ولدته فيها، وكما قرأ عيسى بن مريم من قبله في المهد صبياً قوله تعالى ((آتانِيَ الْكِتابَ))(1)، وذلك ليذكّر الناس كل الناس وإلى يوم القيامة، بأهمية الكتاب العزيز، الذي إذا عمل به الناس سعدوا في الدنيا، وليس العمل بآية الصلاة والصوم فقط، بل بكل الآيات الكريمة، بآية الشورى حيث يقول سبحانه: ((وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ))(2) فإنه يصونهم عن الوقوع في الدكتاتورية وتسلّط الدكتاتوريين.
وبآية الحرية حيث يقول سبحانه: ((يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ))(3) فإنه يحفظهم من الكبت والاختناق، ومن الاستغلال والعبودية، ومن التأخر والتقهقر.
وبآية الأخوة حيث يقول سبحانه: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(4) فإنه يمنعهم من الاختلاف والتفرقة، ومن التنازع والمشاجرة.
وبآية الأمة الواحدة، ذات البلد الواحد، والتاريخ الواحد، والعملة الواحدة، بلا حدود جغرافية، ولا حواجز نفسية، وذلك حيث يقول سبحانه: ((وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))(5) فيقوى امرهم، ويعظم خطرهم، ويهابهم أعداءهم، ولا يكونون لقمة سائغة تتلاقفها الأقوياء، ويزدردها من مناوئيهم أخبثهم وارجسهم.
وبآية اتّباع الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث يقول سبحانه: ((لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))(6) فيتقدموا يسعدوا في الدنيا والآخرة، إذ في اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله) سواء اتباعه في سيرته وأخلاقه الكريمة، أم في أفعاله وأقواله الحكيمة، خير الدنيا والآخرة، ومما قاله (صلى الله عليه وآله): (الأرض لله ولمن عمرها)(7) فإن اتباع قوله (صلى الله عليه وآله) هذا، يحلّ مشكلة الأرض، ويفسح عن أزمة السكن، ويفرج عن الناس ـ وخاصة الشباب منهم ـ ضيق المعاش، وعسر الزواج، وصعوبة المسكن.
ويمنع من أن تكون الأرض متجراً للرؤساء والحكومات، ومغنماً في أيديها تبيعها امتاراً في قبال المال وحسبما تهوى، وبذلك تقف إمام سكنى الناس، وأمام حركة اقتصادهم، وأمام زواج عزابهم، فتتأزم المساكن، وتتوقف الحركة الاقتصادية، ويكثر العزّاب ـ وهو فساد كبير في الأرض ـ وقد ذكرت بعض الاذاعات إحصاءات رسمية عن العزوبة في بعض الدول الإسلامية وقالت: إن الدولة الفلانية فيها خمسة عشر مليوناً من العزّاب، شباباً وشابات، وكلهم في سن الزواج، أليس هذا بلاءً كبيراً وفساداً عظيماً، حلّ بالمسلمين نتيجة اتخاذهم الإسلام مهجوراً، والقرآن ظهرياً؟
إلى غير ذلك من أحكام الكتاب الحكيم، ومن سنة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ومن سيرة أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) المنسية عند المسلمين، والمتروكة في أوساطهم، وقد بحثناها باسهاب، وذكرناها في كتبنا مفصّلاً.
ولا بأس أن نشير إليها هنا على نحو الاختصار، وبقدر ما يسعه هذا الكرّاس، فنقول ما يلي:

الحريات الأساسية في الإسلام

إن المسلمين اليوم، نسوا الحريات الأساسية التي أمر بها الإسلام العظيم، وسنّها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، وسار عليها الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، ولذلك تأخروا تأخراً فاحشاً، بينما أخذ غير المسلمين بها، فتقدّموا تقدماً باهراً وإن لم يأخذوا بالعقائد الصحيحة.
مثلاً: جاء في التاريخ بان في زمان الإمام السجاد زين العابدين (عليه السلام) وقف من المسلمين بعرفات أربعة ملايين ونصف مليون حاج، وذلك رغم بدائية وسائل النقل في ذلك الزمان وصعوبة التنقلات، حيث انه لم يكن لهم أي شيء من الوسائل الحديثة، ولكن كان لهم ما أمر به الإسلام من التعاون والتعاطف، والتعارف والتكاتف، وما يسمّى بالأخلاق الاجتماعية، فتقدموا مع انه لم يكن يمر من عمر الإسلام حتى حدود قرن واحد من الزمان، بينما اليوم وبعد مرور أربعة عشر قرناً على الإسلام، ومع كثرة المسلمين، وتوفّر وسائل النقل الحديثة، نرى أنّه لا يحج من المسلمين حتى مليونين، فهذا التقهقر الكبير هنا لماذا؟
هذا مع أن الإسلام يصر على الحج، ويذكّر الناس به باستمرار، وذلك حتى في دعاء كل يوم من أيام الصيام الذي يقرؤه كل المسلمين فإنه يقول: (وارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام).
والجواب: هو أن حكام المسلمين ـ وعلى خلاف الإسلام ـ حرموا شعوبهم عن الحريات الأساسية التي أمر بها الإسلام، وصرّح بها القرآن، فقد جعلوا للحج مشاكل وشروطاً يعجز الكثير من المسلمين على أثرها من السفر إلى الحج، وذلك رغم أن كل حكومة من حكوماتهم تدّعي الإسلامية بادعاءات عريضة وبألسنة طويلة، كما قال الشاعر:
وكل يدّعى وصلاً بليلى***وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
فإذا كان هذا هو حال المسلمين مع حكّامهم بالنسبة إلى الحج، الذي هو أمر عبادي وهو مصرّح به في الكتاب والسنة، ومستمر من زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذا اليوم، فكيف يكون حال غير الحج من الأمور السياسية وغيرها؟ وعلاج هذا الواقع السيّئ وارجاع الحريات الأساسية إلى المسلمين يتطلّب قبل كل شيء الوعي الجماهيري العام للحريّات الأساسية في الإسلام، كما يتطلّب وعي ثقافة التعددية الحزبية، فإن أول شيء يحتاجه المسلمون اليوم هو: ثقافة الأحزاب الحرة، والصحافة الحرة، والمؤسسات الدستورية، التي تحاسب النظام الحاكم، والهيئة الحاكمة على كل صغيرة وكبيرة، وتسدّ عليهم طريق الاستبداد في الرأي، والدكتاتورية في الحكم، وتظهر الصدق من الكذب، والواقع من غير الواقع، وإلا فالمشركون أيضاً يدّعون الصدق ويحلفون بالله في يوم القيامة قائلين: ((وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ))(8) فاللسان يقول أي شيء شاء، لكن الواقع هو الذي يصدّق أو يكذّب ما يقوله اللسان، إن الحكومات الإسلامية تدّعي أموراً فارغة تبريراً لتأخر الشعوب الإسلامية، لكن المشكلة كامنة في أمرين:
الأول: مشكلة الحكومات بنفسها.
الثاني: مشكلة الشعوب بأنفهسم.

مشكلة الشعوب والحكومات

أما مشكلة الشعوب: فهي كما سبق عدم الوعي للحريات الأساسية في الإسلام، وعدم وعي ثقافة التعددية والاستشارية ونظام شورى المرجعية، وما دام الأمر باق على هذه الحالة تبقى بالنتجية المشكلات قائمة، والويلات مستمرة، بل تزداد وتتضاعف يوماً بعد يوم، فغد الشعوب الإسلامية شرّ من أمسها، كما هو واقعهم الملموس في هذا الزمان، لو لم يتداركوا ما فاتهم بنشر الوعي والثقافة، والمطالبة السلمية بحرياتهم الأساسية.
وأما مشكلة الحكومات، فهي ابتعادها عن الإسلام، وعن أحكام القرآن، وركونها إلى الذين ظلموا من قبيل أصحاب القوى الكبرى، وحكام الشرق والغرب، مع أن الله تعالى يقول: ((وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ))(9) وانفصالها عن شعوبهم، وعن التفكير في مصالحهم، بل والتفكير في فرض السيطرة عليهم، والتخطيط من اجل تحميقهم وتجهيلهم، وسلب خيراتهم ونهب ثرواتهم.
هذه عادة أغلب الحكومات التي تحكم بلاد المسلمين، والطابع العام لنظام حكمهم، من يوم تبدّدت الامبراطورية العثمانية حتى هذا اليوم، ولكن حيث إن الظروف تبدّلت، والزمان قد تغيّر، واصبح الناس في عصر الفضائيات والانترنيت، فعلى الحكومات أن ترجع إلى الإسلام، وإلى أحكام القرآن، وإلى التعددية والاستشارية، وإلى نظام شورى المراجع، حتى تستطيع البقاء، وتحرز لنفسها احترام الشعوب، والنصر الإلهي الموعود، لها ولشعوبها، فقد قال الله سبحانه: ((وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))(10) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(11)، أما والحال هذه، فالفناء والدمار مصير الحكومات الظالمة، على أيدي شعوبها الناقمة، والله تعالى للظالمين بالمرصاد.

الإسلام ونظام الشورى

نقل لي أحد الأصدقاء وهو من خطباء المنبر الحسيني، وكان قد ذهب إلى ألمانيا للمنبر قائلاً: بعد انتهاء المنبر في نهاية شهر رمضان، سافرت من المانيا إلى بقية البلاد الأوروبية حتى انتهى بي المطاف إلى بلدة روما، حيث كان البابا يلقي فيها كلمة بمناسبة عيد ميلاد المسيح (عليه السلام) وقد حف به من القساوسة والرهبان جمع غفير، كما وقد احتشد بالعيد، واستماع خطاب البابا، من الشبان الذين قدموا إلى روما من كل أوربا، جمع كبير جداً، يبلغون الملايين وذلك بحسب الاحصائيات المنتشرة وكان أهم العوامل لهذا التجمع الكبير هو: الاستماع إلى الأب الروحي حسب تعبيرهم، كما كان أهم العوامل الذي مكنهم من هذا الاجتماع العظيم، وبهذا القدر الضخم، هو: عدم احتياجهم إلى تأشيرات دخول وخروج، وعدم دفع رسوم وضرائب للسفر، وذلك لعدم وجود حدود جغرافية بين بلادهم، ولا حواجز نفسية في صدورهم.
إنهم قد أخذوا ذلك من الإسلام مع اختلافهم في اللغة، وفي الاقتصاد، وفي الشؤون الاجتماعية وغير ذلك.
كما أن التجمع البابوي الذي استطاع أن يستقطب قلوب الملايين من الشباب والشابات ويجمعهم حوله هو أيضاً مقتبس من الشورى في الإسلام، وعلى الخصوص من شورى الفقهاء المراجع الذي قرّره التوقيع الشريف: (فإنم حجّتي عليكم)(12) حيث لم يقل (عليه السلام): فأحدهم حجّتي عليكم، بل قال: (إنهم) ففي كلمة الجمع: (فإنهم) عناية خاصة أراد بها (عليه السلام) اجتماع الفقهاء المراجع في زمان الغيبة، لتقوى شوكتهم، ويعلو أمرهم، ولا ينفردوا فيفشلوا وتذهب ريحهم، كما هم اليوم عليه، حيث لا يقيم أحد للمسلمين ولا لمراجعهم قيمة ولا ثمناً.
فأين المسلمون من شورى الفقهاء المراجع؟ وأين هم من إلغاء الحدود الجغرافية المصطنعة بين بلادهم، والتي أحدثها الغرب بينهم، ليستطيع سلبهم ونهبهم؟ وأين هم من الأخوّة الإسلامية التي أكد عليها الإسلام، وفرضها عليهم القرآن؟ وأين هم من الأمة الواحدة التي أمر بها ربهم، وحرّض عليها رسولهم؟
لقد وعى الغرب هذه الأمور التقدّمية فعمل بها وطبقها في أوساطه، فألغى الحدود الجغرافية، وتمسك بالأمة الواحدة، والعملة الواحدة، والتاريخ الواحد، وغير ذلك مما أمر به الإسلام، بينما نحن المسلمين أخذنا سيئات الغرب، وتمسكنا بها بقوة، ناسين ما حذرنا منه أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول في وصيته: (الله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم)(13).

من تبعات ترك الإسلام

نعم، إنهم أخذوا من الإسلام ما أعزّوا به انفسهم، وصاروا سادة الدنيا، ونحن تركنا من الإسلام ما سبب تأخرنا وذلّنا وصرنا ألعوبة بيد الشرق والغرب، وتحقّق فينا ما قالته فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها المعروفة عند مطالبتها بفدك: (مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقاتون القدّ والورق، اذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم)(14) وذلك جزاءً لإعراضنا عن الإسلام، وعن أحكام القرآن، وقد قال الله تعالى: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً))(15) وقد أصبحت اليوم معيشتنا ضنكا، ونعوذ بالله من انطباق تتمة الآية علينا حيث يقول سبحانه: ((وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى))(16) يوم القيامة الذي يكون مقداره كما في القرآن الكريم: ((يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))(17). وإحياء عاشوراء إنما هو لإحياء الإسلام واحكام القرآن، وقد قال الشاعر عن لسان الإمام الحسين (عليه السلام):
إن كان دين محمد لم يستقم***إلا بقتلي يا سيوف خذيني
فعاشوراء أفضل مناسبة لنا لتعهّد واقعنا وواجبنا، والعودة والرجوع إلى ما تركناه من أسباب عزنا وسؤددنا، وهو العمل بآيات الكتاب الحكيم والسنّة الشريفة المطهرة؟ وذلك لعل الله يشملنا بلطفه، ويعمنا بكرمه، وقد قال سبحانه في عكسه: ((وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا))(18) وهو المستعان.

الإسلام دين العلم والعمل

إن هجر المسلمين الإسلام ـ الذي قتل الإمام الحسين (عليه السلام) من اجل إحياءه ـ هو سبب تأخر المسلمين بهذا الشكل الغريب، فلقد عاد الإسلام مهجوراً حتّى عند الحكومات التي تدّعي الإسلام لفظاً وتتركه عملاً، إذ الواقع هو العمل بأحكام الإسلام وقوانينه، لا ادعاء لفظ الإسلام والتشدّق به فقط، وإلا فيزيد بن معاوية هو أيضاً كان يدّعي الإسلام ويسمّي نفسه خليفة المسلمين.
وإن من أبرز مظاهر تأخر المسلمين اليوم، رغم كثرة نفوسهم البالغ ملياري نسمة هو: إن الكثير منهم ـ كما ذكروا ـ أمّيّون لا يعرفون القراءة والكتابة، وليس ذلك أمراً طبيعياً بل يتعمّده كثير من الحكام، وقد رأيت أنا في العراق نماذج حية على ذلك.
ومن تلك النماذج إنا كنّا نريد فتح مدرسة إلهية باسم مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) لتقوم بتثقيف ما يمكنها من الناشئة، فحالت الحكومة العراقية ـ وكانت آنذاك حومة ملكية وكان فيها شيء من الحرية ـ من فتحها واشتغالها بالتثقيف، وقالت: بأنه لابد من اجازة رسمية لذلك، فلما قدّمنا طلب إجازة، كانت الحكومة تماطلنا في منح الاجازة، ولم توافق على صدورها إلا بعد مدة طويلة.
ثم انه لما تبدّلت الحكومة العراقية من ملكية إلى جمهورية، وذلك بواسطة انقلاب عسكري مخطّط ومدبّر من الغرب والشرق، ونزى عملاؤهم على الحكم في العراق، امروا بإغلاق مدارس حفّاظ القرآن الحكيم، ومدارس حافظات القرآن الحكيم، وكانت تحتوي على ستة مدارس، وتستوعب ما يقرب من ثلاثة آلاف طالب وطالبة، وأغلقوا سبعين مكتبة للنشر وبيع الكتب، وثمانين مكتبة عامة للمطالعة واستعارة الكتب، وخمس عشرة مجلة علمية وثقافية، ودينية واجتماعية، وقد جاء تفاصيلها في بعض الكتب المطبوعة في هذا المجال، وأخيراً أغلقوا ثلاثين مدرسة لطلاب العلوم الدينية، تابعة للحوزة العلمية في كربلاء المقدسة والنجف الاشرف.
نعم إنّ أغلب حكّام بلاد الإسلام نراهم قد فرضوا على أنفسهم أن يحولوا بين شعوبهم وبين أيّ تقدم في أيّ مجال من مجالات الحياة، والتي أولها العلم، مع أنه ورد في الحديث الشريف: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)(19) وقال الفقهاء: (الصناعات واجب على الناس تعلّمها كفاية).
ونرى في الهند أيام كانت ترزح تحت سلطة المستعمرين البريطانيين أن تعليم القرآن الحكيم كان ممنوعاً قانوناً، بينما نرى في اليابان ولمدّة لا تتجاوز النصف قرن فقط، كيف تقفز من دولة في غاية التأخر، إلى دولة في منتهى التقدم من حيث العلم والصناعة مما هو معروف، وإلى غير ذلك مما ليس هذا الكتاب مجال ذكره.
إذن، فاللازم علنيا أن نجعل من عاشوراء منبراً لإحياء موازين الإسلام في العلم والعمل، إذ في الحديث الشريف: (إن ولي محمدٍ من أطاع الله و إن بعدت لحمته و إن عدو محمدٍ من عصى الله و إن قربت قرابته)(20).

الإسلام يقارع الاستعباد

لقد استعبد بنو أمية الناس، وعاملوهم معاملة الأسياد عبيدهم، وحرموهم حقوقهم الإنسانية، وسلبوهم حرياتهم الفردية والاجتماعية، وصاروا يأخذون البعية من الناس على أنهم رقيق لهم، وأن أموالهم وأنفسهم، ودينهم وأعراضهم، كلها بذلة لهم وعرضة لتصرفاتهم العشوائية، لقد عمل بنو أمية كلّ ذلك باسم الإسلام، وباسم أنهم خلفاء الرسول الشرعيون، ولم يجرأ أحد على أن ينكر عليهم منكرهم هذا، ولا أن يأمرهم بالمعروف الذي أمر الله به، لأنه كان يعلم بأن في ذلك حتفه، غير الإمام الحسين (عليه السلام) فإنه وطّن نفسه على الشهادة، ونهض يأمر بني أمية بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فلم يتحمّلوه، لأنهم رأوا مصالحهم الشخصية في خطر، وعمدوا إلى قتله وقتل من معه من أهل بيته (عليهم السلام).
فالإمام الحسين (عليه السلام) استشهد في سبيل الله من اجل إحياء الإسلام وإحياء حرياته الفردية والاجتماعية، التي قضى عليها بنو أمية، وقد أكّد الإمام الحسين (عليه السلام) على الحرية الإسلامية، وحبّذ الشهادة من أجلها حين قال (عليه السلام): (ألا وأن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت)(21) والذلة التي يأباها الله تعالى للإنسان هي ذلة العبودية، وحقارة الرضوخ للاستعباد والاسترقاق، ومهانة الخضوع للطغاة والظالمين.
وقد علّم الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه ذلك، كما وانه (عليه السلام) خاطب به أصحابه بعد قتلهم وشهادتهم، فقد قال للحر بن يزيد الرياحي عند ما جاء (عليه السلام) إليه وأخذ رأسه في حجره وهو على أعتاب الشهادة مخاطباً إياه: (ما اخطأت امك إذ سمّتك حراً، فأنت حر في الدنيا، وسعيد في الآخرة)(22).
كما أن الحر نفسه عندما ذهب إلى الميدان لمقاتلة القوم كان يرتجز ويقول:
إني أنا الحرّ ومأوى الضيف***أضربكم ولا أرى من حيف(23)
وقد ارتجز من قبله مسلم بن عقيل عندما شدّ على أهل الكوفة وهو يقول:
أقسمت لا أقتل إلا حراً***وإن رأيت الموت شيئاً نكراً(24)

لا تنافي بين الحرية والدين

هذا ولا يتوهم أحد بأن الحرية تنافي الدين وتناقضه، بل الحرية من صميم الدين ومن واقعه، وإنما ينافي الدين ارتكاب المحرمات، وفعل المنكرات، من قبيل شرب الخمر، وتعاطى المخدرات، ولعب القمار، والاشتغال بالبغاء، وإشاعة الفحشاء، وبث الغناء، وكذلك الدكتاتورية في الحكم، واستثمار الشعوب، ونهب الخيرات، وسلب الثروات، والظلم والاستبداد، ومصادرة حقوق الناس، وكبت الحريات، وما إلى ذلك من جور وعدوان، وبغي وحرمان، وإلا فحرية التجارة والزراعة، والصناعة والعمران والصحافة والثقافة، والسفر والحضر، وألف شيء وشيء مما يرتبط بالحريات الإسلامية الفردية والاجتماعية، والتي قد أوجزنا بعضها في كتاب (الفقه الحرية) فهي من أهم ما اعتمده الإسلام في تقدمه السريع أوائل ظهوره، وكذلك من أهم عوامل توسع الإسلام ذلك التوسع الغريب وفي سنوات معدودات فقط.
أما الغرب فحيث انه لا يرى حرمة تلك المحرمات ـ كما يدل على ذلك كتاب (العهدين) ـ خلطوا الحرية بها، لا أنها من ملازمات الحرية، والذي نجده في كثير من بلاد المسلمين من إجازة حرية المحرّمات، دون الحريات المشروعة، وإباحة مثل المخامر والمقامر، والمباغي والملاهي، مما أفسد البيئة، وبث مرض (الايدز) فيما يقرب من عشر الناس أي، بين ستين مليون إنسان، فإنه ليس من الإسلام في شيء بل الإسلام منها بريء.
نعم إنهم أشاعوا حرية الفساد وارتكاب المحرمات في الشعوب بما قد تحيروا في علاجه، وكبتوا الحريات الصحيحة والمشروعة للناس بما سبب الفقر والحرمان لألف مليون إنسان ـ حسب احصاءاتهم ـ فهل هذا يتوافق مع الإسلام الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع)(25).
إذن، فاللازم أن نأخذ من عاشوراء درساً لإحياء الحريات الصحيحة والمشروعة، وإماتة المفاسد الضارة والمقيتة، وإلا فالاقتناع بمظاهر عاشوراء فقط من دون تطبيق لأهداف عاشوراء، في واقع حياتنا، لا يكون مثاله إلا مثال المريض، الذي أخذ يقرأ وصفة الطبيب من دون أن يعمل بمضمونها، فإنه لا شفاء له من المرض، فكذلك الخلاص لنا من مشاكلنا ومصائبنا، إذ في الحديث الشريف: (إن الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان)(26).

حياة الإسلام بحياة أحكامه

ثم أن معنى أن الإمام الحسين (عليه السلام) قتل من أجل إحياء الإسلام هو انه (عليه السلام) نهض لإحياء أحكام الإسلام التي هي خير للبشرية في الدنيا قبل الآخرة، موطّناً نفسه على الشهادة، لأن بني أمية كانوا يتّهمون كل من يطالبهم العمل بالإسلام، والكف عن ظلم الناس واستعبادهم، بأنه قد خرج على الإسلام، وبغى على خليفة الزمان.
وكانت هاتان التهمتان كافيتين في تكفير الذي نهض يطالبهم بالإسلام، كما أن التكفير كان خير ذريعة يتذرّع بها بنو أمية لقتل من يريدون قتله، وكذلك فعل يزيد لما نهض الإمام الحسين (عليه السلام) يطالبه بالإسلام، حيث اتهم الإمام بالخروج عن دين جدّه، وتذرّع بذلك إلى قتله، وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم بذلك، ومع علمه نهض يطالبه بالإسلام، فيكون (عليه السلام) قد وطّن نفسه على الشهادة، بمعنى انه استشهد من اجل إحياء أحكام الإسلام.
هذا ولو كان الإمام الحسين (عليه السلام) اليوم معاصراً للحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين باسم الإسلام، لنهض يطالبهم بالإسلام كما نهض يطالب يزيد وبني أمية بالإسلام.
ألم يكن يزيد يشرب الخمر، ويلعب بالشطرنج، ويخرج للصيد، ويلهو بالقرود والفهود، وكذلك حكام اليوم؟
وألم يكن يزيد يستبدّ في الحكم، ويقتل المعارضين، ويظلم الناس، ويصادر حرياتهم المشروعة، وكذلك حكام اليوم؟ بل وقد زاد حكام المسلمين اليوم على بني أمية: إنهم يتظاهرون علناً بتطبيق قوانين الشرق والغرب، وبترك أحكام الإسلام صراحة، أليس الله تعالى يقول: ((خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً))(27) وأليس الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول: (من أحيى أرضاً ميتة فهي له) ويقول: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(28)؟ بينما نرى الحكام قد أماتوا (خلق لكم) وقتلوا (من سبق).
ومن المعلوم: إنه إذا كان لا يحق لشخص أن يزرع إلا بإجازة، ولا يصيد إلا بترخيص، ولا يكتسب إلا بجواز، ولا ينتفع بشيء من المعادن المتوفرة في الأرض إلا بإعطاء ضريبة، وغير ذلك مما أباحه الله تعالى للناس، يبقى الملايين من المسلمين عاطلين عن العمل، لأنهم لا يملكون عملاً، ويبقى الملايين من الفتيات والفتيان عزّاباً، لأنهم لا يملكون دوراً يسكنونها، إذ قد صادر الحكام الأرض من الناس وصيّروها ملكاً لهم، وذلك على خلاف حكم الله ورسوله المصرّح به في الكتاب والسنّة، ومن غير فرق بين الجمهوريين منهم والملكيين، فكل منهما جاء لتحقيق أهداف مخططة ومعيّنة، وهي: حرمان الناس، وتأخر المسلمين، ومصادرة حريّاتهم الأوليّة المشروعة.
ومن الواضح، أن الشاب الأعزب إذا كان يملك الأرض لكان يعمّرها داراً لسكناه وسكنى عائلته، كما رأيت أنا ذلك في كربلاء المقدسة، حيث سمحت الحكومة العراقية آنذاك بتملّك الناس الأرض بثمن زهيد، فتوسعت كربلاء المقدسة في كل أطرافها، فشرقاً نحو مرقد العلامة ابن حمزة وإلى ما يقرب من طويريج، وغرباً نحو مرقد الشهيد الحر الرياحي، وشمالاً نحو مرقد عون المعروف، وجنوباً نحو حي الحسين (عليه السلام) المشهور، كل ذلك في مدة ثلاث سنوات فقط.
وعليه، فاللازم على المسلمين كافة، وعددهم اليوم يبلغ ملياري نسمة ـ إن أرادوا التقدم من هذا التأخر القاتل ـ أن يرجعوا إلى الإسلام وإلى تطبيق أحكامه، وان يتركوا قوانين الشرق والغرب، ويخلعوا الحكام المستبدّين، الذين كل همهم الصد عن سبيل الله، والحدّ من تقدّم المسلمين.

أول ما يجب تطبيقه من الإسلام

إن أهم ما يلزم على المسلمين في أول ما يطبقونه من أحكام الإسلام هو: حكم الأخوة الإسلامية والأمة الواحدة، وذلك بغسل الحواجز النفسية من الصدور، ورفع الحدود الجغرافية عن البلاد، فإن ذلك بالإضافة إلى انه يوجب قوتهم وشوكتهم، يوجب غنى اقتصادهم ووفرة فيئهم، لتوفّر الأيادي العاملة، واستثمار الطاقات الخاملة، وكثرة الإنتاج، وسهولة المبادلات التجارية، وإمكانية تبادل الخبرات والتقنيّات، وهذا واضح.
كما أن ذلك يوجب انتشار الثقافة بينهم، ويسبّب توسعة الاطلاعات العلمية لديهم، ويحقق تلاقح الأفكار عندهم، كما كان عليه حال المسلمين عند وحدة بلادهم، وإلفة قلوبهم، وانشراح صدورهم في صدر الإسلام.
فسيبوبه النحوي المشهور يأتي من اقصى ايران إلى العراق وينشر علمه، ويعمّم اختصاصه بين الطالبين.
ويأتي ناصر خسرو الحكيم من افغان إلى طهران وينشر حكمته، ويوصل مواعظه في الراغبين.
ويأتي علماء لبنان وفقهاء جبل عامل إلى إيران، كالمحقق الثاني، والشيخ البهائي، وينشرون العلم والثقافة الإسلامية الشيعية من هناك إلى كل العالم الإسلامي، وهكذا.
ولذا نجد أن الغرب عندما التفت إلى الأحكام الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي تزيد في شوكة الشعوب، وقوة البلاد والحكام، من الأخوة الإنسانية، والأمة الواحدة، والبلد الواحد، أسرع إلى تطبيقها، وألغى التأشيرات للدخول والخروج، وألغى الجوازات والجنسيات، ووحّد بلاده، مما سبب بالإضافة إلى قوته ارتفاع مستوى الاقتصاد، وارتقاء سطح العلم، وتقدم مسائل الطب، وذلك في مختلف ربوعه.
ثم أن وحدة بلاد الإسلام ليس أمراً جديداً، بل قد حوّل المسلمون تحت راية الإسلام كل البلاد الإسلامية إلى بلد واحد، من ليبيا إلى داغستان روسيا، وهكذا من جاكرتا إلى طنجة، فانتشر العلم والثقافة، وازدادت القوة والشوكة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (يد الله مع الجماعة)(29). وكذلك نمى الاقتصاد وازدهر، وازدهرت التجارة وتقدّمت كما قال الله سبحانه وتعالى في باب الحج وزيارة بيت الله الحرام ((لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ))(30).
نعم، كان المسلمون أمّة واحدة، يعيشون أخوة متحابين في بلد واحد، وكان الأجنبي يرهب جانبهم، ويحسدهم على وحدتهم وإخائهم، ويتمنّى تفرقتهم وعداوتهم، ويضمر فتكهم ونهشهم، ولكنه لم يتمكن من تحقيق ما يضمره ويتمنّاه في حق المسلمين، كما تمكّن من حقيقته منذ عهد قريب في مؤتمر (سايكس بيكو) إلاّ بعد أن خطّط للتفرقة، وزرع العداوة، وخلق الحواجز النفسية، والحدود الجغرافية، باسم الإنقاذ والتحرير، وتحت شعار جئناكم محررين لا فاتحين.
مثلاً: كانت سوريا الكبرى وتسمّى بلاد الشامات، تشمل فلسطين، والأردن، ولبنان، والشام، واسكندرونة، فصارت بكيد الأجنبي وتخطيطه خمس دويلات يفصل حدود بينها كاذبة منذ عام كذا، وفقدت بلاد الشامات بذلك وحدتها، حيث كانت بمجموعها وحدة واحدة، تسمى باسم (السنجق) التابعة للإمبراطورية الإسلامية التي كانت عاصمتها في تركيا، وقد سبّب تآمر تقسيمها وتمزيقها ويلات وويلات، مما يحتاج تفصيله إليّ مجلدات ومجلّدات، وما ذلك إلا لتغافل المسلمين وتجاهلهم قول الله سبحانه: ((وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً))(31) وقوله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(32).
فاللازم أن نجعل عاشوراء سبباً لنشر الوعي الإسلامي في المسلمين، حتى يسعوا سعياً حثيثً لإرجاع حكم القرآن، وسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الحياة.

هجر الإسلام خسارة كبرى

لقد خسر المسلمون عندما تركوا العمل بأحكام الإسلام كل شيء، ولم يخسروا آخرتهم فحسب، وإنّما خسروا الدنيا قبل خسارتهم الآخرة، إنهم بعد هجرهم الإسلام وتركهم العمل به لم يزيدوا شبراً واحداً من الأرض إلى أرضهم، مع العلم إنهم حين كانوا يعملون بالإسلام ويتبعون أحكامه كانوا يضيفون ـ على طول الخط ـ أراضٍ شاسعة إلى أراضيهم، حتى قال سبحانه عنهم ((وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها))(33) أي، أرض خيبر، أو فارس والروم.
كما أنهم كانوا يكثرون ـ باستمرار ـ ويلتحق أفراد إلى أفرادهم، حتى تحدّث القرآن الحكيم عن ذلك يقول: ((وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً))(34) أي، جماعات وقبائل بعد ما كان يدخل فيه واحد بعد واحد.
نعم، إنهم لمّا تركوا الإسلام لم يتوقفوا عن التقدم في الأرض والأفراد فحسب، بل اخذوا يرجعون فيهما القهقرى، أما بالنسبة إلى الأرض فقد خسروا (الأندلس) و(فلسطين) و(الهند) وقلب أعداؤهم أندلس الإسلام إلى أسبانيا المسيحية، وفلسطين المسلمة إلى إسرائيل اليهودية والصهيونيّة، وهند المسلمين إلى هند المشركين والوثنيين، فقد كان شعار الهند الإسلام والقرآن، فصار شعارها الأصنام والأوثان، كما نراه اليوم على نقودها، وغير ذلك من سائر شؤونها.
وأما بالنسبة إلى الأفراد، فقد خسروا أيضاً أفراداً كثيرين، حيث قلب الأعداء بعضهم إلى مسيحيين، أو إلى شيوعيين، أو إلى إباحيين، أو إلى غير ذلك من الأديان الباطلة، أو الأحزاب المنحرفة، وهذا بغضّ النظر عن الجماعات والزرافات من المسلمين الذين طحنهم الأعداء ولا يزالون يطحنونهم في رحى الحروب المصطنعة والمدبّرة من قبلهم، والتي يجرّبون فيها أسلحتهم المدمّرة، وصناعاتهم الحربية الغادرة، والتي يؤجّجون نارها بذرائع مختلفة، وحجج واهية، كالاختلاف على الحدود الجغرافية الكاذبة، أو النزاع على أمور وهمية وخادعة، وما أشبه ذلك.
وعليه، فكان نتيجة ترك المسلمين العمل بالإسلام هو: نقص أرضهم، وبخس أفرادهم وعددهم، وتأخر حياتهم وعيشتهم في كل الميادين العلمية والعملية، والثقافية والاقتصادية.
ولعل من أهم أسباب هذا التأخر بعد أن هجروا الإسلام والقرآن هو فرار أصحاب المهارات والخبرات، وانتقال العلم والخبرة بانتقال الأدمغة من البلاد الإسلامية إلى البلاد الغربية، فصار الغرب هو السبّاق في كل الاختراعات الجديدة، وجميع الاكتشافات الحديثة، بعد أن كان المسلمون هم السبّاقين في ذلك، حيث كانوا هم أصحاب الاختراع والابتكار، وذووا المؤهلات والكفاءات، وأهل العلم والخبرات، والفن والصناعات، بينما قد تعرّى المسلمون عن كل هذه المفاخر، وتلبّس الغرب بها جميعاً، حتى راح بعض الكتّاب المعاصرين يسمّي المسلمين: بضيوف الحضارة، وذلك لأنهم يعيشون وسط حضارة ليس شيء منها لهم، وإنّما هي نتيجة جهود غيرهم، حتى أن التاريخ المتداول بينهم صار ليس بتاريخهم، لأنهم اصبحوا يقولون: دخلنا في الألفية الثالثة، وهو تاريخ المسيحيين وليس مرتبطاً بهم.

الإسلام وعصر الانترنيت

ثم انه لا يخفى أن المسلمين بتركهم الإسلام وراء ظهورهم، والقرآن مهجوراً بينهم، لم يخسروا الدنيا والآخرة وحدهم، بل قد خسر العالم بخسارتهم، وتضرّر بضررهم، وذلك لأن في الإسلام من الأحكام ما يضمن تقدّم الإنسان في كل مجالات الحياة، ويتكفّل سعادته وسيادته، كما أن في القرآن أغنى ثقافة إنسانية، وأعظم رصيد فكري سليم، وأضخم تراث علمي متطور، وأكبر ذخيرة منطقيّة عقلية سبّاقة على كل ما يستطيعه الإنسان من التبلور والتقدم في هذا المجال، وعلى مدى العصور والأزمان.
ومن المعلوم، أن المسلمين لمّا تركوا الإسلام وهجروا القرآن خسروا كل هذه المنافع والمصالح، وخسر العالم أيضاً كل هذه المنافع والمصالح، التي كان بإمكانه أن يحظى بها، وأن ينالها ويكتسبها لنفسه ببركة تعرّفه على أحكام الإسلام، وثقافة القرآن، فإن الإنسان وخاصة إنسان عصر الانترنيت وثورة الاتصالات، يبحث عن أفضل الأنظمة، وأجمل الحلول، بغية حصوله على الكمال والسعادة، وتخلّصه من المشاكل والأزمات، وليس هناك في قاموس الكون نظام كالنظام الذي رسمه الإسلام، وبلّغ له القرآن، وبيّنه الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام) يستطيع أن يلبّي كل احتياجات الإنسان الجسمية والروحية، والفردية والاجتماعية، وذلك بأفضل وجه، وأسلم الطرق، وبدون مصاعب ومتاعب، وبلا قيود وعقبات، ولما كان هذا الإسلام مهجوراً، والقرآن متروكاً، وسنة الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) منزوية، حرم إنسان عصر الانترنيت من أن يتعرف عليها، وحرمان معرفته بها تؤدي إلى حرمانه من فوائدها الجمّة، ومن ثمارها الجنيّة والشهية.
بينما لو كان المسلمون آخذين بالإسلام، ومتمسكين بالقرآن، وعاملين بسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، ومطبقين لها تطبيقاً حرفياً، كان ذلك مطروحاً وبصورة تجريبية معاصرة على الساحة السياسية والاجتماعية، وكان بإمكان كل إنسان متطلع يبحث عن سعادته وسيادته، وعزه وكرامته، أن يتعرّف عليها، ومعرفتها تهدي إلى الأخذ بها، وتطبيقها، وتطبيقها يساوي سعادة الإنسان وكرامته.
فالمسلمون إذن ليس هم وحدهم الخاسرون بترك الإسلام وهجر القرآن، وإنما الخاسر هو كل العالم بما فيه من أحياء بشرية وغير بشرية، إذ رحمة الإسلام، وحكمة القرآن، يشملان كل الأحياء وليس الإنسان وحده، وعاشوراء أفضل فرصة، وأكبر مناسبة، وأغنى منهاج، وأجمل برنامج، لإرجاع الإسلام بأحكامه، والقرآن بتعاليمه، والسنة النبوية بحكمتها، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) بثقافتها، والتي استشهد من اجل إحيائها الإمام الحسين (عليه السلام)، إلى الحياة، وإلى العالم كله، حتى يحظى الناس جميعاً، والعالم كله، بالسعادة والهناء، والكرامة والفلاح، إنشاء الله تعالى.
نسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع، لإبلاغ رسالة عاشوراء، وإيصال أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) من إحياء الإسلام، وتطبيق القرآن، وإرساء سنة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرة أهل بيته الطاهرين في كل مجالات الحياة، والتي فيها سعادة الجميع وكرامتهم، وهو المستعان.

سورة مريم، الآية 30.
سورة الشورى، الآية 38.
سورة الأعراف، الآية 157.
سورة الحجرات، الآية 10.
سورة المؤمنون، الآية 52.
سورة الأحزاب، الآية 21.
الكافي، ج5، ص279، ح2، وسائل الشيعة، ج25، ص414، ح32245.
سورة الانعام، الآية 23.
سورة هود، الآية 113.
10ـ سورة آل عمران، الآية 139.
11ـ مستدرك الوسائل، ج17، ص142، ح20985، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص334، ح5719.
12ـ بحار الأنوار، ج2، 90.
13ـ بحار الأنوار، ج42، ص248.
14ـ العوامل، ج2، ص664.
15ـ سورة طه، الآية 124.
16ـ سورة طه، الآية 124.
17ـ سورة المعارج، الآية 4.
18ـ سورة الاسراء، الآية 8.
19ـ بحار الأنوار، ج1، ص177، ج1، ص20، ح1.
20ـ وسائل الشيعة، ج19، ص238، ب15، ح20376.
21ـ بحار الأنوار، ج45، ص83.
22ـ مقتل العوالم، ص85.
23ـ بحار الأنوار، ج45، ص14.
24ـ بحار الأنوار، ج44، ص352.
25ـ بحار الأنوار، ج77، ص193.
26ـ نهج البلاغة، الحكمة 227.
27ـ سورة البقرة، الآية 29.
28ـ مستدرك الوسائل، ج17، ص111، ح1 و4.
29ـ بحار الأنوار، ج33، ص374، ح604 وفيه (يد الله على الجماعة).
30ـ سورة الحج، الآية 28.
31ـ سورة الأنبياء، الآية 92.
32ـ سورة الحجرات، الآية 10.
33ـ سورة الأحزاب، الآية 27.
34ـ سورة النصر، الآية 2.