الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

إذا دخلت بلداً وأردت أن تعرف هل أنّ (الحريات) متوفرة فيها ؟ فليس عليك إلاّ أن تستعمل الترمومتر السياسي، وبذلك تتمكن أن تعرف في أوّل يوم: هل يمكنك البقاء في البلد أم لا ؟

ومن الترمومتر السياسي (الإعلام والآراء) فإذا رأيت الصحف تتكلّم بكل حريّة عن أيّ شأن من الشئون، وتنتقد من تشاء من الأفراد والاتجاهات، وتنصح وترشد كما تريد ..

وإذا رأيت الناس يتكلّمون علناً بما يشاؤون، فاعلم أنّ الحرية تحكم البلاد، ولا تصّدق إذا جاءك ألف إنسان وقالوا: إنه لا حريّة في هذا البلد.

وأمّا إذا رأيت الصحف لا تتكلّم إلاّ في جهة أو في جهات خاصة، ولا تنتقد إلاّ يسيراً، وفي الهوامش، والناس مكمّمون.. يتهامسون في مجالسهم الخاصّة، فاعلم أن الديكتاتورية تسود البلاد ولا تصدّق ألف إنسان وإنسان إذا جاءوك وقالوا لك: أن                لا ديكتاتورية في البلاد.

وحذار حذار أن تبقى في بلد الديكتاتوريّات، ولو كان لك ألف مبرّر ومبرّر، فإنّ الحرية تعني الحياة والنور، والديكتاتورية تعني الموت والظلام …

وإذا رأيت شخصاً يأتي بألف دليل ودليل على أن الموت خير من الحياة، فاعلم انّه لم يفهم معنى الحياة …

وإذا رأيت إنساناً في الظلام يأتي بألف دليل ودليل على أنّ الظلام خير من النور، فاعلم أنّه لم يفهم معنى النور.

ولا يغرنك في بلد الديكتاتوريّات: العمران الكثير بأنهاره الجميلة، وشوارعه الممتدّة، وأبنيته الفخمة، وأسواقه المزدحمة، وصنائعه الكثيرة و… فانها كلّها علائم الموت لا علائم الحياة.

أرأيت الإنسان الجميل المنظر، المبتلى بالسرطان، المتورّم الجسم الذي تراه سميناً محمرّ الوجه؟

فهل هذا خير؟

أم الإنسان العادي الذي لا سمنة له، ولا احمرار في وجهه، لكنّه يتمتّع بحيويّة نفسية وصحّة جسديّة؟.

إنّ مثل بلد الحريّات ـ ولو لم يكن فيه العمران ـ مثل الإنسان الثاني، ومثل بلد الديكتاتورّيات ـ وإن كان فيه العمران متوفّراً ـ مثل الإنسان الأوّل.

وإذا رأيت العمران مع الديكتاتوريّة، فاعلم انّه لو كانت حريّة، لكان العمران مائة ضعف، وإذا رأيت عدم العمران مع الحريّة فاعلم انّه لو كانت ديكتاتوريّة، لكان الخراب مائة ضعف..

ولتعلم الحكومات الديكتاتوريّة:

1: أنهم زائلون مهما طال بهم الزمن.

2: أنّ بلدهم آيل إلى الخراب والانقسام، مهما يشاهد فيه من العمران والوحدة  ـ في الحال الحاضر ـ .

3: أنّ الناس يكرهونهم أشدّ الكره، وإن أظهروا أمامهم التملّق الكاذب والمدح الخادع.

4: وأخيراً يجب أن يعلموا انّهم يوقّعون على خزيهم في الدنيا طول التاريخ، وعلى عذابهم في الآخرة إلى الأبد.

هذا ما يجب أن تعلمه الحكومات الديكتاتوريّة.

أمّا ما يجب على الناس المبتلين بأمثال هذه الحكومات أن يعلموه، فهو:

1: أنّ رقابهم مهيّئة للمقصلة.

2: أن أموالهم مهيّئة للنهب.

3: أنّ أبدانهم مهيّئة للتعذيب.

4: أنّ أهاليهم مهيّئة للضياع ـ العقيدي والخلقي والمعيشي.

فالواجب على الناس، أن يعملوا بكلّ الوسائل المتاحة لتهيئة مناخ الحرية ..

إنّ مناخ الحريّة يجعل من النواة شجرة، ومناخ الديكتاتوريّة يجعل من الشجرة حطباً يابساً لا يصلح إلاّ للإحراق.

وليعلم الإنسان، انّه إن يقتل حرّاً أو في سبيل الحريّة، أفضل ألف مرّة من أن يعيش عبداً تحت حكم الديكتاتوريّة:

 

أو تجلّى الغبراء وهو صريع

 

فأبى أن يعيش إلاّّ عزيـزا

***

 

وان رأيت الموت شيئا نكرا    

آليت ان لا اقتل الا حـرا

 

ولا يظنّ المتديّن الذي يعيش تحت ظلّ الديكتاتوريّة ولا يستطيع التغيير والإصلاح إنّه مثاب ومأجور، بل العكس هـو الصحيح، اقرأ هذه الآية الكريمة: ( إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كّنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيراً)(1).

وأحياناً تكون الديكتاتوريّة بحجم كبير جداً، ممّا يخاف الإنسان أن يقابلها … لكن يجب أن يعلم الإنسان أن الديكتاتوريّة، مهما كانت كبيرة الحجم، فإنها  (خشب مسنّدة)(2) ولا ييأس من روح الله سبحانه(3)..

وبعد، فهذا كتاب (العدل أساس الملك) إنّما كتبته للإرشاد إلى لزوم العدالة، في الفرد وفي الجماعة وفي الحكومة، وعمدت إلى نقل قصص عديدة لأنها أكثر تأثيراً في النفوس، ولذا ذكر القرآن الكريم قصصاً كثيرةً، وقال في قصّة أصحاب الكهف: ( نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ )(4).

لعلّ الله سبحانه يهدي بسببه من يشاء إلى سلوك طريق العدالة، وأن يكون معولاً في هدم الديكتاتوريّات التي ابتلي بها المسلمون لا في أكثر حكوماتهم فحسب، بل وحتّى في مجتمعاتهم وعوائلهم، ولا غالب إلاّ الله وهو الموفقّ المعين.

                        

الكويت / 1395 هـ

محمد الشيرازي 

1 ـ سورة النساء: 97.

2 ـ إشارة إلى قوله تعالى: )وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسنّدة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون(. سورة المنافقين: 4 .

3 ـ اشارة الى قوله تعالى: )يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون(. سورة يوسف: 87 .

4 ـ سورة الكهف:  13.