الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

شمولية العدل

‎العدل ليس خاصاً بالحكام، ولا خاصاً بأمور الدنيا ولا بالأمور الشرعية فقط بل العدل مرغوب فيه في كل إنسان وفي كل الأمور.

فاللازم أن يكون الحاكم عادلاً في رعيّته، والفاتح عادلاً في البلاد التي فتحها لأجل إقامة العدل، والجيش عادلاً في ما يفعل من حرب وخراب، والعالم عادلاً في إدارة الأمور الدنيوية والدينية، والرجل عادلاً مع زوجاته وأولاده. والمدير عادلاً في إدارته، والمرأة عادلةً مع زوجها وأولادها وإدارة شؤون بيتها، وهكذا.. وهكذا..

وكما أن الظالم يرى سوء جزاء ظلمه، كذلك العادل يلقى حسن جزاء عدالته التي منها:

1. قلة الأتعاب، فإن الظلم يوجب عدم رضاية من رفعه الظالم وعدم رضاية من وضعه، أما عدم رضاية من رفعه، فلأنه يريد المزيد ويضيق بأن يرى التقدير للطرف الآخر… وأما عدم رضاية من وضعه، فهو أمر واضح.

2. حسن الذكر، فإن نداء الضمير يوجب تحسين كل الناس للعدل، مهما اختلفت نزعاتهم.

3. جميل الأجر في الآخرة.

والظالم بالعكس من كل ذلك، فإن أتعابه أكثر، والناس بأجمعهم يذمونه حتى الذين رفع كفّتهم، وله في الآخرة الجزاء السيئ.

ولاشك في أن العادل يلقي صعوبات، إلاّ إن ما يلقيه الظالم من الصعوبات، اكثر واكثر.

وكثيراً ما يتبنّى إنسان العدالة، لكنه ينحرف في وسط الطريق، ظانّاً إن مشاكل الظلم أقل، لكنه لا يفتأ أن يجد مرارة الظلم الذي اقترفه، ويشعر بهناء العدل الذي تركه، وغالباً ما يجد نفسه في دوّامة من الظلم لا نهاية لها …

فاللازم على الإنسان أن لا ينخدع بسراب الظلم من بعيد، وإذا انخدع وترك العدل إلى الظلم، فاللازم عليه ـ حينئذ ـ أن يرجع من حيث ترك العدل، والرجوع أهنأ وأيسر من الإيغال في الظلم.

وقد رأيت قسماً من الظالمين، يقولون: هذا طريق سلكناه ولا نتمكن من الرجوع … إنه كلام باطل، وتنقص هؤلاء الشجاعة في الاعتراف بخطئهم، ولكن الاعتراف والرجوع خير ألف مرة من الإنكار والتمادي.

أسئلة في العدل والعدالة

كيف يعدل الحاكم؟.

وهل العدالة ممكنة ؟.

وهل يدع الناس أن يعدل الحاكم؟.

ألم يعدل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولاقى ما لاقى؟.

ألم يعدل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ولعدله صارت حياته قطعة من المآسي؟.

أليس الظالمون يعيشون أفضل مما يعيشه العادلون؟. 

بل الظالم هو الذي يعيش.. أما العادل فيطرحه ويحاربه المجتمع بكل قوة.

هذه أسئلة تتبادر إلى الذهن أحياناً، بل يتساءلها بعض الناس.

والجواب: إن النظرة السطحية هي التي تملي هذه الأسئلة، إنه فرق بين (الجفاف) وبين (العدالة) فليس معنى العدالة أن يكون الإنسان جافاً لا يفهم ولا يعمل الحزم في الأمور، بل معناها أن لا يظلم ولا يطغى.

ولنتكلّم أولاً حول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والوصي (عليه السلام)، ثم نأتي إلى تتمة الفرق بين الأمرين: (الجفاف والعدالة).

إن نجاح الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حياته وبعد موته مرهون بعدالته، فهل كان يلتف حوله الناس، إذا كان ظالماً؟. وهل كان يبقى له هذا الذكر الجميل والثناء العطر لو كان ظالماً؟.

كل عاقل يعلم أن الجواب على السؤالين ب‍ (النفي).

إنه لا يمكن الجمع بين الرسالة والظلم، لكن نقول ذلك على طريقة (لو) وأن فرض المحال ليس بمحال.

وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) بقي في التاريخ لأنه كان عادلاً، ولو كان علي (عليه السلام) ظالماً، لما سمعنا باسم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا باسم علي (عليه السلام) إطلاقاً.. ولو كان علي (عليه السلام) يعمل لنفسه من دون ملاحظة مصلحة الإسلام لجرد سيفه في يوم السقيفة وأورث انشقاقاً في المسلمين ولتدخل الروم والفرس وغيرهما لمحو الإسلام.

ولو كان علي (عليه السلام) ظالماً، لاستلم اللواء من يده غيره، كغير واحد من الحكام الظالمين الذين أخذوا الحكم من الآخرين..

وقد ذكرنا طرفاً من الكلام حول الإمام علي (عليه السلام)، في كتاب (لكي لا تتنازعوا)(1).

ونأتي إلى الفرق بين (العدالة) و(الجفاف): إن إعطاء المال للمؤلفة قلوبهم والتزويج والتزوج معهم، وإرضاءهم بأشياء لا تضر العدالة، كل ذلك لا ينافي العدالة، أما ما يوجب اجتثاث جذور العادل فهو (الجفاء) وعدم الحزم في الأخذ والعطاء وما إلى ذلك.

فالعدالة وسط بين (الظلم) وبين (الجفاف)، ومن يزعم ان (العدالة) تلازم (الجفاف) فانه يلزم عليه أن يفهم معنى العدالة من جديد.

المداراة وتأليف القلوب والحزم وملاحظة قانون الأهم والمهم، و… و… كلّها من لوازم العدالة.

وبهذا ـ على إيجازه ـ يظهر الجواب على الأسئلة السابقة، وتفصيله يحتاج إلى إهاب وتطويل.

 

1 ـ ذكر الإمام المؤلف بعض الكلام في ذلك في هذه الكتب أيضاً (حكومة الرسول والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)) و(تحويل المعنويات الإسلامية) و(الحكومة الإسلامية في عهد الإمام علي(عليه السلام)) و…