الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

ضمير المجتمع

في مواجهة الظالمين

يقول بعض الحكماء: إنّ للمجتمع ـ بما هو مجتمع ـ روحاً غير روح كلّ فرد فرد، وتلك الروح هي التي تحرّك المجتمع، فقد يكون خاملاً وقد يكون نشطاً، وقد يكون صالحاً وقد يكون طالحاً، وهكذا.

وإنّ للمجتمع ـ بما هو مجتمع ـ ضميراً غير ضمير كل فرد فرد، وذلك الضمير هو الذي يكون له رغبة في بقاء دولة أو هدم دولة، أو تحسين شيء، أو تقبيح شيء، وهكذا …

وهذا الضمير هو الذي يهيمن على الحكومات الظالمة، ويحرك الأفراد على مقاومتها، إلى أن ترجع عن غيّها فتكون عادلة، أو إلى أن تزيلها بالوسائل الديمقراطية أو بالوسائل العنيفة.

ولا نريد الآن تصديق هذا الكلام، فإن له مكاناً آخر، وإنمّا أريد أن أقول: لقد لمست بنفسي الضمير الذي يتحرّك لوضع الحدّ لظلم الحكومات الظالمة. فقد عقد (صالح جبر) رئيس وزراء العراق (معاهدة) مع بلاد الغرب، وكانت المعاهدة تمثل عدواناً على العراق، فتحرّك ضمير الناس، وطالبوا بعزله، فعزل بالوسائل الديمقراطيّة.

ورأيت (نوري السعيد) رئيس وزراء العراق يتنكب الطريق الإسلامي العادل، وقد ملأ العراق بالخمور والفجور والظلم والرشوة، وبدّل قوانين الإسلام إلى القوانين الجاهليّة المستوردة من الشرق والغرب، فتحرّك ضمير المجتمع، وطالبوه بالإصلاح فلم يفعل، وإذا بالسيل يجرفه ويجرف معه الحكومة الملكية كلّها ... وقد كان (نوري السعيد) يقول إنّ الرصاصة التي تقتلني لم تخلق بعد، فتبيّن أنهّا كانت خلقت منذ زمان، وأنها كانت أقرب إليه من حرّاسه وحفظته.

ورأيت( عبد الكريم قاسم)، زعيم ثورة (14) تموز، يزعم ويقول: إنه أقوى من الموت وإنه أقوى من الحديد، وقد زوّد وزارة (الدفاع) بمختلف وسائل السلاح، حتّى كان يظن الظان أنه إذا حدثت ثورة، لابد وأن يتمكّن من المقاومة أشهراً وأسابيع ـ على أقل التقاديرـ  وإذا بظلمه يحّرك ضمير الناس، ويقتحم الناس وزارة الدفاع، ولا يطول الأمر أكثر من ساعة، وإذا بالرجل الذي كان يهّز العراق هزاً، ينظر إليه الناس على شاشة التلفزيون قتيلاً، وجاء جنديّ وبصق في وجهه الميّت.

فأيّاً كانت الحكومات وأيّاً كان الظالم، فانّ الظلم يأخذ الظالم، مهما تصوّر الظالم أنّه قويّ وأنه مزوّد بالسلاح وبالحرس، فإنّ الذي يحفظ الإنسان هو العدل وحده. أما الظالم فبيته من زجاج، وإن تصور هو أنه من فولاذ.

الحكّام مسؤولون عن الرعيّة

(عبد الكريم قاسم) اتخذ من (وزارة الدفاع) مقراً لنفسه ليتحصّن بها.

وأقول ـ قبل الشروع في القصة ـ : إن ممّا فعله المستعمرون ببلاد الإسلام: تسمية (الجهاد) بالدفاع، وذلك لأمرين:

1: لإقصاء الاسم الإسلامي والمصطلاحات الاسلامية عن مجالات الحياة، فان (الجهاد) مصطلح إسلامي، بخلاف (الدفاع) فإنه وإن استعمله الإسلام، لكنه لا يعطي الظلال الذي يعطيه لفظ (الجهاد) …

وهكذا غيّر المستعمرون الألفاظ الإسلامية من أسامي الأشخاص، وأسامي المحلات، وأسامي الشوارع، وألفاظ التحية، وغيرها وغيرها.

ولذا يلزم على كل مسلم واع، أن يهتم لإرجاع (الأسماء الإسلامية) بقدر الإمكان إلى كل مجالات الحياة(1).

2: لحصر الاهتمام بالداخل، بعد أن كان الإسلام يحرّض المسلم على التغيير والبناء في كل مكان، داخلاً وخارجاً ...

ولذا فمن اللازم على الحكومات الإسلامية أن تسمي (الدفاع) بوزارة (الجهاد) ... والكلام في هذا الموضوع طويل، ليس هذا الكتاب موضعه.

وإليكم القصة التالية ـ وقد نقلها أحد العلماء لعبد الكريم قاسم أيضاً ـ .

ذات يوم كان هارون العباسي، يسعى بين الصفا والمروة، والناس يسعون في أمواج كبيرة، وإذا بهارون يسمع من خلفه من يناديه: (يا هارون) بهذه اللفظة!

فاستشاط غضباً والتفت وراءه، ليرى من هذا المتجرّي على مقام الخلافة، وإذا به يرى أن المنادي بهلول.

قال هارون: وماذا تريد؟

قال بهلول: ارم ببصرك إلى هذا الخلق، كم ترى من أناس؟.

قال هارون: الكثير.

قال بهلول: كل واحد من هؤلاء عمّن يُسأل يوم القيامة؟

قال هارون: يسأل عن نفسه.

قال بهلول: وأنت يا هارون عمن تسأل يوم القيامة؟

فسكت هارون.

فأردف بهلول: لكنك تسأل عن كل هؤلاء، وعن غيرهم ممن شملهم ملكك، فيقول الله تعالى لك: ماذا عملت فيهم؟ هل بالعدل أم بالجور؟ هل بموازين الإسلام أم بغير موازين الإسلام؟.

فتأثر هارون بذلك تأثراً بالغاً ...

نقل العالم هذه القصة لعبد الكريم قاسم، ثم أردف: إنّ الزعيم يوم كان وحده جندياً في الجيش، كان مسؤولاً عن نفسه، ولمّا ترقّى وصار آمراً على جماعة ما، صار مسؤولاً عن نفسه وعن تلك الجماعة، ولماّ صار زعيماً (وهو منصب عسكري في العراق) صار مسؤولاً عن جماعة أكبر وأفراد اكثر، واليوم حيث ثار هذا الزعيم، وجاءت أزمة الملك بيده، صار مسؤولاً عن كل من في العراق، صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، من رجالهم ونسائهم ...

فأبدى عبد الكريم قاسم لكلام العالم تأثراً بالغاً بحسب الظاهر، لكن كان تأثره بهذا الكلام، مثل تأثر هارون بكلام بهلول..

ولكن حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.

وأضيف ـ تعليقاً ـ أن هارون كان مسؤولاً عن كل من في ملكه ـ كما قال بهلول ـ ومسؤولاً أيضاً عمن ليس في ملكه ممن كان بإمكانه إرشادهم وهدايتهم إلى الإسلام، ومسؤولاً أيضاً عن الأجيال القادمة التي كان بإمكانه إنقاذهم وهدايتهم لو عمل بالإسلام.

ولو عمل هارون وغير هارون بالإسلام، كان المسلمون هم الذين وصلوا إلى القمر، وهم سادة العلم اليوم وكان الإسلام نشر جناحه اليوم في كل العالم، أو أكثر العالم.

وكذلك كان حال (عبد الكريم قاسم) لكن في نطاق أضيق من نطاق هارون طبعاً.

ولكنهما وسائر الحكام الظالمين ( اتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين )(2).

ولولا الأئمة الطاهرين (عليهم أفضل الصلاة والسّلام)، الذين مثّلوا الإسلام أفضل تمثيل، ولولا العلماء من أتباعهم، الذين خطوا مكان خطاهم، لكان ما فعله الأمويون والعباسيون ومن حذا حذوهم كفيلاً بأن يجعل من الإسلام كاليهودية والمسيحية، التي لا تمت إلى دين الله المنزل بصلة.

نعم ذهب هارون..

وذهب قاسم..

وذهب غيرهما من الحكام الظالمين، ولم يخلفوا إلاّ تراثاً أسود من الظلم والخراب والدمار والتأخّر وسوء الذكر.

تلك آثارهم فقد عصروها             قطراناً ونكبة وسـوادا

فليعتبر بأمثالهم الحكّام الظالمون، وليقلعوا عن الظلم والاستبداد قبل فوات الأوان.

من آثار الاستبداد

 ومن آثار الاستبداد التي قد تسبب رجوع الظالمين إلى الصواب القلق الدائم وتفاهة الحياة في أعينهم والمطاردة النفسية.. وكذلك مطاردة المجرمين من قبل السلطة أو من قبل الناس، على طول الخط، مما يسبب لهم أعظم العناء والاضطراب.

كان عبد الكريم قاسم ـ كما نقل مرافقه بعد مقتله ـ لا ينام الليل كله، وكان دائماً يتساءل من مرافقيه: هل أنهم يسمعون ما يسمع من نداءات:

(عاش الزعيم عبد الكريم .. شعب العراق شعب عظيم)؟!

وهل أنهم يسمعون حفيف الدبابات وأزير الطائرات؟.

وكان يقول: أنا أسمع، فهذه مظاهرة مؤيدة تأتينا الآن، وهذه مؤامرة أسمع وقع أسلحتهم .. لكنهم كانوا يطمئنوه بأنه لا شيء إطلاقاً، لا (مظاهرة) ولا (عاش الزعيم) ولا (مؤامرة) ولا (حفيف الدبابة)، ويؤكدون له إن ما يجده إنما هو صدى ما حدث في النهار، يتردد في نفس الزعيم. قال تعالى: (فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين )(3).

نعم استمرت بالزعيم! هذه الحالة حتى دكّت معقله قنابل آلام الناس التي هيئها بنفسه.

وأحياناً، تعتري المجرمين حالات شاذة، تنتهي بهم إلى الجنون.

تنقل زوجة أحد الرؤساء ـ في مذكراتها ـ إن الرئيس كانت له حالات مختلفة وكثيراً ما كان ينبح نباح الكلاب مما يثير دهشة من في القصر.

وقد كان رجل تولّى قتل الملكيين في العراق: (عبد الإله وفيصل ونسائهم وأطفالهم) يسمّى ب‍(عبد الجبار السبع) لم تمض عليه إلا مدة وجيزة حتى جنّ وأدخل (دار المجانين).

وكان (پهلوي) في جزيرة (موريس) يقف أمام المرآة ويمدح نفسه، ثم يعفط لنفسه عفطة كبيرة، استهزاءً بنفسه.

ورأيت في أحوال الملك العثماني (عبد الحميد) إنه كان في أواخر أيامه لا يهدأ له بال، وإذا نام رأى في المنام مناظر بشعة، من القتلى الذين قتلهم تمثل أمامه وهم مقطوعوا الرأس وأوداجهم تشخب دماً مما ترعبه وتسلبه النوم من عينيه.

ومما ينتاب المجرمين كذلك هو حالة اليأس والوحشة والخوف من سوء المصير، قال سبحانه: (كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم)(4).

وينقل إن هارون العباسي أشتد به المرض ويئس منه الأطباء، وتكلم الناس عن قرب موته، فأمر أن يؤتى إليه بدابّة ليخرج ويقطع ألسنة الناس، لكنه لم يتمكن من الركوب، فقال ـ متحسراًـ : لقد صدق الناس، هذه أوان مفارقتي للحياة .. ثم أمر بأن يحفر قبره في نفس غرفته أمام فراشه، لأنه يخاف من وحشة القبر في مكان منفرد، ولمّا حفر قبره نظر في القبر وأخذ يبكي ويقول قوله سبحانه: (ما أغنى مالي هلك عني سلطانيه )(5).

لكن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) لمّا ضربه ابن ملجم، قال: (فزت ورب الكعبة)(6).

ومن غريب الأمر أن الديكتاتوريين المجرمين غالباً ما ينتظرهم مصير أسود، كالذلة والقتل والثورة عليهم..

فهذا (هتلر) و(نابليون) و(ستالين) و(عبد الحميد) و(عبد السلام عارف) و(قاسم) و(عبد الناصر) و(هيلاس لاسي) و(نوري السعيد) و(القاهر العباسي) و(المتوكل) و(البهلويان) و(السادات) وغيرهم وغيرهم .. كثيرون، هؤلاء كلّهم طحنهم الظلم ولاقوا أبشع أنواع الذلة والصغار..

ألا يكفي هذا عبرة وذكرى؟.

يقال: إن ملكاً ثار على ملك آخر وأصبح في مكانه، فجاءه إنسان وقدم إليه مالاً، قال الملك: ولماذا هذا المال؟.

قال الرجل: إن أبي أوصاني أن أعطيه إليك.

قال الملك متعجباً: وكيف عرف أبوك أني أثور على الملك السابق حتى أوصى لي بهذا المال؟.

قال الرجل: هذه وصية أبي وإني نفذتها.

فشدّد عليه الملك أن يقول الصحيح.

قال الرجل: إن أعطيتني الأمان قلت الصحيح.

قال الملك: لك الأمان ..

قال الرجل: إن أبي أوصى أن أعطي هذه المال لأكثر الناس حمقاً، ولم أجد أنا أكثر حمقاً منك، ولذا قدّمت لك المال.

قال الملك: ومن أين عرفت حمقي؟.

قال الرجل: لأنك رأيت كيف انقلبت الأيام على الملك الذي كان قبلك ومع ذلك تعتمد على الملك وكأنك باق فيه إلى الأبد، وهل هناك أكثر حمقاً ممن رأى بنفسه كيف تلدغ الحية أناساً ومع ذلك يقدم إليها إصبعه لتلدغه؟.

وقصة ذلك الحكيم الذي كان جالساً في مجلس (عبد الملك) مشهورة، حيث إنه رآى رأس (مصعب) أمام عبد الملك، فقال لعبد الملك: أعيذك بالله من هذا المكان؟.

قال عبد الملك: ولم؟.

قال الرجل: إني كنت في هذا القصر، فرأيت رأس الحسين (عليه السلام) أمام ابن زياد.. ثم رأيت رأس (ابن زياد) أمام (المختار) في نفس هذا المكان.. ثم رأيت رأس (المختار) أمام (مصعب) في نفس هذا المكان.. والآن أرى رأس (مصعب) أمامك في هذا القصر.. فأحذر أن تدور الدائرة ويرى رأسك أمام إنسان آخر.

فتأثر عبد الملك بهذا الكلام وقام من مجلسه وأمر بهدم القصر. وفي القصة تعليقات:

1. إن الأمويين سوّدوا صحائف التاريخ بهذه الأعمال البشعة، التي يندى لها جبين الإنسانية فسنّوا قطع رؤوس الناس، والطواف بها في البلاد، ثم تبعهم (بنو عباس).

2. إن الإمام الحسين (عليه السلام) كان داعياً إلى الصلاح، فقطع رأسه المجرمون، والمختار حاله معلوم أمّا (مصعب) و(ابن زياد) فقد أخذا بعض جزاء ما فعلا من الأعمال البشعة مما سوّدا به التاريخ.

3. إن الرجل الظالم (عبد الملك) ظنّ إن (الذنب) ذنب القصر ولذا أمر بهدمه ولم يفطن إلى أن الحجارة والجصّ والخشب لم تكن دخيلة في ذلك الأمر .. ولو عقل كان عليه أن يعدل، ويرجع الحق إلى نصابه، حتى يحفظ نفسه من غضبة المصلحين، ولو فرض إنه قتل بأيدي المجرمين ـ إذا صار صالحاً ـ كان له فضيلة وأجر وذكر أحسن. لكن ..

بالخمر تسكب في الضياع ذكائها؟

 

من أين تعقل أرؤس أموية

نعم … قام عبد الملك من ذلك المكان وأمر بهدمه، لكنه تمادى في الظلم والعصيان والفسق والفجور وتمادى .. وتمادى .. حتى جاءه أمر الله، وقام بنو العباس بالسيف فيهم، يحصدونهم حصد السنبل (فهل ترى لهم من باقية)؟

وصدق قول الله سبحانه فيهم: (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك أورثناها قوماً آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين)(7).

هل يعتبر الظالمون

المتوكل العباسي، أحد الطغاة الذين سوّدوا صفحات تاريخ البشرية، بله الإسلام بمخازيه.

وكان رجلاً يشرب الخمر، يلعب القمار، يقترف الموبقات، فاسقاً .. ماجناً، وكان بالإضافة إلى كل فسقه هذا، يقتل الناس بلا حساب، ويؤذي الصالحين بلا كتاب.

ذات مرة أحضر الإمام الهادي (عليه السلام) في مجلس خمره، وأساء الأدب بالنسبة إلى الإمام (عليه السلام).. فأنشد الإمام(عليه السلام) له أبيات جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال:

غلب الرجال فلم تنفعهم القلل

 

باتوا على قلل الجبال تحرسهم

إلى آخر الأبيات(8).

وكان المتوكل يستهزأ بالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فيربط وسادة على بطن رجل اسمه (عبادة) ويشبهه بالإمام  (عليه السلام) فيرقص عبادة في المجلس، ويقلد علياً  (عليه السلام) فيضحك المتوكل وأعوانه على هذا المنظر.

إلى غيرها .. وغيرها ..

وقد كان المتوكل شديد الخوف من الناس، فإن (الخائن خائف) ولذا أكثر من حرسه الخاص حتى وصل عدد حرسه الذين كانوا مأمورين بحفظه إلى تسعين ألف ..

بالله! هل تسعون ألف إنسان لحماية شخص واحد؟.

ولماذا يظلم الإنسان حتى يحتاج إلى كل هذه الأمور؟

ولكن (العدل أساس الملك)(9) كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا الحرس.. كما أنشد الإمام الهادي (عليه السلام) في الأشعار التي سبقت.

وإذا بولده المستنصر مع جماعة من نفس الحرس يدخلون مجلسه فيجدونه مع وزيره (فتح بن خاقان) في حالة السكر الشديد، فيهوون بسيوفهم عليهما بأشد الضرب، حتى يخلط لحم الأمير بلحم الوزير، وقد قطعتهما السيوف إرباً إرباً … بحيث لم يمكن إجراء مراسيم الإسلام من الغسل والكفن والحنوط عليهما …

وما كانا جديرين بمراسيم الإسلام، وقد خدما الكفر ونذرا أنفسهما له طول عمرهما.

فلقي الرجل بعض جزائه في دار الدنيا ليكون عبرة لمن خلفه..

ولكن هل يعتبر الظالمون؟

وقد صدق سبحانه وتعالى حيث يقول:  ( أتواصوا به بل هم قوم طاغون)(10). 

جيش القلوب وجيوش الحكم الحديثة

ينقل في أحوال (نظام الملك) الوزير السلجوقي، إنه كان ذكياً، وكان يتصرف في الملك بلا منازع وكان الملك السلجوقي قد أعطاه مقاليد البلاد اعتماداً على عقله وفكره وتدبيره … حتى توفي الملك وخلفه ولده (ملك شاه).

وكان الملك الجديد شاباً لم يجرب الحياة بعد، فاغتنم حساد الوزير الفرصة لإبعاد الوزير من الملك الجديد، بعدما أعيتهم الحيلة في إبعاده عن الملك السابق.

جاء الحسّاد إلى (ملك شاه) وقالوا له: إن (نظام الملك) يتصرف في الدولة حسب هواه، لا حسب ما تقتضيه المصلحة، وإنه يتلف أموال الدولة الكثيرة في غير شؤون المملكة، ولذا تجد أن واردات الدولة كذا، بينما مصروفات الدولة لاتصل إلى نصف هذا المبلغ، أما النصف الآخر فلا يعلم أحد أين يذهب؟ وقالوا.. وقالوا.. حتى شحنوا صدر (ملك شاه) ضدّ الوزير.

فطلب الملك الوزير، وعاتبه وقال له: أين تصرف أموال الدولة؟

فعرف الوزير بالوشاية وقال: أيها الملك: إنك شاب جميل، لو باعوك في سوق النخاسة كانت قيمتك ستين درهماً، لجمالك ولقوتك ولشبابك، وأنا شيخ ضعيف لو باعوني في سوق النخاسة لم تزد قيمتي من عشرين درهماً، والأعداء محيطة بالبلد وسهام جيشنا لا تبعد أكثر من خمسمائة ذراع وسيوفهم لا تبعد عن باع، فهل بهذه السهام وهذه السيوف نتمكن أن نحفظ البلاد؟

أم نتمكن أن نحفظ البلاد بثمنك وثمني؟

فلا قيمتنا الشخصية، ولا قدرتنا الدفاعية قادرة على حفظ البلاد من الأعداء المتربصين.

إني قد هيئت لك جيشاً من القلوب بالمال يرعاك نهاراً، ويرفع أكفّهُ بالدعاء لبقاء دولتك ليلاً، ومادامت القلوب معك لا يتمكن الأعداء من السيطرة على بلادك.

فاقتنع (ملك شاه) بصواب خطّة (نظام الملك) واستحسن عمله وأبقاه في منصبه بعد أن عرف قدره وازداد رفعةً عنده.

وهكذا فإن الدولة تحتاج إلى جيش القلوب، وإلاّ تآمر الناس ضد الدولة حتى أسقطوها بالقوة، إن لم يتمكنوا من إسقاطها بالوسائل الديمقراطية .. وقد رأينا في العشرين سنة الأخيرة كيف تسقط دولة إثر دولة كأوراق الخريف.

فقد سقط (فاروق مصر) وسمّ (عبد الناصر) والجدير بالذكر إنه كان يقتل الناس بالسمّ(11).

وقتلوا العائلة المالكة في العراق ونوري السعيد وعبد الكريم قاسم وأحرقوا عبد السلام عارف وشردوا عبد الرحمن عارف...

وتكررت القصة وأمثالها في كل من سوريا والسعودية وإيران ولبنان والأردن وتركيا وليبيا وأثيوبيا وقبرص وأوغندا ومناطق من أفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية.

كما سقط (نكسون) وكبير ألمانيا، و(خرشوف) وغيرهم .. وغيرهم .. كثيرون.

إني لا أريد أن أقول إن كل ما قام به الانقلابيون، بالانقلاب السلمي، أو الانقلاب الدموي كان صحيحاً وكانوا  على حق، وإن كل الذين سقطوا أو قتلوا أو أحرقوا أو سفروا، كانوا يستحقون نوع الانتقام الذي انصبّ عليهم..

إنه مما لاشكّ فيه إن التفاهم الاستعماري، أو التحالف الاستعماري، أو الأطماع الشخصية، أو ما أشبه، كان وراء بعض تلك الأحداث .. كما أنه مما لاشك فيه إن بعض الذين جاءوا بعد الانقلابات ليحكموا البلاد، كانوا أسوء بكثير وكثير من الذين كانوا يحكمونها قبل الانقلابات.

بل أريد أن أقول: إنه يجب على الهيئة الحاكمة أن لا يظلموا الناس حتى يهيئوا الظروف المتاحة للانقلاب عليهم، انقلاباً أبيض أو أحمر.

فإن المثل المعروف يقول: (يتمكن الإنسان أن يصنع بالسلاح كل شيء، لكنه لا يتمكن أن يجلس عليه).

الظالم يقتل بسيفه

لقد أكثر (بخت النصر) في ظلم الناس والتعدي عليهم وسجن أحد أنبياء الله سبحانه وهو النبي دانيال (عليه السلام) في بئر.. والله سبحانه أمهله حتى يمتحن الناس به، ويمتحنه بالناس، فقد قال سبحانه : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)(12).

ورأى (بخت نصر) ذات ليلة رؤيا هالته، فجمع المعبرين واستفسرهم عن تفسير الرؤيا، لكن الكل أحجموا عن الجواب وقالوا: لا علم لنا بها…

فغضب عليهم أشد الغضب: كيف يتصرفون في الدولة بكل رفاه ولكن يعجزون عن تفسير رؤيا الملك؟.

قال أحدهم: إن في ملكك عالماً واحداً يتمكن من تفسير رؤياك.

قال: ومن هو؟

قال: ذلك هو دانيال (عليه السلام) الذي يدعي النبوة وقد سجنته أنت.

قال الملك: عليّ به.

فاخرجوا دانيال (عليه السلام) من سجنه وجاءوا به إلى الملك.

قال الملك: رأيت رؤياً هالتني، فهل عندك تعبيرها؟

قال دانيال (عليه السلام): نعم.

فقص عليه الملك رؤياه.

قال دانيال (عليه السلام): إن هذه الرؤيا تدل على إنك تقتل في يوم كذا، في ساعة كذا، من شهر كذا .. فاستشاط الملك غضباً، وقال: إنّا نسجنك إلى يوم الوقت المعلوم، فإن لم يكن كما ذكرت قتلتك .. فأمر بسجن دانيال.

ثم .. إن الملك أمر بإخراج كل من في القصر قبل اليوم الموعود وأمر جلاّده أن يكون في ساحة القصر، وقال له إذا رأيت أحداً هنا فاضرب عنقه كائناً من كان، وبدون مراجعتي، ودخل بخت النصر غرفة من غرف القصر وهو ممتلئ رعباً وخوفاً، وأخذ يعدّ اللحظات إلى الساعة التي ذكرها النبي دانيال (عليه السلام).

وقبل الساعة بلحظة ازداد خوف الملك وحسب ألف حساب وحساب، فخرج من الغرفة ليرى هل دخل القصر أحد، وإذا بالجلاد يسمع وقع الأقدام من خلفه، فحمل على الشبح الذي ترائى له بدون أن ينظر إليه ليتبين له من هو؟

وكان ذلك الشبح هو الملك بنفسه، ولما قدّه الجلاد نصفين، وإذا به يرى أن المقتول هو الملك بعينه وصدق كلام دانيال(عليه السلام) ولم ينفع الحذر، وكان قتل الملك الجبار على يد من كان أوثق المعتمدين عنده.

نعم .. (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)(13).

وانتهت بقتل هذا الرجل صفحة سوداء من تاريخ الجبارين وخلّف عبرة لمن يتبوّء السلطة ظلماً وعدواناً، ولكن ما أكثر العبر وأقل المعتبر، كما في الحديث الشريف(14).

عاقبة الظالمين

كان أحد رؤساء بعض بلاد الإسلام رجلاً ظالماً يقتل الأبرياء ويستحل الحرمات ويهتك الأعراض حتى أهلك الحرث والنسل والزرع والضرع، وأكثر من الظلم والعسف … وكان الله سبحانه له بالمرصاد، فأُقصي من بلده ومات شرّ موتة.

نقل لي أحد الثقاة، أنه بعد موته ذهب إلى قبره أحد الأخيار، فرأى بعينه البرزخية: ان قبر الرجل ممتلئ ناراً، وإنه يتصاعد مع شرر النار إلى فوق، ويقول: (الويل الويل الويل) ثم يسقط في القبر الذي كان أشبه شيء في نظره بحفرة من نار.

قال ذلك الخيّر: ورأيت معه في نفس وضعه شخصاً آخر قصير القامة لكني لم أعرفه من هو .. وهكذا كان حال الاثنين.

قال تعالى: (لا تدعو اليوم ثبوراً واحداً وأدعو ثبوراً كثيراً)(15).

قلت: للذي نقل لي هذه القصة، إنّا نؤمن بذلك قبل أن نسمع أمثال هذه القصص، ألم يرد في الأحاديث الصحيحة: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران)(16).

إن هذا بعض جزاء الظالمين في دار الدنيا، وفي القبر، وهناك لهم( نار أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا)(17).

وقد حكي: إن رئيس وزراء بلد إسلامي، كان ظالماً عاتياً،وكان فاسد العقيدة، فكان يقول: لي ألف دليل على أن الله ليس بموجود…

واتفق أن دارت به الدائرة وفسد قلب الملك عليه، فأمر بسجنه ومحاكمته، وأحضر الطاغوت أمام القاضي وكان القاضي رجلاً مؤمناً بالله.

فقال له القاضي: كنت قد سمعت إنك تقول: إن لك ألف دليل على عدم وجود الله؟.

قال الرجل: نعم، كنت أقول ذلك.

قال القاضي: لكن لي دليل واحد أقوى من كل تلك الأدلة تدلّ على وجود الله سبحانه.

قال الرجل: وما هو ذلك الدليل؟.

قال القاضي: الدليل هو أن أحضر مثلك الطاغوت العنيد، في محكمتي ـ أنا القاضي المتواضع العادي ـ ثم حكم القاضي عليه بالإعدام ..

ونفذ فيه الحكم وقد خسر الدنيا والآخرة ولم يبق له إلا الذكر السيّئ في الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة.

 

1 ـ راجع كتاب (إلى نهضة ثقافية إسلامية) للإمام الشيرازي.

2 ـ ـ سورة القصص: 42.

3 ـ ـ سورة الأنبياء: 15.

4 ـ سورة المنافقين: 4.

5 ـ سورة الحاقة: 28 - 29.

6 ـ بحار الأنوار ج41 ص2 باب99 ح4.

7 ـ سورة الدخان: 25 – 29.

8 ـ أين الملوك وأبناء الملـــوك          ومن قاد الجيوش ألا يا بأس ما عملوا

      باتوا على قلل الجبال تحرسهم          غلب الرجال فلم تنفعهــم  القلل

      فأنزلوا بعد عزّ عن معاقلهـم          وأسكنوا حفرة  يا بأس ما نزلــوا

      ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا         أين الأسرّة والتيجــان والكلل

     أين الوجوه التي كانت منعّمـة           من دونها تضرب الأستار والحجـل

    فأفصح القبر عنهم حين سائلهم           تلك الوجوه عليها الدود تنتقــل

    قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا            فأصبحوا بعد طيب الأكل قد أكلوا

    سالت عيونهم قذف  الخـدود          ولو رأيتهم ما هنأك  العيش يا رجـل

9 ـ راجع بحار الأنوار ج75 ص83 باب16 ح87، وفيه: من كلامه (عليه السّلام) العدل أساس به قوام العالم.

10 ـ سورة الذاريات: 53.

11 ـ كما فعل مع (المشير عبد الحكيم عامر) ومع (دريد المفتي) وغيرهما، اقرأ (الحوادث) اللبنانية.

12 ـ سورة العنكبوت: 2.

13 ـ سورة الأعراف: 34.

14 ـ بحار الأنوار ج 68 ص327 باب80 ح25.

15 ـ سورة الفرقان: 14.

16 ـ راجع الأمالي للشيخ المفيد ص265 المجلس31، وفيه: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) الحديث.

17 ـ سورة الكهف: 29.