الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

العودة إلى القانون الإسلامي

العودة إلى الجذور واكتشاف الأرضية التي تجعل الجسم الإسلامي غير محصن أمام أمثال هذه الأوبئة والأخطار والتطرق للمنهج والإطار لحل المعضلة.

وبعد: فقد (ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي كسبوا لعلهم يرجعون)(1).

لقد كان السبب الأساسي في تخلف المسلمين وأفول حضارتهم وهدم دينهم ودنياهم هو الإعراض عن قوانين الله تعالى ومناهجه في الحياة، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى)(2).

وقد تجلى ذلك في مختلف شؤون الحياة وفي نماذج كثيرة، كان منها:

انتشار الخمور والفجور والشذوذ الجنسي والغناء والقمار والأفلام الخليعة ونبذ قوانين الإسلام مثل:

قانون (الأرض لله ولمن عمّرها)(3).

وقانون السبق والحيازة (من سبق إلى ما لم يسبق له مسلم فهو له)(4).

وقانون السلطنة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(5).

وقانون الأمة الواحدة (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)(6).

وقانون الأخوة الإسلامية: (إنما المؤمنون أخوة)(7).

وقانون الحرية: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(8).

وقانون الشورى (وأمرهم شورى بينهم)(9)، (وشاورهم في الأمر)(10).

وقانون عدالة القضاء وسرعته وبساطته: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)(11) و(إنما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان)(12).

وقانون الالتزام بالمظاهر الإسلامية كالحجاب بتوابعه من عدم الاختلاط وشبهه ومجموعة القوانين المرتبطة بالعائلة الإسلامية من: الزواج المبكر (من سعادة المرء أن لا تطمث بنته في بيته)(13) وحسن المعاشرة الزوجية: (عاشروهن بالمعروف)(14) والحرية في الإنجاب (إني أُباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط)(15) وتعدّد الزوجات، (مثنى وثلاث ورباع)(16) وما أشبه ذلك.

آثار إلغاء القوانين الاسلامية

ونتيجة لكل ذلك كثرت الأمراض الجسمية والنفسية، وانتشرت الحروب والإنقلابات العسكرية، وتزايدت الجرائم والموبقات، وأخيراً جاء دور المفاسد المترتبة على الأفلام الخلاعية، التي تسبب المزيد من القلق والجشع والاضطرابات النفسية، وتستلزم بما تخلفه من آثار ونتائج خلقية:

أمراضاً جسمية كالزهري والسفلس والإيدز التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ.

إن إلغاء القوانين الإسلامية أوجب تبعات لا تحمد عقباها، فمثلاً:

إلغاء قانون ملكية الأراضي العامة: كان من أسباب الفقر الاجتماعي، وعزوف الشباب عن الزواج، فإنهم لا يضمنون لأنفسهم المسكن والمأوى حتى يقدموا على تكوين الحياة الزوجية.

وإلغاء قانون السبق والحيازة: سبب في تضييق موارده المعيشة، حيث أوصد الباب في وجه الاستفادة من خيرات البحار، والمعادن والغابات والآجام واصطياد حيوانات البر والبحر، إلى غير ذلك.

وكان ذلك من أسباب ازدياد نسبة البطالة، ومن علل انتشار ظاهرة الفقر في المجتمع.

ومن الواضح ما للبطالة والفقر من الدور الكبير في الانحراف الخلقي.

وإلغاء قانون (الناس مسلّطون): أوجب خنق الحريات في السفر والإقامة والاكتساب والتجارة والزراعة والصناعة والعمارة والثقافة، وما إلى ذلك.

وإلغاء قانون وحدة الأمة: سبب في انهيار فرص التعاون بين أبناء الأمة، وأضعف الحصانة ضد عوامل التغيير، وجعل القيود والأصفاد أمام الهجرة والإقامة إلى سائر بلاد الإسلام، حتى إذا أوصدت أمام المسلم في بلده أبواب الرزق، ذهب إلى بلد آخر حيث السعة، قال سبحانه: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة)(17). وقال تعالى: (الذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم…)(18).

فأصبح المسلم وقد (ضاقت عليه الأرض بما رحبت)(19).

ومن الطبيعي أن الأمة المتبعضة والمتقسمة، تفقد الكثير من قدراتها على التصدي للأخطار والأوبئة، داخلية كانت أم خارجية، عسكرية كانت أم خلقية.

وإلغاء قانون الأخوة الإسلامية: أوجب تقسيم المسلمين إلى طبقات وإلى درجات إضافة إلى هجرة الكفاءات العلمية إلى خارج بلاد الإسلام، وهما سبّبا حرمان الإنسان من مزايا كثيرة، ناهيك عن تزايد التطاحن والتناحر في قبال قوله سبحانه: (لتعارفوا)(20).

وإلغاء قانون الحرية: حدّ من انطلاقه الإنسان نحو مدارج الرقي والكمال، في تلقي العلم وفي ترتيب أمر المعاش، وأدى ذلك إلى ازدياد حجم الإقبال على التوظيف في الدوائر الحكومية، وفي مقابل ذلك اتباع الحكومة سياسة سنّ الضرائب لتغطية النفقات الإضافية على الموظفين وعلى البذخ والإسراف و…

وكانت الحصيلة النهائية، تبدد الثروات، والعبودية للدول الأجنبية، إضافة إلى أن الكبت يولد عقدة في الكثير من الناس تدفعهم للتنفيس عنها ولو باللجوء إلى المخدرات أو الشذوذ الخلقي أو الجلوس لساعات طوال لمشاهدة الأفلام اللاأخلاقية و…

وإلغاء قانون الشورى أدى إلى الارتجالية في الكثير من القرارات، وإلى استيلاء سلسلة من الدكتاتوريات العسكرية والملكية الوراثية على دفة أمور المسلمين.

فضاعت الحقوق، وانهدمت الضوابط السياسية والاجتماعية، وتغيّرت المفاهيم والمعايير وأصبح الحق هو ما يعطيه الحكام من صدقات، وما يمنحونه من هبات، فصودرت الحريات بأسماء ومسببات مختلفة.

وتحطمت القيم الإنسانية الرفيعة في ظل احتكار السلطة واحتكار فرص التوظيف، مما أدى إلى فقدان قدرة الأمة والدولة على التصدي للأخطار الداخلية والخارجية، اللاأخلاقية والسياسية وما أشبه ذلك.

وإلغاء قانون عدالة القضاء وبساطته: نتج عنه تفاقم المشاكل الاجتماعية والعجز عن حلها بيسر وسهولة، وبفترة زمنية قصيرة، وبتكلفة مالية بسيطة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التوتر والفقر والقلق والاضطراب (21)، وقد زاد هذا الأمر في العداء بين الناس كما زاد في الالتواء على القانون، ونشر الرعب في أوساط المجتمع، وأكثر من السجون والمعتقلات. ومن الطبيعي أن كل ذلك مما يؤثر سلبياً على الأخلاق العامة للكثير من أفراد المجتمع.

وإلغاء قانون الحجاب بتوابعه: نشأ عنه انهيار كيان الأسرة، فارتفعت معدلات الطلاق، وازدادت ظاهرة العنوسة، وكثرة حالات الشذوذ الجنسي بين العزّاب والعازبات، وقد أعقب ذلك تردّي الوضع الاجتماعي وانهيار القيم والموازين.

وإلغاء قانون الزواج المبكر وقانون العائلة: سبب مفاسد اجتماعية لا تحصى، حيث الفساد أولاً، وحيث تناقص معدلات السكان، ونتج عن الحجم المتناقص للأولاد بروز مشكلة الفراغ في الحياة الزوجية، والفراغ مفسد كما يقول الشاعر:

إن الشباب والفراغ والجدة            مفسدة للمرء أيّ مفسدة

إضافة إلى ذلك سبب في سلـــب الأمن الأسري مـــن أعضاء الأُسرة الواحـــــدة، فأصبح الجميع يعيشون في قلق وكآبة واضطراب(22).

 

1 ـ الروم: 41.

2 ـ طه: 124.

3 ـ فروع الكافي: ج5 ص279.

4 ـ وسائل الشيعة: ج 17 ص 328 مع تفاوت.

5 ـ بحار الأنوار: ج 2 ص 275، وأنفسهم مستفاد من قوله تعالى: (النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم): (الأحزاب:6).

6 ـ المؤمنون: 52.

7 ـ الحجرات: 10.

8 ـ الأعراف: 157.

9 ـ الشورى: 38.

10 ـ آل عمران: 159

11 ـ النساء: 58.

12 ـ وسائل الشيعة: ج18 ص 169 ح1، كانت الكوفة في عهد الإمام أمير المؤمنين صلى عليه وآله وسلم تحتوي على ستة ملايين نسمة ـ حسب بعض الإحصاءات ـ وكان فيها قاض واحد يقضي باليمين والبيّنة العادلة، للمزيد راجع كتاب (الفقه: الاقتصاد) و (الفقه: الدولة الإسلامية) للإمام المؤلف دام ظله.

13 ـ فروع الكافي: ج5 ص 336.

14 ـ النساء: 19.

15 ـ فروع الكافي: ج 5 ص 334.

16 ـ النساء: 3.

17 ـ النساء: 100

18 ـ النحل: 28.

19 ـ الروم: 41.

20 ـ الحجرات: 130.

21 ـ للمزيد راجع كتاب: (الفقه: القضاء) للإمام المؤلف (دام ظله).

22 ـ للمزيد راجع كتاب: (الفقه: النكاح) و(الفقه: الحقوق) و(الفقه): الآداب والسنن) و(لماذا تأخّر المسلمون؟) للإمام المؤلف دام ظله.