الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الوعي.. أول أسباب العزّة

أول أسباب التقدم المستلزم للعزّة هو: وعي الأمة الإسلامية نفسها وما يجري حولها، حتى يحسّ المليارا مسلم بــأنهم أصبحوا بالنسبة إلى الأمم الأخرى متخلفين، وصاروا على أثره لهم منــقادين، ويدركوا ذلك من أعماقهم، وعن قرارة أنفسهم، فإنه لا يمكن التقدم في شيء من مجالات الحياة، إلى مقبض الزمام إلاّ بالوعي، علماً بأن الوعي له أسباب ثقافية مادية، بغضّ النظر عن الأسباب المعنوية الروحية، فإن المسلمين على كثرة عددهم قد تأخروا في كلا المجالين: المادي والمعنوي، فليس لهم ثقافة مادية تؤهلهم للتقدم، كما ليس لهم معنويات تدفعهم من الداخل إلى الأمام، وإليك مثالاً مقارنة في مجال التأليف والنشر على ذلك.

مقايسة في شأن الكتاب والمطالعة

يُقال: إن العرب هم وحدهم ثلاثمائة مليون نسمة تقريباً، وذلك حسب بعض الإحصاءات الأخيرة، بينما نفوس إسرائيل أربعة ملايين ونصف المليون نسمة فقط، فالنسبة بينهما كبيرة جداً، ولكن مع وجود هذا الفرق النسبي الكبير بينهما، قد ذكرت الصحف العالمية المعنية بشأن الكتاب، إن في السنة الماضية ـ أي: سنة ثمان وتسعين ميلادية ـ كتبت إسرائيل وحدها أربعة آلاف وخمسمائة كتاب، يعني: لكل ألف إنسان إسرائيلي كتاب واحد، بينما العرب بما فيهم لبنان ومصر، كتبوا في نفس تلك السنة: ستة آلاف كتاب فقط، يعني: لكل خمسمائة ألف إنسان عربي، كتاب واحد، مما يذكّر بقول القائل:

(هذه من تخلفاتهم شطحات) (وعلى هذه فقس ما سواها).

وإذا كان هذا هو حال العرب وهم مثقفوا الأمة الإسلامية، فكيف يكون حال المسلمين الآخرين كمسلمي اندونيسيا وبنغلادش وباكستان ومن أشبههم الذين هم أكثر تخلّفاً وتأخراً؟.

وقد قرأت في صحيفة معنيّة بشأن الكتاب أيضاً نصاً يقول: إن البلد الفلاني المسلم الذي يبلغ نفوسه ستين مليون نسمة، يطالع كل واحد منهم في كل يوم زماناً قدره ثلاث ثوان فقط، بينما يقول النص نفسه: إن اليابانيين يطالع كل واحد منهم في كل يوم زماناً قدره أربع ساعات تقريباً.

فإذا كان هذا هو حال المسلمين بالنسبة إلى ثقافة الكتاب والمطالعة، فكيف يكون حالهم بالنسبة إلى ثقافة الكمبيوتر والانترنيت، وما أشبههما من شبكات الوعي الدولية، والارتباطات العالمية؟. والغريب في الأمر أن الكتاب لا زال في بعض البلاد الإسلامية ممنوعاً حتى يومنا هذا، فترى في بعض البلاد العربية وكذلك في بعض البلاد الإسلامية غير العربية أيضاً، الكتاب إلى جانب المخدرات والسلاح من الممنوعات عندهم، حيث إنا نقرأ ونسمع كل يوم بأن أشخاصاً في تلك البلاد قد أخذوا وسجنوا لأنه وجد عندهم كتاب معين، أو لأنه قام بطبع أو نشر كتاب خاص!

وجديداً سمعت أن في بلد عربي إسلامي قد سجنوا إنساناً سجناً غير محدود، مما أقلّه ثلاث سنوات بجريمة: أنه احتوى على كتاب واحد لأحد المؤلفين الذين منعت حكومة ذلك البلد اقتناء كتبه.

بلاء الرقابة

هذا وفي كثير من البلاد الإسلامية، عربية وغير عربية، ترى الرقابة فيها مفروضة بشدة على الكتب والمطبوعات وبشكل غريب مما لم ينزل به من سلطان، وإني كنت في العراق وقد قدّم بعض الأصدقاء إلى الرقابة كتاباً في علم الهيئة والنجوم وكانت من سلسلة تصدر كل شهر مرة، فرفض الرقيب ـ وهو الموظف الذي كان معدّاً لفحص الكتب وإجازتها ـ بأن يمنح الكتاب إجازة الصدور، وذلك بحجة أنه من أين علم هذا المؤلف أن الهيئة والنجوم تكون كذا وكذا؟ فهل هو سافر إلى السماء واطلع على الهيئة والنجوم فيه، أم نزل عليه الوحي بذلك؟ وأمثال هذه الحجج الواهية، وأخيراً منع الكتاب من الصدور منعاً شديداً وباتاً، ولم ينفعه الاستدلال وإقامة الحجة بأن علم الهيئة والنجوم الذي يبحث الكتاب عنه إنما هو حسب موازين علمية كان القدماء يقولون بها، والعلماء الجدد يقولون بها أيضاً، وإن منتهى الأمر أن القدماء كانوا يقولون بأن الشمس تدور حول الأرض الثابتة، بينما العلماء الجدد يقولون: بأن الأرض تدور حول الشمس الثابتة تقريباً، لكن كل ذلك لم ينفع في السماح بصدور الكتاب، وإنما بقي محصوراً في سجن الرقابة ولم يخرج إلى عالم النور!!.

الرقابة في الحكومات الجائرة

وإني بنفسي منذ الانقلاب العسكري الذي قام به قاسم ـ وبأمر من أسياده ـ في العراق، أصبحت في قائمة الذين منعت الحكومة طبع كتبهم، إلاّ مع رقابة شديدة، فإن الرقابة في زمان قاسم كانت متشددة بحيث لا تجيز حتى طبع مثل تفسير: (تقريب القرآن إلى الأذهان)(1).

والذي يزيد الطين بلة إنا جئنا بهذا التفسير نفسه إلى بلد إسلامي يدّعي مسؤولوها الإسلام، وطبعناه هناك فصادرت الحكومة المدعية للإسلام كل دوراته المطبوعة، البالغة عدة آلاف كتاب.

كما وقد أحرقت الحكومة نفسها كتاباً آخر لي باسم: (هكذا كانت حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)) فقد طبع منها - بعد إجازة الرقابة المفروضة فيها على الكتاب - عشرة آلاف نسخة، لكن لما عرفت الحكومة بعد إجازة رقابتها بالطبع، بأن هذا الكتاب يضر بما يزعموه ويدعوه من سياستهم الإسلامية - حيث كان الكتاب يوجب وعي المسلمين بالحكم الإسلامي الصحيح الذي طبقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) - أمروا بمصادرتها وحرقها جميعاً، ومن حسن الحظ أنه كانت باقية عندي النسخة المخطوطة الأصلية، وإلا لذهب الكتاب نهباً وحرقاً(2).

وقد كان لي مما كتبته أربعة عشر كتاباً في علوم مختلفة وكنت قد جمعتها تهيئة لطبعها في العراق في مجلد واحد، وكانت هي من قبيل:

شرح دعاء السمات، وشرح كتاب نصاب الصبيان، وكتاب في علم الهيئة والنجوم، وكتاب في علم الهندسة وكتاب في علم الحساب، وما أشبه ذلك، فصادرته الحكومة في العراق ولم نظفر بعد ذلك عليها حيث كانت النسخة منحصرة في تلك التي قدمتها للطبع.

وحكومة ثالثة صادرت منا كتباً متعددة، وقد كان من بينها (كلمة الله) للأخ الشهيد، إلى غير ذلك مما يطول ذكره(3).

هذا، ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين الميلادي ونهاية القرن العشرين، القرن الذي اتسعت الحرية في دنيا الغرب، وأخذت منه مأخذاً وسيعاً، وطالت كل مجالات حياتهم.

فلقد حرّضتُ ذات مرة نفرين من أصدقائنا على أن يستقرّا في باريس ويعملا معاً لإخراج مجلة هناك للمسلمين الذين يتواجدون في فرنسا ويبلغ عددهم خمسة ملايين نسمة تقريباً، وذلك حسب الإحصاء الرسمي، فذهبا إلى وكيل وزير الثقافة والإعلام هناك وقالا له إنهما يريدان إجازة إصدار مجلة إسلامية مواصفاتها كذا وكذا..

فضحك وكيل الوزير قائلاً لهما: هل أنتما مسلمان شرقيان؟

قالا: نعم.

قال: إصدار المجلة في بلادنا في حكم دخول السوق واشتراء كيلو من التفاح أو الليمون، حيث أنه يحق لكل إنسان ذلك، والشرط الوحيد لتعامل كل إنسان مع الآخرين هو: أن لا يتعدّى الشخص على الناس ولا يضربهم بالسكين، ولا يهيئ ضد الناس المتفجرات أو يحيك عليهم المؤامرات، وما أشبه ذلك، وكل ما لم يكن من هذا القبيل فهو لا يحتاج إلى إجازة.

وكان هذا نموذجاً من عالم المطبوعات في الغرب.

وإليك نموذجاً منه في بلادنا الإسلامية والعربية:

فلقد كانت لنا في العراق خمسة عشر مجلة، مثل: مجلة الأخلاق والآداب، ومجلة صوت المبلغين، ومجلة أجوبة المسائل الدينية، وغير ذلك من المجلات الأخلاقية والاجتماعية.. وقد ذكــرت أساميها كـــلها في بعض الكـــتب التي كتبتها في هذا المجال(4)، فعمدت الحكومة العراقية وبأمر من أسيادها الناقمين على الإسلام والمسلمين إلى إغلاق كل هذه المجلات الخمسة عشر، ومنعها من الصدور.

نماذج من عالم الغرب

والظريف في هذا الأمر أن أسياد هؤلاء الحكام ومسيّرو هذه الحكومات التي تمنع المطبوعات في بلادنا، لهم في بلادهم الحرية الكافية في الطبع والنشر والقوانين لحماية الكتّاب والناشرين، حتى إني أذكر أن في بريطانيا أرادت تاتشر أن تمنع كتاباً يضرّ نشره بالسياسة البريطانية وقواعدها الاستعمارية، فعقدت مجلس الوزراء للبحث في ذلك، والتصويت على منع الكتاب، لكنها لم تفلح في ذلك، ولم تصل إلى نتيجة، وخرج الكتاب إلى الأسواق رغم محاولة رئيسة الحكومة البريطانية من منعه.

كما أن حكومة إسرائيل وهي البلد الآخر المعدود من جملة الأسياد لبعض حكام البلاد الإسلامية، لم تتمكن أن تمنع كتاب: (المحدال) مع أنها دعت الكنيست ومجلس الوزراء وغير ذلك لمنع هذا الكتاب الواحد الذي كتب لأجل الإطاحة بإسرائيل وإراءة أفضل الطرق لمحوها من الوجود، فباءت الحكومة بالفشل، ولم توفَّق لمنع الكتاب، لأن قانون مطبوعاتهم لم يسمح لها بذلك، ورأت أن الطريق الوحيد هو إرضاء المؤلف والقائم بالطبع والنشر بالمال، وإقناعهم بسحب الكتاب من السوق لكن المعنيين بأمر الكتاب لم يرضوا بالسحب ونشروا الكتاب وبيع علناً في إسرائيل.

ثم إن بعض المترجمين الفلسطينيين ترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية وانتشرت الترجمة في البلاد الإسلامية والعربية مما يتسنى لكل إنسان اقتناؤه، وقد حصلت أنا على نسخة منها وقرأتها والترجمة هي الآن موجودة في المكتبات العربية وغير العربية.

اليابان وكيفية تقدمها

هذا، وقد التقيت بأحد الأصدقاء التجار الذي كان يمتهن المتاجرة مع اليابان، ويذهب بين فترة وأخرى إليها، وأحياناً كان عمله يتطلّب أن يبقى فيها ثلاثة أشهر، فسألته ذات مرة عن سبب تقدم اليابان هذا التقدم الهائل، مع أن اليابان كانت والى قبل نصف قرن تقريباً ـ أي بعد الحرب العالمية الثانية، على أثر دمار الحرب وغيرها ـ من البلاد المتأخرة وكانت البضائع اليابانية في العراق تعدّ من البضائع غير الجيدة وخاصة بالنسبة إلى البضائع الغربية المتقدمة، بحيث كان الناس لا يقبلون عليها ما دام كان يوجد في السوق مشابهاً لها من البضائع الغربية المتطورة.

فأجابني قائلاً: إن لتقدم اليابان أسباباً كثيرة والتي شاهدته منها هو (اهتمامهم الكبير شعباً وحكومة بثقافة الكتاب والمطالعة)(5)، حتى أنك إذا دخلت اليابان تجد في المطار مكتبة، وفي الحديقة العامة مكتبة، وفي عيادات الأطباء مكتبة، وفي مكاتب المهندسين مكتبة، وفي السيارات مكتبة، وفي الباصات مكتبة، وفي القطارات والباخرات وحتى الطائرات مكتبة، وهكذا.. وإذا دخلت البيت الياباني وجدت في الصالون مكتبة، وفي غرفة الاستقبال مكتبة، وفي غرفة الطعام مكتبة، وفي غرفة المنام مكتبة، وفي غرفة الاجتماع مكتبة، وهكذا في بيت الخلاء والمرافق الصحية أيضاً مكتبة صغيرة حتى إذا أراد الإنسان أن يجلس لقضاء الحاجة بمقدار دقيقة أو دقيقتين، طالع بذلك المقدار من الوقت واغتنم تلك الفرصة.

كما إنك إذا ركبت الطائرة أو الباخرة، أو السيارة أو القطار، وجدت كل إنسان جالس في هذه الوسائل المعدة للنقل والمواصلات مشغولاً بالمطالعة، يعني: أنه قد اغتنم فرصة الركوب لمطالعة كتاب أو مجلة أو جريدة أو ما أشبه ذلك..

العراق وأسباب تأخره

كان ذلك الصديق التاجر يقصُّ عليّ مشاهداته عن اليابان وثقافة اليابانيين ومكتباتهم التي تفوق عدد نفوسهم، فمرّ على خاطري مأساتنا في العراق، حيث أسسنا في كربلاء المقدسة ما يقرب من أربعين مكتبة بدائية للمطالعة في المساجد والمدارس وما أشبه ذلك فقط، فأغلقت الحكومة كل تلك المكتبات وكذلك أغلقت الحكومة العراقية ما أسسناه من مكتبة عامة تفتح أبوابها على الجميع، وكنا قد سمينا تلك المكتبة باسم: مكتبة القرآن الحكيم العامة، لتزويد مكتبات العراق ومختلف البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، والعربية وغير العربية بالكتــب والمطبوعات والمعلومات الدينية، والثقافة العامة، فعمدت الحكومة العراقية إلى إغلاق هذه المكتبة: مكتبة الأم العامة وكل تلك المكتبات التي كانت تتجاوز السبعين مكتبة، في كربلاء المقدسة وفي مختلف المدن العراقية، وإضافة إلى إغلاقها صادرت الحكومة كل كتبها وجميع ما فيها!.

هذا هو بعض نماذج محاربة الحكومة العسكرية في العراق للوعي والثقافة.

وكذلك كانت حكومة الملكيين في العراق برئاسة نوري السعيد، فإني أذكر جيداً أن الأخ الشهيد(6) (تغمده الله برحمته) كان يصدر آنذاك مجلة باسم: (الأخلاق والآداب) وكان مفادها كاسمها متعرّضاً للأخلاق والآداب فحسب، لكن كلمة واحدة منها فقط وقعت مورداً لإشكال حكومة نوري السعيد حيث ادّعت أنها استفزازية، مع أنها لم تكن كلمة سياسية، وإنما كان ادعاء الحكومة ذلك ذريعة إلى إغلاق تلك المجلة الأخلاقية والتوعوية، والحكم بسجن مصدّريها والعاملين فيها، وكانوا ما يقارب من عشرة أشخاص، فحكمت على كل واحد منهم بالسجن ثلاثة أشهر، لكن نوري السعيد نفسه الذي أصدرت حكومته هذا القرار وحكمت على مصدّري مجلة الأخلاق والآداب بالسجن، وحاربت بذلك الثقافة والوعي، شملته تعاسة عدم وعي الناس، وعمّته بلية اللاوعي الراسخ في الشعب، حيث أنه أطيح به وبحكومته في انقلاب عسكري مسلّح أودت بحياته وحياة حكومته، وأغلقت ملف النظام الملكي في العراق، وذلك على ما هو معروف من تاريخ الملكيين.

وهذا كان من نتائج محاربة الوعي والثقافة، حيث تمكن الأسياد بواسطة عدم وعي الناس من تنفيذ انقلاب عسكري ضدهم، من دون اعتراض أحد من الناس، بينما لم يستطع الأسياد من تنفيذ انقلاب عسكري ضد بعضهم الآخر لوعي الناس عندهم.

الملكيون ومدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)

وإني أذكر أيضاً أنه حينما أردنا تأسيس مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) الأهلية في كربلاء المقدسة، وذلك مع جماعة من الأصدقاء الأخيار، لم تمنح الحكومة إجازة فتح المدرسة، وإنما أخّرت الموافقة على فتحها إلى أكثر من عشرة أشهر وكانت تأتي لتوجيه ذلك بأعذار تافهة وواهية للغاية، لكنا أصررنا على فتح المدرسة، وأخيراً اضطرت الحكومة إلى منح الإجازة وإعلان الموافقة على فتحها.

هذا، وقد كانت المدرسة في ذلك اليوم ابتدائية فقط ولم تشتمل على المتوسطة والثانوية والجامعية، فإن الحكومات المسيَّرة لا تريد لأن أسيادها لا يريدون تقدم الثقافة والوعي في بلادنا حتى بهذا القدر، مع العلم أن الحكومة آنذاك كانت تابعة لنظام ملكي يدعي الحرية ويهتف بها، وكانت الأحزاب فيه حرة ومتعددة.

وكانت المدينة المقدسة هي الأخرى بحاجة إلى مثل هذه المدرسة الأهلية لكن بما أن الحكومة كانت حكومة مسيَّرة والأسياد لا يريدون تقدم المسودين، فكانت تطبق ما يريده الأسياد تطبيقاً حرفياً، لأنها لا تتمكن من مخالفتهم ولو بمقدار قيد شعرة.

هكذا تكون معاملة الأسياد

نعم، هكذا كان يتعامل الأسياد ولا يزالون يتعاملون به مع الشعوب المسودة، بينما تعاملهم مع شعوبهم ليس كذلك، بل هو بالعكس تماماً، ولذلك قال غاندي(7) الزعيم الهندي للضابط البريطاني ممثل أحد أبرز دول الأسياد وأخبثها: (إنك أسد في الهند، وفأرة في لندن) وهذا ما نجربه كل يوم في هذه البلاد المسودة، علماً بأن تعاملهم هذا ـ بالنسبة إلينا ـ ليس خاصاً بمجال الثقافة وحدها، بل هو عام يشمل كل شؤون الحياة.

حتى إني أذكر أنه كان في بغداد مهندس شاب قد اخترع ساعة بدون فنر، فلما سمعت به الحكومة، أوعزت إلى عمال وزارة الأمن والاستخبارات بأن يأخذوه إلى مكان مجهول حيث لم يظهر له بعد ذلك عين ولا أثر، مما يظن أنهم أعدموه، وصادروا الساعة منه، تنكيلاً بالمبتكرين المسلمين وتحجيماً للصناعة الوطنية وتهديداً للتصنيع الداخلي، حتى تبقى بلادنا مستوردة دائماً، ومحتاجة إليهم أبداً.

كما أن في إيران قبل ما يقارب من أربعين سنة، ظهر في مجال الطب القديم طبيب حاذق، كان يعالج الناس بالطب اليوناني معالجة سريعة، وطار صيته في البلاد، فصنعت له الحكومة عبر رجال الأمن والاستخبارات حادث اصطدام مفتعل، وقضت به على حياته، وذلك حتى لا يظهر هذا الطب السهل النافع والسريع الناجع، الذي هو في مصلحة الشعب المسلم ونفعه ولئلا يكون يوماً ما من عوامل الاكتفاء الذاتي لهم، فيكون تهديداً لمصالح الأسياد، قاموا بالقضاء عليه في مهده، واجتثاثه من أساسه وجذره.

وحاصل الكلام هو:

إن الأسياد يغلقون علينا ـ عبر الحكومات المسيَّرة ـ أبواب العلم ونوافذ الفكر، حتى لا يحصل للإنسان المسلم وعي ورأي ولايحصل له تقدم علمي وثقافي.

وذات مرة قال لي أحد التجار وكان من أصدقائنا: بأنه يسعى لتأسيس مصنع لتجميع السيارات وكان يحاول الحصول على إجازة ذلك من الحكومة، لكني قلت له: لا تحاول ذلك، فإن حكوماتنا غير مستعدة لإجازة أمثال هذه الأمور، لكن الرجل كبقية الناس لحسن ظنه حاول وحاول ذلك لمدة طويلة من الزمان للحصول على الإجازة، ثم بعد ثلاث سنوات قالت له الحكومة مهددة: الأفضل لك أن تترك هذا الأمر، مما اضطر إلى تركه!.

يقال: حسب القواعد العلمية: إن كثرة العدد، هي مما تزيد الأمة شوكة وشرفاً وتكسب بهم عزة ومنفعة، وليس هناك اليوم أمة هي أكثر عدداً من المسلمين فقد صرحت الإحصاءات الأخيرة بأن المسلمين يبلغ عددهم ملياري نسمة، فلابد أن يكونوا أقوى الأمم وأعزّهم، أو على الأقل من أقواهم وأعزّهم، ولكنهم أصبحوا على عكس ذلك، لأنهم قد أسقطوا بالإجماع أسباب عزهم وسؤددهم، وكأن الحكومات الإسلامية قد أجمعت على إسقاط الأسباب التي قررها الإسلام بنص القرآن الحكيم لصالحهم وأرادها الله لهم.

 

1 ـ وهو تفسير مزجي ومختصر مبسط يفهمه الجميع، ويشتمل على ميزات لم توجد في سائر التفاسير إلاّ نادراً، طبع مرتان (ثلاثون جزءاً في عشرة مجلدات) في بيروت لبنان عام 1400هـ، إلاّ الأجزاء الثلاثة الأخيرة (28 و29 و30) حيث طبعت ثلاث مرات كانت أولاها في النجف الأشرف - العراق عامي 1385هـ و1387هـ.

2 ـ الكتاب الذي صودر كان باسم (روش حكومت بيامبر وأمير مؤمنان) بالفارسية، وقد صادرتها السلطات الإيرانية من المطبعة وأحرقتها جميعاً، ثم طبع الكتاب بعد سنوات عديدة في بلد آخر باسم (برتوى از حكومت بيامبر (ص) وأمير مؤمنان (ع)).

3 ـ كما صادرت السلطان الإيرانية في مطار طهران الدولي (مطار مهر آباد) النسخة الخطية لكتاب (كلمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام) لآية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي وذلك في تاريخ 27/6/1995م، من أحد المشايخ الذي كان الكتاب معه.

4 ـ راجع كتاب (عشت في كربلاء) و... للمؤلف.

5 ـ الذي سموه بثورة (المايجي ايشين) والتي تعني (الثورة الثقافية).

6 ـ هو المفكر الإسلامي الكبير آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي (1354 - 1400هـ) الأخ الأصغر للإمام المؤلف (دام ظله).. وقد كتب مقالات عديدة في مجلة (الأخلاق والآداب) الكربلائية الصادرة منذ عام (1377هـ) منها: (زيارة العتبات) و(الإسلام يعالج مشكلة الطبقات) وغيرهما..

7 ـ موهانداس كرامشاند غاندي (1869 - 1948م) زعيم وطني هندي ومصلح اجتماعي ورائد فلسفة اللاعنف في الحياة السياسية في عصره، ولد في مدينة (بوربند) الواقعة في مقاطعة غوجارات الهندية، لقب بـ(المهاتما) أي (النفس السامية) أو (القديس)، دعا إلى تحرير القارة الهندية من سيطرة الاستعمار الإنكليزي بالطرق السلمية والمقاومة السلبية بعيداً عن العنف، وتقوم الأسس العقائدية والفكرية لنضاله على خلفيات دينية واقتصادية وسياسية في آن واحد، وهو في هذا المضمار قد تأثر بالتعاليم من الكتب السماوية مثل (القرآن الكريم) و(الإنجيل) والتعليمات الروحية الهندوسية وبعدد من المؤلفات، كما لا ينسى دور والدته في تربيته الدينية وبناء شخصيته أيام طفولته وصباوته، وقد تأثر تأثراً عميقاً بقضية عاشوراء التي استشهد فيها الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه وسبي أهل بيته (عليهم السلام) حتى قال مقولته الشهيرة: (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر)، أدت جهوده الحثيثة إلى استقلال الهند عام 1947م، كتبت عن شخصيته أكثر من ثلاثمائة كتاب، اغتاله برهماني متعصب في العام (1948م).