الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الأخوّة الإسلامية

ومن أسباب عزّهم: الأخوّة الإسلامية، فإن عامل الكثرة إذا اتحد مع عامل الأخوّة، انتج العزة، وليس للكثرة وحدها.

ولذلك نرى أنه قد آخى الرسول (صلى الله عليه وآله) بين المسلمين مرتين:

مرّة في مكة المكرمة.

ومرّة في المدينة المنورة.

فسلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال الحبشي وأبو ذر العربي، كلهم صاروا أخوة ببركة الإسلام، وصار لكل واحد منهم ما للجميع، وعلى كل واحد منهم ما على الجميع، وذلك من غير نظر إلى عشيرة أو قبــيلة أو أصل أو فرع، وإنما كان الميزان هو: ما ذكره القرآن الحكيم بقوله:(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(1) علماً بأن هذه (الأكرمية لأفراد الأمة المتآخين) إنما تكون عند الله من حيث الأجر والثواب لا من حيث الأمور الدنيوية.

نعم، في الأمور الشرعية الميزان هو التقوى أيضاً، مثلاً: العدالة شرط في القضاء والشهادة وكذلك هي شرط في الاجتهاد والتقليد، وما أشبه ذلك.

وكيف كان: فإن الأخوّة الإسلامية هي من أهم أسباب عزة المسلمين، ومن يوم ترك المسلمون (الأخوة الإسلامية) فقدوا عزهم وضاعت شوكتهم، بينما أخذها غير المسلمين فصاروا أخوة ونالوا بذلك القوة والعزة، وأصبحوا سادة الدنيا. 

الأُخوّة عند غيرنا

وقد نقل لي أحد الأصدقاء في كربلاء المقدسة وكان يعرف الندافة، ويتقن الخياطة أيضاً، فكان خياطاً وندّافاً في وقت واحد، وكانت من مهنته تهيئة ما يرتبط بالندافة والخياطة من جهاز الزواج، كخياطة ملابس الزوجين، وتهيئة ما يحتاجونه في غرفة منامهما من ندافة وما أشبه ذلك، قال: استقدمني إلى بغداد أحد التجار اليهود لأخيط لابنته وصهره ملابس العرس والزواج، فذهبت إليه، فأخذني معه إلى داره، وكانت داراً واسعة فارغة من أي أحد، وهيأ لي فيها ما أحتاجه لخياطة الملابس من قماش وخيط وزرار وما أشبه ذلك، فكنت أذهب كل يوم وقت العمل إلى ذلك البيت وأشتغل بالخياطة، وذات يوم وأنا مشغول بخياطة الملابس وإذا بي أسمع من أحد أطراف البيت صوت شخص يتكلم باللغة الفارسية، فتعجبت وناديت: من المتكلم؟ فسمع صوتي وجاء إلي، فرأيته ريفياً بهيكله وملابسه.

فقلت له: ماذا تعمل هنا؟

فقال: إني صهر لهذا اليهودي.

فلم أصدّقه في قلبي واحتملت أنه بستاني فلاح وقد استخدمه التاجر اليهودي لإصلاح حديقة البيت، لكنه أكد على ادعائه ذلك.

فقلت له: من أي بلد أنت؟

قال: من قرية كذا..

وهي إحدى قرى إصفهان، وملابسه كانت تدل على ذلك، فتركته واشتغلت بعملي، حتى إذا جاء التاجر اليهودي صاحب البيت، سألته عن حال هذا الشاب الإصفهاني وعما يدعيه من مصاهرته له؟

فقال: نعم هو صهري.

فقلت له: وبأية مناسبة أصبح صهركم؟ هل كانت له قرابة أو صداقة معكم؟

فأجاب التاجر قائلاً: كلا، لم يكن له أية صداقة أو قرابة معنا، لكنه شاب يهودي أتى إلى بغداد، وحيث عرفنا أنه يهودي وغريب في بغداد التففنا حوله، وحاولنا مساعدته ومشاطرته حتى لا يحس بغربته، فقررنا أن يعطيه أحدنا رأس مال للتجارة وأن يعطيه ثان داراً يسكن فيها، وأن يزوجه ثالث ابنته، وقد صار القرار أني أزوجه ابنتي.

فقلت له وقد ازداد تعجبي: وهل تزوجه لمجرد كونه يهودياً؟

قال وبكل انشراح: نعم إنه مجرد كون الشخص يهودياً يجعله منا وإن لم يكن بيننا وبينه صلة ولا قرابة، ولم يجمعنا معه لغة ولا بلد، فيجب له ما لجميعنا، ويلزم عليه ما على جميعنا.

قال: وقد ورأيت ذلك الشاب الغريب بعد أيام وقد زوجه التاجر اليهودي ابنته، وأعطاه مسكناً وفتح له محلاً تجارياً في سوق الشورجة المعروفة في بغداد.

آثار رعاية الأخوّة وعدم رعايتها

وهكذا أخذ اليهود على قلّتهم يراعون الأخوة الدينية عندهم عملاً حتى استقووا وتمكنوا من اغتصاب فلسطين وإعلان سيادتهم عليها وعلى المنطقة.

بينما نرى المسلمين صاروا شيعاً متناحرة، وأحزاباً متخاذلة، وقوميات متفاخرة، فهذا من قومية عربية، وهذا من قومية كردية، وهذا من قومية فارسية، وهذا من قومية هندية وهكذا.. وكل واحد منا يرى غيره أجنبياً عنه، فلم يراعوا الأخوّة الإسلامية حتى كأنهم نسوا قول الله سبحانه:(إنما المؤمنون إخوة)(2)ونسوا قوله تعالى: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(3) ففقدوا على أثر ذلك عزّهم وسؤددهم.

التسفير والتهجير عمل غير إنساني

وإني أذكر أن في نفس تلك الأيام، قام رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون المشهور بـ(حاصر المهن) بإخراج وتسفير إخوتنا في الإسلام والدين بجرم أنهم من الإيرانيين أو من الباكستانيين، أو من الهنود، أو من الأفاغنة، أو من غير ذلك.. وسفّرهم من العراق بحجة أنهم أصبحوا عالة على العراقيين، أو أنهم صاروا يزاحمونهم في اكتساب الأعمال والأرزاق، وامتلاك الأموال والخيرات، وما إلى ذلك من مغالطات وسفسطات، وتمويه وتشويه على الناس.

ثم هل توسّع الأمر أو وفّر الفيء على العراقيين من جرّاء تسفير هؤلاء؟ أو حصل العكس من ذلك؟

لقد أثبت تاريخ العراق أنه حصل لهم العكس، فقد تضيّق على العراقيين بدل السعة وقلّ فيئهم وتدهور عيشهم واقتصادهم، وأخذ العراق في الانحطاط والانزواء.

هذا وقد قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)(4) أي معيشة ضيقة.. فإن الضنك هو ضيق العيش، وقد رأينا ذلك الضنك بأعيننا، وسمعنا تأوّه الشعب العراقي المسلم من ثقله واستغاثته عن وطأته بأسماعنا وآذاننا، فهل من معتبر؟

وأما ما ذكره تعالى بعد ذلك مــن قوله سبحانه:(ونحشره يوم القيامة أعمى) فإنه سيرينا الله تعالى ذلك في يوم الحشر والنشر.

إحياء القوميات مخطط استعماري

ثم إن حكام العراق ـ كبقية حكام المسلمين ـ وبأمر من الأسياد: قاموا بإحياء ما أماته الإسلام وحاربه من عادات الجاهلية المشؤومة ألا وهو الاعتزاز بالقوميات، فأحيا الحكام في الــعراق القومية العربية وأهانوا أكراد العراق ومنعوهم من حقوقهم المشروعة، مما سبب غضبهم والقيام ضد الحكومة المركزية وإعلان الثورة عليها والمطالبة باستقلالهم وبانفصال كردستان عن العراق، وقد أدّى هذا التصادم الذي دام ما يقرب من خمسين عاماً إلى ذهاب عشرات الألوف من القتلى ضحايا، والى رواح آلاف القرى والأرياف دماراً وتخريباً، وما إلى ذلك مما هو معروف من الحرب العراقية ـ الكردية(5).

كما أن تسفير الإيرانيين المقيمين في العراق والمتولّد كثير منهم وآباؤهم في العراق، كان هو العامل الآخر الذي سبّب العداء المستحكم بين حكومتي الجارين المسلمين، مما انتهى إلى محاربتهما وإدخال الشعبين المسلمين في حرب طاحنة التهمت نفوس الكثير من شبابهما، وابتلعت المقادير الكبيرة من أموالهما، وقد سمعت أنا شخصياً من أحد المسؤولين في إيران – واشتهر أيضاً ذلك - أن الحرب سببت عليهم خسارة ألف مليار دولار مادياً فقط دون الأضرار المعنوية والأخلاقية التي لا تقدير لها أبداً، كما سمعت أيضاً من الإذاعة العراقية أن الحرب سببت لهم خسارة سبعمائة مليار وأكثر مادياً أيضاً وذلك من غير الخسائر المعنوية الفادحة التي لا تقدّر، ومن غير ما قدّمته الحكومات العربية من الأموال والمؤن والمعدّات الحربية إلى العراق كمساعداته المجانية، ومن غير الشباب العراقيين الذين قتلوا بلا حساب مما لا يعلم عددهم إلاّ الله سبحانه وحده.

وأخيراً نال عبد المحسن السعدون جزاءه العاجل في الدنيا حيث اضطر إلى أن يقتل نفسه بيده ـ كما اشتهر أنه انتحر ـ، أو بيد المستعمرين فقد أوعز الأسياد ـ بعد أن قضوا وطرهم منه ـ إلى قتله والتخلّص منه، فإن (من أعان ظالماً - كما ورد(6) في الحديث الشريف - سلّطه الله عليه)، وهذا ما ثبت تجربته في التاريخ وخصوصاً التاريخ المعاصر في العراق وغير العراق.

هذا، ولا يخفى أنه يمكن تلخيص معنى الأخوّة الإسلامية التي أمر بها الإسلام في تشريك جميع المسلمين على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وبلادهم في الحقوق التي منحها الإسلام لكل مسلم وبصورة متساوية دونما أي تفاوت وتفاضل.

الأمة الإسلامية الواحدة

وقد أسقطت الحكومات الإسلامية المسيّرة حكم (الأخوّة الإسلامية) المقررة بصراحة في القرآن الحكيم:(إنما المؤمنون أخوة)(7) والذي نفذه الرسول (صلى الله عليه وآله) بإصرار وعمل به المسلمون طول التاريخ الإسلامي حتى ما قبل نصف قرن تقريباً.

كذلك أسقطوا (الأمة الواحدة) حيث يقول سبحانه:(وإن هذه أمتكم أمة واحد وأنا ربكم فاتقون)(8) وقد طبّق الرسول (صلى الله عليه وآله) هذا الحكم الإسلامي الصريح في أول الإســلام بقوة، وذلك عندما انتشر الدين الإسلامي الحنيف وتوسّع في البلاد المجاورة للجزيرة ونفذ إليها وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فقام (صلى الله عليه وآله) بعد إسقاط الحدود النفسية الضيقة بالتآخي بين المسلمين وقام بإسقاط الحدود الجغرافية بين القبائل والمدن وما أشبه ذلك لصياغة الأمة الواحدة.

وكان ما طبقه الرسول (صلى الله عليه وآله) في حكم (الأمة الإسلامية الواحدة) ثابتاً إلى قبل ما يقارب نصف قرن، حيث أسقطت الحكومات المسيّرة وبإيحاء من الأسياد، حكم الله الصريح في الأمـــة الواحدة وجعلوا المسلمين شيعاً وقطعوهم تقطيعاً وبضعوهم تبضيعاً.

ومن الواضح، أن الاتحاد قوة وأن التشتت ضعف، وقد نهى الله عما يسبب ضعف المسلمين بقوله سبحانه:(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(9) ومن المعلوم أنه قد حصل تنازع غريب بين بلاد الإسلام على أثر هذه الحدود الجغرافية المبتدعة، مما أنتج ضعف المسلمين وذهاب شوكتهم وسيادتهم.

وإني أذكر قبل خمسين سنة تقريباً ونحن في العراق كيف أن مسلمي الهند ومسلمي أفغانستان ومسلمي إيران ومسلمي تركية، ومسلمي كردستان وغيرهم كانوا يأتون إلى العراق لزيارة العتبات المــقدسة ويذهبون من العراق بلا تأشيرة دخول أو خروج أو ما أشبه ذلك، إذ لا حدود جغرافية بينهم.

كما لا حدود جغرافية بين البلاد العربية أيضاً، فكانوا يتنقلون فيها بلا حاجة إلى جواز أو هوية أو ما شابه ذلك..

كما كان المسلمون من العرب ومن غيرهم من البلاد العربية وغيرها يذهبون إلى الحج لأداء المناسك وزيارة الرسول (صلى الله عليه وآله) وزيارة أئمة البقيع (عليهم السلام) ثم منها إلى زيارة المسجد الأقصى وزيارة آثار الرسول (صلى الله عليه وآله) والأنبياء السابقين في بيت المقدس وغير ذلك ثم يرجعون إلى بلادهم وهم يعاملون معاملة أمة واحدة، فيسافرون بينها كما يسافر النجفي إلى كربلاء، والكربلائي إلى بغداد، والبغدادي إلى البصرة، وهكذا رواحاً ومجيئاً بلا أي مانع أو دافع، حتى فرقهم الحكام وبأمر من الأسياد وجعلوهم أمماً متعددة، لا يدخل بعضهم بلد بعض إلاّ بإجازة وتأشيرة ورسوم وضرائب وما أشبه ذلك.

وقد فرض حزب البعث الحاكم على العراق أخيراً على كل من يذهب إلى العتبات المقدسة للزيارة ضريبة بــاهظة وذلك لتأشيرة الدخول والخروج ما يقارب الألف دولار للإيرانيين، وأربعمائة دولار للهنود والباكستانيين، ومائة دولار لغيرهم وهكذا، ثم أنه لا يجد الإنسان نتيجة ذلك إلاّ ضعف العراق اقتصادياً وسياسياً وغير ذلك.. ضعفاً غريباً يصعب تصوّره ويعظم تصديقه.

البلاد الإسلامية قبل قرن

هذا، والبلاد الإسلامية كانت تختلف تماماً قبل قرن عما هي عليه اليوم، فقد كانت لي جدّة عمرت أكثر من ثمانين عاماً، وقد رأيتها وأدركتها فسألتها عن سفرها إلى الحج وأنا في العقد الثاني من مقتبل عمري فقصّت لي قائلة:

إنها في طريقها إلى الحج قبل ثمانين سنة كانت قد مرّت على الأردن وسورية ولبنان وفلسطين ومصر حتى ذهبت إلى الحج، ثم رجعت بنفس الطريق بالجمال تارة وبالسفن أخرى.

فسألتها عن كيفية الحدود بين هذه التي مرت بها؟

فقالت: إن الذهاب من بلد إلى بلد في ذلك الزمان، كان كذهابك من كربلاء المقدسة إلى النجف الأشرف، أو من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة.

نعم إنها مرّت في طريقها إلى الحج بتلك البلاد، للتشرف بزيارة المزارات المشهورة، فقد زارت ـ حسب قولها ـ: السيدة زينب (عليها السلام) في سوريا، والسيدة خولة في لبنان، والمسجد الأقصى في بيت المقدس، ومسجد رأس الحسين (عليه السلام) في مصر وكذلك زارت السيدة نفيسة في مصر، وهكذا.. علماً بأن الحكومات في هذه البلاد كانت مختلفة، فلكل بلد حكومة خاصة وحاكم معيّن، لكن لا حدود بينها بحيث كل من أراد الدخول والخروج في كل منها احتاج إلى التأشيرة والجواز، وإنما كانت البلاد الإسلامية على اختلاف حكوماتها واحدة، كاختلاف المحافظات والألوية بالنسبة إلى البلد الواحد والدولة الواحدة في يومنا هذا، فالحدود بين بغداد ـ مثلاً ـ وبين كربلاء المقدسة وبين النجف الأشرف وبين البصرة، وبين الموصل وبين الناصرية وما أشبه ذلك غير موجودة، وإن كان المحافظون لكل منها ومن أشبههم فيها مختلفين.

نعم هكذا كان حال البلاد الإسلامية في العالم الإسلامي قبل الحرب العالمية الثانية، ولم يكن الأمر من جهة وجود الحكومة الواحدة وهي الحكومة العثمانية آنذاك، لأنه لم تكن حكومة العثمانيين شاملة لبلاد إيران وما والاها من البلاد الإسلامية ومع ذلك لم يكن بينهم حدود، وكان المسلمون يأتون من الهند والسند وإيران وغيرها إلى العتبات المقدسة في العراق ويرجعون إلى بلادهم، أو يذهبون من هذه البلاد إلى الهند والسند وإيران وغيرها للسياحة والتجارة وغير ذلك، بلا حدود ولا قيود، ولا جوازات ولا تأشيرات دخول وخروج، ولا رسوم ولا ضرائب ولا ما أشبه ذلك.

الحدود لصدّ الزائرين وأخذ الضرائب

وكذلك حدثني والدي (رحمه الله)(10): أنه ذهب إلى إيران ـ قبل ما يقارب من ثمانين سنة ـ لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) بلا جواز ولا تأشيرة دخول ولا خروج ولا ضرائب ولا رسوم لأنه لم يكن بين إيران وبين العراق يوم ذاك حدود جغرافية مع أن الحكومة في البلدين ـ إيران والعراق ـ لم تكن واحدة بل كانت متعددة.

وهكذا أنا بنفسي وفي أوائل شبابي كنت قد رأيت أفواج الزائرين الذين كانوا يقصدون العتبات المقدسة من لبنان ومصر وتركيا والكويت والبحرين والجزيرة العربية وغيرها إلى العراق ثم يرجعون إلى بلادهم، ويذهب أهل هذه المشاهد المشرفة إلى تلك البلاد بقصد التجارة أو بقصد الزيارة والحج والعمرة وذلك بكل حرية بلا جواز أو تأشيرة دخول.

نعم جاءت هذه الحدود بل جاؤوا بها لصد الزائرين وأخذ الضرائب وفصل الأمة الإسلامية والبلد الإسلامي بعضها عن بعض.

من أهداف مخطط الحدود

ثم إن السعة في البلاد وحرية التنقل بينها والتكسب فيها توجب السعة عند الأشخاص تجارة وزراعة وزواجاً وسكناً وغير ذلك.. كما وتوجب السعة في البلاد التقدم لها اقتصاداً واجتماعاً وصناعة وعمراناً.

ولكن لما قسّمت البلاد بسكاكين الاستعمار إلى أقسام صغيرة ومتناحرة صار الضيق بين الناس والشدة في عيشهم والتأخر لحياتهم، بما نشاهده اليوم.

علماً بأن من أهداف تقسيم الاستعمار بلادنا الواحدة إلى هذه الأقسام هو: التضييق على الناس أكثر فأكثر، ولذلك أوكلوا إلى عملائهم تنفيذ هذا المخطط الاستعماري تنفيذاً دقيقاً، وأوصوهم بتوسعة مخطط الحدود وسحبه من بين البلاد إلى ما بين المدن لبلد واحد أيضاً.

ولذلك نرى أن البهلوي الأول(11) ـ وقد أدركته وأنا أتذكر أيامه الأخيرة ـ يقوم بوضع الحدود ورسمها بين قم وطهران، وبين مشهد وشيراز، وبين خراسان واصفهان وهكذا.

كما أنه قد قصّ لي الوالد(رحمه الله) وغيره من الثقاة بأن البريطانيين لما احتلوا العراق عسكرياً ودخلوه فاتحين، أوجدوا الحدود التي ابتدعوها حول مدن العراق ومحافظاته، فكانوا لا يجيزون لأحد السفر من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة، ولا من كربلاء المقدسة إلى الكاظمية المشرفة، وهكذا.. إلاّ بتصريح خاص من الحاكم البريطاني، وكان ذلك طبعاً قبل قيام الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي(12) (قدس سره) بطرد البريطانيين الغاصبين من العراق.

وكيف كان، فإن هذه الحدود المصــطنعة ثبتت بتخطيط الاستعمار وتنفيذ عملائهم بين كل البلاد الإسلامية من الهند والباكستان، وبنغلادش والبورمة، وأوزبكستان وطاجيكستان، والعراق وإيران، وهكذا غيرها من سائر البلاد الإسلامية للتضييق على الناس.

هذا، وقد ذكر لي بعض أهل الهند وباكستان وبنغلادش: إن بلادهم كانت مجزأة أيام الاحتلال البريطاني بفعل البريطانيين كل تجزئة، حتى أنهم كانوا قد قطعوها إلى ثلاثمائة قطعة وجعلوا بين بعضها مع بعض حدوداً جغرافية، ولم يسمحوا لأحد بالتنقل بينها إلاّ بمؤشر من الحكام البريطانيين المحتلين، وهكذا بقيت هذه الحدود المبتدعة حتى استقلال الهند، فإنه لما استقلت الهند قبل خمسين سنة ألغت كل تلك الحدود التي صنعها المستعمرون على أراضيها.

وقد حكى لي أحد المطلعين بأن الأمر كان كذلك أيضاً في الصين، وذلك إبان كانت الصين تحت الاحتلال الغربي، أو الياباني، فكانت مجزأة وبينها حدود جغرافية مفتعلة.

الجاهلية والحدود الجغرافية

هذا، ولا يخفى أنه كان حال الجزيرة العربية وأطرافها في الجاهلية وقبل بعثة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومجيء الإسلام، حال البلاد الإسلامية في هذا اليوم مجزأة ومبضّعة، يحدّ كل قطعة منها حدوداً كاذبة ويفصلها فواصل لا أساس لها، فكان - مثلاً - بين القبائل: قبيلة مع قبيلة حدود، وبين المدن ومحلاتها حدود، وبين القبائل والمدن حدود وهكذا، فلما جاء الرسول (صلى الله عليه وآله) بالعدل والرحمة أسقط كل تلك الحدود المصطنعة وألغاها من بينهم، مما بعضها ساقط إلى اليوم، وبعضها عاد بسبب التخطيط الاستعماري الهادف للسيطرة على بلاد المسلمين وثرواتهم، وساعدهم على إعادتها الحكّام المسيّرون من قبل أولئك الأسياد المستعمرين، فعادت الجاهلية إلينا من جديد، وغشيتنا بظلامها القاتم ثانية.

بينما أخذت الدول الأوروبية تفيق من جاهليتها، وتنفض عن نفسها غبارها وظلامها، وذلك باتحادها وإسقاط الحدود فيما بينها، وتوحيد عملتها وثقافتها وبرامجها رغم الاختلاف الكبير الموجود بين شعوبها من حيث اللغة والدين والاقتصاد وسائر الخصوصيات، فلا ترى اليوم حدوداً بين الدول الأوروبية على تعددها وتعدد حكوماتها ورغم وسعتها وعظيم مساحتها، ترفيهاً على شعوبهم وتوفيراً لحرياتهم، فهم سائرون بينها ويتاجرون فيها بلا أي مانع أو دافع، ولا رسوم ولا ضرائب، يعني أنهم أخذوا خير ما عندنا وأعطونا شر ما عندهم، وبذلك انطبق على المسلمين المثل المشهور: (رمتني بدائها وانسلّت).

نعم، إنهم جعلوا بين بلادنا الموحدة حدوداً، ورفعوا الحدود بين بلادهم المتعددة، فاللازم علينا أن نعمل إلى إعادة الإسلام والرجوع إلى حالتنا السابقة من عدم الحدود وحرية التنقل والتجارة حتى يكون المسافر المسلم متنقلاً بين البلاد الإسلامية بحرية كاملة، فيسافر من اندونيسيا ـ مثلاً ـ إلى العراق، ومنها إلى إيران، ومنها إلى مصر، ومنها إلى المغرب، وهكذا بلا جمارك ولا حدود ولا ضرائب ولا رسوم.

التنديد ببدعة الحدود والجوازات

وإني أذكر جيداً حين كان المسلمون في إيران يأتون لزيارة العتبات المقدسة في العراق ولا حدود بين البلدين، ولا رسوم ولا ضرائب، ثم أحدثها البهلوي الأول، كما أحدث بدعة الجوازات لسفر الحج والعمرة والزيارة فانزعج الناس عند ذلك اكبر انزعاج، وغضبوا أشد الغضب، لأنهم رأوا في ذلك تقسيماً لبلدهم الواحد، وتحديداً لحريتهم في السفر للحج والعتبات المقدسة، وقد قالوا قصائد في هذا الشأن، وأذكر أن قصيدة طويلة قيلت تنديداً بما أحدثه البهلوي من معاناة الزوار الذين كانوا يأتون من إيران إلى العراق بسبب ما ابتدعه من الحدود وفرض الضرائب والرسوم وذلك باللغة الفارسية وكانت تباع في صحني الإمام الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام)، كما وأصدر بعض مراجع العصر في ذلك الزمان فتوى بتحريم السفر للحج والزيارة ليحارب بذلك بدعة إحداث الحدود وإيجاد الجوازات، غير أن عمالة البهلوي وغيره من الحكام، وعدم وعي الأمة وعياً كافياً، ساعد على تحكيم بدعة الحدود والجوازات، وأظن أن تلك الفتوى وكذلك تلك القصيدة وهكذا القصائد الأخرى التي نددت وشجبت هذه البدعة الاستعمارية موجودة في بعض المكتبات المتواجدة في كربلاء المقدسة، والنجف الأشرف.

ولا يخفى أن بدعة الحدود والجوازات ـ كبقية البدع ـ بدأها الاستعمار في بلادنا بشكل بسيط وبصورة سهلة، فالحدود مثلاً أول ما أحدثوها بين إيران وبين العراق كانت تتلخص في أن السيارة الكبيرة الممتلئة بالناس وأحياناً كانت تحمل أربعين شخصاً أو ما يقارب ذلك، عندما كانت تصل إلى منطقة قصر شيرين أو الخسروي، أو تصل إلى المحمّرة أو عبادان، كان صاحب السيارة يقدّم إلى الجمرك مبلغاً قدره خمسة قرانات فقط فيعطوه ورقة كبيرة مكتوب فيها أسماء الزائرين وأرقامهم، يعني: يعطوه قائمة بأسماء المسافرين وعددهم، وليس أكثر، ولكن مع ذلك كان الناس المسلمون ينزعجون من هذا الأمر أكبر انزعاج لأنهم كانوا يرونه خلاف الإسلام، وخلاف الحرية التي منحها الإسلام لهم.

ثم لا يخفى أنه يمكن تلخيص معنى (الأمة الإسلامية الواحدة) فيما يلي: رفع الحدود الجغرافية والحواجز النفسية، وتوحيد اللغة والتاريخ والعملة، وما شابه ذلك..، على أن تكون اللغة المشتركة لغة القرآن، والتاريخ الرسمي تاريخ الإسلام الهجري القمري، والعملة الدينار والدرهم، وهكذا..

الحريات الإسلامية

ومن أسباب عزّة المسلمين التي أسقطها المستعمرون وذلك بمعاونة من حكام بلاد الإسلام المسيَّرين والتابعين لهم هي:(الحريات الإسلامية)، علماً بأن الإسلام يمتاز على سائر الأديان والمبادئ بأنه مجموعة كاملة للحياة، فهو يعمّ أمور الدنيا والآخرة، ويعتني بشؤون الروح والجسم معاً، فليس هو مجرد طقوس دينية وعبادية كالمسيحية وما والاها، ولا هو مجموعة أمور مادية ودنيوية كاليهودية وما شابهها، بل هو ـ إلى جانب العبادات والمعنويات ـ دين الأخوة والأمة الواحدة، ودين الحريات الإنسانية والسياسية الصحيحة العادلة.

والحكومات التي تدّعي الإسلام ولا تطبق حكم الإسلام في الأخوّة الإسلامية، والأمة الواحدة، والحريات الإسلامية، هي حكومات بعيدة عن الإسلام، لأنهم تظاهروا بظواهر الإسلام فقط من صلاة وصيام، وستر وحجاب مثلاً، وأبطنوا إنكار واقع الإسلام من العدل والقسط، والأخوّة الإسلامية، والأمة الواحدة، والحريات الإسلامية الشاملة لحرية السفر والحضر، والتجارة والاكتساب، والعمران والزراعة، وما إلى ذلك، فإن هذه الحكومات المسيّرة تركوا تطبيق كل الأحكام الإسلامية قاطبـــة وتمسكوا فقـــط بتطبيق القــــوانين الجزائية في الإسلام، مع أن القوانين الجزائية في الإسلام لا يجوز تطبيقها إلاّ بشرطين(13):

1) تطبيق كل الأحكام الإسلامية بحذافيرها تطبيقاً حرفياً دقيقاً في البلاد وبين كل الأمة، بحيث لا يبقى حكم واحد من أحكام الله معطلاً في جانب من جوانب الحياة، لا في الأخوّة الإسلامية، ولا في الأمة الواحدة، ولا في حرية التجارة والاكتساب والسفر والحضر والزراعة والعمران، ولا في غير ذلك من العدل والقسط بين الناس.

2) انتشار عدل الإسلام ورحمته بين كل الناس، فلا فقر ولا فقير ولا عوز ولا غريم، ولا عزب ولا عزوبة، ولا فاقد شغل، أو مسكن، أو مال، أو زوجة، أو سعادة، أو هناء ورفاه..

فإذا توفر هذان الشرطان توفراً كاملاً ودقيقاً، جاز آنذاك ـ على ما يستفاد من القرآن والسنّة ـ تطبيق القوانين الجزائية التي قال بها الإسلام، وإلاّ ـ بأن تخلّف ولو شيء من هذين الشرطين ـ لم يسمح الإسلام على ما في القرآن الحكيم والروايات الشريفة تطبيق شيء من قوانينه الجزائية، بل يحرّمه تحريماً باتاً، ويتوعد من يجري شيئاً منها بالعقاب والعذاب، وذلك لأنه بتطبيقها يشوّه سمعة الإسلام ويعرّفه في أنظار الناس بالخرق والعنف والقسوة والجفاء مع أنه دين الرفق واللين والرحمة والسماحة، وتشويه سمعة الإسلام أكبر خيانة.

وكيف كان، فإن من أسباب عزة المسلمين هي الحريات الإسلامية الواسعة والشاملة لكل جوانب حياة الإنسان ومجالاته الفكرية والعملية، ويدل عليها القرآن الحكيم، والروايات الشريفة المأثورة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة من أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)(14).

الحريات الإسلامية وأدلتها

أما القرآن الحكيم فقوله سبحانه:(لا إكراه في الدين)(15) ففي تفسير شبّر(16): أي لم يجر الله أمر الدين على الإجبار بل على الاختيار (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(17)، وفي مجمع البيان(18): إنها نزلت ـ على قولٍ ـ في رجل من الأنصار كان يُكره غلاماً له على الإسلام، وقيل غير ذلك.

وقوله سبحانه:(ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(19) فالإصر: هو الحمل الثقيل الذي يضعه المجتمع على عاتق الإنسان من العادات والتقاليد غير الصحيحة وما أشبه ذلك، والأغلال: هي القيود التي تجعلها السلطات ويفرضها الحكام على الإنسان فتكبّله بها ولا تدعه ينطلق بحرية في أموره الفكرية والعملية.

وأما الروايات الشريفة فقوله (صلى الله عليه وآله) : (الناس مسلّطون على أموالهم)(20) وغير ذلك.. مما معناه: ان للإنسان كامل الحرية في إطار الدين والعقل من حيث التصرف في نفسه وماله.

ثم إن الحريات الإسلامية كثيرة جداً، وقد ذكرنا ألفاً منها في كتاب: (الحريات الإسلامية من الفقه) وذلك مثل الحرية في عمران الأرض: من بناء دار أو محل، وتأسيس سوق أو حمام، و إحداث مزرعة أو بستان، وإنشاء مسجد أو مدرسة، وما شابه ذلك..، فإن كل إنسان حر في حيازة الأرض وعمرانها، والاستفادة من خيراتها وبركاتها، نعم على الحكومة الإشراف لتنظيم حصص الحيازات وتوفير فرص العمل للجميع وصدّ المتجاوز عن حقه والمتعدي على حق الآخرين، وليس أكثر.

هذا، وقد كانت هذه الحريات الإسلامية متوفرة في العراق إلى زماني أنا، يعني إلى قبل خمسين سنة تقريباً، فإني أتذكر أنه قد بُنيت في النجف الأشرف محلة الجُديدة وأحدثت كاملة بكل مرافقها ومشتملاتها ـ وهي محلة كبيرة جداً وفيها عشرات الآلاف من الدور والمحلات التجارية ـ بقانون الحرية الإسلامية، فلم يكن الأمر بحاجة إلى إجازة الدولة، ولا كان محتاجاً إلى اشتراء الأرض، وذلك لأن الأرض حسب القانون الإسلامي (لله ولمن عمَّرها)(21).

كذلك كان الأمر في كربلاء المقدسة بالنسبة إلى محلة السعدية، فإني رأيت في تلك المحلة بعض أصدقائي هناك من طلبة العلوم الدينية قد بنوا لأنفسهم وبأيديهم داراً متواضعة، وسكنوها بسلام وأمان، وقد قمت بزيارتهم في تلك الدار أيضاً. وأتذكر أيضاً أن بعضهم اشترى أرضاً من رجل كان يملكها وبناها بيديه داراً له وسكنها، وقد زرته في داره أيضاً وكانت مساحتها مائتي متر، وكان قد اشتراها بمبلغ قدره (800 فلس) فقط، علماً بأن قيمة الفلس في ذلك اليوم كان بقوة شراء رغيف واحد من الخبز وكان كل رغيف بوزن ربع كيلو غرام تقريباً، إذ لم يكن في ذلك اليوم وزن كيلو غرام وإنما كان ما يسمى باسم (أوقية) فكان كل أربعة أرغفة أوقية أي ما يعادل كيلو غرام واحد، وثمانمائة فلس كان قيمة شراء مائتي كيلو غرام من الخبز، فيكون معناه: مقابلة مائتي ذراع من الأرض بمائتي كيلو غرام من الخبز.

نماذج من القواعد الأساسية في الإسلام

كما إني أتذكر أنه كان في العراق كثير من الناس يحدثون المزارع والبساتين على شواطئ نهري دجلة والفرات وذلك بدون إجازة من الدولة، لأن الدولة بعد لم تكن تضع قوانين مضادة للإسلام، ولا على اشتراء أرض البستان والمزرعة من أحد لأن الأرض لله ولمن سبق إليها وعمرها، إذ في الإسلام في هذا الباب قاعدتان:

القاعدة الأولى: هي قاعدة (الأرض لله ولــمن عمَّرها)(22) ويتبعها كما في حديث آخر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(ثم هي لكم مني أيها المسلمون)(23) وقد ذكر الفقهاء بأن (المسلمين) هنا من باب المثال، وإلاّ فلا فرق بين المسلم وغير المسلم إذا لم يكن كافراً محارباً.

القاعدة الثانية: هي قاعدة (من سبق إلى ما لا يسبق إليه المسلم فهو أحق به)(24) أي: إن المباحات التي جعلها الله تعالى للجميع من برّ وبحر وسهل وجبل وغابات ومراتع وما أشبه ذلك، إذا سبق أحد إلى شيء منها بنية الحيازة، كان هو أحق بها لملكيتها بالحيازة، فالإنسان مثلاً لو استخرج الملح من المعدن وحازه فهو له، وكذلك لو استخرج الأسماك من البحار والأنهار، أو اصطاد الطير من الهواء والحيوانات البرية من الصحراء وحازها كانت له، وهكذا لو اجتنى أو اقتطع من الغابات، أو أخذ القصب من الأجمات وحازها فهي له، إلى غير ذلك من حيازة المباحات الأولية التي خلقها الله للناس جميعاً.

هذا.. وقد رأيت أنا بنفسي اشتغال الناس بحيازة المباحات والارتزاق عن طريقها فقد كان في منطقة الرزازة القريبة من كربلاء المقدسة معدن الملح، فكان بعض الناس يذهبون إليها ويأتون بالملح منها إلى أبواب البيوت ويبيعونه على الناس بسعر زهيد، حتى إني أذكر أن الملح الذي كان يكفي لسد حاجاتنا منه كاملة ونحن عائلة مكوّنة من عشرة أشخاص كنا نشتريه منهم بعشرة فلوس، أي: بما يعادل عشرة أرغفة من الخبز من حيث القوة الشرائية.

ثم إنه لم يكن هذا خاصاً بمعدن الملح، بل كان حكم كل المعادن من جهة الحيازة للناس كذلك، فقد كان معدن النفط، أو القير، أو الذهب، أو الفضة، أو الفيروزج، أو الأحجار الكريمة الأخرى، أو الأحجار التي يصنع منها القدور والأواني، أو معدن النحاس، أو غيرها من سائر المعادن، يحوزها الناس بحرية كاملة ويتكسّبون ببيعها بلا أي مانع.

أما أخذ الإجازة من الدولة ودفع الضريبة، وألف شيء وشيء، فلم يكن منها أثر قبل نصف قرن، وإني أذكر كل ذلك.

وكذلك كان بناء الدار وإحداث المحلات التجارية وترميمها، فإن كل ذلك قبل نصف قرن تقريباً ـ كما شاهدته بنفسي ـ لم يكن يحتاج إلى الإجازة ولا إلى دفع ضرائب أو رسوم أو ما أشبه ذلك.

أما اليوم وبعد مرور نصف قرن على ذلك الزمان، فقد أصبح كل شيء بإجازة، حتى أن غرفةً خربت في دارنا فلم تسمح الحكومة ببنائها إلاّ بشرائط ورسوم وضرائب!. 

أسباب الغلاء

ثم إن مما تغير بعد مرور نصف قرن تغيّراً فاحشاً هو: رخص الأسعار، فإنه قد تبدل إلى غلاء الأسعار غلاءً باهظاَ أعجز الطبقة المتوسطة من الناس من ممارسة حياتهم بسهولة، فكيف بالطبقة الضعيفة؟ فقد زاد هذا الغلاء المصطنع عبر الحكومات الفاصلة بين طبقات الناس وأخل بعيشهم.

علماً بأن الغلاء إنما يحدث نتيجة أسباب تالية:

الأول: الضرائب التي تفرضها الحكومات المسيّرة على الناس ـ وهي غير الخمس والزكاة والجزية أو الخراج التي تدفع للحاكم الشرعي ـ فإن الضرائب التي أحدثتها الحكومات المسيّرة في العراق وغير العراق وفرضتها على كل شيء، فلم يكن منها في الإسلام عين ولا أثر.

الثاني: تضخم جهاز الدولة بكثرة الوزارات وزيادة الموظفين، فإنها مما تلتهم أموال الناس، وتحدّ من حرياتهم، فينتج الغلاء الفاحش، وذلك لأن كل موظف-طبعاً غير الموظف المعدود للقضاء وحفظ الأمن وفي حل المشاكل-يولد تقييداً للمراجعين، فتتقلص الحرية بسببه، إضافة إلى أنه يكون في أموره المالية عالة على الناس، ولذلك لم يكن عندنا في العراق قبل نصف قرن موظفون بكثرة، فإني أذكر أن في كربلاء المقدسة وكذلك في النجف الاشرف لم يكن سوى مركز واحد للشرطة، ودائرة للبلدية فقط، ولم يكن لإدارة البلدية موظفون أكثر من عشرة أشخاص، كما ولم يكن لمركز الشرطة أكثر من عشرين أو ثلاثين موظفاً، بين قاضٍ وحاكم وشرطة.

وقد ذكر جرجي زيدان في كتابه(25) وهو يتحدث عن بعض شؤون المسلمين إلى ما قبل نصف قرن قائلاً: إن كثرة مال الخلفاء كان بسبب قلة موظفي الدولة الإسلامية، على تفصيل ذكره.

الثالث: سرف الحكام وترف الحكومات على حساب الناس، فإن الحكام هم أمناء الناس على أموالهم، فإذا بذلوها في ترفهم، وصرفوها في ملاذهم وبذخهم افتقر الناس وأملقوا، وحُرموا حتى من توفير أوّليات حياتهم وضروريات عيشهم، وعاشوا أزمات السكن، وأضرار البطالة، وغلاء الأسعار كما نشاهده اليوم في بلادنا، فحزب البعث الحاكم في العراق ـ مع ظروف العراق الصعبة والقاسية ـ يعيش التخمة والبذخ ويبني ترسانته العسكرية وأسلحته الجرثوميـــة، بينما الشعب العراقي المظلوم يئنّ تحت سياط الجوع والفقر والجهل والمرض، ولقد صدق إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول في نهج البلاغة: (ما رأيت نعمة موفورة إلاّ والى جانبها حق مضيّع).

الرابع: التسابق المسعور في التسلّح إنتاجاً أو اقتناءً، وكلفته الباهظة تثقل كواهل الشعوب المسكينة وترهق بنيتهم المالية وتوهن قدراتهم الاقتصادية، وذلك نظراً إلى غلاء وسائل الحرب المتطورة التي حدثت فعلاً، وقد كانت وسائل الحرب البدائية سابقاً من قبيل السيف والرمح والسهم والقوس والدرع وما أشبه ذلك رخيصة جداً.

أما في زماننا ـ يعني: قبل نصف قرن تقريباً ـ فقد تبدلت وسائل الحرب البسيطة من السيف إلى البندقية المعقدة أيضاً، ولكنها رغم كونها أغلى من السيف والرمح وأرفع قيمة منها، إلاّ أن غلاءها وارتفاع قيمتها كان بسيطاً جداً، حتى إذا حدثت هذه الوسائل الحربية المتطورة فسجلت الرقم القياسي للغلاء الفاحش، حجزت الحصة الكبيرة من الميزانية الباهظة والمرهقة للدول والحكومات المعاصرة، وقد رأيت في تقرير عسكري أن لبعض البلاد من الغواصات الذرية وغير الذرية ما تبلغ قيمتها مليارات من الدولارات، إلى غير ذلك..

الحكام قبل نصف قرن

نعم إن سرف الحكام وترفهم، وبذخهم وتجبّرهم، أفقر الشعب وأعدمهم وأغلى أسعارهم، بينما لم يكن الحكام في السابق كذلك، فقد ذهبت أنا وجماعة من العلماء في مهمّة دينية إلى دار رئيس الوزراء في العراق فرأينا له داراً عادية كما لمتوسطة الناس، ودخلنا غرفته التي كان هو فيها فرأيناها غرفة كبيرة عرضها متران وطولها ما يقارب العشرة أمتار وهي خالية من كل زينة وتجمّل، وليس فيها موبليات ولا فرش غالية الثمن، وإنما كان فراشها من البسط العادية، التي ينسجها الريفيون لمنازلهم وبيوتهم، وكان البساط في ذلك الوقت بالياً غير جديد وممزقاً غير منتظم.

كما ذهبت أنا مع الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمه الله تعالى) في مهمة دينية أخرى إلى غرفة رئيس وزراء آخر، فكانت هي الأخرى غرفة صغيرةً لا تستوعب أكثر من عشرة أشخاص إذا جلسوا على الكراسي التي كانت هناك، وكانت الكراسي عادية، والغرفة متواضعة لا فرش فيها ولا أثاث، وكان هو متواضعاً أيضاً غاية التواضع.

وذهبت أيضاً مع جماعة من العلماء في مهمة دينية ثالثة إلى دار مندوب كربلاء المقدسة في مجلس الأمة ببغداد، فرأيناها داراً ضيقة فسألته عن أنه لماذا يسكن في هذه الدار المضيّقة؟

فأجاب قائلاً: إن هذه الدار ليست لي، وإنما هي دار مستأجرة ومرتبي من الدولة لا يكفي لاستئجار دار كبيرة أكبر من هذه الدار، ولا لشراء دار أوسع منها.

فقلت له: كم هو مقدار مساحة دارك؟

فقال: مائتا متر فقط.

من سرف الحكام المعاصرين

وهكذا كانت سابقاً بعض حياة الحكام في غاية البساطة والسذاجة، بعيدة عن الترف والبذخ والسرف والتجبر، بينما قد تحول الحكام في هذا اليوم، إلى طغاة متجبرين مسرفين ومبذرين، يبنون القصور ويشيدون البروج، ولم يكتفوا بالقصر والقصرين والعشرة والعشرين.

وإنما يقال عن صدام(26) أنه بنى لنفسه مائة قصر كل قصر بملايين الدولارات وقيل بالمليارات، وقد أُشيع مؤخراً بأن صدام يبني لنفسه قصراً جديداً على أرض واسعة تبلغ مساحتها سبعين كيلو متراً(27).

ومن الواضح أنه إذا استبدّ الحكام بالأموال وبذلوها في أمثال هذه الأمور صار الناس فقراء معدمين وضعفاء مساكين، كما هو عليه شعبنا المسلم في العراق اليوم.

هذا، ويمكن تلخيص معنى (الحريات الإسلامية) فيما يلي:

إلغاء كل القيود والرسوم والموانع والحواجز الموضوعة في طريق السفر والحضر، والتجارة والصناعة، والعمارة والزراعة والكسب والإجارة وما إلى ذلك مما أباحه الله تعالى للناس.

 

1 ـ سورة الحجرات: 13.

2 ـ سورة الحجرات: 10.

3 ـ سورة الحجرات: 13.

4 ـ سورة طه: 124.

5 ـ وفي (مجزرة حلبجة) وحدها قتل النظام العراقي أكثر من ستة آلاف شخص بالأسلحة الكيماوية المحرمة.

6 ـ بحار الأنوار: ج89 ص172 ب15.

7 ـ سورة الحجرات: 10.

8 ـ سورة المؤمنون: 52.

9 ـ سورة الأنفال: 46.

10 ـ هو آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الحسيني الشيرازي (1304 ـ 1380هـ).

11 ـ رضا خان (1295 ـ 1363هـ) أرمني من منطقة كرجستان هاجر إلى إيران في زمن حكم القاجاريين دخل العسكرية، وأصبح وزيراً للحربية ثم رئيساً للوزراء في حكومة أحمد القاجاري، أطاح بهم ولقّب نفسه بالبهلوي، إتسم حكمه بإحياء القومية الفارسية، ونشر المذهب البهائي الاستعماري، والقضاء على المعالم الإسلامية، وهدم المساجد والمدارس، ومنع علماء الدين ورجال الفكر من ممارسة أدوارهم في الحياة، ونشر مظاهر الفساد كالخمر والقمار ودور البغاء..، نفاه الإنجليز إلى جزيرة موريس عام 1359هـ بعد أن صادروا حقائبه الألفين المملوءة بالمجوهرات والأشياء الثمينة بعد حكم دام ستة عشر عاماً وقتل في منفاه.

12 ـ المرجع الديني المجاهد آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي زعيم الثورة العراقية الكبرى الشهيرة بـ(ثورة العشرين) (1338هـ - 1920م)، استشهد مسموماً من قبل الأعداء بتاريخ (3/ذي الحجة/ 1338هـ) ودفن في الروضة الحسينية في كربلاء المقدسة.

13 ـ (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين): ص447 حول العقوبات، و(طريق النجاة)، و(الصياغة الجديدة لعالم الإيمان و...)، و(حوار حول تطبيق الإسلام): ص35 العقوبات الإسلامية، و(الحكم في الإسلام - من موسوعة الفقه ج99): ص109 حول العقوبات الإسلامية ، و (الدولة الإسلامية - من موسوعة الفقه ج101): ص176 لا حدّ في جوّ غير إسلامي، و(القضاء - من موسوعة الفقه: ج1 - 2) للإمام المؤلف (دام ظله).

14 ـ راجع موسوعة الفقه: (الحريات) و(الحقوق) وكتاب (الحريات الإسلامية) للإمام المؤلف (دام ظله).

15 ـ سورة البقرة: 256.

16 ـ تفسير شبر: سورة البقرة 256.

17 ـ سورة الكهف: 29.

18 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن: ج1 ص363 في تفسير الآية 256 من سورة البقرة.

19 ـ سورة الأعراف: 157.

20 ـ بحار الأنوار: ج2 ص272 ح7 ب33.

21 ـ الكافي: ج5 ص279 ح2.

22 ـ وسائل الشيعة: ج25 ص414 ب3 ح32245.

23 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج3 ص149 من كتاب إحياء الموات ح2 وفيه: (روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): موتان الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني أيها المسلمون).

24 ـ مستدرك الوسائل: ج17 ص111 ب1 ح20905.

25 ـ تاريخ التمدن الإسلامي: ج2 ص324 – 353.

26 ـ صدام حسين: من مواليد تكريت 1937م، تسلم الحكم في العراق عام 1980م بعد أن أطاح برفيقه أحمد حسن البكر.

27 ـ وقد نشرت مجلة الشراع اللبنانية في العدد910 الصادر بتاريخ 29 تشرين2- نوفمبر - 1999م في مقابلة صحفية مع (عدي ابن صدام): بأن هناك تقارير صحفية نشرت في لبنان تحدثت عن أن الوضع في العراق ليس كما يصور، فبرغم الحصار تم تشييد 48 قصراً جديداً وبنيت مدينة خاصة للموظفين الرسميين.. حين أن هناك أرقاماً تقول إن الحكومة العراقية تسلمت 14.9 مليار دولار خلال السنتين والنصف الماضية - من خلال برنامج النفط مقابل الغذاء - وستحصل الحكومة على ستة مليارات دولار خلال الأشهر الستة الأخيرة من العام الحالي، ولكن جزءاً ضئيلاً من هذا المبلغ يصرف على الغذاء والدواء!!