الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

تطبيق أوامر السماء 

ومن أسباب عزّة المسلمين، التي أسقطها حكامنا بأمر من أسيادهم هو: (العمل الصادق، والتطبيق الحرفي لأحكام القرآن وتعاليم الإسلام)، فإن الإسلام أهدى للبشرية أرقى قوانين التقدم، وأجمع مواد التمدن والتحضر، وأفضل مناهج السعادة والهناء.

ومن الملحوظ أنه من يوم ترك المسلمون أوامر السماء فاتتهم الأرض والسماء، بينما في اليوم الذي كان المسلمون قد أخذوا فيه بقوانين السماء أتتهم السماء والأرض بكل خيراتها وبركاتها.

نعم لقد تأخر المسلمون في كل أبعاد الحياة ـ وهم ملياران ـ على أثر تركهم تعاليم السماء المتجسدة في آيات القرآن الحكيم، وروايات الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) .

ومن هؤلاء الحكام الذين تركوا تعاليم السماء هو: عبد السلام عارف(1)، الذي كان ينادي بلزوم تحرير فلسطين وبإرجاعها إلى أصحابها المسلمين ولكن لا من طريق تعاليم السماء، بل حسب ما يمليه عليه الأسياد، ولذلك أرسل وفداً كبيراً من العسكريين وغيرهم إلى فرنسا لشراء السلاح، وذهب الوفد والتقى في فرنسا بمسؤول وزارة الدفاع وأعــطوه قائمة بالأسلحة التي يريدونها حتى يوفّرها لهم، وكان من تلك القائمة أسماء كثيرة من الأسلحة المتنوعة، لكن الذي ألفت نظر وكيل وزير الدفاع الفرنسي أنه رأى في جملة ما جاء في القائمة من أسماء المعدّات الحربية، اسم (الفتائل للقنابل).

فسأل رئيس الوفد العراقي عما يقصده من اسم الفتائل، وأنها ما هي؟

فأجابه رئيس الوفد العراقي قائلاً: إنها فتائل القنابل.

فعاد وكيل وزير الدفاع الفرنسي يكرّر سؤاله عن إن المراد بالفتائل ما هي؟

فقال له رئيس الوفد العراقي: إن المراد بها: فتائل القنابل العادية المتعارفة.

فتعجب وكيل وزير الدفاع الفرنسي تعجباً كبيراً من تصريح رئيس الوفد العراقي، وعرف أن العراق لا يتمكن من صنع حتى الفتائل البسيطة جداً، ولإظهار تعجبه وإعلان تضجّره التفت إليه بسخرية وقال: كيف تريدون محاربة الإسرائيليين وأنتم لا تملكون حتى الفتائل البسيطة، بينما إسرائيل تملك في الحال الحاضر ستمائة قسم من السلاح بما فيها القنبلة الذرية!

فخجل رئيس الوفد العراقي من ذلك خجلاً كبيراً ولم يتمكن أن يردّه.

أوامر السماء ونتائج التخلّف عنها  

نعم؛ إسرائيل وإن لم يكونوا حسب المستوى الغربي من التقدم، لكنهم حيث طبقوا بزعمهم تعاليم السماء الذي في توراتهم، أصبحوا على قدر كبير من القوة على قلة عددهم.

بينما المسلمون حيث لم يطبقوا تعاليم السماء، وإنما تعاليم الشرق والغرب، أصبحوا على قدر كبير من الضعف، وتأخروا حتى عن مقابلة إسرائيل الصغيرة، مع كثرة عددهم البالغ مليارين.

ولم يكن هذا شأن العرب من المسلمين فحسب، بل هو شأن كل المسلمين قاطبة، وذلك لأنه يوم تركنا تعاليم السماء وأعرضنا عنها فاتتنا الأرض والسماء، ولا علاج لنا إلاّ بالرجوع إلى تعاليم السماء، فإنها وحدها الكفيلة بإسعاد الإنسان وإرغاد العيش وبلوغ مطامحه وآماله وحصول عزته وسؤدده في الدنيا والآخرة، دون غيرها، فقد قال سبحانه:(ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل)(2).

وقال تعالى أيضاً: (وقيضنا لهم قرناء فزيّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحقّ عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجنّ والإنس إنهم كانوا خاسرين)(3).

الاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وآله)

ومن أسباب عزة المسلمين ـ التي تعاونّا شعوباً وحكّاماً على إسقاطها ـ هو:(الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) ) قال تعالى:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)(4) وأطلق القرآن الكريم جانب الأسوة ولم يقيده بشيء، مما يدل على أن الله تعالى جعل الرسول (صلى الله عليه وآله) قدوة لنا في كل شيء، وأسوة لنا في كل مجالات الحياة.

ومن يوم تركنا نحن المسلمين الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) آل أمرنا إلى تقهقر مستمر وتأخّر متواصل في كل مجالات الحياة وجميع جوانبها وأبعادها.

بينما اقتدى الإسرائيليون ـ حسب زعمهم ـ بنبيهم داوود (عليه السلام) في حربهم مع العرب، فانتصروا مع قلة عددهم على العرب رغم كثرة عددهم، حتى عرفت تلك الواقعة في تاريخ العرب بـ(نكسة حزيران)(5)!

وعندما سُئل الإسرائيليون عن كيفية انتصارهم؟

أجاب وزير دفاعهم آنذاك قائلاً: إنا اقتدينا بنبيّنا داود (عليه السلام) في حربه تحت لواء طالوت مع جالوت، فإنه عندما اصطف الجيشان وبدءا في المصاولة، رأى داود (عليه السلام) إن مقاومة جيش جالوت إنما يكون بسبب مقاومة جالوت نفسه، فإذا استهدف داود (عليه السلام) جالوت وقتله انكسر جيشه وانهزم، ولذلك عزم داود (عليه السلام) على قتل جالوت، وكان جالوت في قلب معسكره ووسط جيشه، وقد أحدق به الأبطال والشجعان بحيث لا يتمكن أن يصل إليه أحد، ولكن يمكن لمن هو قوي الساعد وشديد البأس، دقيق الاستهداف، مصيب في إصابة النقطة المطلوبة، أن يستهدف ناصية جالوت التي كانت مزينة بدرّة كبيرة تتربع عليها، وكانت الدرة قد تدلّت من خوذته التي كانت على رأسه وقد نزلت على ناصيته وقاية لها وحفظاً وزينة وجمالاً، فاستهدف داود (عليه السلام) بضربة قوية ومحددة الدرة التي كانت تتربع على ناصيته، وكانت الضربة بمكانة من الدقة وبمثابة من الشدة والقوة بحيث لم تخطئ الهدف ولا قيد شعرة، وإنما وقعت وبكل سرعة وصلابة على الهدف، فكانت كالصاعقة هشّمت الدرّة وهشّمت رأسه معها، فخرّ جالوت ميتاً وانهزم جيشه، قال وزير دفاعهم: ونحن فعلنا كذلك، فإنا رأينا أن مقاومة العرب إنما تكون بمقاومة القوة الجوية والطائرات الحربية التي كان يمتلكها عبد الناصر، ورأينا أنا لو قضينا عليها في مهدها وهي رابضة في مخابئها فقد قضينا على العرب وهزمناهم، ولذلك قمنا وفي أول جولة من الحرب، بضرب القوة الجوية وقصفها، وبالقضاء عليها قضينا على عدونا وهزمناه.

وهكذا كان، فقد انهزم العرب وسمّوا تلك الهزيمة المؤلمة في تاريخهم بـ(نكسة حزيران).

الظفر والنجاح موكول باقتداء الأنبياء

نعم هذه سنّة الله تعالى في الحياة، فقد جعل الله تعالى لمن اقتدى بالأنبياء (عليهم السلام) الظفر والنجاح، ولمن تخلّف عنهم الخيبة والخسران، فالإسرائيليون يقتدون بنبيّهم فيفوزون، ونحن المسلمين نترك الإقتداء بنبينا (صلى الله عليه وآله) فنكون من الخاسرين، ونبينا (صلى الله عليه وآله) أشرف الأنبياء وأفضلهم، وقد وصلتنا سيرته المباركة في كل مجالات الحياة الفردية والأسرية، والاجتماعية والدولية، والاقتصادية والسياسية، وغير ذلك، ولم تكن في مجال الحرب فقط كما هي عند الإسرائيليين، فإنهم لم تصلهم من سيرة أنبيائهم إلاّ القليل، ولا حتى في الحرب مثلاً، ومع ذلك يقتدون بسيرة نبيهم (عليه السلام) ، بينما نحن المسلمين قد وصلنا من سيرة نبينا (صلى الله عليه وآله) كل شيء وفي جميع مجالات الحياة، ومع ذلك نترك الاقتداء به (صلى الله عليه وآله) فما يكون عذرنا عند الله؟

سيرته (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى المرأة

أشرنا فيما مضى إلى بعض النماذج من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في السياسة الإسلامية من إحداث الأمة الواحدة، وبناء الأخوّة الإسلامية، ومنح الحريات الإنسانية.

وأما بالنسبة إلى المرأة، فلقد أكرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرأة وأعزّها، وأعطاها حقها، وبلّغها مقامها اللائق بها ولم يبخسها شيئاً، إنه (صلى الله عليه وآله) عرف أنها ريحانه وليست قهرمانة، ففرض عليها الحجاب ليحفظها من الذبول ومن عاديات الأحداث، وعرف أنها كالثمرة في الشجرة إذا بلغت ونضجت أسرع إليها الفساد لو لم تُجن، وجنا المرأة عند بلوغها ونضجها هو الذهاب إلى بيت الزوج، فحبّذ لها ـ إلى جانب العلم والعمل بما يلائم شأنها ـ أن تكون ربّة بيت ومدبّرة شؤونه، لأن ذلك أرفق بها وأنعم لبالها وخاطرها، وأحفظ لكرامتها وعواطفها، وأسلم لأنوثتها وأحاسيسها.

وبدأ (صلى الله عليه وآله) في تطبيق ما أراده للمرأة، بابنته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، فإنه إلى جانب علمها وثقافتها، وعملها ومكابدتها، زوَّجها في سنّيها المبكرة من ابن عمّه أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك بمهر قليل وجهاز ضئيل، ومراسيم متواضعة، ليكون (صلى الله عليه وآله) في ذلك قدوة لنا، نقتدي به في تزويج بناتنا في سنيهن المبكرة، وبمهر طفيف، وجهاز خفيف، ومراسيم متواضعة.

نعم، إنه (صلى الله عليه وآله) زوَّج ابنته ـ وهي صدِّيقة، وأشرف من برأ الله تعالى من النساء، وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ـ بمهر قدره ـ كما في الكافي الشريف(6) ـ لا يتجاوز الثلاثين درهماً، وكذلك كان جهازها (عليها السلام) وأثاثها التي اشتريت لها فإنها كانت لا يتعدى عن مقدار مهرها يعني ثلاثين درهماً فقط، وهذا يدل على تواضع جهازها وبساطة أثاثها، ولما اكتمل جهاز الزهراء (عليها السلام) ونظر إلى بساطته رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث كان جلّه من الخزف، اغرورقت عيناه بالدموع ودعا لها ولكل من كان جهازها كذلك بالبركة والسعادة.

ثم لما أراد أن يزف ابنته لعلي (عليه السلام) لم يكن لعلي (عليه السلام) منزل، فسمع أحد المسلمين بذلك وكان له منزل زائد عن الحاجة، فقدمه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قائلاً: يا رسول الله، أنا ومالي لله ورسوله، فجزاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيراً، ثم سلّمه لعلي (عليه السلام) وكان منزلاً متواضعاً لم يؤثّث ولم يفرش أرضه بحجر ولا فرش، بل كانت أرضه غير مستوية فجاء علي (عليه السلام) بكمية من الرمل من خارج المدينة وسوّى به أرض البيت الذي فيه حتى يمكن نوم العروسين على أرضه، ثم نصب في المنزل عوداً يوضع عليه القربة، وستروه بكساء، كما ونصب خشبة من الحائط إلى الحائط للثياب، ثم حوّلت فاطمة (عليها السلام) إلى منزل علي (عليه السلام) ولها من العمر إذ ذاك تسع سنوات.

وهنا سؤال يطرح نفسه ليقول: هل زوَّجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه السن المبكرة من عمرها لعدم تمكنه من إعاشتها؟ أو لأنه ـ والعياذ بالله ـ استثقلها فأراد إخراجها من منزله؟ أو لا هذا ولا ذاك، وإنما أراد (صلى الله عليه وآله) أن يعلِّم المسلمين كيف يبادرون في تزويج بناتهم، ويسرعون في إخراجهن في سنيهن المبكرة إلى الحياة الزوجية؟، وذلك تنبيهاً لما في هذا من صلاحهم وصلاحهنّ وصلاح المجتمع والأمة الإسلامية.

من تبعات ترك الاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وآله)

لكن من يوم ترك المسلمون الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) صبّت عليهم الويلات والمشكلات، وأصبحنا نرى اليوم ملايين البنات القابلات للزواج بقين في البيوت بلا زوج ولا زواج، مما أقلق الآباء والأمهات المصير المجهول لبناتهم، وقد قرأت في جريدة مصرية(7) تقريراً بعنوان: (أربعة ملايين فتاة مصرية في طريق العنوسة) ثم كتبت تحت هذا العنوان:

(تعيش ملايين الأسر المصرية في حال قلق، بسبب تجاوز بناتهم سنّ الثلاثين، ما يعني: إن أحلام الزواج في طريقها للزوال، وكانت إحصاءات قدّرت أخيراً: إن هناك أكثر من ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف فتاة في مصر تجاوزن سن الثلاثين) وهذا التقرير هو بالنسبة للمتجاوزات سن الثلاثين.

وهناك تقارير أخرى تصرّح: بأن ما يقرب من خمسة عشر مليون شاب بين فتى وفتاة في مصر يعيشون سنّ الزواج وهم غير متزوجين.

كما أن هناك تقرير آخر عن بلد آخر يقول: بأن في ذلك البلد المسلم عشرة ملايين شاب بين فتاة وفتى وهم في سنّ الزواج وقد بقوا غير متزوجين.

والى غيرها من التقارير المتشابهة عن بقية البلاد الإسلامية والعربية..، هذا بالنسبة إلى العوانس، أي: اللاتي هن في سن الزواج ولم يتزوجن بعد.

وأما بالنسبة إلى المتزوجات، فقد كثر الطلاق فيهن كثرة موحشة، تهزّ الضمير الإنساني وتقلقه، حتى إني سمعت قبل أيام من إحدى الإذاعات تقريراً يقول: إن في السنة السابقة كان عدد الزواج سبعة وأربعين ألفاً، بينما عدد الطلاق بلغ فيها سبعة وثلاثين ألفاً، وهذه النسبة لعلها لم يسبق لها نظير في تاريخ المسلمين!.

أضف إلى ذلك، التبعات السيئة التي تلازم بقاء المرأة بدون زواج، أو تلازمها حين الطلاق، والتي من تلك التبعات: فقد المرأة مكانتها الواقعية التي أرادها الله تعالى لها، حتى أصبحنا نرى ـ ومع الأسف الشديد ـ التلاعب الكبير بشخصيتها، والهبوط بها إلى مستوى لعبة لعرض الأزياء، ودعاية لترغيب البضائع، وما أشبه ذلك، وهذا إسفاف بمقام المرأة، وكسر لشأنها وشخصيتها.

علماً بأنه لا يرجع إلى المرأة كرامتها ومكانتها، ولا يرجع الأمر إلى حالته الطبيعية إلا بالاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) واتباع تعاليمه الراقية، فقد قال (صلى الله عليه وآله) : (إذا جاءكم من ترضون خُلقه ودينه فزوِّجوه (إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)(8))(9).

ومعنى (فزوّجوه): هو التساهل معه في أمر المهر، بأن يكون المهر قليلاً، وفي سن المرأة بأن تخرج إلى الزوج سريعاً وفي السنين المبكرة من بلوغها، وأن لا تكون الدراسة من النساء، ولا الجندية في الرجال، ولا التشريفات في الجهاز والأثاث مانعاً من أمر الزواج، وبالتالي: تذليل كل الصعوبات، وإزاحة كل العقبات من طريق الزواج، ليتيسّر لجميع الشباب الإقدام عليه بكل رغبة وسلامة.

وقد روى سلمان الفارسي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (إنه إذا كانت فتاة في الدار قابلة للزواج فلم يزوجوها وزنت كتب الله إثم زناها على الأب) (10)، والمراد بـ(الأب) هو كل من كان عليه أن يسهل الأمر، أباً كان أم جداً، وأماً كانت أم جدّة، وشعباً كان أم دولة وحكومة، ولم يعتن بهذا المهم ولم يسهّل لها أمر زواجها وزواجهن.

كلمة لابد منها

قال سبحانه وتعالى:(إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال)(11) لقد جاء في تفسير هذه الآية في مجمع البيان عن ابن عباس أنه قال: (إذا أنعم الله على قوم فشكروها زادهم، وإذا كفروها سلبهم إياها)(12).

وفي تفسير كنز الدقائق عن تفسير العياشي مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن أبي كان يقول: إن الله قضى قضاءً حتماً: لا ينعم على عبده بنعمة فسلبها إياه قبل أن يحدث العبد ذنباً يستوجب بذلك الذنب سلب تلك النعمة)(13).

وعن سليمان بن عبد الله قال: (كنت عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) قاعداً، فأتي بامرأة قد صار وجهها قفاها، فوضع (عليه السلام) يده اليمنى في جبينها، ويده اليسرى من خلف ذلك، ثم عصر وجهها عن اليمين، ثم قال: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) فرجع وجهها، ثم قال (عليه السلام) لها: احذري أن تفعلي كما فعلت! قالوا: يا بن رسول الله وما فعلت؟

فقال (عليه السلام) : ذلك مستور إلاّ أن تتكلم به، فسألوها، فقالت: كانت لي ضرّة فقمت أصلّي، فظننت أن زوجي معها، فالتفت إليها فرأيتها قاعدة، وليس هو معها، فرجع وجهي على ما كان)(14).

وفي أصول الكافي مسنداً عن سدير قال: (سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجل: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم...)(15) فقال (عليه السلام) : هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهار جارية، وأموال ظاهرة، فكفروا نعم الله عز وجل، وغيّروا ما بأنفسهم من عافية الله فغيّر الله ما بهم من نعمة، (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) فأرسل الله عليهم سيل العرم، فغرّق قراهم، وخرَّب ديارهم، وأذهب أموالهم، وأبدلهم مكان جناتهم(جنّتين ذواتي أُكل خمط وأثل وشيء من سدرٍ قليل) ثم قال تعالى:(ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل نجازي إلاّ الكفور)(16))(17).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (إذا وصلت إليكم أطراف النعم، فلا تنفِّروا أقصاها بقلّة الشكر)(18).

ويلات الكفر بنعم الله

نعم لقد أنعم الله تعالى علينا بالأمن والاستقرار والسيادة والسؤدد والتقدم والازدهار، وجعلنا سادة العالم وقادته في ظل الاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وآله) واتباع القرآن وتطبيق أحكام الإسلام، فغيّرنا ما بأنفسنا، وكفرنا بأنعم الله، وأعرضنا عن كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) ، ونبذنا تعاليم الإسلام وأسباب عزتنا، فأذاقنا الله لباس الجوع والخوف، وغلاء الأسعار، وجور الحكام.

أما جور الحكام فحدّث ولا حرج، فهؤلاء حكام البلاد الإسلامية حكام مستبدون يحكمون البلاد ما دام العمر، ويتوارثونه بينهم، ولا يقولون بالتعددية ولا بحرية الفكر والقلم ولا الرأي والبيان، ويجرّون الويلات على الشعوب، ولا يفكرون إلاّ في ملاذهم ومصالحهم الشخصية وإن عانى الشعب المآسي والويلات.

وأما غلاء الأسعار، فقد أثقل كاهل الشعوب وأرهق عيشهم، فقد تضاعفت أسعار البضائع والأجور والخدمات أضعافاً مضاعفة وربما تتجاوز أحياناً الألف ضعف، ومن المعلوم أنه يؤدي إلى عدم تمكن الناس من تأمين حاجاتهم، وليس كما يدعيه البعض من أنه إذا ارتفعت الأسعار كثر النقد، وقد ناقشنا ذلك بإسهاب في (الفقه: الاقتصاد) وعندي على ذلك أمثلة كثيرة يطول علينا المقام بذكرها، ولذلك نعرض عن التعرض إليها.

وأما لباس الجوع والخوف، فقد عمّ كل البلاد والعباد، وظلل بجناحيه السوداوين الربع المسكون، فالمجاعة تهدد أرواح أبناء القارة السوداء ـ إفريقيا ـ وغيرها..، وسوء التغذية يهدد سلامة شعوب المنطقة، والخوف والقلق نغّص عيش الناس وأقضّ مضاجعهم، سواء الخوف والقلق من الوسائل التدميرية كالانفجارات التي تحدث كل يوم في مكان وأخيراً شملت روسيا وغيرها، أو من الكوارث الطبيعية كالزلازل وما أشبه، والتي قد ضربت تركيا أخيراً واليونان، وغيرهما من البلاد الإسلامية وغيرها.

القرآن يتوعَّد الكافرين بالنعم

هذا كله هو بعض ما أخبر به القرآن الكريم حيث يقول: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)(19).

علماً بأن تركيا هي من بلاد المسلمين ويسكنها المسلمون، قد قامت مؤخراً بعملين ينافيان الإسلام وتعاليمه الإنسانية:

أما العمل الأول: فهو أن المدعي العام ـ على ما قيل ـ طالب بإعدام ست وأربعين تلميذة من تلميذات المدارس التركية بجريمة الحجاب، وقال: إنهن يستحقن الإعدام لارتدائهنّ الحجاب الإسلامي حين الذهاب إلى المدرسة‍!.

والعمل الثاني: هو أن الحكومة التركية منعت من تعليم القرآن للأطفال الذين هم دون الثانية عشرة سنة من عمرهم وعدّت ذلك جرماً يؤاخذ به الآباء والمعلّمون ويعاقبون عليه!.

ثم إنه لم يمض على هذين الإجراءين المنافيين للإسلام إلاّ أسبوعين فقط حتى ضربهم هذا الزلزال الرهيب(20)، فأودى بحياة الآلاف من الضحايا وهدم الآلاف من المباني، وكبّدهم خسائر مالية تعدّ بالمليارات، وملأ قلوبهم خوفاً وذعراً لا مثيل له، وذلك لعلهم يرجعون إلى الله ويتضرعون إليه كما قال تعالى: (فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلهم يتضرّعون)(21).

وقد أخذ الله سبحانه وتعالى آل فرعون أخذ عزيز مقتدر بعد أن ابتلاهم بتسع آيات بيّنات ليرتدعوا عن غيّهم وكفرهم، فلما لم يرتدعوا وتوغّلوا في غيّهم، وأصرّوا على كفرهم، أغرقهم الله تعالى في اليمّ، وأورث ملكهم وأرضهم وديارهم ومساكنهم لبني إسرائيل، وقد نصب موسى (عليه السلام) حاكماً يمثّله في مصر بعد أن أنجاه الله وقومه من فرعون وقومه وعبر بهم البحر، وفي هذه القصة أحسن عبرة لمن اعتبر.

وهكذا في غيرها من قصص الأمم السابقة التي جاء ذكرها في القرآن الحكيم وفي الروايات، وكذا في قصص الأمم المعاصرة التي رأينا جملة منها بأمّ أعيننا في زماننا القصير.

ثم إن داء تقلّص المعنويات وتوسّع الماديات وإن شمل كل العالم، لكن حصّة المسلمين منه أكبر وأكثر، وإن بلاء تأخر المسلمين من بين سائر الأمم في هذا العصر ـ عصر الذرة ـ أبشع وأفظع، فقد ذهب الغرب ـ وهم الغربيون الذين حصلوا على شيء من الموازين ـ ببعض التقدم، بينما أخذ الشرق والمسلمون في تقهقر مستمر لفقدهم كل الموازين، بلا فرق بين لغاتهم وبين بلادهم، وبين سائر خصوصياتهم، قال سبحانه:(قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرّف الآيات لعلّهم يفقهون)(22).

وقد أصابنا نحن المسلمين كل الذي توعدت الآية الكريمة به المتخلفين فهل من معتبر؟!.

 

1 ـ عبد السلام عارف (1921 ـ 1966م) عسكري ورئيس دولة، ولد في بغداد في وسط برجوازي لعائلة تنتسب لقبائل الجميلة من منطقة الرمادي، التحق بالأكاديمية العسكرية وبكلية الأركان، انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار عام 1957م حيث عرف بتهوره وبصداقته وموالاته لزميله عبد الكريم قاسم – وكان أول من أطلق قول: ماكو زعيم إلا كريم -، لعب دوراً رئيسياً في تخطيط توقيت وقيادة تنفيذ الانقلاب العسكري في 14 تموز يوليو 1958م ضد الحكم الملكي. وكان آنذاك ضابط ركن وقائد الكتيبة الثالثة من اللواء العشرين التابع للفرقة الثالثة والتي كانت في طريقها إلى الأردن، وبعد شهرين من نشوب خلاف بينه وبين صديقه عبد الكريم أدى تنحية عبد السلام عن مناصبه المتعددة والحكم عليه بالموت إلا أن قاسم لم يصدق على الحكم وأطلق سراحه عام 1961م، ثم عاد بانقلاب عسكري آخر إلى سدّة الحكم مرة ثانية عام 1963م فأطاح بحكومة عبد الكريم قاسم، وقد اتسمت فترة حكومته بالطائفية والقومية والاستبداد ومصادرة أموال الناس باسم (التأميم) و(الاشتراكية) و..، حيث كان لها الأثر السيء على العراق شعباً وحكومة في مجالات مختلفة.

2 ـ سورة الزخرف: 36 ـ 37.

3 ـ سورة فصلت: 25.

4 ـ سورة الأحزاب: 21.

5 ـ وقعت هذه الحرب في 5 -10/6/1967م والتي عرفت أيضاً بحرب الأيام الستة، حيث بدأت إسرائيل بهجوم جوي على القواعد الجوية المصرية، بحيث تمكنت هذه الضربة وما تلاها من ضربات جوية ضد القواعد الجوية العربية الأخرى المواجهة لها من القضاء على أسلحة الجو العربية وتحقيق السيطرة للطيران الإسرائيلي على أجواء المنطقة، الأمر الذي سهل اندفاع القوات البرية الإسرائيلية في معركة غير متكافئة..، ولقد تمكنت إسرائيل إثر هذه الحرب من السيطرة على شبه جزيرة سيناء والجولان والضفة الغربية وأصبحت مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرتها 89.359 كلم2 في حين كانت مساحة الأراضي المحتلة عشية حرب 1967م لا تتجاوز 20.700 كلم2، ولقد أدى هذا التوسع إلى تحسين وضع إسرائيل على الصعيد الجغرافي - الاستراتيجي و..، كما اعتبرت هذه الحرب في الجانب العربي نكسة رافقها العديد من مظاهر الردة في أنحاء البلاد العربية.

راجع موسوعة السياسة: ج2 ص207 - 208 الحرب العربية - الإسرائيلية الثالثة (1967).

6 ـ الكافي: ج5 ص377 ح2.

7 ـ جريدة (الحياة) المصرية المؤرخة: 27/7/1999 ميلادية.

8 ـ سورة الأنفال: 73.

9 ـ الكافي: ج5 ص347 ح2.

10 ـ وسائل الشيعة: ج14 ب62 ص572 ح7.

11 ـ سورة الرعد: 11.

12 ـ تفسير مجمع البيان: ج6 ص281.

13 ـ تفسير العياشي: ج2 ص206 من سورة الرعد.

14 ـ مستدرك الوسائل: ج5 ص408 ب3 ح6205.

15 ـ سورة سبأ: 19.

16 ـ سورة سبأ: 16 ـ 17.

17 ـ الكافي: ج2 ص274 ح23.

18 ـ وسائل الشيعة: ج11 ص552 ب15 ح6.

19 ـ سورة النحل: 112.

20 ـ الإحصاءات غير الرسمية ذكرن 35 ألف، والرسمية 18 ألف.

21 ـ سورة الأنعام: 42.

22 ـ سورة الأنعام: 65.