الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

التكافل الاجتماعي

إنّ الأهواء النفسانية من جهة والسياسة الاستعمارية غربية وشرقية من جهة أخرى جعلت كثيراً من المسلمين يعرضون عـــن قوانين الله، ويتكالبون على الدنيا وملذّاتها، لذلك بقيت الملايين من الحاجات معطّلة، فقلّت نسبة الزواج، وتفشت العزوبة بما تحمله من سلبيات، وأصبح كثير من الناس دون مسكن ومأوى، وفُقد الدواء أو قلّ أو ارتفعت قيمته، ولم يتوفر العدد الكافي من المدارس والمعاهد العلمية، وتقلصت موارد الاكتساب وتعقدت شرائطه وكثرت قيوده، ممّا زاد في نسبة العاطلين عن العمل.

وبقيت كثير من الخدمات العامة متوقفة أمثال: تعبيد الطرق، وتوفير شبكات الري والكهرباء والماء، وكذلك مخازن المياه على الخصوص في القرى والأرياف، وتشجير البلاد وغير ذلك، كالمعامل والمصانع وشبهها.

فإذا استثمرت المجالس الحسينية ـ باعتبارها تثير الكوامن العاطفية في النفس، وبما تحمل من التوجيه العقلي المؤثر في تغيير السلوك الإنساني ـ في قضاء حوائج الناس وفي التراحم والتوادد وإنجاز الخدمات الفردية والعامة، لقضيت ملايين الحاجات كل عام، وهذا يتوقف على مشاركة ثلاث جهات:

1 ـ الخطيب: بتوجيه الناس وإرشادهم إلى أهمية التكافل الاجتماعي، وإلى أعمال الخير، وذكر القصص المشوقة، وسرد الآيات والروايات التي تحث على ذلك.

فقد ورد: (من قضى لأخيه المؤمن حاجةً قضي له يوم القيامة سبعين حاجة أيسرها دخول الجنّة).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام):

(واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم فتحور نقماً) (1).

2 ـ هيئة أمينة ومخلصة تتشكل في كل مسجد وحسينية ومدرسة و... وتنبثق من كل مجلس حسيني، لجمع التبرعات وقضاء حوائج الناس وفق سُلّم الأولويات.

3 ـ مساهمة الناس الخيريين والتجّار الأثرياء في التبرع والتمويل، فقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) في الحث على التبرع والإنفاق في سبيل الله: (مالك إن لم يكن لك إن كنت له منفقاً فلا تبقه بعدك فيكون ذخيرة لغيرك، وتكون أنت المطالب به المأخوذ بحسابه، واعلم أنك لا تبقى له ولا يبقى عليك، فكله قبل أن يأكلك)(2).

وإني قد شاهدتُ أحد العلماء وقد تمكن من بناء أكثر من ثلاثمائة وخمسين مؤسسة في مدة نصف قرن، باستثمار مجالس الإمام الحسين (عليه السلام) وتحريض الناس على ذلك.

ورأيت عالماً آخراً تمكن من بناء أربعين مؤسسة في مدّة عشرة أعوام.

الاهتمام بالمؤسسات وترميمها

تعيش المؤسسات الإسلامية أزمتين:

الأولى: في الجانب الكمّي.

والثانية: في الجانب الكيفي.

ففي الجانب الكمّي نلاحظ نقصاً كبيراً في كمية المؤسّسات الإسلامية والثقافية والعبادية والاجتماعية للمسلمين في العالم الإسلامي وللجاليات الإسلامية في البلاد الأخرى.

ولنا في الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة حيث بنى في المدينة المنوّرة ـ على صغرها ـ ما يقارب خمسين مسجداً.

ومن الممكن سدّ النقص الكمّي عبر استثمار مناسبة عاشوراء بأن يهتم الخطباء وأصحاب المجالس بإنشاء المؤسسات، وذلك عبر تحريض الناس وتشجيعهم على الإسهام في تهيئة الوسائل والمقدمات.

فإذا أمكن عبر المجالس المنتشرة في شتى بقاع الأرض تأسيس مائة ألف مؤسسة خلال كل عام من: مدرسة، ومسجد، وحسينية، ومكتبة، ومستشفى، ومستوصف، ودور الأيتام، وإذاعات، وتلفزيونات، ومراكز للدراسات، وإصدار المجلات والجرائد(3)، كان الأمر بعد خمس عشرة سنة يعادل ما للمسيحية في إفريقيا وحدها من المؤسسات حيث أنهم أسَّسوا ـ كما في بعض التقارير ـ مليوناً ونصف مليون مؤسسة(4).

وليس ذلك بالأمر المتعسّر، إذا امتلك الإنسان إرادة قوية وعزماً راسخاً وهمة عالية، ولربّما كان بمقدور الفرد الواحد أن يصنع الكثير، فـ(إنّ إبراهيم كان أمّة)(5) و(المؤمن وحده جماعة)، وقد ورد في الشعر المنسوب للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

أتزعم أنّك جــرم صغيـــر             وفيك انطوى العالم الأكبر

والتاريخ يشهد بأنّ أفراداً قلائل استطاعوا أن يغيّروا مسار الأمم وحياة الشعوب.

وأما في الجانب الكيفي:

فكثيراً ما تبنى مؤسّسة خيرية ـ سواء كـــانت مدرسة أو مسجد أو حسينية أو مكتبة أو دار نشر ـ وتبقى ناقصة من حيث الأفراد الأكفاء والمدراء(6)، والاستشارة في الأمور الإدارية(7)، أو العمل، أو لا يفي مال أهل الخير والمتبرّعين لإتمام البناء أو ترميم القديم المشرف على الخراب.

وتكميل النواقص يتم عبر الاستفادة من الإندفاع العقلائي أو العاطفي إلى حب الخير، فمن جاشت عواطفه يكون قلبه مبعث الخيرات.

وهكذا الأمر بالنسبة للمؤسسات الانتفاعية والتجارية، وما أشبه، مما يخدم الإنسان والإسلام.

ولعله إذا توجّه المجتمع إلى هذا الجانب في هذا الموسم فإنه سيأتي بثمار جمّة كماً وكيفاً، إن شاء الله تعالى.

 

1 ـ من خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) في مكارم الأخلاق: كشف الغمة: ج2 ص242.

2 ـ نفس المهموم للمحدّث القمي.

3 ـ لقد ذكر الإمام المؤلّف الحديث عن المؤسّسات ودورها في المجتمع في كتاب (الفقه: الدولة الإسلامية) و(الفقه: الاجتماع) و(الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية) وكراس (رسالة المساجد والحسينيات).

4 ـ تضم القارة الإفريقية أربعين دولة، ويبلغ عدد سكانها (600) مليون، منهم (332) مليون مسلم والباقي غير مسلمين، اهتم (الفاتيكان) ومنذ عدة عقود من الزمن في تنصير القارة الإفريقية، فأرسلوا (104) ألف قسيس ومتنصّر و(93) ألف معاون قسيس ومعاون متنصر لأجل التبليغ المسيحي ـ علماً أن للمسيحيين في العالم (4.250.000) مبلّغ متفرغ للتبليغ ـ وفتحوا دوراً لترجمة الإنجيل إلى اللغات المتداولة في القارة الإفريقية البالغة عددها (422) لغة، ووزعوا (128) مليون نسخة من الإنجيل خلال عام (1993م)، كما خصصوا (22) مليار دولار للنشاط في إفريقيا عام (1994م) وإليك بعض الأرقام التي تبيّن النشاط المسيحي في إفريقيا قد تصدرها:

1 ـ تأسيس (16.671) ألف معهد كنيسي حتى عام 1999م.

2 ـ إشراف الكنائس على (500) جامعة وكلية.

3 ـ تأسيس (489) مدرسة لاهوتية لتخريج القساوسة والمتنصرين.

4 ـ إشراف المجمع الكنيسي على (2594) مدرسة ثانوية، و(83900) مدرسةابتدائية، و(11130) روضة أطفال، و(115) مدرسة للمكفوفين. علماً أن (6) ملايين مسلم يدرسون في مدارس التنصير في إفريقيا.

5 ـ تمتلك الكنائس (600) مستشفى و(5112) مستوصف في إفريقيا.

6 ـ تمتلك (256) معهد للأيتام، و(130) ملجأ للمرضى و(85) ملجأ للأرامل.

7 ـ 75 مجلّة تعتني بالنشاط التبليغي المسيحي وبالشؤون الدينية.

8 ـ مئات دور النشر لطباعة الكتب وتوزيعها مجاناً.

9 ـ تربية الكادر الكتابي وإصدار (62.800) ألف عنوان جديد يتحدث عن النصرانية في عام 1987م.

5 ـ النحل: 120.

6 ـ كالطبيب والمهندس والعالم والمدرّس والمدير والموظّف، لقد فصل الإمام المؤلف الحديث عن المؤسسات وما هي آلية استمراريتها في كتاب: (استمرارية المؤسسات الإسلامية).

7 ـ كما يلزم على الهيئة الإدارية أن تقوم بتربية أفراد آخرين ليقوموا بالمهام الإدارية في المستقبل.