الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الحرية المسؤولة

أتذكر قبل خمسين عاماً وأنا شابٌ في العراق كان كل شيء حراً ومسموحـاً بـه إلاّ المحرمات ـ عنـد المتدينين ـ فالتجارة والزراعة والصناعة والسفر والإقامة والخطابة والكتابة والطباعة والعمارة وحيازة المباحات وألف شيء وشيء، كلها حراً بمعنى الكلمة فلم تكن هناك حاجة إلى الإجازة ولا إلى الضريبة ولا إلى شروط وقيود إلاّ ما ذكره الإسلام وبينه القرآن الكريم. وكان القانون الساري المفعول في البلاد الإسلامية هو (يضع عنهم إصرَهم والأغلال التي كانت عليهم)(1)، واستمـر الحال هكـذا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث قويت شوكة الاستعمار بعملائه في البلاد الإسلامية، فذهبت الحرية أدراج الرياح فأصبح السفر غير مسموح به إلاّ بالتأشيرة والإجازة ودفع مبلغ من المال كضريبة على المسافر. وأصبح البناء مقيداً أيضاً بالإجازة حتى بات مـن يريـد ترميـم بيت له عليـه أن يذهب إلى دائرة البلدية ويستخرج إجازة البناء، ولن يحصل على الإجازة إلاّ بعد عشرين أو ثلاثين إمضاءً وبعد أن يبذل مقداراً من الرشاوى إضافة إلى ما يدفعه باسم ضريبة البناء وحتى مـن يريد أن يدفـن، على ورثته أن يدفعوا الرسوم ويقدموا الطلبات وما شابه ذلك.

لقد جَعَلَنا الاستعمارُ غرباء حتى في أوطاننا وأصبح الغرب المستعمر هو ابن الوطن هكذا سنّ حكامنا القوانين لصالح أسيادهم المستعمرين.

ولازال هـذا الموضوع بكراً لم يتناوله الكتّاب بشكل من التفصيل المطلوب وإنّي لأعتقد بأنّه لو تشكّلت لجنة للكتابة حول هذا الموضوع بصورة خاصّة لاتسعت كتاباتهم إلى أكثر من عشر مجلّدات.

مـن هنا جاءت أهمية الكتابة فـي هذا الموضوع الحيوي. وليذكّر أصحاب القلم المسلمين وحتى غـير المسلمين أنّ الإسلام أصبح قوّة جذب للبشريـة عندمـا منح الحريات فالناس يركضون خلف من يحترمهم ويمنحهم حقوقهم كاملة غير منقوصة.

ونحن على يقـين تام إذا رجـع المسلمون إلى الحريات الإسلامية أنفضّ الناس مـن حول الغرب واتجهوا نحو الإسلام لأنهم سيكتشفون عظمة الإسلام، وسيعرفون أن الحرية التي في الإسلام لا يحلم بها أي إنسان غربي.

فالحرية في الإسلام هي حرية بناء وليست حرية هدم كما هو الحال في الغرب حرية تقدم وليست حرية امتصاص ثروات ودماء الآخرين، حرية ازدهار لا حرية انحطاط إذن الحرية يجب أن تكون مسؤولة.

فالإسـلام يرفض الحريـة التي تؤدّي إلى الزنا، بما يجر من ويلات وأمراض وتفكك أسري و. . ، وإلى اغتصاب أموال الناس وإلى سرقة الثروات ولا يقرّ هذا النوع مـن الحرية. فالحرية الإسلامية هي حرية إنسانية. ترفع من شأن الإنسان وتوصله لمصاف الملائكة وهذه نقطة هامة فـي التعريف بمسلك الحرية، كما وأنّ اللازم أيضاً للكتّاب أن ينبهوا الناس إلى أنّ تطبيق الحرية يلزم التدرّج وإلاّ فإن إطلاقها بدون جدولة زمنيـة وتحت نظر الخـبراء ستنقلب إلـى الضد وتتحوّل إلى فوضى.

كما لابدّ مـن الدعوة إلى تغيـير بعض القوانين الناقضة للحرية المشروعة والأخذ بالقوانين الربانية الداعية إلى الحرية المسؤولة ومنها: قانون: (الأرض لله ولمن عمّرها)(2).

وقانون: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(3).

وقانون: (الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم)(4).

من هنا فإنّ العودة إلى الإسلام لا تتم إلاّ بالتدريج أيضاً فمن غير الممكن أن تقرر الدول رفـع الحدود بصورة مفاجأة بل يجب أن يتم ذلك بصورة تدريجية لأن إزالة الحدود بين عشية وضحاها ستترك مضار أكثر من المنافع.

وعملية التدرّج تتم عبر هذه الخطوات.

الخطـوة الأولـى: إيجـاد السوق الإسلاميـة المشتركة ـ أيضاً بالتدريج ـ.

الخطوة الثانية: توحيد النقد.

الخطوة الثالثة: تقليص قيود السفر والإقامة.

الخطوة الرابعة: السماح لكـل مسلم بالتملك في البلد الإسلامي الآخر.

الخطـوة الخامسة: تقليص التعرفة الجمركية. . كمقدّمة لإزالتها نهائياً.

وقاعدة التدرّج تطبق أيضاً في المجالات الأخرى.

إذ ليس من السليم الانتقال الفجائي إلـى القوانين الإسلامية دون التمهيد لها.

وإنّما نقـول بالتدرّج استناداً لقانـون (لا ضرر) أسوةً بالرسول الأكـرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيـث تدرّج في تطبيق الأحكام الإسلامية إلى غير ذلك ممّا ذكرناه تفصيلاً في بعض الكتب الفقهية(5).

 

1 ـ سورة الأعراف: الآية 157.

2 ـ الكافي (فروع): ج5 ص279 ح2، الاستبصار: ج3 ص108 ب72 ح3.

3 ـ غوالي اللئالي: ج3 ص480 باب إحياء الموات ح4. وسائل الشيعة: ج17 ص328. مستدرك الوسائل: ج17 ص111 ب5، ج3 ص149 ب1 ح4. تهذيب الأحكام: ج6 ص110 ب22 ح11. بحار الأنوار: ج7 ص328. سنن البيهقي. وكذا ورد في الكافي (فروع): ج4 ص547 ح33، (من سبق إلى موضع فهو أحقّ به).

4 ـ (الناس مسلطون على أموالهم) رواية في كتاب بحار الأنوار: ج2 ص272 ح7، (وأنفسهم) مستفاد من قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) سورة الأحزاب: الآية 6.

5 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب الدولة الإسلامية: ج101-102 للإمام المؤلّف (دام ظله).