الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الأخلاق والمعنويات

من أهم مقومات الإصلاح: التأكيد على الأخلاق والمعنويات وحث الناس على التقوى والخوف من الله عزّ وجلّ والتحذير من شدة عذاب القبر.

روي أنّ جماعة ذهبوا إلى الحج فمات أحدهم قرب مكة المكرمة، فغسلوه وكفنوه وصلّوا عليه وحفروا له قبراً بمقدار نصف قامة، وإذا به يمتلئ حيات بقدر نصف القامة، فتعجبوا أشد التعجب، لأنّ الأرض ليست أرض حيات، ثم من أين جاءت هذه الحيات فجأة؟ ولم يكن في القبر ثقب، فحفروا قبراً آخر بفاصلة أذرع، فلما وصل إلى نصابه امتلأت بالحيات ثانية، فازداد تعجبهم، واضطروا إلى أن يحفروا قبراً ثالثاً في مكان بعيد عن القبرين وإذا بالقبر الثالث يمتلئ بالحيات أيضاً.

فتركوا الجنازة وتركوا عنده من يحفظه من الهوام ونحوها، وجاؤوا إلى مكة المكرمة وسألوا عن ابن عباس تلميذ الإمام (عليه السلام) حيث كان ذلك الوقت هناك، فسألوه عن الأمر، وأبدوا استغرابهم.

فسألهم ابن عباس عن عمله؟

قالوا: تاجر.

قال: فهل كان يأكل الحرام؟

قالوا: نعم، إنه كان يرابي ولا يلاحظ الحلال والحرام.

قال: اذهبوا فادفنوه في إحدى تلك القبور، فإن ما رأيتموه أمر برزخي، فتحت له أعينكم للتنبيه على عاقبة المرابي، فلو حفرتم له آنذاك ألف قبر كانت كلها كذلك، فرجعوا فلم يروا الحيات ودفنوه في إحدى تلك القبور.

قال تعالى: ((سيطوقون ما بخلوا به))[1]، ممّا فسرت في الأخبار الموجودة في الوسائل[2] والمستدرك[3] وجامع أحاديث الشيعة[4] بمنع حقوق الله وحقوق الناس.

عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))[5]، فقال: «يا محمد، ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله عزّ وجلّ ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوقاً في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب ـ ثم قال ـ: هو قول الله عزّ وجلّ: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة)) يعني ما بخلوا به من الزكاة»[6].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله عزّ وجلّ يوم القيامة بقاع قرقر وسلط عليه شجاعاً أقرع يريده وهو يحيد عنه، فإذا رأى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقا في عنقه وذلك قول الله عزّ وجلّ: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة)) وما من ذي مال إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر يطأُهُ كل ذات ظلف بظلفها وينهشه كل ذات ناب بنابها، وما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاته إلا طوقه الله تعالى ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة»[7].

وروى أيوب بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «مانع الزكاة يطوق بحية قرعاء تأكل من دماغه وذلك قول الله عزّ وجلّ: ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))»[8].

فليعلم الإنسان المذنب، خصوصاً من يرتكب الذنوب الكبيرة، أن العقاب في انتظاره، وليس بينه وبين أنْ يرى ذلك إلا الموت، هذا وقد يجازى الشخص في دنياه أيضا، فإنه «كما تدين تدان»[9].

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما أقام العالم الجدار أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام): أني مجازي الأبناء بسعي الآباء، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشر، لا تزنوا فتزني نساؤكم، ومن وطأَ فراش امرئ مسلم وطئ فراشه، كما تدين تدان»[10].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مكتوب في التوراة: ابن آدم كن كيف شئت كما تدين تدان، من رضي من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته وزكت مكسبته وخرج من حد الفجور»[11].

عذاب القبر

قال أبو جعفر (عليه السلام): قال النبي (صلّى الله عليه وآله): «إني كنت أنظر إلى الإبل والغنم وأنا أرعاها، وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم، وكنت أنظر إليها قبل النبوة وهي متمكنة في المكينة ما حولها شيء يهيجها حتى تذعر فتطير، فأقول: ما هذا وأعجب، حتى حدثني جبرئيل (عليه السلام): إن الكافر يضرب ضربة ما خلق الله شيئاً إلاّ سمعها ويذعر لها إلا الثقلين، فقلت: ذلك لضربة الكافر فنعوذ بالله من عذاب القبر»[12].

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في وصيته لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «يا علي، احذر الغيبة والنميمة فإن الغيبة تفطر والنميمة توجب عذاب القبر»[13].

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه مرّ على البقيع فوقف على قبر ثم قال: «الآن أقعدوه وسألوه، والذي بعثني بالحق نبياً، لقد ضربوه بمرزبة من نار لقد تطاير قلبه ناراً»، ثم وقف على قبر آخر فقال مثل مقالته على القبر الأول، ثم قال: «لولا أني أخشى على قلوبكم لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر مثل الذي أسمع» فقالوا: يا رسول الله، ما كان فعل هذين الرجلين؟ فقال: «كان أحدهما يمشي بالنميمة وكان الآخر لا يستبرئ عن البول»[14].

وعن زيد الشحام قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن عذاب القبر؟ قال: «إن أبا جعفر (عليه السلام) حدثنا أن رجلاً أتى سلمان الفارسي فقال: حدثني، فسكت عنه، ثم عاد فسكت، فأدبر الرجل وهو يقول ويتلو هذه الآية: ((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب))[15]، فقال له: أقبل إنا لو وجدنا أمينا لحدثناه ولكن أعد لمنكر ونكير إذا أتياك في القبر فسألاك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإنْ شككت أو التويت ضرباك على رأسك بمطرقة معهما تصير منه رمادا، فقلت: ثم مه؟ قال: تعود ثم تعذب، قلت: وما منكر و نكير؟ قال: هما قعيدا القبر، قلت: أملكان يعذبان الناس في قبورهم، فقال: نعم»[16].

وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المصلوب يصيبه عذاب القبر؟ فقال: «إن رب الأرض هو رب الهواء فيوحي الله عزّ وجلّ إلى الهواء فيضغطه ضغطة أشد من ضغطة القبر»[17].

[1] سورة آل عمران: 180.

[2] وسائل الشيعة: ج9 ص20 ب3.

[3] مستدرك الوسائل: ج7 ص19 ب3.

[4] جامع أحاديث الشيعة: ج9 ص25 ب1.

[5] سورة آل عمران: 180.

[6] الكافي: ج3 ص502 باب منع الزكاة ح1.

[7] من لا يحضره الفقيه: ج2 ص9-10 باب ما جاء في مانع الزكاة ح1583.

[8] وسائل الشيعة: ج9 ص23 ب3 ح11424.

[9] غرر الحكم ودرر الكلم: ص341 ق4 ب2 ف3 ح7811.

[10] غوالي اللآلي: ج3 ص547 ق2 باب الحدود ح10.

[11] بحار الأنوار: ج70 ص175 ب129 ح16.

[12] الكافي: ج3 ص233 باب أن الميت يمثل له ماله وولده وعمله قبل موته ح1.

[13] وسائل الشيعة: ج10 ص35 ب2 ح12765.

[14] مستدرك الوسائل: ج1 ص270 ب18 ح566.

[15] سورة البقرة: 159.

[16] تفسير العياشي: ج1 ص71 من سورة البقرة ح138.

[17] من لا يحضره الفقيه: ج1 ص192 باب النوادر ح584.