الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

سياسة اللاعنف

بين الحين والآخر يعاود البعض تساؤلاته حول سياسة الإسلام قائلا: يا تُرى هل للإسلام سياسة خاصّة؟

وإذا كانت له فما هي؟

وما هو الفارق بين سياسة الإسلام والسياسة الغربية أو الشرقية؟

وهل إنّ سياسة الإسلام تختلف عن سائر سياسات الرسالات السماوية السابقة؟

والجواب: نعم الإسلام يشتمل على أفضل برنامج في المجال السياسي وفي إدارة البلاد والعباد، على تفصيل ذكرناه في بعض كتبنا[1]، ومن مقومات السياسة الإسلامية: السلم واللاعنف في مختلف مجالات الحياة، ومع مختلف الأطراف.

سياسة السماء

يكفي الإنسان أن يلقي نظرة سريعة على الآيات والروايات الشريفة المتطرّقة إلى منهجية الرسالات السالفة في إدارة البلاد وهداية العباد، فيتجلّى له واضحاً أنّ كافة الرسالات السماوية كانت لها سياسة واحدة قد دعا إليها جميعها.

والسؤال هنا: ما هي تلك السياسة التي اتّفقت عليها رسالات السماء؟

الجواب: إنّها سياسة اللين واللاعنف والغضّ عن إساءة الآخرين.

فهذا هابيل عندما هدّده أخوه بالقتل أجابه مباشرةً بجواب يكشف عن التزامه بسياسة السماء الداعية إلى اللين واللاعنف حيث قال: ((لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِي إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ))[2].

وقال الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان في تفسير هذه الآية: وقيل إنّ معنى الآية: «لئن بسطت إليّ يدك» على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والابتداء[3].

ثمّ علّل التزامه باللين واللاعنف قبال تهديدات أخيه قائلا: ((إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)).

وقد ورد في الحديث: إنّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام) كان ملتزماً باللين واللاعنف إلى أبعد حدّ، ففي أحد الأيّام جاءه رجل وآذاه كثيراً وشتمه! فقال له: هداك الله[4].

وعندما أمر الله تعالى نبيه موسى (عليه السلام) ووصيّه هارون (عليه السلام) بالذهاب إلى فرعون الطاغية، أوصاهما بالتزام اللين واللاعنف إبّان دعوته إلى الله، فقال عزّ من قائل: ((فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً))[5].

وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في سؤال محمّد بن أبي عمير حول هذه الآية قال: «أمّا قوله ((فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً)) أي كنّياه وقولا له يا أبا مصعب، وكان كنية فرعون أبا مصعب»[6].

والكناية نوع احترام ولين في الكلام.

وكذلك التزم نبيّ الله عيسى (عليه السلام) بقانون اللين واللاعنف في دعوته، بل كان يوصي أتباعه به حيث قال لبعضهم يوماً: «ما لا تحبّ أن يفعل بك فلا تفعله بأحد وإن لطم خدّك الأيمن فأعط الأيسر»[7].

سياسة الإسلام

جولة سريعة في رحاب الآيات الكريمة والروايات الشريفة يتجلّى بوضوح أنّ الإسلام العزيز ليس فقط لا يدعو إلى العنف وأساليبه في شتّى المجالات، وإنّما سياسته على خلاف ذلك تماماً حيث إنّها تؤكّد على اللين واللاعنف.

فمن أبرز معالم سياسة الإسلام الداعية إلى اللاعنف هو:

حرمة الدماء:

إنّ الإسلام أخذ يؤكد على مسألة حرمة الدم والدماء، وعدم إراقتها تأكيداً بالغاً قلما تراه في مسائل أخرى، فهناك العديد من الآيات والروايات سلّطت الأضواء على قداسة الدماء وحرمتها.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر: «وإيّاك والدماء وسفكها بغير حلّها، فإنّه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها، والله سبحانه وتعالى مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوّين سلطانك بسفك دم حرام، فانّ ذلك ممّا يضعفه ويوهنه ويزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو يدك بالعقوبة فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم»[8].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أوّل ما يحكم الله فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف إبنا آدم فيفصل بينهما، ثمّ الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتّى لا يبقى منهم أحد، ثمّ الناس بعد ذلك حتّى يأتي المقتول يقاتله فيتشخّب في دمه وجهه، فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته؟ فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً»[9].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يدخل الجنّة سافك للدم، ولا شارب الخمر، ولا مشّاء بنميم»[10].

وفي القرآن الحكيم قال تعالى: ((مِنْ أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً))[11].

حرمة الأعراض:

هناك مسألة أخرى نالت اعتناء الشارع المقدّس وتأكيداته الكثيرة الداعية إلى اللاعنف.. ألا وهي مسألة حفظ الأعراض، فانّ للأعراض عند الإسلام قداسة خاصّة وحرمة شديدة بالغت الآيات والروايات في بيان حرمتها وقداستها.

ومن هذا المنطلق فانّ العديد من الأخبار كشفت عن عظمة عقاب من يسمح لنفسه بممارسة العنف إزاء أعراض الآخرين عبر الاغتصاب وما أشبه.

فعن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها فتحرّك إبنها فقام فقتله بفأس كان معه فلمّا فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد؟

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «اقض على هذا كما وصفت لك»، فقال: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه ديّة الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها، إنّه زان وهو في ماله غريمة، وليس عليها في قتله إيّاه شيء، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا ديّة له ولا قود»[12].

اللاعنف مع الرعية

على رأس المسائل المهمّة التي نالت اعتناء الشارع المقدّس وتأكيدات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) هي مسألة اللاعنف مع الرعية، فبين الفترة والأخرى تجد أنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) يوصون الولاة فضلا عن السلاطين والحكّام بالرفق برعيتهم وعدم البطش بهم.

فلمّا اُستُخلف عثمان بن عفّان آوى إليه عمّه الحكم بن العاص وولده مروان والحارث بن الحكم ووجّه عمّاله في الأمصار وكان فيمن وجّه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن اُميّة إلى مُشكان، والحارث بن الحكم إلى المدائن، فأقام فيها مدّة يتعسّف أهلها ويسيء معاملتهم، فوفد منهم إلى عثمان وشكوا إليه وأعلموه بسوء ما يعاملهم به وأغلظوا عليه في القول، فولّى حذيفة بن اليمان عليهم وذلك في آخر أيّامه، فلم ينصرف حذيفة بن اليمان من المدائن إلى أن قتل عثمان واستخلف الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأقام حذيفة عليها وكتب إليه:

«بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان، سلام عليكم، فإنّي ولّيتك ما كنت تليه لمن كان قبل حرف المدائن..» إلى أن يقول (عليه السلام): «وإنّي آمرك بتقوى الله وطاعته في السرّ والعلانية فاحذر عقابه في المغيب والمشهد، وأتقدّم إليك بالإحسان إلى المحسن والشدّة على المعاند، وآمرك بالرفق في اُمورك واللين والعدل في رعيتك فإنّك مسؤول عن ذلك، وانصاف المظلوم والعفو عن الناس وحسن السيرة ما استطعت فالله يجزي المحسنين»[13].

وقد بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بعض عمّاله كتاباً يأمره فيه بالتزام اللين واللاعنف في التعامل مع الرعية حيث قال فيه (عليه السلام): «أمّا بعد، فإنّك ممّن استظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأسدّ به لهاة الثغر المخوف، فاستعن بالله على ما أهمّك، وأخلط الشدّة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدّة حين لا تغني عنك إلاّ الشدّة، واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإرشاد والتحيّة، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك، والسلام»[14].

عهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك الأشتر

وفي عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر لمّا ولاّه مصر قال:

«وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فانّهم صنفان، إمّا أخ لك في الدين وإمّا نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاّك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم، ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنّه لا يد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولنّ إنّي مؤمّر أمر فأطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرّب من الغير»[15].

اللاعنف إزاء المعارضة

بلغت سياسة الإسلام في اللاعنف والسلم، قدراً من القداسة بحيث إنّها أتاحت المضمار لشتّى الطوائف على مختلف مشاربهم وأفكارهم في أن يبدوا آراءهم واعتراضاتهم إزاء كلّ شاردة وواردة تطرأ على الساحة، وهذا ما يسمى بحرية المعارضة وحقوقها.

ففي عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممثّل الإسلام الأوّل ورافع راية النبوّة الخاتمة كان المعارضون حتى من غير المسلمين، يبدون اعتراضاتهم بكلّ صراحة ودون أيّة مخافة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتقبّل ذلك بصدر رحب ويتعامل معهم بكلّ حفاوة واحترام ولم يلجأ يوماً ما إلى العنف والبطش معهم أبداً.

وكذلك الحال بالنسبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ أنّه (عليه السلام) عندما انتهت إليه الخلافة أخذ البعض يبدي اعتراضاته ومخالفته، إلاّ أنّه (عليه السلام) لم يعاقب أحداً بذلك، بل كان في بعض الأحيان يخبرهم بما يضمرون ويغضّ الطرف عنهم.

إنّما أردتما الغدر

روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لطلحة والزبير حين استأذناه في الخروج إلى العمرة: لا والله ما تريدان العمرة وإنّما تريدان البصرة، فكان الأمر كما قال.

وقال (عليه السلام) لابن عبّاس وهو يخبره عن استئذانهما له في العمرة: إنّني أذنت لهما مع علمي بما قد انطويا عليه من الغدر واستظهرت بالله عليهما، وإنّ الله تعالى سيردّ كيدهما ويظفرني بهما[16].

وقال (عليه السلام) في خطبة له في ذي القار مصرّحاً عن سماحة الإسلام وعظمة سياسته اللاعنفية الداعية إلى إتاحة الحرّيات للآخرين حتّى للمعارضة:

وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في وجهيهما والنكث في عينيهما، ثمّ استأذنا في العمرة فأعلمتهما أنّ ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكّة واستخفا عائشة وخدعاها وشخص معها أبناء الطلقاء فقدموا البصرة وقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر، ويا عجباً لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما عليَّ وهما يعلمان أنّي لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت، ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتاباً يخدعهما فيه فكتما عنّي وخرجا يوهمان الطغام أنّهما يطلبان بدم عثمان[17].

يا قاتل الأحبّة!

وقد ورد انّه بعد واقعة الجمل قالت صفيّة بنت الحارث زوجة عبد الله بن خلف الخزاعي للإمام علي (عليه السلام): يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق الجماعة!، فقال الإمام (عليه السلام): إنّي لا ألومك أن تبغضيني يا صفيّة وقد قتلت جدّك يوم بدر وعمّك يوم اُحد وزوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبّة لقتلت من في هذه البيوت، ففتّش فكان فيها مروان وعبد الله بن الزبير[18].

ولا يخفى أن القتل كان في ميدان الحرب ودفاعاً عن المسلمين.

من نولّي أمر الجنود؟

ربما يتصوّر البعض أنّ القائد العسكري حتّى يكون موفّقاً فلابدّ أن يكون عنيفاً بحيث لا تعرف الرأفة والرحمة إلى قلبه سبيلا.

ولكن هذا التصوّر ليس بصحيح، فليس العنف والبطش هما سر نجاح القائد العسكري الموفّق، بل على العكس تماماً ينبغي للقائد العسكري أن يكون ليّناً رؤوفاً مضافاً إلى لزوم كونه شجاعاً وقوياً وحكيماً، فالقائد يميل دائماً إلى الرفق واللاعنف خصوصاً مع الجنود الذين يدافعون عن ثغور البلاد الإسلامية.

فمن وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر قائلا: «ولِّ أمر جنودك أفضلهم في نفسك حلماً، وأجمعهم للعلم وحُسن السياسة وصالح الأخلاق، ممّن يبطئ عن الغضب، ويسرع إلى العذر ويراقب الضعيف ولا يُلحّ على القوي، ممّن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف، والصق بأهل العفّة والدين والسوابق الحسنة، ثمّ بأهل الشجاعة منهم، فإنّهم جُمّاع الكرم وشعبه من العزّ ودليل على حسن الظنّ بالله والإيمان به، ثمّ تفقّد من اُمورهم ما يتفقّده الوالد من ولده، ولا يعظمنّ في نفسك شيء أعطيتهم إيّاه، ولا تحقّرن لهم لطفاً تلطفهم به، فإنّه يرفق بهم كلّ ما كان منك إليهم وإن قلّ، ولا تدعنّ تفقّد لطيف اُمورهم اتّكالا على نظرك في جسيمها...»[19].

اللاعنف في الحروب

إحدى الدلائل المهمّة الدالّة على أنّ الإسلام لا يدعو إلى العنف والبطش هي مسألة الحروب والمعارك التي خاضها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام):

ففي التاريخ: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا كان في مكّة المكرّمة لم يجهّز جيشاً للقتال أصلا، ولمّا هاجر إلى المدينة المنوّرة وبعد أن فرض على المسلمين الجهاد بشرائطه التامّة المذكورة في كتب الفقه المفصّلة[20]، قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المشركين ولكن قتاله لم يكن هجومياً وإنما معاركه كانت دفاعية.

من جانب آخر الوصايا السمحة التي كان يؤكّد عليها الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) قبل خوض كلّ حرب تكشف بوضوح أنّ الإسلام لا يستخدم القوّة والعنف إلاّ في أشد حالات الضرورة ومع القلّة من الناس ممّن لا تجدي معهم المواعظ الحسنة.

فمن تلك الوصايا المهمّة الداعية إلى اللاعنف في الحروب:

لا للدمار

عن أبي عبد الله (عليه السلام) إنّه قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول:

سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله

لا تغلّوا

ولا تمثّلوا

ولا تغدروا

ولا تقتلوا شيخاً فانياً

ولا صبيّاً

ولا امرأة

ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها.

وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتّى يسمع كلام الله فإن تبعكم فأخوكم في الدين وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه»[21].

وصايا قبل الحرب

وفي وصيّة لأمير المؤمنين (عليه السلام) أوصى بها عسكره قبل لقاء العدو قال فيها:

«لا تقاتلوهم حتّى يبدؤوكم، فإنّكم بحمد الله على حجّة، وترككم إيّاهم حتّى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم عليهم.

فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً

ولا تصيبوا معوراً

ولا تجهّزوا على جريح

ولا تهيجوا النساء بأذى، وان شتمن أعراضكم، وسببن اُمراءكم، فانّهنّ ضعيفات القوى والأنفس والعقول، إنّا كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ وإنّهنّ مشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالقهر أو الهراوة فيعيّر بها وعقبه من بعده»[22].

إعطاء الأمان

عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) انّه قال: قلت له: ما معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله) «يسعى بذمّتهم أدناهم»؟

قال (عليه السلام): «لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم واُناظره، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به»[23].

وعن أبي عبد الله أو عن أبي الحسن (عليهما السلام) قال: «لو أنّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان، فقالوا: لا، فظنّوا أنّهم قالوا: نعم، فنزلوا إليهم كانوا آمنين»[24].

العطف على الأسرى

على خلاف سيرة معظم الاُمم في تعاملهم مع الأسرى جاء الإسلام العزيز وحثّ المسلمين على الرفق بهم والعطف عليهم والتعامل معهم باللين واللاعنف.

يقول الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): «إذا أخذت أسيراً فعجز عن المشي وليس معك محمل فأرسله ولا تقتله فإنّك لا تدري ما حكم الإمام فيه»[25].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) إنّه قال: «إطعام الأسير حقّ على من أسره وإن كان يراد من الغد قتله، فإنّه ينبغي أن يطعم ويسقى ويظلّ ويرفق به، كافراً كان أو غيره»[26].

وعن الشعبي قال: لمّا أسر علي (عليه السلام) الأسرى يوم صفّين وخلّى سبيلهم أتوا معاوية وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية اقتلهم فما شعروا إلاّ بأسراهم قد خلّى سبيلهم علي (عليه السلام)، فقال معاوية: يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر، ألا ترى قد خلّى سبيل أسرانا فأمر بتخلية من في يديه من أسرى علي (عليه السلام) وقد كان علي (عليه السلام) إذا أخذ أسيراً من أهل الشام خلّى سبيله إلاّ أن يكون قد قتل من أصحابه أحداً[27].

الدعوة إلى الإسلام

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن قال: يا علي لا تقاتل أحداً حتّى تدعوه إلى الإسلام وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي»[28].

وعن الزهري أنّه قال: دخل رجال من قريش على علي بن الحسين (عليه السلام) فسألوه كيف الدعوة إلى الدين؟

قال: «تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أدعوكم إلى الله عز وجل وإلى دينه وجماعه أمران: أحدهما معرفة الله عز وجل والآخر العمل برضوانه وإنّ معرفة الله عز وجل أن يعرف بالوحدانية والرأفة والرحمة والعزّة والعلم والقدرة والعلوّ على كلّ شيء، وانّه النافع الضارّ، القاهر لكلّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، القاهر لكلّ شيء، الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأنّ ما جاء به هو الحقّ من عند الله عز وجل وما سواه باطل، فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»[29].

[1] ـ انظر: (الفقه: السياسة) و (الفقه: القانون) و (الفقه: طريق النجاة) و (السبيل إلى إنهاض المسلمين) و (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين) و (المقدمة العقائدية) و (إلى حكم الإسلام).

[2] ـ سورة المائدة: 28 ـ 29.

[3] ـ مجمع البيان: ج3 ص317، سورة المائدة: 28.

[4] ـ بحار الأنوار: ج12 ص20 ب2 قصص ولادته (عليه السلام) إلى كسر الأصنام.

[5] ـ سورة طه: 44.

[6] ـ تفسير نور الثقلين: ج4 ص415 ـ 416.

[7] ـ بحار الأنوار: ج14 ص287 ب21 ح10.

[8] ـ نهج البلاغة، الرسائل 53: من كتاب له (عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

[9] ـ وسائل الشيعة: ج29 ص12 ب1 ح35026.

[10] ـ وسائل الشيعة: ج29 ص13 ب1 ح35029.

[11] ـ سورة المائدة: 32.

[12] ـ وسائل الشيعة: ج29 ص62 ب23 ح35155.

[13] ـ بحار الأنوار: ج28 ص87 ـ 88 ب3 ح3.

[14] ـ نهج البلاغة، الرسائل 46: من كتاب له (عليه السلام) إلى بعض عماله.

[15] ـ نهج البلاغة، الرسائل 53: من كتاب له (عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

[16] ـ الإرشاد: ج1 ص315.

[17] ـ الجمل، للمفيد: ص268 خطبة أخرى لأمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار.

[18] ـ بحار الأنوار: ج31 ص310 ب114.

[19] ـ نهج البلاغة، كتاب 53: من كتاب له (عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها.

[20] ـ راجع موسوعة الفقه: ج47-48 كتاب الجهاد.

[21] ـ الكافي: ج5 ص27 ـ 28 باب وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في السرايا ح1.

[22] ـ نهج البلاغة، الرسائل 14: من وصية له (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدد بصفين.

[23] ـ الكافي: ج5 ص30 ـ 31 باب إعطاء الأمان ح1.

[24] ـ الكافي: ج5 ص31 باب إعطاء الأمان ح4.

[25] ـ الكافي: ج5 ص35 باب الرفق بالأسير وإطعامه ح1.

[26] ـ الكافي: ج5 ص35 باب الرفق بالأسير وإطعامه ح2.

[27] ـ مستدرك الوسائل: ج11 ص50 ب21 ح12406.

[28] ـ الكافي: ج5 ص28 باب وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في السرايا ح4.

[29] ـ الكافي: ج5 ص36 باب الدعاء إلى الإسلام قبل القتال ح1.