الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

مكارم الأخلاق

إن حياة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) وسيرته الطاهرة مليئة بمكارم الأخلاق وهي تشكل قسماً مهماً من بحر فضائله ومكارمه، فكان الإمام (عليه السلام) خير دليل وأسوة للإنسان الصالح، وأفضل نموذج لكل البشرية في طريق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

يقول أحد الشعراء[1]:

من ذا يكافئ زهرة فواحة؟                    أو من يثيب البلبل المترنما

ينبغي للإنسان بصورة عامة وللمسلم بصورة خاصة أن يكون كباقة الورد العطرة، وأن يخدم الإنسانية من دون أن يتوقع مكافأة الناس له، وأن يعمل خالصاً لله عزّ وجلّ، كما ورد في القرآن الكريم حكاية عن أهل البيت (عليهم السلام) حيث قالوا: ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً))[2].

وأن يحب الناس، وإذا ما أساء إليه شخص ما، فعليه بالعفو والإحسان، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) كانوا كذلك، يغضون الطرف عن الذنب ويحسنون إلى المذنب.

وخلاصة القول على الإنسان أن يقابل الإساءة بالإحسان والشر بالخير، مما يعبر عنه في علم الأخلاق بـ (الملكات الإنسانية العالية).

وهذه من مزايا مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

إن المجرم في عالم اليوم إذا لم يلتزم بمنطق القوانين والمقررات، فإنهم سوف يجبرونه بالقوة من أجل المحافظة على حقوق الآخرين حتى لا يتجاوز حدوده ويتعدى على حقوق الآخرين.

أما في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) الأخلاقية، فإن المجرم لا يُطرد ولاينفى، بل يجعل منه مؤمن صالح، حيث يسعون في هدايته بالحكمة والموعظة الحسنة ويستقبلونه بالوجه الطلق، مما يوجب هدايته إلى الطريق المستقيم والفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فسياستهم (عليهم السلام) هي سياسة اللين واللاعنف والأخلاق الطيبة، أما سياسة العصا والسيف فإنها ليست من شيمهم، فلم يقوموا بالسيف إلا للدفاع عن النفس، فإن نبي الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله) وخليفته الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبتدئوا بحرب مطلقاً، بل كانوا دائماً وفي كل حروبهم في حالة الدفاع عن النفس وصد هجوم الكفار والمشركين، وحتى في تلك الحروب الدفاعية كانوا يجتنبون حد الإمكان عن القتل وإراقة الدماء[3].

نعم إنهم حملوا رسالة المحبة إلى العالم، وبينوا أن معالم دينهم قائمة على المحبة وكانوا يقابلون حتى أعدائهم بالمحبة والوئام.

وكان الإمام زين العابدين غصناً من أغصان هذه الشجرة النبوية العظيمة والمورقة دائماً والملقية بظلالها على رؤوس الخلق إلى أبد الآبدين.

وقد كانت أخلاقه الطيبة مدرسة للآجيال، وإليكم بعض النماذج من سلوكه الطاهر.

مع الأقرباء

ذكروا أنه وقف على علي بن الحسين (عليه السلام) رجل كان له بعض القرابة من الإمام (عليه السلام) وشتمه، فلم يكلمه الإمام (عليه السلام) بسوء، فلما انصرف قال (عليه السلام) لجلسائه: «لقد سمعتم ما قال هذا الرجل وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردي عليه».

قال: فقالوا له نفعل، ولقد كنا نحب أن يقول له ويقول.

فأخذ (عليه السلام) نعليه ومشى وهو يقول: ((والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين))[4].

قالوا: فعلمنا أنه لا يقول له شيئاً.

قال: فخرج (عليه السلام) حتى أتى منزل الرجل فصرخ به فقال: «قولوا له هذا علي بن الحسين».

قال: فخرج إلينا متوثباً للشر وهو لا يشك أنه إنما جاء مكافئاً له على بعض ما كان منه.

فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): «يا أخي إنك كنت قد وقفت عليّ آنفاً فقلت وقلت، فإن كنت قلت ما فيّ فاستغفر الله منه، وإن كنت قلت ما ليس فيّ فغفر الله لك».

قال: فقبل الرجل بين عينيه وقال: بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحق به[5].

وروي أن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يخرج بالليل متنكراً من دون أن يعرفه أحد ويطرق أبواب بعض أقربائه ويساعده مالياً، وكان الشخص يأخذ المال ويقول: لكن علي بن الحسين لا يواصلني لا جزاه الله عني خيراً، فيسمع الإمام ذلك ويصبر عليه ولم يعرفه بنفسه.

وبعد استشهاد الإمام السجاد (عليه السلام) انقطع الخير عن الرجل فعرف أن الشخص المحسن الذي لم يكن يعرفه كان هو الإمام السجاد (عليه السلام)، عندها جاء إلى قبره وبكى بحسرة وندم على ما فرطه في حق الإمام[6].

مع الموالي والعبيد

إن كثيراً من الناس تختلف أقوالهم عن أعمالهم، فإذا كان معدماً لا يملك شيئاً، يتمنى أن لو كانت له الدنيا وما فيها ليخدم الناس، فيقول: إذا ما وصلت إلى منصب حكومي أو مادي، فسأرعى من تحت يدي وأساعد المحتاجين والفقراء، ولكن عند ما يجد القدرة في أي صعيد فإنه يطغى في حدود إمكاناته، هذه طبيعة البعض.

أما أولياء الله والأئمة الطاهرون (عليهم السلام) فالمهم لديهم هو رضا الله عزّ وجلّ، فإنهم يستحضرون الله دائماً ويجعلون من رضائه ملاكاً لأعمالهم، وإذا ملكوا ما ملكوا، فإنهم ليس فقط لا يتغيرون ولايتبدلون بل يسعون للاستفادة منها في خدمة المحرومين والمنقطعين.

والإمام زين العابدين (عليه السلام) من هؤلاء الأطهار فإنه على عظمته وزعامته الدينية، لم ينس حتى الموالي والعبيد، بل كان يتعامل معهم تعامل الأب العطوف، وربما تجاوزت محبته (عليه السلام) عطوفة الأب بالنسبة إلى أولاده:

هكذا العفو

في يوم من الأيام كان للإمام زين العابدين (عليه السلام) مجموعة من الضيوف، فأمر (عليه السلام) أن يعد لطعامهم مقداراً من اللحم فيشوى في التنور ويؤتى به على الخوان، وعندما حل وقت الطعام، جلب أحد غلمانه جفنة اللحم المشوي إلى الخوان وكانت الجفنة شديدة الحرارة، ولشدة عجلة الغلام وقبل أن يصل إلى الخوان سقطت من يده على رأس أحد أولاد الإمام الصغار فاحترق ومات.

فتغير لون الغلام وأصابه الهلع وأخذ يرتجف من رهبة الجزاء، فإنه قد قتل طفلاً من أطفال الإمام (عليه السلام).

ومن الطبيعي أن كل أب عندما يشاهد مقتل ولده بهذه الطريقة المفجعة، أن يشد على الطرف بما يمكنه وأقله التوبيخ باللسان، ولكن الإمام السجاد (عليه السلام) لما رأى ذلك سلّم أمره إلى الله تعالى وخاطب الغلام وقال: أنت حر لوجه الله، فإنك لم تعتمد ذلك، ثم أخذ في جهاز ابنه ودفنه[7].

وبالطبع أن تحرير العبد حتى وإن كان له أجر أخروي، ولكنه يضر بالمالك من الناحية المادية لأن في استطاعته بيعه والاستفادة من ثمنه.

أمنت عذابك

في إحدى المرات نادى الإمام السجاد (عليه السلام) أحد غلمانه فلم يجبه، فأعاد النداء فلم يجبه، فناداه في المرة الثالثة فلم يجبه أيضاً، فقال له الإمام السجاد (عليه السلام) بهدوء: يا بني ألم تسمع ندائي في المرة الأولى والثانية؟

قال: سمعت.

قال (عليه السلام): فلماذا لم تجبني؟

قال: لأني أمنت عذابك.

عندما سمع الإمام (عليه السلام) جوابه هذا عفى عنه وقال: الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني[8].

وينبغي الإشارة إلى أن العبيد في ذلك الزمان لم تكن لهم أية شخصية أو أهمية في المجتمع، وكان يكفي أن يقصّر في تلبية النداء حتى يعاقب عليه.

إن طريقة تعامل الإمام زين العابدين (عليه السلام) تنم عن نهاية عطفه ومحبته بالنسبة إلى من كان تحت يده.

كظمت غيظي

واحدة من إماء الإمام السجاد (عليه السلام) قامت بصب الماء على يديه ليسبغ الوضوء للصلاة، ولكن فجأة سقط الإبريق من يديها فشج وجه الإمام.

فنظر إليها الإمام (عليه السلام) وهو جالس.

فقالت: ((والكاظمين الغيظ)).

قال (عليه السلام): كظمت غيظي.

قالت: ((والعافين عن الناس)).

قال (عليه السلام): عفوت عنك.

قالت: ((والله يحب المحسنين))[9].

قال (عليه السلام) فاذهبي فأنت حرة لوجه الله، وكان الدم يتقاطر من وجه الإمام (عليه السلام)[10].

نعم هذه هي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)..

مدرسة الأخلاق والإحسان، حتى مع المقصرين والمخالفين، وهذه هي سياسة باقة الورد بدل السوط وغصن الزيتون بدل السيف.

مع الأسرة والعائلة

ورد في الروايات الشريفة أن الذي يؤذي عائلته وخاصة زوجته وأطفاله فيغلظ عليهم في القول والأخلاق، فإنه سيعذب عذاباً أليماً في يوم القيامة، وإذا مات فستناله ضغطة القبر والعياذ بالله. وهذا أثر طبيعي ووضعي للعمل، لأن نتيجة الضغط على الأسرة في الدنيا هي ضغطة القبر في البرزخ.

وفي المقابل من أكرم عائلته ووسع عليهم في الرزق وعاشرهم بالمعروف وحسن الخلق، فسينال ثواب الآخرة ونعيم الجنة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»[11].

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن سعدا لما مات شيعه سبعون ألف ملك، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قبره، فقال: ومثل سعد يضم، فقالت أمه: هنيئا لك يا سعد وكرامة، فقال لها رسول الله: يا أم سعد لا تحتمي على الله، فقالت: يا رسول الله قد سمعناك وما تقول في سعد، فقال: إن سعدا كان في لسانه غلظ على أهله»[12].

وعن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته، وتلا هذه الآية: ((ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا))[13]، قال: «الأسير عيال الرجل، ينبغي إذا زيد في النعمة أن يزيد أسراءه في السعة عليهم» الحديث[14].

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

«من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإن من فرح ابنة فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ومن أقر عين ابن فكأنما بكى من خشية الله، ومن بكى من خشية الله أدخله جنات النعيم»[15].

وقال الصادق (عليه السلام): «رحم الله عبدا أحسن فيما بينه وبين زوجته فإن الله عز وجل قد ملكه ناصيتها وجعله القيم عليها»[16].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): «كانت لأبي (عليه السلام) امرأة وكانت تؤذيه فكان يغفر لها»[17].

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أوصاني جبرئيل (عليه السلام) بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة بينة»[18].

قال (عليه السلام): «من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة، أعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنة، وكتب له مائتي ألف حسنة ومحا عنه مائتي ألف سيئة ورفع له مائتي ألف درجة وكتب الله عز وجل له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة»[19].

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما من عبد يكسب ثم ينفق على عياله إلا أعطاه الله بكل درهم ينفقه على عياله سبعمائة ضعف»[20].

قال (صلى الله عليه وآله): «خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنون عليهم ولا يظلمونهم ثم قرأ: ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض))[21] الآية»[22].

ومن هنا فقد أكد الإسلام على حفظ الأسرة وإكرام من يعوله الإنسان والسعي في خدمتهم وقضاء حوائجهم، فإن الأسرة تمثل مجتمعاً صغيراً بحد ذاتها وهي النواة للمجتمع الأكبر، فإذا صلحت صلح المجتمع وإلا فلا، ولا يكون صلاحها إلا بالمحبة والصداقة والاحترام المتقابل بين الأفراد.

إن هذه القاعدة (قاعدة الأسرة السليمة والمتحابة) وسائر القواعد الإسلامية الأخرى يجدها المتتبع بشكل واضح ومصداق عملي جلي في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) فمثلاً إذا ما تصفحنا تاريخ الإمام السجاد (عليه السلام) وسلوكه مع أفراد عائلته سنراه في القمة، فإنه مضافاً إلى كونه (عليه السلام) أعبد أهل زمانه وأزهدهم، فهو لا ينسى رعاية من يعوله وإكرام اسرته الشريفة، بل يأخذ بخدمتهم ويهيأ لهم وسائل الراحة المشروعة ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويربيهم على أفضل العبادات:

ابتاع لعيالي

ورد في الكافي عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: قال علي بن الحسين (عليه السلام): «لأن أدخل السوق ومعي دراهم ابتاع به لعيالي لحماً وقد قرموا أحب إليّ من أعتق نسمة»[23].

وقد أشار الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا الحديث إلى أن ثواب شراء شيء للعيال أكثر من ثواب عتق رقبة في سبيل الله، وذلك لأن الزوجة والأولاد كل أملهم بكرم رب الأسرة وسخاوته، مضافاً إلى أن علاقتهم به لا تنفصم عراها، أما العبد إذا تحرر فان علاقته بمالكه تنفصم ويتخذ قراراته بنفسه.

قال أبو الحسن (عليه السلام): «إذا وعدتم الصبيان ففوا لهم فإنهم يرون أنكم الذين ترزقونهم، إن الله عزّ وجلّ ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان»[24].

أتصدق لعيالي

عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أصبح خرج غادياً في طلب الرزق فقيل له: يا ابن رسول الله أين تذهب؟ فقال: أتصدق لعيالي، قيل: له: أتتصدق؟ قال: من طلب الحلال فهو من الله جلّ وعز صدقة عليه»[25].

وفي هذه الرواية بعض الملاحظات الدقيقة ينبغي ذكرها:

الأولى: إن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لا يأخذون من بيت المال حد الإمكان وإنما كانوا يشتغلون ببعض الأعمال مثل الزراعة وما أشبه، وبهذه الطريقة كانوا يحصلون على نفقاتهم ونفقات عائلتهم.

الثانية: إن ثواب طلب الرزق الحلال من أجل تأمين نفقات العائلة يعادل ثواب إعطاء الصدقة في سبيل الله، هذا بالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي تحث المسلمين على العمل، والزراعة، والتجارة وغيرها، وتبين أن أجر ذلك مثل أجر المجاهد في سبيل الله[26] وأن الكاسب حبيب الله، وأن العمل والكسب الحلال من أسباب غفران الذنوب.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان الرجل معسرا فيعمل بقدر ما يقوت به نفسه وأهله ولا يطلب حراما فهو كالمجاهد في سبيل الله»[27].

وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «الذي يطلب من فضل الله عز وجل ما يكف به عياله أعظم أجرا من المجاهد في سبيل الله عزّ وجلّ»[28].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «إياك الكسل والضجر فإنهما مفتاح كل سوء، إنه من كسل لم يؤد حقا ومن ضجر لم يصبر على حق»[29].

وقال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): «إن الله تعالى ليبغض العبد النوام، إن الله تعالى ليبغض العبد الفارغ»[30].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتطب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة (عليه السلام) تطحن وتعجن وتخبز»[31].

مع الناس

إن سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) وتعاملهم مع الناس هي المثل الأعلى في كافة ميادين الحياة الاجتماعية..

فإنهم القدوة في حبهم وعطفهم.

وفي رأفتهم حتى بعدوهم.

وفي أخلاقهم وحسن معاشرتهم.

وقد جعلهم الله تعالى الأسوة الحسنة حيث أمرنا جل جلاله باتباعهم والسير على هداهم فقال عز من قائل: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كانوا يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا))[32].

إذن فمن أراد الله والنجاة في يوم القيامة فعليه باتخاذ هؤلاء الأطهار (عليهم السلام) قدوة ومثلاً أعلى له في الحياة الدنيا وذلك لأنهم سفن النجاة التي من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى.

وقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) في سلوكه وتعامله مع الآخرين نموذجاً في الأخلاق الإسلامية وكان (عليه السلام) محط إعجاب الناس وتعلقهم بالرسول (صلى الله عليه وآله) والرسالة.

وفي هذا يحدثنا الإمام الصادق (عليه السلام) ويقول: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه ويشترط عليهم أن يكون من خدام الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم فرآه رجل فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا؟

فقالوا: لا.

قال: هذا علي بن الحسين (عليه السلام).

فوثبوا إليه فقبلوا يده ورجليه، وقالوا: يا ابن رسول الله أردت أن تصلينا نار جهنم لو بدرت إليك منا يد أو لسان أما كنا قد هلكنا إلى آخر الدهر، فما الذي يحملك على هذا.

فقال: إني كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني فأعطوني برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لا أستحق فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك فصار كتمان أمري أحب إلي»[33].

هكذا أراد أن يخفي الإمام (عليه السلام) أمره تواضعاً فأبى الله إلا أن يظهره ويرفعه.

وأما مشيته (عليه السلام) فكانت السكينة والوقار فلا طيش ولا خفة ولاشموخ بالأنف، لأن الإنسان مهما بالغ في مشيته فسوف لن يخرق الأرض ولا يبلغ الجبال طولاً، قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «كان علي بن الحسين (صلوات الله عليه) يمشي مشية كأن على رأسه الطير لا يسبق يمينه شماله»[34].

وفي تعامله مع من كان يؤذيه كان مصداقاً لقوله تعالى: ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم))[35].

وقد كان هشام بن إسماعيل يؤذي علي بن الحسين (عليه السلام) في إمارته، فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس فقال: ما أخاف إلا من علي بن الحسين، وقد وقف عند دار مروان وكان علي بن الحسين (عليه السلام) قد تقدم إلى خاصته ألا يعرض له أحد منكم بكلمة، فلما مر ناداه هشام: الله أعلم حيث يجعل رسالاته[36].

وفي أحد الأيام مر الإمام (عليه السلام) على بعض المجذومين وكان (عليه السلام) راكباً على حمار وهم يتغذون فدعوه إلى الغذاء فقال (عليه السلام): «إني صائم ولولا أني صائم لفعلت» فلما صار إلى منزله أمر بطعام فصنع وأمر أن يتنوقوا فيه ثم دعاهم فتغذوا عنده وتغذى معهم[37].

سلوكه (عليه السلام) مع نفسه

إن الكثير من الناس يسير في حياته نحو الإفراط أو التفريط فتختل الموازين الاجتماعية والنفسية بذلك.

فهناك عابد جاهل، وآخر متعلم لا دين له..

وهناك غني بخيل، وفقير لا يملك شيئاً ولكنه كريم النفس..

وهناك جبان خائف وهناك متهور يضر بنفسه والآخرين..

وهكذا في سائر الأمور التي لم يراع فيها قانون الإسلام وهو رعاية حد الوسط في الأمور.

قال تعالى: ((وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً))[38].

وقال (عليه السلام): «خير الأمور أوسطها»[39].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): في باب الجبر والتفويض: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين»[40].

إن الإسلام قد حدد جميع الموازين الدقيقة للموضوعات والأحكام في حياة الإنسان مع نفسه والآخرين، بحيث لا يكون إفراط ولا تفريط.

والميزان لمعرفة ذلك هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم العطرة.

فقد تجلت كافة الجوانب الأخلاقية والآداب الإسلامية وموازين الشرع المقدس في شخصية نبي الإسلام محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وابنته سيدة نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) والأئمة الطاهرين من أبنائها (عليهم السلام).

كما ورد في الزيارات: «السلام على ميزان الأعمال»[41].

فمثلاً كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) زاهداً في الدنيا، بل كان في قمة الزهد والتقوى، فكان لا يهتم باللذائذ الحسية والحاجات البدنية، ولكن مع ذلك كله لم يكن ينسى احتياجات الجسم في صحته وعافيته، لأن الإسلام يعتبر سلامة الجسم من عوامل التقوى والورع.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا وإنّ من صحة البدن تقوى القلب»[42].

فكان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يتمتع بصحة كاملة[43] ويهتم بآداب النظافة وسننها..

فقد كان يخرج إلى المسجد وقد استاك أسنانه[44] وعطّر نفسه بأفضل عطر مما يسمى بالمسك والغالية[45]، كما كانت ملابسه نظيفة ومرتبة[46] وكان سرج فرسه قطيفة حمراء[47].

إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) عندما كان يسافر إلى مكة للحج كان يأخذ معه أفضل الزاد مما يحتاجه المسافرون[48]، كي يجد القدرة على العبادة وأداء مناسك الحج.

نعم إن الإمام السجاد (عليه السلام) كان باستطاعته أن يسافر من دون أخذ زاد وما أشبه، فينجز كافة أعماله عن طريق المعجزة والكرامة، ولكنهم باعتبارهم أسوة حسنة لكل الناس فإنهم (عليه السلام) كانوا يعيشون كبقية الناس العاديين ليبقوا أسوة.

سلوكه (عليه السلام) مع ربه

كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) قمة في العبادة والخضوع والخشوع أمام الله عزّ وجلّ، حتى لقب بزين العابدين وسيد الساجدين.

فكان (عليه السلام) قد اصفر لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة.

وكان (عليه السلام) إذا توضأ للصلاة يصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء، فيقول: «أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم»[49].

وكان (عليه السلام) إذا مشى لا يجاوز يده فخذه، ولا يخطر بيده وعليه السكينة والخشوع، وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، فيقول لمن يسأله: «أريد أن أقوم بين يدي ربي وأناجيه فلهذا تأخذني الرعدة»[50].

وقد وقع الحريق والنار في بيت الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وكان ساجدا في صلاته، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله، يا ابن رسول الله، النار النار، فما رفع رأسه من سجود حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها، فقال: «نار الآخرة»[51].

وكان (عليه السلام) يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، فإذا أصبح سقط مغشيا عليه، وكانت الريح تميله كالسنبلة[52].

وعن زرارة بن أعين قال: سمع قائل في جوف الليل وهو يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة، فهتف هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه ذاك علي بن الحسين[53].

وعن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، فذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأطراه ومدحه بما هو أهله، ثم قال: «والله ما أكل علي بن أبي طالب، من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله رضى، إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلة قط، إلا دعاه فقدمه ثقة به، وما أطاق أحد عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل، كأن وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك، في طلب وجه الله والنجاة من النار، مما كد بيديه ورشح منه جبينه، وأنه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس، إذا فضل شي‏ء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه، ولا أشبهه من ولده ولا من أهل بيته، أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه، من علي بن الحسين (عليه السلام)، ولقد دخل أبو جعفر ابنه (عليه السلام) عليه، فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفر لونه من السهر، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر (عليه السلام): فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر فالتفت إلي بعد هنيهة من دخولي، وقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف، التي فيها عبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأعطيته فقرأ فيها شيئا يسيرا، ثم تركها من يده تضجرا، وقال: من يقوى على عبادة علي (عليه السلام)»[54].

مكانته (عليه السلام) الاجتماعية

وفي التاريخ: أنه حج هشام بن عبد الملك، فلم يقدر على الاستلام من الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه، وأطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك، إذ أقبل علي بن الحسين (عليه السلام)، وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجها، وأطيبهم رائحة، بين عينيه سجادة، كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر، تنحى الناس حتى يستلمه هيبة له، فقال: شامي من هذا يا أمير.

فقال: لا أعرفه لئلا يرغب فيه أهل الشام.

فقال الفرزدق ـ وكان حاضراً ـ: لكني أنا أعرفه.

فقال الشامي: من هو يا أبا فراس.

فأنشأ قصيدة:

يا ســـــائلي أين حل الجود والكـــرم                    عـــندي بيان إذا طلابـــــه قدمـــــوا
هـــــذا الذي تعرف البطحاء وطأتــه                    والبيت يعـرفه والحـــــل والحـــــرم
‏هذا ابن خـــــير عـــــباد الله كلــــهم                    هذا التقي النقي الطاهـــــر العــــــلم
هذا الذي أحمد المخـــــتار والــــــده                    صلى عليه إلهي ما جـــرى القـــــلم
‏لو يعلم الركن من قد جـــــاء يلثــمه                    لخر يلثم منه مـــا وطـــــي القـــــدم
هذا علي رســـــول الله والـــــــــــده                    أمست بنور هداه تهتدي الأمـــــــــم‏
هذا الذي عـــــمه الطيار جعـــــفـــر                    والمقتول حمزة ليث حــــبه قـــــسم‏
هذا ابن سيدة النســــوان فاطــــــمة                    وابن الوصي الذي فـــــي سيفه نقم‏
إذا رأته قريـــــش قـــــال قائـــــــلها                    إلى مكارم هذا ينتــــهي الكـــــــــرم‏
يكاد يمسكه عـــــرفان راحـــــــــــته                    ركن الحطيم إذا ما جاء يستـــــــــلم‏
وليس قولك من هــذا بضائــــــــــره                    العرب تعرف من أنـــــكرت والعـجم‏
ينمي إلى ذروة العز التي قصـــــرت                    عن نيلها عرب الإســلام والعـــــجم
يغضي حياء ويُغـــــضى من مهـابته                    فما يكلم إلا حــــــــــين يبتــــــــــسم‏
ينجاب نور الدجــــى عن نور غـرته                    كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم‏
بكفه خيزران ريـــــــحه عـــــــــــبق                    من كف أروع في عـــــرنينه شمــم‏
ما قال لا قط إلا فـــــي تشــــــــــهده                    لولا التشهد كانـــــت لاؤه نعـــــــــم‏
مشتقة من رســـــول الله نبعــــــــته                    طابت عناصره والخــــيم والشـــــيم‏
حمال أثقال أقوام إذا قـــــدحـــــــــوا                    حلو الشمائل تحلو عــنده نعــــــــــم‏
إن قال قال بما يهوى جميعــــــــــهم                    وإن تكلم يومــا زانـــــه الكــــــــــلم‏
هذا ابن فاطـــــمة إن كــــنت جاهـله                    بجده أنبــياء الله قـــــد ختــــــــــموا
الله فضـــــله قـــــدما وشرفـــــــــــه                    جرى بذاك له في لوحـه القــــــــــلم
‏من جده دان فضل الأنبـــــياء لــــــه                    وفضل أمته دانت لـــــها الأمــــــــم
عم البرية بالإحسان وانقـــشعــــــت                    عنها العماية والإملاق والظـــــــــلم‏
كلتا يديه غــــياث عـــــم نفعـــــهـما                    يستوكفان ولا يعـــــروهـــــما عــدم
‏سهل الخليفة لا تخشى بــــــــــوادره                    يزينه خصلتان الحــلم والكـــــــــرم
‏لا يخلف الوعـــــد ميـــــمونا نقـيبته                    رحب الفناء أريب حـــــين يعـــــترم
من معشر حبهم دين وبغــــضــــــهم                    كفر وقربهم منـــــجى ومعـــــــتصم‏
يستدفع السوء والبـــلوى بحــــــبهم                    ويستزاد به الإحـــــسان والنعـــــــم
‏مقدم بعــد ذكـــــر الله ذكرهـــــــــــم                    في كـــــل فـــرض ومختوم به الكـلم
إن عـــــد أهــــل التقى كانوا أئمـتهم                    أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعـــــد غـــــايــتـهم                    ولا يدانيهم قـــــوم وإن كرمــــــــوا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمـــــــــــت                    والأسد أسد الشرى والبأس محتـدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتـــــــــهم                    ‏خيم كريم وأيد بالـــــندى هـــــــضـم
لا يقبض العسر بسطا من أكـــــفـهم                    سيان ذلك إن أثروا وإن عـــــــدموا
إن القبائل ليست فــي رقابهـــــــــــم                    لأولية هــــذا أو لــــــــــه نعــــــــــم
من يعـــــرف الله يعـــــرف أولـية ذا                    ‏فالدين من بيت هذا نالـــــه الأمـــــم
بيوتهم في قريش يستــضاء بــــــها                    في النائبات وعـــند الحلم إن حلمـوا
فجده من قريش فـــــي أرومـــــــتها                    محـــــمد وعـــــلي بعده عـــــــــــلم
‏بدر له شاهد والشعب من أحــــــــــد                    والخندقان ويوم الفتح قد عــــــلموا
وخيبر وحنين يشــــــهدان لـــــــــــه                    وفي قريظة يوم صـــــيلم قــــــــــتم
‏مواطن قد علت في كــــل نائــــــــبة                    على الصحابة لم أكتم كما كتــــــموا

‏فغضب هشام ومنع جائزته، وقال: ألا قلت فينا مثلها.

قال: هات جدا كجده، وأبا كأبيه، وأما كأمه، حتى أقول فيكم مثلها.

فحبسوه بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين (عليه السلام)، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، وقال: «أعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به».

فردها وقال: يا ابن رسول الله ما قلت الذي قلت، إلا غضبا لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئا.

فردها إليه وقال: «بحقي عليك لما قبلتها، فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك» فقبلها.

فجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو في الحبس، فكان مما هجاه به قوله:

أ يحبسني بين المدينة والــــتي                    إليها قلوب الناس تهوى منيبها

تقلب رأسا لم يكن رأس سيـــد                    وعــــــينا له حولاء باد عيوبها

فأخبر هشام بذلك فأطلقه، وفي رواية أنه أخرجه إلى البصرة[55].

خطبته (عليه السلام) في الشام

روي أن يزيد بن معاوية أمر بمنبر وخطيب ليسيء إلى الإمام الحسين وأمير المؤمنين علي (عليهما السلام)، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين (عليهما السلام) وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد فذكرهما بكل جميل.

قال: فصاح به علي بن الحسين (عليه السلام): «ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار».

ثم قال علي بن الحسين (عليه السلام): «يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب».

قال: فأبى يزيد عليه ذلك.

فقال: الناس يا أمير، ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا.

فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

فقيل له: يا أمير وما قدر ما يحسن هذا.

فقال: إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقا.

قال: فلم يزالوا به حتى أذن له.

فصعد (عليه السلام) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون وأوجل منها القلوب، ثم قال: «أيها الناس أعطينا ستا وفضلنا بسبع، أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمدا ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ومنا سبطا هذه الأمة، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي:

أيها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من ((دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى))[56]، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله سيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين وبايع البيعتين وقاتل ببدر وحنين ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين وقامع الملحدين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وزين العابدين وتاج البكاءين وأصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين والمجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين وأول السابقين وقاصم المعتدين ومبيد المشركين وسهم من مرامي الله على المنافقين ولسان حكمة العابدين وناصر دين الله وولي أمر الله وبستان حكمة الله وعيبة علمه، سمح سخي، بهي بهلول زكي، أبطحي رضي، مقدام همام، صابر صوام مهذب قوام، قاطع الأصلاب ومفرق الأحزاب، أربطهم عنانا وأثبتهم جنانا وأمضاهم عزيمة وأشدهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة وقربت الأعنة طحن الرحى، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز وكبش العراق مكي مدني، خيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين وأبو السبطين: الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبي طالب.

ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء.

فلم يزل يقول: أنا أنا حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب وخشي يزيد بن معاوية أن تكون فتنة، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر.

قال علي (عليه السلام): لا شيء أكبر من الله.

فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله.

قال علي بن الحسين (عليه السلام): شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي.

فلما قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله.

التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟

قال: وفرغ المؤذن من الأذان والإقامة وتقدم يزيد فصلى صلاة الظهر![57].

وفي حبس يزيد

ورد أن يزيد بن معاوية أمر بنساء الحسين (عليه السلام) فحبسن مع علي ابن الحسين (عليه السلام) في محبس لا يكنهم من حر ولا قر، حتى تقشرت وجوههم، ولم يرفع ببيت المقدس حجر عن وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كأنها الملاحف المعصفرة، إلى أن خرج علي بن الحسين (عليه السلام) بالنسوة ورد رأس الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء[58].

شهادة الإمام (عليه السلام)

مات الإمام زين العابدين (عليه السلام) مسموماً مظلوماً يوم السبت الخامس والعشرين من شهر محرم سنة خمس وتسعين، وكان عمره الشريف 57 عاماً، ودفن في البقيع حيث مرقده الآن.

وقيل: توفي (عليه السلام) في الثاني عشر من شهر محرم.

وقيل: في الثامن عشر منه.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «قبض علي بن الحسين (عليه السلام) وهو ابن سبع وخمسين سنة، في عام خمس وتسعين، عاش بعد الحسين (عليه السلام) خمساً وثلاثين سنة»[59].

فإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

درر من كلماته (عليه السلام)

عجبت للمتكبر

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة وهو غدا جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك العمل لدار البقاء»[60].

العمل بالفرائض

وقال (عليه السلام): «من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس»[61].

الخير كله

وقال (عليه السلام): «رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس»[62].

من سعادة المرء

وقال (عليه السلام): «إن من سعادة المرء أن يكون متجره في بلاده ويكون خلطاؤه صالحين ويكون له أولاد يستعين بهم»[63].

من ختم القرآن بمكة

وقال (عليه السلام): «من ختم القرآن بمكة لم يمت حتى يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويرى منزله من الجنة»[64].

من تزوج لله

وقال (عليه السلام): «من تزوج لله عزّ وجلّ ولصلة الرحم توجه الله تاج الملك»[65].

لا تصاحب هؤلاء

قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام): «أوصاني أبي فقال: يا بني لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق. فقلت: جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة؟ قال: لا تصحبن فاسقا فإنه يبيعك بأكلة فما دونها. فقلت: يا أبة وما دونها؟ قال: يطمع فيها ثم لا ينالها. قال: قلت: يا أبة ومن الثاني؟ قال: لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه. قال: فقلت: ومن الثالث؟ قال: لا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد. قال: فقلت: ومن الرابع؟ قال: لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. قال: قلت: يا أبة من الخامس؟ قال: لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع»[66].

* * * *

كان هذا غيضاً من فيض في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) الفواحة، ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام، وإنما أردنا الإشارة، وفي ذلك عبرة وذكرى ((لمن أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً))[67].

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

قم المقدسة

محمد الشيرازي

 

[1] هو الشاعر: إيليا أبو ماضي. وقال في قصيدته حول المحبة:

كن بلسماً إن صار دهـرك أرقـــــما                    وحلاوة إن صار غـــــيرك عــــلقما
إن الحياة حبـــتك كـــــل كنـــــوزها                    لا تبخلن عـــــلى الحياة ببعــض ما
أحسن وإن لم تجز حــــتى بالـــــثنا                    أي الجزاء الغيث يبــــغي إن هـما؟
من ذا يكافي زهرة فـــــوّاحــــــــة؟                    أو من يثيب البلبل المتــــرنــــــما؟
لو لم تفح هذي وهذا مـــــا شـــدى                    عاشت مذممة وعـــــاش مذمـــــما
يا صاح خذ علم المحبة عـــــنــهما                    أني وجدت الحب عـــــلما قـــــــيماً
أيقظ شعورك بالمحبة إن غـــــــفى                    لولا شعور الناس كانوا كالــــــدمى
أحبب فيغدو الكوخ كوناً نــــــــــيّرا                    وأبغض فيمسي الكون سجناً مظلما

[2] سورة الإنسان: 9.

[3] فقد ورد أنه بعد واقعة الجمل قالت صفية بنت الحارث زوجة عبد الله بن خلف الخزاعي للإمام علي (عليه السلام): يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجماعة، فقال الإمام (عليه السلام): «إني لا ألومك أن تبغضيني يا صفية وقد قتلت جدك يوم بدر وعمك يوم أحد وزوجك الآن، ولو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه البيوت» ففتش فكان فيه مروان وعبد الله بن الزبير، بحار الأنوار: ج31 ص310 ب114.

[4] سورة آل عمران: 134.

[5] راجع بحار الأنوار: ج46 ص54-55 ب5 ح1.

[6] راجع بحار الأنوار: ج46 ص100 ب5 ضمن ح88.

[7] كشف الغمة: ج2 ص81 مناقبه ومزاياه وصفاته.

[8] راجع إعلام الورى: ص261-262 ب3 ف4.

[9] سورة آل عمران: 134.

[10] راجع بحار الأنوار: ج46 ص68 ب5 ح36، والإرشاد للشيخ المفيد: ج2 ص146-147 باب ذكر طرف من الأخبار لعلي بن الحسين (عليه السلام).

[11] من لا يحضره الفقيه: ج3 ص555 باب النوادر ح4908.

[12] الزهد: ص87 ب16 ح233.

[13] سورة الإنسان: 8.

[14] وسائل الشيعة: ج21 ص540 ب20 ح27805.

[15] مستدرك الوسائل: ج15 ص118 ب5 ح17715.

[16] مكارم الأخلاق: ص217 ب8 ف5 في حق المرأة على الزوج.

[17] من لايحضره الفقيه: ج3 ص441 باب حق المرأة على الزوج ح4528.

[18] مكارم الأخلاق: ص216 ب8 ف5 في حق المرأة على الزوج.

[19] مكارم الأخلاق: ص216 ب8 ف5 في حق المرأة على الزوج.

[20] مكارم الأخلاق: ص216 ب8 ف5 في حق المرأة على الزوج.

[21] سورة النساء: 34.

[22] مكارم الأخلاق: ص216 ب8 ف5 في حق المرأة على الزوج.

[23] الكافي: ج4 ص12 باب كفاية العيال والتوسع عليهم ح10.

[24] وسائل الشيعة: ج21 ص484 ب88 ح27652.

[25] بحار الأنوار: ج46 ص67 ب5 ح32.

[26] راجع من لا يحضره الفقيه: ج3 ص168 باب المعايش والمكاسب ح3631.

[27] الكافي: ج5 ص88 باب من كد على عياله ح3.

[28] وسائل الشيعة: ج17 ص67 ب23 ح22002.

[29] من لا يحضره الفقيه: ج3 ص168-169 باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات ح3634.

[30] وسائل الشيعة: ج17 ص58 ب17 ح21972.

[31] غوالي اللآلي: ج3 ص200 ق2 باب التجارة ح25.

[32] سورة الأحزاب: 21.

[33] وسائل الشيعة: ج11 ص430 ب46 ح15177.

[34] مستدرك الوسائل: ج8 ص239 ب49 ح9345.

[35] سورة فصلت: 34.

[36] المناقب لابن شهر آشوب: ج4 ص163 فصل في كرمه وصبره وبكائه (عليه السلام).

[37] بحار الأنوار: ج46 ص94 ب5 ضمن ح84.

[38] سورة الإسراء: 29.

[39] غوالي اللآلي: ج1 ص296 فصل 10 ح199.

[40] الكافي: ج1 ص160 باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح13.

[41] بحار الأنوار: ج97 ص287 ب4.

[42] نهج البلاغة، قصار الحكم: 388.

[43] كان الإمام السجاد (عليه السلام) يملك بدناً سالماً وقوياً، وقصة مرضه في يوم عاشوراء كانت معجزة من الله لحفظ وليه من القتل وحتى لا تخلو الأرض من الحجة، وقيل: إن سبب مرض الإمام (عليه السلام) كان إصابته بالعين لما مزق الدرع بيده، قال أحمد بن حنبل: كان سبب مرض زين العابدين (عليه السلام) في كربلاء أنه لبس درعاً ففضل عنه فأخذ الفضلة بيده ومزقه. بحار الأنوار: ج46 ص41 ب3 ح36.

[44] بحار الأنوار: ج46 ص98 ب5 ضمن حديث 86.

[45] الكافي: ج6 ص515 باب المسك ح6، والكافي: ج6 ص517 باب الغالية ح5.

[46] الكافي: ج6 ص517 باب الغالية ح5.

[47] الكافي: ج6 ص541-542 باب آلات الدواب ح5.

[48] بحار الأنوار: ج46 ص71 ب5 ح52.

[49] كشف الغمة: ج2 ص74 وأما مناقبه ومزاياه وصفاته.

[50] كشف الغمة: ج2 ص74 وأما مناقبه ومزاياه وصفاته.

[51] كشف الغمة: ج2 ص74-75 وأما مناقبه ومزاياه وصفاته.

[52] كشف الغمة: ج2 ص81 وأما مناقبه ومزاياه وصفاته.

[53] العدد القوية: ص64 اليوم الخامس عشر.

[54] الإرشاد: ج2 ص141-142 باب ذكر طرف من الأخبار لعلي بن الحسين (عليه السلام).

[55] راجع المناقب: ج4 ص169-172 فصل في سيادته (عليه السلام).

[56] سورة النجم: 8-9.

[57] راجع بحار الأنوار: ج45 ص138-139 ب39 الوقائع المتأخرة عن قتله (عليه السلام).

[58] الأمالي للشيخ الصدوق: ص167-168 المجلس 31 ح4.

[59] الكافي: ج1 ص468 باب مولد علي بن الحسين (عليه السلام) ح6.

[60] كشف الغمة: ج2 ص76 وأما مناقبه ومزاياه وصفاته.

[61] الكافي: ج2 ص81 باب أداء الفرائض ح1.

[62] وسائل الشيعة: ج9 ص449 ب36 ح12469.

[63] من لا يحضره الفقيه: ج3 ص164 باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات ح3598.

[64] تهذيب الأحكام: ج5 ص468 باب26 ح286.

[65] مكارم الأخلاق: ص198 باب8 ف1.

[66] كشف الغمة: ج2 ص81 وأما مناقبه ومزاياه وصفاته.

[67] سورة الفرقان: 62.