الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة الإلزام

أدلة القاعدة

وهي قاعدة مشهورة، دلّ عليها النصّ والإجماع، بل ربما العقل أيضاً: حيث إن مقتضى عدم الزام الناس بالإسلام يلازم تقريرهم على أحكامهم.

وقد ذكرنا في (الفقه) إن الإسلام يخيّر الكافر ـ ولو غير الكتابي ـ بين الجزية والإسلام والقتال، وانه ليس خاصاً بالكتابي كما دلّت عليه سيرة النبي (ص) والوصي (ع) بل وسيرة المسلمين إلى اليوم.

بل يدلّ عليه أيضاً قوله سبحانه: (لكم دينكم)(1).

وقوله: (لستَ عليهم بمسيطر)(2).

وقوله: (وما أنت عليهم بجبّار)(3).

وقوله: (لا إكراه في الدين)(4).

أما قوله تعالى: (ومن يبْتَغ غيرَ الإسلام ديناً فلن يُقْبَل منه)(5) فعدم القبول عند الله ليس معناه أنه يجبر على تركه حتى يقع التدافع بينه وبين هذه الآيات.

وربما استدل له بالكتاب أيضاً: ما دل على حكم أهل الكتاب بكتابهم: (وليحكم أهل الإنجبيل)(6)، و (إنا أنزلنا التوراة)(7).

لكن الظاهر أن المراد ما كان عندهم من الكتابَيْن الصحيحَيْن، والحكم بالنسبة إلى النبي وأحكامه غير المنسوخة.

والروايات في ذلك بحدّ التواتر :

فعن ابن محرز عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمه؟ قال: المال كلّه لابنته وليس للأخت من الأب والأم شيء، فقلت: أنّا قد احتجنا إلى هذا والرجل الميّت من هؤلاء الناس وأخته مؤمنة عارفة؟ قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنتهم وقضائهم وأحكامهم، قال: فذكرت ذلك لزرارة فقال: ان على ما جاء به ابن محرز لنوراً خذهم بحقّك في أحكامهم وسنّتهم كما يأخذون منكم فيه)(8).

ورواية عبد الرحمن البصري عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: امرأة طلقت على غير السنّة؟ فقال: يتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج)(9).

ورواية علي بن حمزة: (إنه سأل عن أبي الحسن (ع) عن المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك)(10).

ورواية ابن سماعة: (انه سئُل عن المرأة طلّقت على غير السنّة ـ إلى أن ـ أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: أليس تعلم أن علي بن حنظلة روى إياكم والمطلّقات ثلاثاً على غير السنّة فإنّهن ذوات أزواج؟ فقال: يا بني رواية علي بن أبي حمزة أوسع على الناس، روى عن أبي الحسن (ع) انه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوّجوهن فلا بأس بذلك)(11).

ورواية ابن طاووس: (قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع): أنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق؟ فقال (ع): إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فابنها منه فإنه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبد الله (ع) انه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس فإنّهن ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم)(12).

ورواية العلوي عن أبيه قال: (سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن تزويج المطلّقات ثلاثاً؟ فقال لي: ان طلاقكم الثلاث لا يحلّ لغيركم وطلاقهم يحلّ لكم لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبوها)(13).

رواية ابن بزيع قال: (سألت الرضا (ع) عن ميّت ترك أمه وإخوة وأخوات فقسّم هؤلاء ميراثه فأعطوا الأم السدس وأعطوا الإخوة والأخوات ما بقي فمات الأخوات فأصابني من ميراثه فأحببتُ أن أسألك هل يجوز لي أن آخذ ما أصابني من ميراثها على هذه القسمة أم لا؟ فقال (ع): بلى، فقلت: ان أم الميّت فيما بلغني قد دخلت في هذا الأمر أعني الدين، فسكت قليلاً، ثم قال: خذه)(14).

ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (سألته عن الأحكام؟ قال: تجوز على كل ذوي دين ما يستحلّون)(15).

ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قلت: (سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة طلّقت على غير السنّة ما تقول في تزويجها؟ قال: تزوّج ولا تترك)(16).

ورواية ابن سنان قال: (سألته عن رجل طلّق امرأته لغير عدّة ثم أمسك عنها حتى انقضت عدّتها هل يصلح لي أن أتزوّجها؟ قال: نعم لا تترك المرأة بغير زوج)(17).

ورواية البصري، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قلت له: امرأة طلّقت على غير السنّة؟ فقال: تتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج)(18).

ورواية الغوالي: (روي أنّ رجلاً سبّ مجوسياً بحضرة الصادق (ع) فزبره ونهاه فقال له (ع): انه تزوّج بأمّه، فقال: أما علمتَ أنّ ذلك عندهم النكاح؟(19).

ورواية الدعائم عن الصادق (ع): (انه قال: لا ينبغي ولا يصلح للمسلم أن يقذف يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً بما لم يطلع عليه منه وقال: ان أيسر ما في هذا أن يكون كاذباً)(20).

وعنه (ع): (أنه قال لبعض أصحابه: ما فعل غريمك؟ قال: ذاك ابن الفاعلة، فنظر إليه أبو عبد الله (ع) نظراً شديداً، فقال: جعلتُ فداك انه مجوسي أمه أخته!، قال (ع): أو ليس ذلك من دينهم نكاحاً)(21).

ورواية الغوالي: (ان الصادق (ع) قال: كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمه)(22).

هذه هي التي وجدناها في الكتب الأربعة والوسائل والمستدرك، وكفى بها تواتراً.

شمولية القاعدة

وهذه القاعدة شاملة للمخالفين سواء منهم المنافق وغيره، وللكفّار كتابيّاً أو غير كتابيّ، لما ذُكِر فيها من التعاليل، مثل قوله (ع): (تجوز على كل ذوي دين ما يستحلّون)(23).

وقوله (ع): (انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم)(24).

وقوله (ع): (لأنكم لا ترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها)(25).

وقوله (ع): (تتزوّج هذه المرأة لا تترك بغير الزوج)(26) إلى غير ذلك.

ولا فرق في الكافر بين من له قانون ومن له دين سماويّ بزعمه، إذ القانون أيضاً دين، أترى ان قوله سبحانه: (لكم دينكم ولي دين)(27) لا يشمل عبّاد البقر والنار وأمثالهما؟! حيث في أول السورة (لا أعبد)(28) الآية.

كما أنه لو كان لجماعة دين وقانون فإنه يؤخذ بالأغلب عندهم، مثلاً: في الغرب ـ حاليّاً ـ القانون هو الأغلب، بل هو أيضاً دينهم السماوي لما رووه من قول المسيح (ع): (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ولذا نلزمهم بقانونهم.

ولا فرق في الإلزام بين نفعهم وضررهم، للإطلاق، ولذا حكم الفقهاء للمجوسي بإرثين، مع أنه في نفعه لا في ضرره.

وممّا تقدّم يعلم عدم الفرق بين أقسام الكفّار والمخالفين معنا، أو مع بعضهم المتّفق، أو مع بعضهم المختلف، مثلاً: الحنفي والحنبلي أو اليهودي والنصراني، فإذا تحاكموا إلينا اخترنا ما نرى من هذا المذهب أو ذلك المذهب، أو هذا الدين وذلك الدين.

نعم بين المسلم مطلقاً والكافر مطلقاً يُقدّم المسلم، كما أن بين المؤالف والمخالف يقدّم المؤالف، الأول لعلوّ الإسلام، والثاني لأن الحق معنا.

نعم في مورد الخلاف بين المجتهدين أو المقلّدين يكون الفيصل رأي المرجوع إليه من القاضي المجتهد، سواء وافق أحدهما أو خالفهما، لإطلاق دليل القضاء.

ولذا قال في الجواهر: (لو ترافع مقلّدة مجتهد يرى الصحّة عند مجتهد يرى البطلان، حَكم عليهم بمقتضى مذهبه، وليس له إلزامهم بما وقع منهم من التقليد قبل المرافعة).

أقول: لكن لا يبعد اختيار المجتهد المترافع إليه، فيما إذا لم يعلم بخطأ المجتهدين أن يحكم حسب رأيه أو حسب رأي أيّهما شاء، وكذلك له الحكم حسب رأي المترافعين إذا كانا من تقليد واحد أو تقليد مشابه في الحكم، وذلك لأنه قامت الحجّة على كل الآراء الثلاثة منه ومنهما أو منهما ومنه، عند القاضي لأن المفروض أنهم وكلاء الإمام (ع) الذي أمر بالرجوع إليهم.

وعلى ما عرفت ـ من الإطلاق في التعاليل ونحوه ـ فليس الإلزام خاصاً بالأبواب الثلاثة: النكاح والطلاق والإرث، بل يشمل سائر أبواب العبادات والمعاملات ـ الأعم من الايقاعات ونحوها ـ .

ويؤيده: ما ذكره الإمام (ع): إنه إن جاءه من يرى رأيهم أتاه بما يرون، وقد قال علي (ع): (لحكمتُ بين أهل التوارة)(29) الحديث.

ومنه قوله (ع): (صار ثُمنها تسْعاً)(30) وإلاّ فهو لا يستقيم على مذهب الإمامية.

وليس هذا من التقيّة، وإن صحّت في موردها أيضاً، عموماً وخصوصاً، كما رواه علي بن محمد ـ على ما في التهذيب ـ قال: (سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم أم لا؟ فكتب (ع): يجوز لكم ذلك إن شاء الله إن كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة لهم)(31).

وعلى هذا يصح الإلزام في البيع والشراء والشركة والشفعة ـ إذا كان يرى الشفعة ولا نراها فنأخذه بالشفعة ـ والمضاربة والمزارعة والمساقاة والوصيّة والرهن والوقف والهبة وإحياء الموات والحيازة وغيرها.

الإلزام رخصة لا عزيمة

نعم ليس الإلزام عزيمة علينا ـ مطلقاً ـ بل رخصة فإذا رأى أنّ الحيازة لا تكون إلاّ برخصة الدولة لا يلزمنا ذلك، بل لنا الحيازة.

كما أنه يلزم أن لا يفوت محلّه، مثلاً: طلّقها ثلاثاً باطلاً فإنّ لنا أن نزوّجها لكن إذا تزوّجت فات المحلّ، فلا مجال لنا بزواجها، كما هو واضح.

ومنه يعلم انه لنا إلزامها بديننا أو مذهبنا مع بقاء المحل ـ وذلك لأنّ الواقع للكل ـ وإلاّ فلا، مثلاً: طلّقها ثلاثاً، فإنّ لنا إرجاعها إلى الزوج حسب مذهبنا الذي يقول بالصحّة فيما إذا لم تتزوّج، وإلاّ فقد فات موضع الإرجاع.

ولذا ارجع العلاّمة الحلي (قدس سره) زوجة الملك في قصّة مشهورة.

ولو كان مسلماً فكفر لم يُلزم بالسابق، بل بدينه الفعلي، فإذا طلّقها الشيعي ثلاثاً بالشروط، ثمّ كفرت الكتابيّة حقّ له أن يزوّجها بغير محلّل، لقاعدة الإلزام ـ حيث ترى الصحّة في دينها ـ ولا يستصحب، لتبدّل الموضوع بل يشملها قاعدة الإلزام، لإطلاق دليله الشامل للكافر الأصلي والمرتد، وقد تقدّم الإشكال في الإنصراف ـ في بعض المباحث السابقة ـ.

ولو كانت كافرة لا ترى صحّة زواجها بنا ثمّ أسلمت، فلا إشكال في صحّة تزويجنا لها، لإطلاق الأدلّة، ولذا نرى صحّة زواج المتعة بالسُنّية، وصحّة زواج السنّي متعةً بالشيعيّة، وإن لم يعتقدا الصحّة في مذهبهما.

ثمّ إنّ هناك بعض ما يقطع بأنه من قانون الإلزام، وبعض ما يقطع بأنه ليس منه، وبعض ما يشك فيه، فاللازم الرجوع إلى القواعد المرتطبة بموضع الشكّ.

مثلاً: لاشك في جريان القاعدة في النكاح والطلاق والإرث وما أشبه ممّا تقدّم ذكره، لكن من المقطوع به ـ ولو لضرورة أو إجماع أو ارتكاز أو سيرة ـ أنه لا يجوز لنا شرب الحرام وأكله، وكذا النجس ممّا يعتقدون طهارته وحلّيته، ولا يجوز لنا الزنا بنسائهم واللّواط بغلمانهم، وإن أباحوا ذلك، حسب ما في كتبهم المقدّسة، من زنا لوط (ع) ببنتيه، وسليمان (ع) بزوجة أوريا ـ والعياذ بالله ـ.

والأخير جائز في قانونهم، وحيث لم يصرّح بالحرمة في دينهم يرونه حلالاً يتعاطونه.

وكذلك لا يجوز للمسلم نكاح أخته المجوسية وسائر محارمه ـ وبالعكس في المسلمة ـ وإن رأوه حلالاً.

وأما بالنسبة إلى الرضاع وأخت الملوط ونحوها فهل يحرم علينا ـ للأدلة الأولية ـ أم لا لأنه مثل نكاح المطلّقة؟ احتمالان.

وهكذا لا يجوز سُحق المسلمة بالكافرة حيث يجوز عندها.

أما الشفعة بدون شروطنا فالظاهر جواز أخذنا منهم، لإطلاق الأدلة، فيما إذا لم نقطع على خلافه، كما تقدّم.

وهل تجوز نكاح امرأة دواماً أو متعة بعد مدّة، مثلاً: يجري صيغة العقد في شهر شعبان على أن تحلّ له من شهر رمضان، لجوازه عندهم؟ احتمالان.

وقد قال العلاّمة (قدس سره) بشبه ذلك تبعاً لرواية في المتعة، خصوصاً وانها اجارة، كما في الآية، لكن القول به من أشكل المشكلات، بل المشهور المنع، ولا محيص عنه.

ومن المقطوع به في قانون الإلزام لو لم يأت بطواف النساء، ـ رجلاً كان أو امرأة ـ فإنه لا يحرم على الزوج الآخر.

كما أن موضع الشك أخذ المرأة في حال عدّتها، طلاقاً أو وفاةً أو فسخاً فيما لا يرون محذوراً.

نعم هناك دليل خاص في عدّة الوفاة كما ذكرناه، فيستثنى من القاعدة، إلاّ أن الكلام في إطلاقه.

من موارد الشبهة

كما أنّ من موارد الشبهة: وطي الحائض منهنّ في الحيض والنفاس حيث يرون الحلية، أما إذا لم تر القسم في المتعدّد فلا قَسم لها.

وكذلك من موارد الشبهة: جواز إحراق أمواتهم ـ أي من يرون ذلك ـ إذا كان الميّت قد أوصانا بذلك.

وإن كان المستأنس في وطي الحيض العدم رجلاً كان الموالي أو امرأة في قبال الكافر، وفي حرق الميّت الجواز.

وهل يجوز أن يتزوّج الكافرة المزوّجة حيث يرون الجواز؟ احتمالان، والأحوط الترك.

وكذلك ان تكون زوجة لمن اتّخذ أختها الكافرة، أو أمها كانت زوجة له، أو كانت المؤمنة الخامسة ـ فيما يرى الزوج المسلم أنهما قطعاً ليستا أختين أو أمّاً وبنتاً، أو ان المسلم يعلم بأنّها الرابعة حيث طلّق الرابعة، لكنها تعلم بطلان الطلاق ـ .

ومن المعلوم أن بعض الفروع المذكورة ليس من موارد قاعدة الإلزام، وإنما ذكرناه استطراداً.

كما أن بعض ما ذكرناه يرتبط بكتاب (القضاء) وإنما ذكرناه لأن بين المسألتين عموماً من وجه.

ولا يجوز تقبيل المسلم الأجنبية الكافرة، أو الغلامَ الكافر، أو لمسهما بشهوة، أو بدون شهوة في الأجنبية كالمصافحة.

كما يحرم على المسلم أن يسمح لزوجته الكافرة باتّخاذ الخليل المتعارف والجائز عندهم، وكذلك لا يجوز له أن يكون خليلاً لكافرة ـ متزوّجة أو غير متزوّجة ـ بالخلّة المتعارفة عندهم، من الخلوة والقبلة واللّمس وما أشبه.

فروع

وممّا تقدّم اتّضح حكم الفروع الآتية :

مثل أنّ صحّة النكاح عند العامة تتوقّف على الاشهاد فإذا تزوّج رجل منهم بامرأة منهم بدون اشهاد، وراجعونا صحّحنا نكاحهم، لأن الإلزام ليس معناه إبطال الواقع، إذ الواقع للكلّ، ولذا لا يحقّ لنا الزواج منها حتى إذا لم تكن موطوءة بشبهة.

وكذلك يصحّ نكاح أحدهم للموافقة، أو أحدنا للمخالفة بدون الاشهاد، وقد تقدّم صحّة المتعة سواء كانا مخالفين أو أحدهما مخالفاً.

ومثل ما إذا جَمَعَ أحد العامَة بين العمَة والخالة وبنت الأخ والأخت برضاهما ـ كما نرى ـ فإن البطلان عندهم ليس معناه بطلان الواقع حتى يصحّ لنا إبطال الزواج والتزويج على كلّ منهما بقاعدة الإلزام.

ومثل وجوب العدّة عندهم على اليائسة والصغيرة إذا طلّقها الزوج فإنه يجوز لنا الزواج بهما بدون العدّة حيث لا عدّة لهما عندنا، من غير فرق بين أن تتشّيع حال العدّة أو لا.

وكذلك الحال لو تشيّع زوجها فله أن يتزوّج بأختها إذ لا عدّة لها عند الشيعة، وإن شئت قلت: لا عدّة في الصور الأربع من السنّيَيْن والشيعيَيْن والمختلفَيْن.

نعم لو راجعنا أحد أهل السنّة حق لنا أن نحكم بحكمهم أو بحكمنا، كما هو كذلك في الكفّار، ومثل ما إذا طلق السني زوجته بدون الشهود، أو طلّق إصبعها مثلاً، حيث يقع الطلاق على جميعها، فإن راجعَنَا إخترنا اقرار الطلاق ـ كما هو مذهبه ـ أو الفتوى له حسب مذهبنا حتى إذا بقيا على مذهبهما.

وإذا طلق الزوج زوجته بإكراه ـ كما هو صحيح عند الحنفيّة ـ جاز لنا أن ننكحها، لقاعدة الإلزام، وجاز لنا الفتوى له بعدم وقوع الطلاق، لأنه الواقع الثابت على الجميع.

ولو طلّق أحد العامّة زوجته من دون حضور شاهدين صحّ الطلاق على مذهبه، فإن أراد الزواج بأختها ـ فيما لا عدّة للمطلّقة ـ جاز لنا تزويجها به، لأنه لا يكون جمعاً بين الأختين، كما يجوز لنا نكاح تلك المطلّقة.

وحيث يصح الحلف بالطلاق عندهم، فلو حلف وطلقت زوجته عندهم جاز للشيعي نكاحها، أو تزويجه بأختها.

وكذلك حال طلاق المرأة بالكتابة، فيجوز للشيعي زواجها، لأن الكتابة طلاق صحيح عندهم.

ولو تغيّر القانون عندهم، بأن اشترطوا الشاهدين في الطلاق ـ كما هو الحال في بعض محاكمهم ـ وطلّق بدون الشاهدين فإن كان قد اعترف بذلك القانون لم يصح طلاقه ولا يصحّ لنا زواجها، لأنه صار طريقه ودان بذلك، والدينيّة عبارة عن الطريقة، لأنها تسبب الجزاء بعلاقة السبب والمسبّب، وإن لم يدن بالقانون كان على طريقته السابقة في صحّة الطلاق.

ولو كانت المرأة الشيعية زوجة لرجل سني، فمات جاز لها أخذ الإرث من الأرض، لأنهم يرون ذلك، وكذلك بالنسبة إلى أخذ العصبة مما ليس في مذهبنا وهو جار في مذهبهم، على فروعها المتعدّدة.

وحيث لا يثبت خيار الغبن للمغبون في مذهب الشافعي، فلو كان المغبون من الشافعية حق للغابن الشيعي أن لا يقبل فسخه، على قاعدة الإلزام.

نعم لا يصح فرض مذهب على أهل مذهب آخر، كما أنه إذا تغيّر دينه من الكفر إلى الإسلام، أو بالعكس، أو من مذهب إلى مذهب، فمقتضى القاعدة أن يكون محكوماً بأحكام دينه أو مذهبه الجديد إلاّ إذا قام دليل على الإستثناء.

وفروع المسألة كثيرة جداً، اكتفينا منها بهذا القدر، والله سبحانه العالم العاصم.

 

1 ـ الكافرون: 6.

2 ـ الغاشية: 22.

3 ـ ق: 45.

4 ـ البقرة: 256.

5 ـ آل عمران: 85.

6 ـ المائدة: 27.

7 ـ المائدة: 44.

8 ـ التهذيب: ج 9، ص 321، ح 9.

9 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 320، ح 3.

10 ـ الاستبصار: ج 3، ص 292، ح 5.

11 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص58، ح 109.

12 ـ معاني الأخبار: ص 263، ح 1.

13 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص 59، ح 112.

14 ـ تهذيب الأحكام: ج 9، ص 323، ح 17.

15 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 484، ح 4،

16 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 324، ح 3.

17 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص 58، ح 108.

18 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 320، ح 3.

19 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 596، ح 2

20 ـ دعائم الإسلام: ج 2، ص 460، ح 1622.

21 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 430، ح 3.

22 ـ تهذيب الأحكام: ج 9، ص 365، ح 3.

23 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 484، ح 4.

24 ـ من لا يحضره الفقيه: ج 3، ص 407، ح 4421، الباب 2.

25 ـ تهذيب الأحكام: ج 8، ص 59، ح 112.

26 ـ وسائل الشيعة: ج 15، ص 320، ح 3.

27 ـ الكافرون: 6.

28 ـ الكافرون: 2.

29 ـ تفسير العياشي: 1، ص 15، ح 3.

30 ـ بحار الأنوار: ج 40، ص 159، ح 54.

31 ـ تهذيب الأحكام: ج 9، ص 322، ح 10.