الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة نفي العسر والحرج

أدلة القاعدة

وهي قاعدة مشهورة ذكرها الفقهاء في (الأصول) و (الفقه).

وتدلّ عليه الأدلة الأربعة :

فمن الكتاب: قوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدين من حَرَج)(1).

وقوله تعالى: (ما يُريدُ الله ليجعل عليكم من حرج)(2).

وقوله سبحانه: (يُريد الله بكم اليُسر ولا يُريد بكم العُسْر)(3).

أما قوله سبحانه: (لا يُكلّف الله نفساً إلا وُسعها)(4) وقوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلا ما آتاها)(5) فدلالاتهما مبنية على أن المراد بـ (الوسع) و (ما آتى) العرفية لا الدقّية، إذ لو كان المراد الدقّية لكان مثل قولك: لا يكلف الله إلاّ الممكن، وهو خارج عن نطاق كلام البلغاء، فاللازم أن يراد بهما أيضاً ما ذكر في الآيات السابقة.

ومن الإجماع: تواتره في كلماتهم، حيث الإجماع العملي والقولي، إلاّ أنه ظاهر الاستناد لا محتمله فقط.

ومن العقل: قبح أن يوقع الحكيم عبيده في الحرج إلاّ لأمر أهمّ، والإستثناء قليل، وإنما الكلام في جعل التكليف مطلقاً كذلك، ولذا إذا رأينا سيداً أوقع عبده في المشقّة سألناه عن السبب، ولا نكتفي بجوابه إلاّ إذا ذكر الأمر الأهمّ.

والجهاد والصوم في الصيف وما أشبه من الإستثناء العقلي أيضاً، بالإضافة إلى الشرع، والأول للاستقلال والسيادة، والثاني للتذكير نفساً والتصحيح بدناً، فإذا لم يأمر المولى عبده بهما، لكان محلاً للتساؤل، ولذا يفعلهما العقلاء.

ومن السنة: متواتر الروايات مثل ما عن عبد الأعلى مولى آل سالم قال: قلت لأبي عبد الله (ع): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على أصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال (ع): يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجل، قال الله عزّ وجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)(6).

إلى غيرها من الروايات المذكورة في (الوسائل) و (المستدرك) وغيرهما.

معنى العسر والحرج

والعسر والحرج إذا ذكرا معاً، كان الأول بَدنَياً والثاني نفسياً، وإن أفرد أحدهما عن الآخر شمل كلٌ الآخر.

فالفتاة في بيت أبيها إذا إحتملت وكان غسلها حرجاً شديداً عليها تبدّل حكمها إلى التيمّم.

وكذلك إذا تزوّجت متعة ـ حيث لا أب لها أو قلنا بكفاية رضاها، كما هو قول جمع من الفقهاء ـ.

أما الحرج الجسدي فهو الشدّة البدنية، كما ذكر الإمام (ع) مثالاً له في الرواية، وعطف عليه أشباهه، وذلك لا يلازم الضرر كالحرج، إذ بينهما عموم من وجه، فقد تصاب الفتاة المذكورة بالمرض أو العمى ـ مثلاً ـ إذا اغتسلت، وقد لا يكون إلاّ الشدّة النفسية، كما أن العسر قد يؤدي إلى الضرر، كما إذا مرض بسبب المسح على البشرة، وقد لا يؤدي إلى ذلك.

وعلى هذا فهي عناوين ثلاثة ثانوية حاكمة على الأدلة الأولية، فالقول بالفرق بين الحرج والضرر في الحكومة غير ظاهر الوجه.

ومما تقدّم ظهر أنّ قوله سبحانه: (ما لا طاقة لنا به)(7) لا يُراد به المحال، إذ ما ليس فيه قدرة على الطرفين لا يعقل التكليف به فهو مثل أن يقال: لا تكلّفني التناقض، فالمراد به ما هو غاية طاقتنا الممكنة، ومنه قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه)(8).

ولا ينافي ما ذكرناه قوله سبحانه: (لا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قَبْلِنا)(9) حتى يقال: إنه إذا كان خلاف العقل كيف كلّف سبحانه بذلك بعض الأمم، إذ هو مما ذكرناه من الإستثناء، حيث إن التحميل عليهم كان كالجهاد علينا لطفاً عقلاً، فإن الصبي إذا لم يؤدّب فهو خلاف الحكمة، وتلك الأمم كانت في بداية المسيرة الحضارية كما يظهر من إشكالاتهم لموسى (ع) وغيره.

أما ما ورد في بعض الأحاديث من أنّ بني إسرائيل كانوا يقرضون لحومهم إذا أصابها البول، فالمراد به القرص لأنهم كانوا في مصر وابتلوا بمرض (البلهارزيا) مما لا يدفع جرثومته إلاّ بالقرص الشديد، وفي العرف يطلق القرض على القرص.

وحيث إن الأدلة مطلقة فلا فرق في الحكم المرفوع أن يكون وضعياً أو تكليفياً إذا لم نَقُل بأن الوضع ليس أكثر من التكليف انتزاعاً كما ذكره الشيخ (قدس سره) وغيره.

الأحكام ميسورة

ويظهر من الآيات والروايات ان الأحكام ليست معسورة فقط، وإنما ميسورة أيضاً كما قال سبحانه: (يُريدُ الله بكم اليُسْرَ ولا يريد بكم العُسْرَ)(10) أي أن الــمنفي ليس العسر فقط، بل فوقه: إرادة اليسر لوضوح أن بينهما واسطة، ولذا ورد عنه (ص): (بُعِثْتُ بالحنيفية السمحة السهلة)(11).

وعلى هذا فالأحكام المجعولة من الشارع كلها سهلة يسيرة.

وفي رواية عن الإمام (ع): ان شيعتنا في أوسع مما بين ذه وذه وأشار إلى السماء والأرض)(12).

والمراد :

إما في مقابل الخوارج، حيث ورد عن الباقر (ع) في صحيحة البزنطي: (إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، وانّ الدين أوسع من ذلك)(13) حيث إنهم كانوا يكفّرون كلّ عاص، وهذا أشدّ أنحاء الضيق.

وإما أنه من مفهوم اللّقب، حيث إن المسلمين كلهم كذلك.

وإما أنه في قبال سائر المذاهب، حيث تكثر فيها الأحكام المشدّدة فيها مثل: استياك المقعد بالحجر ونحوه.

لا يقال: ما ذكرتم من رفع الوضع غير تام، لأن الحرج لا يوجب رفع النجاسة أو ما أشبه.

لأنه يقال: الوضع الموجب للحرج جعل الشارع له المخرج مادام الحرج، مثلاً: يحق للمرأة التي هي في حرج من زوجها مراجعة الحاكم الشرعي، ويطلقها الحاكم إن لم يرضخ الزوج لـ (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)(14).

واجتناب النجاسة مادام حرجاً يجوز استعمالها، فإذا ارتفع الحرج يلزم ترتيب آثارها.

وإذا كان عدم نظر الطبيب إليها لعلاجها يوجب الحرج الشديد مثلاً، جاز النظر واللّمس، إلى غيرها من الأمثلة.

ثم الحرج كما هو مخصّص للأحكام الأولية كذلك مخصّص بما هو أهم لقاعدته، كما ان الضرر كذلك، فإذا بلغت الغريزة الجنسية ـ في إنسان ـ حدّ الحرج، ولا يزول الحرج إلاّ بالجماع مع امرأة ذات بعل لم يكن حرجه مبيحاً له، ذلك لأن حرمة ذات البعل أهمّ من الحرج.

والمشهور بين الفقهاء: انه علة وليست بحكمة، فلو كان كل الناس من الحكم الفلاني في حرج دون زيد لم يرفعه حكمه.

نعم قد يرفع الشارع الحكم حكمة، فيرتفع حتى عمن لا حرج عليه كما أشار إليه (ص) بقوله: (لو لا أن أشقّ على أمتّي لأمرتهم بالسواك)(15).

والحرج كالضرر في أن خوفه المستقبلي ـ شخصاً أو أحد الأشخاص ـ يوجب رفع الحكم، فكما إذا خاف الضرر في المستقبل ارتفع الحكم.

وكما إذا علم بضرر أحد شخصين، علماً أو خوفاً، يرتفع الحكم عنهما، كذلك حال خوف الحرج المستقبلي، كما إذا خاف إن فعل كذا أن يقع في حرج رافع للحكم في المستقبل، أو خيف وقوع أحدهما في مثل ذلك.

نعم لا معنى لاحتمال الحرج الحالي، لأنه نفسي يوجد أولا يوجد،بينما الضرر الحالي محتمل فهو رافع دون الحرج كذلك، لأنه من السالبة بانتفاء الموضوع.

الحرج البعضي

والحرج البعضي كالضرر كذلك لا يرفع كلي الحكم بل يقدّر بقدره إلاّ إذا علم الارتباط ولم يمكن التدارك، مثلاً إذا كان غسل الرأس ـ للمرأة المتمتّع بها ـ موجباً للحرج الشديد، دون بقيّة الجسد، لأنّ أهلها يكتشفون ذلك من الغسل الكامل، دون غسل بعض الجسد، فإنه وإن كان بعضياً إلاّ أنه يرتفع الغسل ويبدل بالتيمّم إذ لم يشرّع الشارع مثل هذا الغسل.

وكذلك الحكم لو كان ترك الجماع ـ في نهار شهر رمضان ـ موجباً للحرج الشديد، فإنه لا صوم عليه، لا أن له صوماً بعضياً، لما عُلِم من الشارع من عدم تشريع صوم كذلك.

وهكذا حال الضرر.

وأما إذا أمكن التدارك، كالحرج في الطواف فقط أو الضرر فيه، فإنه يحج ويستنيب، فالقاعدة إنهما يقدران بقدرهما كمّاً وكيفاً، إلاّ إذا علم من الشارع انه لا يريد الفاقد.

مثلاً: لو اضطرّت المرأة إلى الزنا ـ كما في قصّة المرأة في عصر الإمام علي (ع) ـ واكتفى الزاني بالدخول قليلاً زماناً أو موضعاً، لم يرفع الضرر الحرمة بالنسبة إلى الزمان الأطول وكلّ الموضع، لوضوح انه لا حرج ولا ضرر بالنسبة إلى الزائد.

وكما يرفع الضرر بين الإثنين شخصاً أو شيئاً أو زماناً كذلك حال الحرج، مثلاً: لو علم انه إذا ذهب أحد الشخصين إلى الحج أخذه الجائر، لا حج على أيّ منهما.

أو إذا علم ـ في الصلاة الجهرية ـ ان الظالم يسمع، إما جهره في المغرب أو العشاء، فيلقي عليه القبض، فإنه لا جهر عليه في كليهما.

وكذلك إذا علم بأنّ صومه في أحد اليومين يوجب ضرره، فإنه لا صوم عليه في كِلَيهما.

نعم يلزم عليه القضاء هنا دون مثل الصلاة لدليل (لا تُعاد)(16).

الحرج لا يرفع اللوازم

والحرج ـ كالضرر ـ لا يرفع اللوازم، إلاّ إذا كان الدليل دالاً على الرفع، مثلاً: لو اضطر الإنسان إلى شرب الخمر أو الزنا كان عليه غَسل الفم والغُسل، أما إذا اضطرّ إلى إخراج الدم في الحج ـ كالحجامة مثلاً ـ وفرضنا أن الدليل دلّ على الكفارة في العمد، لا تجب عليه الكفّارة لا لأجل الإضطرار إلى الاحتجام بل لأجل اقتصار دليل الكفّارة على العمد.

ومما تقدم ظهر أنه لو كان بعض الأفراد الطولية أو العرضية ضرراً أو حرجاً ارتفع ذلك الضرر لا سائر الأفراد، مثلاً: كانت الصلاة أول الوقت عليه ضرراً أو حرجاً، أو كانت الصلاة في البيت عليه ضرراً أو حرجاً، فإنه تثبت الصلاة في سائر الأزمنة والأمكنة.

والضرر والحرج قد يوجب التبديل الكلي، وقد يوجب البعضي.

فمن الأول: كالحرج والإضطرار إلى الإفطار فإنه يبدل إلى القضاء.

ومن الثاني: كمن لا يتمكّن إلاّ من إتيان ثلاث ركعات فقط من صلاة الظهر فإنه يصلّيها ويجعل مكان الرابعة التسبيحات الأربع.

والحرج كالضرر في التقدير بقَدَره إلاّ إذا قال الشارع أنه بعد رفعه الحكم الأولي يرتفع الحكم مطلقاً، مثلاً: إذا كان الضرر يوجب الصلاة بنجاسة البدن لا يرفع لزوم طهارة اللباس.

أما إذا كان الضرر يوجب أكل لقمة في شهر رمضان لم يكن عليه صوم بعد ذلك.

التعارض بين الحرج والضرر

ولو تعارض حرج وضرر تخيّر، إذ لا دليل على تقديم أحدهما على الآخر، إلاّ إذا كان أحدهما أهمّ إلى حد المنع عن النقيض.

وكذلك حال العسر مع أيّ منهما مثلاً: لو كان في اغتسال الفتاة المحتلمة ـ أمام أهلها بالماء الحار ـ حرج، وكان في اغتسالها بالماء البارد في غرفتها ضرر، إلاّ أن الحرج كان خفيفاً والضرر شديداً، اختارت الأول، لأنه ليس بقدر يرفع الحكم، ولو انعكس اختارت الثاني، ولو كان كل منهما يرفع الحكم، تيمّمت.

ولو كان في جانب حرج وفي ضدّه أو نقيضه ضرر اختار الأهم، وإلاّ تخيّر.

ولو كان واجبان طوليان: أحدهما حرجي أو ضرري، ولم يكن أحدهما أهم إلى حد المنع من النقيض، فالمشهور الأحوط تقديم الأول.

وقد مُثّل له في (الأصول) بما لو اضطر إلى الإفطار في اليوم الأول من شهر رمضان أو اليوم الثاني، وللأهم بما لو اضطرّ إلى الإفطار في اليوم الأول أو الإفطار بقية الشهر كلّه.

وربما يقال: بالتخيير في اضطرار إفطار أحد اليومين، لأنّ كلاً منهما مفوّت لمصلحة ملزمة، فلا فرق بينهما عند المولى.

ثم الضرر يتعدّى إذا لم يُرفع إلاّ به، كالمريضة تضطر إلى أن يلمسها الطبيب الأجنبي، فإنه يجوز للطبيب حينئذ.

وهل الحرج كذلك؟ مقتضى القاعدة: التساوي، لوحدة الدليل، فلو كانت في حرج نفسي شديد من عدم لمسه جاز له اللّمس أيضاً.

ولو تصوّر الضرر ولم يكن كذلك، لم يكن عليه شيء إلاّ إذا كان لازم كالقضاء والإعادة.

ولو زعم عدمه وكان، وقد تجرّأ في ترك الواجب أو فعل الحرام لم يكن أكثر من التجرّي.

ولو زعم الضرر وكان حرج أو بالعكس ـ فرضاً ـ أو كذلك بالنسبة إلى أحدهما والعسر، لم يكن عليه إلاّ التجرّي.

وعلى ذلك فلو تصوّر الضرر ـ مثلاً ـ وأفطر، ثم ظهر في النهار عدمه لزم الإمساك.

ولو تصوّر الضرر في القيام فجلس في الصلاة وظهر في الأثناء عدمه، أتم الصلاة قائماً، ولا إعادة لدليل (لا تُعاد)(17).

ولو تصوّره في الطهارة المائية فتيمّم، وفي الأثناء ظهر الخلاف فالصلاة باطلة، وعليه الوضوء والإستيناف، لأنه صلاة بلا طهور والزعم لا يجعل الإنسان متطهّراً فحديث (لا تُعاد) لا يشمله.

هل يجب التدارك

وكما يجب على الضار تدارك الضرر فهل يجب على المحرج والمعسر التدارك ـ خصوصاً بعد قول الصادق (ع) بأنه حتى في غمز اليد الأرش ـ ؟

الجواب: ان الملاك في (من أتلف) و (من أضرّ)، فإذا كان منقّص المال فعليه الغرامة وإن لم يتلف، لفهم الملاك منه، ولدليل (اليد)، والمضر عليه التدارك، والمحرج والمعسر كذلك.

ويؤيده بل يدل عليه (لا يتوى حق امرء مسلم).

لا يقال: فما هو قدر المعطى لمن تحرّج أو تعسّر عليه؟

لأنه يقال: الحكومة حسب قوله سبحانه: (يحكم به ذوا عدل منكم)(18) وقد أعطى الرسول (ص) الدية لأجل إخافة خالد بن الوليد عشيرة بني جذيمة، كما في الرواية.

لكني لم أجد من الفقهاء من عنون هذه المسألة، وهي بحاجة إلى تتبّع أكثر وتعمّق أدقّ، والبحث والفحص عن الأشباه والنظائر في الروايات وكلمات الفقهاء.

وعليه: فإذا كان الحرج والضرر في جسم كان على الفاعل تدارك كليهما.

كما لم نستبعد كون ذلك أيضاً في الديات إذا أورثت اضراراً، مثلاً: قطع يد إنسان واحتاج العلاج إلى ألفي دينار فعليه الخمسمائة، لدليل الدية، وبقيّة الألفين لدليل (لا ضرر)(19).

لا يقال: إن الشارع لم يحدّد إلاّ الأول.

لأنه يقال: كان العلاج في السابق بسيطاً لا يكلف شيئاً يذكر، بخلاف الوقت الحاضر.

هذا.. مضافاً إلى الجمع بين الدليلين حسب القاعدة، لكني لم أجد تعرّضهم لمثل هذه المسألة اثباتاً أو نفياً، كما لم أجد تعرضهم لضمان الفاعل فيما لو فعل بالولد قهراً بالإضافة إلى حدّه، فهو ـ حسب الملاك ـ ليس أقل من إزالة البكارة قهراً، حيث الحد والأرش ـ فتأمّل ـ لكنها كالسابقتين لم أجد تعرّضهم له.

عدم جواز احراج الكافر واعساره

وكما لا يجوز ضرر الكافر كذلك لا يجوز إحراجه أو إعساره إلاّ في مباح الدم والمال، لكن بقدر ما عُلم من الشرع لا أكثر، مثلاً: لا يجوز التمثيل بالكافر الحربي ولا تعذيبه النفسي أو الجسدي، كتسليط الكلب عليه، أو نشر يده أو رجله بالمنشار، أو سائر أقسام التعذيب المتعارف عليها لدى المجرمين من الحكومات الباطلة.

لأن الإنسان بما هو إنسان (أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)(20) وقد كرّمه الله سبحانه(21) فالمباح منه هو القدر المصرّح به في الشرع أو ما يفهم منه بالأولى فيما إذا كان الملاك قطعياً، وما عدا ذلك يعمل به حسب الأصل.

ثم إن أدلة الضرر والحرج والعسر حاكمة على الأدلة الأولية ـ بل الثانوية في الجملة كالتيمم إذا صار عسراً أو ضاراً، كما هو كذلك بالنسبة إلى بعض الأمراض الجلدية ـ حكومة واقعية في جانب المحمول، ولذا هي حاكمة عليها وإن كان بينهما عموم من وجه، فليس النفي في (لاضرر) و (لا حرج) بمعنى النهي وإن استلزمه مؤيداً بالأدلة الأُخر.

وهذا ما ذكره الشيخ المرتضى (قدس سره)، لا أنه بمعنى النهي كما ذكره شيخ الشريعة رحمه الله، ولا أنه من قبيل رفع الحكم بلسان رفع الموضوع كما ذهب إليه الكفاية، وقد فصّلنا الكلام في ذلك في (الأصول).

فلا فرق بين أن يكون نفس الحكم ضررياً أو حرجياً أو أن ينشأ منه الضرر والحرج، كما إذا علم ـ على نحو الإجمال ـ أن استعماله الماء ضرر إما في هذا اليوم أو في غد، فإنه رافع لوجوب الوضوء إلى التيمم.

فإنه ـ بناءاً على قول الآخوند (قدس سره) ـ لا حكومة لأدلة الحرج ونحوه على الاحتياط العقلي في أطراف العلم الإجمالي فيما كان موجباً للضرر والعسر والحرج.

أما بناءاً على ما ارتضيناه فحيث أن الثلاثة تنتهي ـ في النهاية ـ إلى الحكم الشرعي فهي مرفوعة وإن كان الاحتياط في الجمع بين المحتملات بحكم العقل.

بل يقال: انه بحكم الشرع أيضاً، فإن أدلة الاحتياط شاملة للشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، كما تشمل الشبهة البدوية قبل الفحص.

ثم إن الثلاثة على قسمين :

1 - ما منع الشارع عنه، كما إذا كان الصوم يوجب فقدان البصر للصائم، أو ما أشبه، وهذا إذا فعله عالماً كان باطلاً، لأن الشارع منع عنه، والنهي يوجب الفساد.

2 - وما رفعه الشارع امتناناً مما ظاهره الرخصة، فهو مخيّر بين الفعل والترك، سواء كان ضرراً في الفعل فله الترك، أو ضرراً في الترك فله الفعل، وقد أفتى بذلك جمع من الفقهاء كما لا يخفى على من راجع شرح العروة وغيره.

وحيث إن السياق في الضرر والحرج واحدٌ فلا فرق بينهما من هذه الجهة، فقول بعض الفقهاء بالفرق بينهما غير ظاهر الوجه، وكذلك حال العسر.

وفي الكلام تفصيل أشرنا إلى بعضه في (الأصول) و (الفقه) وبعضه يطلب من مظانه في المفصّلات.

 

1 ـ الحج: 78.

2 ـ المائدة: 6.

3 ـ البقرة: 185.

4 ـ البقرة: 286.

5 ـ الطلاق: 7.

6 ـ وسائل الشيعة: ج 1، ص 152، ح 537، باختلاف يسير.

7 ـ البقرة: 286.

8 ـ البقرة: 184.

9 ـ البقرة: 286.

10 ـ البقرة: 185.

11 ـ الوسائل: ج 5، ص 246، ح 1.

12 ـ بحار الأنوار: ج 57، ص 46، ح 27 وج62، ص 125 باختلاف يسير.

13 ـ بحار الأنوار: ج 2، ص 281، ح 54، ب 33.

14 ـ البقرة: 229.

15 ـ عوالي اللئالي: ج 2، ص 21، ح 43.

16 ـ المستدرك: ج 4، ص 196، ح 4474، ب 24.

17 ـ المستدرك: ج 5، ص 13، ح 5250، ب 5.

18 ـ المائدة: 95.

19 ـ المستدرك: ج 13، ص 307، ح 15443، ب 13.

20 ـ نهج البلاغة: الكتاب: 53.

21 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (ولقد كرّمنا بني آدم)، الإسراء: 70.