الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

الروايات أحكام وسنن و… 

الروايات على طوائف، كروايات الأحكام، وروايات الأخلاق، وروايات الطب، وروايات الفلك، وروايات القصص، والروايات الكونية، وروايات الفضائل، وروايات المستقبل كالمهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والجنة والنار وما أشبه ذلك، وروايات العقائد، وروايات التفسير.

وروايات الأخلاق كروايات الفقه، جمعها الفقهاء مطلقاً ومقيداً وعاماً وخاصاً ومجملاً ومبيناً وقوياً وضعيفاً، وقد صاغوها في الفقه المتداول. أما سائر الروايات فليست لها صياغة كاملة وهذا يسبب مشكلتين:

الأولى: مشكلة التدافع، وهي مشكلة ذهنية أو مشكلة عدم الانسجام بينها وبين ما ربما يحقق في الخارج من العلوم التي تقدمت بفضل الصناعة والتحقيق.

الثانية: مشكلة خطأ الانطباق، مثلاً روايات الطب يؤخذ بها على إطلاقاتها، مع أن ذلك أحياناً يوجب أمراضاً وأعراضاً ومشاكل.

نعم بعض العلماء حاول مثل ذلك جزئياً، كما في كتاب (الهيئة والإسلام) أو في كتاب (مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار)، أو كلياً كما في كتاب (البحار) ونحوه.

ولا يخفى أن المشكلة الذهنية سببت خروج بعض الناس عن الدين كلياً أو في الجملة، كما سببت عدم الإقبال على الدين بالنسبة إلى غير المسلمين، وعدم الالتزام بالدين بالنسبة إلى جملة من المسلمين. ولتوضيح المطلب نأتي بأمثلة مختلفة، مثلاً في باب الأخلاق ذكر السيد الطباطبائي: أن الإيثار منسوخ. فهل الأمر كذلك؟

وفي روايات الفضائل ورد: (لضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)(1)، فما توضيحه؟ خصوصاً بعد أن قال الإمام الصادق (ع): (وأنا من الثقلين)(2).

وفي روايات التفسير ربما يورد بشدة عقوبات الإسلام في باب السرقة والزنا.

وفي الروايات الكونية، ما المراد بسبع سموات وسبع أرضين؟ وما المراد بالثور والحوت اللذان عليهما الأرض؟

وفي روايات الطب، هل ما ذكر مطلق أو مقيد، عام أو خاص، مجمل أو مبين؟ مثلاً ورد خواص لبعض الفواكه والخضر، وورد الشرب من ماء الخزانة، فهل تلك الخواص مطلقة أم أنها من قبيل روايات الفقه عام وخاص؟ وهكذا. وإذا كان الأول فهو مناف للطب قديماً وحديثاً، وكيف الحل؟ وإذا كان الثاني، فما هو الجمع وأين مواضعها؟

وفي روايات العقائد بعض الظواهر التي توحي بالجبر أو التفويض.

وفي روايات القصص بعض ما يحتاج إلى التفسير، كقصة موسى والخضر، فهل النبي (ع) ينسى بهذه السرعة نسياناً مكرراً؟ وقصة يوسف ويعقوب، فهل النبي (ع) يبكي لفراق ولده هذه المدة الطويلة ـ مع أنه يعلم حياته، وأنه ينتهي إلى السلطة ـ حتى ابيضت عيناه من الحزن؟

وفي روايات الجنة والنار ما يسأل عن شدة العقاب على أشياء لا يُنظر إليها عرفاً بتلك الشدة، كدرهم من الربا الذي هو أشد من سبعين زنية بذات محرم، فما هو الوجه؟ إلى غير ذلك.

وإنّا وإن ذكرنا الوجه في كثير من المذكورات وغيرها في مختلف كتبنا، إلا أن الحل الصحيح هو تفرّغ أخصائيين من العلماء لمختلف الأجوبة والحلول، بعد تنقيح السند من الضعيف والقوي والوارد لحكم الواقع، أو التقية، أو التقريب.

لسان الرواية

رواية الحديث عن المعصوم أن يقول الراوي: سمعت، أو أسمعني، أو شافهني، أو قرأت عليه، أو سألته، أو حدثني، أو قال لي، أو أشار عليّ بكذا ـ مثل أن يتوضأ الإمام أمامه ـ ، أو أمرني، أو نهاني، أو أشار برأسه أو يده، أو ما أشبه ذلك، أو أعطاني كتاباً، أو قال: هذا صحيح، أو: ما قال لك فلان فهو قولي.

والرواية عن غير المعصوم أن يقول الراوي: سمعت عن الشيخ، أو قرأت عليه، أو أعطاني كتابه، أو حدثني، أو أخبرني، أو حدث فلاناً وأنا أسمع، أو نحوها. ولعل من الأفضل أن يقرأ الراوي بعض الروايات من الكتاب، ثم يعطيها للتلميذ ويقول أنها رواياته أو نحو ذلك، لصحيحة عبد الله بن سنان، قال: (قلت لأبي عبد الله (ع): يجيئني القوم فيستمعون مني حديثكم فأضجر ولا أقوى. قال: فاقرأ عليهم من أوله حديثاً، ومن وسطه حديثاً، ومن آخره حديثاً)(3).

والظاهر أن المراد: ثم أعطهم الكتاب ليقرأوا هم بقّيته. وإذا أراد الشيخ إعطاء الكتاب يلزم أن يكون مأموناً عن الخطأ بأقسامه.

ثم إن المُجيز والمُجاز، والمجاز فيه، على ثمانية أقسام، لأن الأول إما معيّن أو غير معيّن، مثلاً قد يعلم أنه حدثه الكليني بـ(الكافي)، وقد يعلم أنه حدثه به شيخ نسي أنه من كان؟ سواء انحصر في أفراد كنفرين، أو لا يكون كذلك أيضاً.

وهذان القسمان يأتيان في الأخيرين أيضاً، فقد يقول: أجزتك يا زيد، وقد يقول: أجزتكم أيتها الجماعة، وقد يقول: أجزتك في كتابي (الاستبصار)، وقد يقول: أجزتك في كل كتبي. وهل يصحّ إجازة المعدوم والصغير والمجنون؟ احتمالان سواء منفرداً أو منضماً، ولا يبعد الصحّة في الكل، إلا إذا بقي مجنوناً أو مات قبل التمييز، حيث يكون من السالبة بانتفاء الموضوع. ومنه ما إذا لم يوجد المعدوم، كما لو قال: أحفادي، ولم يولد منهم أحد.

ولا فرق في المجيز والمجاز بين أن يكون رجلاً أو امرأة، ولا يخفى أن الإجازة تكون نوعاً من احترام الشيخ وتوثيق التلميذ وبعضها أقرب إلى الإتقان.

ومن أنحاء التحمّل: المناولة، وهي إما مقرونة بالإجازة ـ كأن يدفع إليه كتاباً ويقول: هذا روايتي أو سماعي عن فلان فأروه عني، أو يقول: أجزت لك روايته ـ ، أو خالية عنها، كأن يدفع إليه الكتاب فحسب.

جهة الرواية

لا إشكال في حجية قول المعصوم وفعله وتقريره، كل ذلك فيما كان خالياً عن الموانع كالتقية ونحوها، وإلا اختص الثلاثة بذلك الموقع ذي المانع، مثلاً: الإمام اتّقى فأفطر في رمضان، فإنه يجوز ـ جواز بالمعنى الأعم من الوجوب إذ لكلٍّ موضعه ـ الإفطار في رمضان للتقية، وقولنا: كل في موضعه، لأنه قد يجب المخالفة فيما إذا كان الأمر بالتقية واجباً، وقد يجوز فيما إذا كان جائزاً، كما ذكروا في مسألة الوضوء والغسل وما أشبه من موارد (لا ضرر). وقد ذكرنا تفصيله في الأصول.

وهل لو لم يتّقِ في موضع الوجوب بطل عمله وضعاً وفعل حراماً تكليفاً؟ كان الوالد على ذلك قائلاً: إن التكليف تبدل وصار الواجب حراماً، ومن المحتمل العدم لحديث: (تعجل إلى الجنة)(4) فيمن لم يتّق وقتل، ولقوله (ع) في الإفطار: (أحب) مما ظاهره الفضيلة لا الوجوب، فإن الإمام لا يفعل حراماً ولا مكروهاً ولا يترك أولى.

أما استغفارهم وتضرعهم إلى الله سبحانه في مثل دعاء كميل ودعاء أبي حمزة، فذلك لجبر نقص الإمكان بما هو إمكان، فإن الممكن مهما كان فهو محتاج إلى الله سبحانه، فهو عبارةٌ أخرى عن نقص هذا الإمكان الذاتي، مضافاً إلى أنه يوجب رفع الدرجات. أما ما ربما يُقال من أنه من جهة التعليم فهو غير ملائم لتلك الظواهر.

لا يُقال: إن ما ذكرتم أيضاً غير ملائم. لأنه يقال: حملنا أقوالهم على ذلك من جهة الجمع بين ما ورد من الأدلة على عصمتهم القوية، وحضورهم الدائم عنده سبحانه ـ حتى في حال النوم، حيث تنام عينه ولا ينام قلبه ـ وبين إمكان حمل المذكورات على إعجاز، فإن الكلام المطروح ينظر إلى وجه طرحه لا إلى دلالته اللغوية، مثلاً هل الأمر للتعجيز أو التوبيخ أو الإطاعة أو ما أشبه ذلك، كما أن قوله: (كثير الرماد) ـ إن قصد الحقيقة، ولا رماد له ـ كان كذباً، وكذلك حال سائر المجازات، أما إذا ذكره بقصد بيان جوده كان صدقاً، إلى غير ذلك مما ذكروه في باب البلاغة، وعليه جرت سيرة أهل المحاورة عرباً أو غير عرب.

والمشهور بين المتكلمين أن سائر الأنبياء والأوصياء ـ حتى أولي العزم منهم كموسى (ع) ـ يصدر منهم ترك الأولى، بدليل ظواهر بعض الآيات والروايات، لكن لي في ذلك تأملاً، إذ اللازم ملاحظة القصد من القول والعمل لا الظاهر اللغوي، والقصد في كل المعصومين: التعليم، والتربية، وجبر النقص الإمكاني، وإلا فإذا لوحظ الظاهر فقط أُشكل حتى في الظواهر المتقدمة.

وعلى أي حال، فلو فعل المعصوم فعلاً ـ الأعم من أن قال قولاً ـ فإن علم الخصوصية حمل عليها، وإلا كان مطلقاً، سواء كانت الخصوصية من باب الإكراه والاضطرار أو التقية أو ما أشبه، أو من باب الاختصاص كاختصاصات رسول الله (ص)، ومن باب التقيد بشيء أي إن فعله لزمان خاص أو مكان خاص أو مزية خاصَة. وإن لم يظهر أيٌّ من ذلك حمل على الإطلاق، إذ التقييد خلاف الأصل.

كما أن المعصوم لو فعل فعلاً أو قال قولاً لم يعلم، أنه من باب تشريع الحكم، أو من باب العادية كما إذا نزل في سفره مكان كذا أو أكل في يوم كذا طعاماً خاصاً أو ما أشبه ذلك، حمل على التشريع، قال سبحانه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجواْ الله واليوم الآخر)(5)، وقال علي (ع): (فتأسّى متأسٍ بنبيه ... وإلا فلا يأمن الهلكة)(6)، إلى غير ذلك. بل وهو معنى: (مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)(7)، و(كتاب الله وسنتي)(8)، و(بأيّهم اقتديتم اهتديتم)(9)، إلى غيرها.

وهنا سؤالان:

الأول: كيف يجمع بين الحديثين، حيث لم يذكر في أولهما (السنّة) وفي ثانيهما (العترة)، ولا مجال للتقييد حتى يقال: الثلاثة، لأن ظاهر الحديث الانحصار؟ والجواب: (السنة) ـ في الحديث الأول ـ داخلة في كتاب الله لأنها شرح له، و(العترة) ـ في الحديث الثاني ـ داخلة في السنة لأن من السنة العترة، ويعرف التصرفين بجمع الحديثين.

والثاني: إنه ما معنى (بأيّهم) مع أنهم لا تفاوت بينهم، فكلام الكل كلام كل واحد؟ والجواب: معناه إذا رأيتم عملين من نفرين منهما كان الأصل التخيير، كما ورد في قصة من رأى الإمام الحسن (ع) يطعم ويُطعم، ورأى نفس اليوم الإمام الحسين (ع) هو وأصحابه صائمون تالون للقرآن.

نعم إذا كانت خصوصية زمانية أو مكانية أو مزية خاصة في عمل أحدهم، كان المتبع هو دون إمام آخر، مثلاً إذا كانت الظروف كظروف الإمام الحسن (ع) فالمهم الصلح، وإذا كانت كظروف الإمام الحسين (ع) فالمهم القيام، وإذا كانت كظروف السجاد (ع) فالمهم الدعاء والتربية، وإذا كانت كظروف الباقرين (ع) فالمهم التعليم، وهكذا.

وهنا أمر ثالث، وهو أنه لو شك بين الحكم الذي لا يورث إلا لصالح، ولا يعامل عليه وبين الحق الذي يعمل به كل ذلك، فالأصل الحكم كما ذكرناه في الفقه.

وهنا أمر رابع، وهو ما لو شككنا في أن أمره أو فعله الراجح ـ في مقابل المباح ـ هل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فالأصل الثانوي الوجوب، للآية والرواية المتقدمتين. أما (ما أتاكم الرسول فخذوه)(10) و(أطيعوا الرسول)(11)، فالمراد: كلاً في موضعه، الواجب في موضعه، والمستحب في موضعه، فلا دلالة فيهما على الوجوب أياً كان. هذا كله بالنسبة إلى الأفعال والأوامر.

أما التروك والنواهي، فالنهي مادةً وصيغةً ظاهر في التحريم، إلا إذا كان هناك قرينة على الوضع، ومن المعلوم أن لا تلازم بينهما. أما تروكه فإن علم أنه من باب التحريم أو الكراهة أو العادية فهو، وإلا فالأصل الثالث، فإذا لم يمش في طريق، أو لم يأكل طعاماً، أو لم يلبس لباساً، أو لم يتزوج امرأة لبني كذا، فهو محمول على العادية لا الحرمة والكراهة.

بقي شيء، وهو أنه ربما يُتساءل هل كان أصحاب النبي (ص) وعلي (ع) يعملون بهذه الكثرة من الأحكام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات ـ بالمعنى الأعم ـ ؟ وإذا كان الجواب بالإثبات، أُشكل بأن الظاهر أن الأحكام ظهر كثير منها على لسان الأئمة (ع)، وإن كان بالنفي، أُشكل بأن الدين كمل في زمانه (ص) كما دلت عليه الآية والرواية، فما شأن هذه الأحكام الجديدة التي أظهرها الأئمة (ع)؟

والجواب: إن الله سبحانه قرر التدرّج في كثير من أشياء العالم، كما هو المشاهد في خلق المواليد الثلاثة وغيرها وهكذا حال الدين، فكما تدرّج النبي (ص) في بيان الأحكام ـ مع أن الدين الكامل معلوم لله من الأول وفي ذلك المصلحة الكاملة ـ ، كذلك كان من المقرّر التدرّج في بيان الأحكام مدة حضور المعصومين (ع)، بل يظهر من قوله (ع): (يأتي بدين جديد)(12) ـ أي يذكر بعض الأحكام الجديدة عند ظهوره ـ أن بعض الأحكام باق في ستر الغيب إلى الآن.

فأصحاب الرسول (ص) وعلي (ع) كان تكليفهم بقدر ما أظهراه، وكذلك حال أصحاب كل إمام لم يكونوا مكلفين بالأحكام التي ظهرت على لسان إمام متأخر.

أما نحن وقد اجتمعت الأحكام التي ذكرها المعصومون الثلاثة عشر ـ عندنا ـ فإنّا مكلفون بالكل، ومثال ذلك ـ وإن كان مع الفارق ـ القوانين التي تتدرّج في وضعها الدول، حيث أن المتأخر مكلّف لديهم بالكل، والمتقدم لا يكلف إلا بقدر ما وضع إلى زمانه.

إذا كان متعلق الأمر مردداً

إذا كان الأمر مشتبهاً بين واجب الطاعة وغيره كان الأصل العدم، لكن من الواضح أن هذا بالنسبة إليهم (ع) حيث قالوا بالبراءة، أما لو فرض مولى عبد لا يقول بها فاللازم العمل، وإذا كان المأمور مردداً بين نفرين فالمشهور بين المتأخرين من الأصوليين أن الأصل البراءة كثوب واجدَي المني، لكن الظاهر أن الأمر ليس مطلقاً، فإذا ترددت زوجيّة هند بين زيد وعمرو، لم يحق لها إجراء البراءة بينما هي تطلب إمساكاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان، فإن الحاكم الشرعي يجبرهما على الطلاق وإذا لم يكن، يطلق هو عن الزوج ولايةً. وهكذا إذا ترددت زوجة زيد بين الأم والبنت، أو إحدى الأختين إلى غير ذلك.

بل يمكن أن يقال بذلك في باب القتل، بأن لم يعلم هل القاتل عمداً زيد أو عمرو؟ فإنهما لا يقتلان لدرء الحدود بالشبهات، لكن اللازم عليهما الدية بالتناصف ـ إذا لم يكن بيت المال فتأمّل ـ لقاعدة العدل، بعد إنه لا يبطل دم امرئ مسلم.

وإذا كان متعلق الأمر مردداً بين المتباينين لزما، سواء كانا من قبيل واجبين، أو محرمين، أو واجباً ومحرماً، أو بين الأعم والأخص، لزم الأخص وجرت البراءة من غيره، أو بين من وجه لزم المجمع دون مادتي الافتراق.

وإذا كان فعل الشارع مردداً بين الواجب والمستحب كان الأصل عدم وجوبه، أو تركه مردداً بين الحرام والمكروه كان الأصل عدم حرمته، لكن لا يثبت بالأصل كونه مستحباً أو مكروهاً لأنه من المثبت. وكذا إذا كان أمره مردداً بين الأولين، ونهيه بين الأخيرين لكن بشرط أن لا يكون ظهور مادة وهيئة وإلا كان هو المتبع.

تقرير المعصوم إذا لم يعرف وجهه

تقرير المعصوم حجة ـ إذا لم يكتنف بمحذور ـ وذلك لأنه لو كان حراماً فسكت عليه، أو كان ترك واجب، كذلك كان خلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخلاف إرشاد الجاهل الواجبات وهو منزه عنه. نعم إذا فعل إنسان بحضرته ما يشك كونه مباحاً أو مستحباً، أو ترك ما يشك كونه مباحاً أو مــكروهاً، لم يكن سكوته دليلاً على الإباحة، إذ الأمر بالمستحب والنهي عن المكروه ليس بواجب.

لا يُقال: الإمام لا يترك الأولى، ولا شك أن الأولى الأمر والنهي في الموردين.

لأنه يُقال: ليس ذلك من الأولى الذي لا يتركه المعصوم، وهل يقول أحد بأنه على المعصوم أن لا يفعل المباح، لأن الأولى أن يفعل المستحب عوض المباح؟!

وإذا شك في أنه قرّر مجبوراً لتقيةٍ ونحوها أو مختاراً، فالأصل الاختيار، وإذا شك في أنه هل قرّر أم لا؟ فالأصل العدم، وإذا علم إجمالاً بالتقرير لكن لم يعلم هل قرر الخاص أو العام؟ فالأصل الخاص، أو قرّر أيّاً من العموم من وجه، فالأصل تقرير الجامع دون موردَي الافتراق، أو قرّر أيّاً من المتباينين فلا يمكن العمل بأيٍّ منهما إذ لا دليل على تقريره، ولو شك في أنه قرره حال صغره أو حال كبره، حال جنونه أو حال عقله، فلا يكون من التقرير، ولو قيل باستصحاب حال العاقل الذي جنَّ بعد ذلك كان من المثبت. وكذا لا يؤخذ بالتقرير إذا لم نعلم هل أنه قرر زيداً على أكله أو عمرواً على شربه مثلاً؟ إذ اللازم أن يعرف الموضوع حتى يثبت الحكم.

قول (الإشارات) والمناقشة فيه

قال في (الإشارات): ويعتبر فيه القدرة على الإنكار، وعدم استقلال العقل على الحرمة والقبح، وأن يأتي الفاعل به متعمداً مختاراً غير غافل ولا ناس؛ بل خالياً عما يعذر به الفاعل كالضرورة والتقية، إلا أن الأخير يدل على الجواز الظاهري كما في القول والفعل، وكذا في المقر يعتبر الخلو عما يعذر به كسبق المنع إذا لــم يحتمل النسخ والعلم بعدم الفائدة في الإنكار، انتهى.

وفيه مواضع للنظر، إذ أولاً: استقلال العقل لا يدل على جواز السكوت، لأن المعيار معرفة الفاعل إنه محرم شرعاً، وإلا كان من قبح العقاب بلا بيان، وقد قـــال سبحانه: (وما كنا معذبين حـــتى نبعث رســـولاً)(13)، وقــــال: (وإذا أردنا أن نهلك قرية...)(14) إذ الإرادة تتعلق بالإهلاك عن حجة وإلا فعقولهم كانت تدلهم على المنع ولذا تعلقت الإرادة بإهلاكهم. ولا يخفى أن قولة سبحانه: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)(15) أن الأمر بالطاعة فخالفوا، كما يقول الأب: أمرته فعصاني.

وثانياً: إن قوله: (بل خالياً) ليس على إطلاقه، إذ من الممكن جهله بالحكم، لكنه أتى به في حال العذر، إذ اللازم حينئذ أن لا يقرره الإمام، وذلك لبيان الأحكام للجهلة.

وثالثاً: التقية ليست جوازاً ظاهرياً، لوضوح أنه جواز واقعي في موقع التقية، إذ الاستثناء أيضاً واقعي، وإنما الظاهري يكون في الجهل من قبيل: (كل شيء لك طاهر)(16)، و(كل شيء هو لك حلال)(17)، وما أشبه، حيث إن التحديد بالعلم يدل على ذلك.

ورابعاً: إن سبق المنع إنما ينفع إذا علم الفاعل به ولم ينسه، وإلا كان السكوت تقريراً على الخطأ الممنوع شرعاً وعقلاً.

وخامساً: إن الفاعل والآمر قد يكونان معذورين، لكن اللازم التنبيه من جهة شخص حتى لا يزعم أن فلاناً فعل كذا والإمام سكت عليه، فسكوته يدل على جوازه ـ أي جواز الفعل ـ فهذا من قبيل ما ذكروا من أن التقية قد تكون للثالث.

التقرير لا يرقى إلى الوجوب أو الحرمة

ثم إن التقرير لا يدل على أكثر من الجواز، فلا ينافي ذلك إذا ثبت من الخارج الوجوب أو الكراهة أو الاستحباب. نعم إذا دل دليل على الحرمة أو كان منافياً للتقرير، ويلزم حينئذٍ التعادل والترجيح بينهما، كما أنه لو أقر الترك كان دالاًّ على جواز الترك لا على حرمة الفعل. وينافي ذلك ما لو دلّ دليل على الوجوب، والتقرير لا عموم له، فإذا أريد التعميم يلزم أن يعرف من الخارج بالملاك ونحوه.

والتقرير إنما يكون حجة في مورد الإنكار ـ في الفعل ـ مثلاً، أما إذا لم يكن من موارد الإنكار كما إذا فعله الكافر أو المخالف الذي يشمله قاعدة الإلزام، فالتقرير منتف الموضوع، وكون الكفار مكلفين بالفروع لا يلازم عدم السكوت على أعمالهم، ولو لم نعلم أن الفاعل هل كان مسلماً موافقاً، أو مخالفاً، أو كافراً؟ لم يكن من مسائل التقرير، حاله حال ما إذا لم يعلم هل الفاعل صغير أو كبير عاقل أو مجنون إلى غير ذلك؟

ولا يلزم في التقرير حضور المعصوم، بل كون الفاعل أو الثالث بحيث إذا سكت المعصوم يكون سكوته حجة بالنسبة إليهما، مثلاً: علم الإمام أن فلاناً الموالف أكل لحم الأرنب، وكان بحيث إذا أنكر، وصَلَه وأمسك عن أكله بعد ذلك، أو أنه إذا أنكر لم يأكله الثالث، بخلاف ما إذا سكت حيث يأكله كان اللازم الإنكار، فإن سكت كان فيه ملاك التقرير أو هو أحد مصاديقه، ولو فعل بحضرته وشك في اطّلاعه، لم يكن من موضوع التقرير.

التعارض في الأقسام الثلاثة

أقسام التعارض ستة، لأنه إما في الفعلين، أو القولين، أو التقريرين، أو المختلفين بأقسامه الثلاثة. والقول: بأنه لا يمكن في غير القولين غير تام. نعم لا يمكن بين الفعلين لحكم واقعي لم ينسخ، كما أن في التقريرين كذلك، ولا أقوائية لأحد المختلفين على الآخر، بل اللازم إعمال قواعد التعارض في الأقسام الستة.

نعم المشهور أن النبي (ص) لا يتقي، ولذا لا يمكن حمل فعله على التقية، وإن أمكن ذلك في الإمام لكن هذا لا يمنع من ترجيح قوله (ع) على فعله، إذ من الممكن أن يكون فعله لغير جهة التقية كقاعدة الأهم والمهم، وهكذا حال تقريره (ع). ولذا نرى أن النبي (ص) لم ينكر على كثير من الفارّين عن الزحف مع أن قوله التحريم، وإنما لم ينكر لذلك القانون أو ما أشبه.

ثم إن اكتنف بفعل الشخص خصوصية لم تترك التقرير على ظاهره، لم يكن التقرير عاماً، كما إذا حصل فعل عن الصغير أو المجنون، فإن سكوت الإمام عليه لا يدل على جوازه مطلقاً. نعم إذا لم تكن الخصوصية من الصوارف كان التقرير عاماً، كما إذا صدر فعل عن مكلف احتملنا الخصوصية فيه، فلا يسري إلى غيره، أو عدم الخصوصية كان الأصل عدم الخصوصية، فيكون التقرير كأوامرهم الشخصية حيث مقتضى الفهم العرفي التعدي إلى سائر الأفراد.

بل الحال كذلك إذا فعلته امرأة حيث يتعدى إلى الرجل أو بالعكس، إذ الغالب الاشتراك في الأحكام إلا ما خرج بالدليل. ولو فعل الرسول (ص) شيئاً لم نعلم أنه عام أو خاص به كسائر اختصاصاته، فالأصل العموم لقاعدة التأسي وانحصار الاختصاصات في أشياء خاصة مذكورة في محلها.

التقرير يجري في الاعتقاد

التقرير كما يكون في فعل شخص أو قوله بحضوره (ع) أو نحو حضوره كما عرفت، يكون في اعتقاده أيضاً إذا ظهر منه لمظهر هناك ولم ينكر عليه المعصوم. مثلاً: كان زيد من جماعة المرجئة أو القدرية مما الظاهر منه اعتقاده بذلك، ومع ذلك لم ينكر عليه المعصوم مع توفر شرائط التقرير، وقال المحقق في (المعتبر): وأما ما يندر فلا حجية فيه، كما روي أن بعض الصحابة قال: كنا نجامع على عهد رسول الله (ص) فلا نغتسل. لجواز أن يخفى ذلك على النبي (ص) فلا يكون سكوته دليلاً على جوازه.

لا يُقال: قول الصحابي: (كنا نفعل) دليل على عمل الصحابة أو أكثرهم، فلا يخفى ذلك على الرسول (ص)، لأنا نمنع، إذ قد يخبر بمثل ذلك عن نفسه أو عن جماعة يمكن أن يخفى حالهم على النبي (ص).

أقول: لكن الأولى قول عدم استقامة السند، لأنه روي عن طريق العامة، وإلا فالإشكال المتقدم غير وارد. ألا ترى أنه لو قال ذلك سلمان الفارسي لكان دليلاً على التقرير، ثم إنه كما يجمع بين القولين أو الفعلين أو قول وفعل منهم (ع) بالتخيير مع توفر الشرائط، كذلك يجمع بين التقريرين أو أحدهما والتقرير، مثلاً قال بكفارة كذا إنه إطعام عشرة، ثم قرر من أعتق عبداً، أو قرر من أطعم عشرة ومن أعتق عبداً، لما عرفت من أن الملاك في الثلاثة واحد.

التقرير كالخبر بحاجة إلى نفس الشرائط

ونقل التقرير بحاجة إلى ما يحتاج إليه نقل القول والفعل من الوثاقة ونحو ذلك، وكما لا فرق في قولهم وفعلهم بين حال الصغر أو حال الكبر، كذلك حال تقريرهم، لأنهم خلقهم الله أنواراً لا فرق بين صغيرهم وكبيرهم. وعدم إمامتهم حال وجود إمام قبلهم لا يؤثر في ذلك، وإلا لأثّر حال كونه كبيراً تابعاً لإمام آخر كالحسين (ع) حال وجود الحسن (ع).

أي تصرفات المعصوم نتبعها

لو تصرف المعصوم بسبب الإمامة كالجهاد والتصرف في بيت المال، جاز لخليفته اتباعه عاماً أو خاصاً، ولم يجز لسائر الناس لأنه من شؤون الإمامة فهو خاص به ولا يكون أسوة فيه. كما أن تصرفه مع زوجته يتعدّى به في تصرف الإنسان مع زوجته لا مطلقاً، كما هو واضح. ولو تصرف المعصوم بسبب القضاء كرفع النزاع بين الخصمين، بسبب البينة أو اليمين أو الإقرار، أو بسبب علمه، أو بسبب إخراج الحق بالقرائن ـ كما في إخراج علي (ع) الحق بين المرأتين المتنازعتين في الولد، أو بين السيد والعبد اللذَين يدّعي كل واحد منهما أنه السيد وأن الآخر العبد، أو بسبب بياض البيض الذي طبخ على ثوب المرأة إلى غير ذلك ـ كان التصرف أسوة للقاضي لا لكل أحد.

ولا يخفى أن قولهم في قضاياه (ع): (قضية في واقعة) يُراد بها: أنه حسب قانون ثانٍ لا أنه شاذ، فإذا رأينا أن القاعدة على خلاف تصرفه، وليس تصرفه من باب التخصيص، أن هناك قانوناً ثانياً يندرج تصرفه فيه، فهو أيضاً قانون عام فيما إذا توفرت شروطه، مثل قانون علم القاضي الذي يحكم به بدون يمين أو بينة.

وعلي (ع) في القضايا الثلاث السابقة استند إلى هذا القانون، الذي هو استثناء عن قانون (إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان)(18)، أو هو في عرضه، ويجوز للحاكم أن يحكم بأيهما.

أما مثل قول الحسن (ع): (فإن كان قد قتل رجلاً فقد أحيا هذا)(19) فهو إما من باب عفو الحاكم، أو أنه أيضاً حكم شرعي للآية المباركة وإن لم يفت به المشهور.

ولو تصرف بالفتوى والتبليغ كالعبادات والمعاملات الأعم من الإيقاع والإرث ونحو ذلك، كان أسوة لمن توفر فيه الشرط. وإذا اشتبه الأمر بين القضاء والفتوى، كقوله (ص) لهند زوجة أبي سفيان: (خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف)(20) حيث شكت إليه وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ولولدي ما يكفيني. فإذا كان فتوى ثبت جواز التقاص بدون القضاء، كما يثبت سائر الأحكام بدونه، ولو كان قضاءً لا يجوز الأخذ إلا بقضاء قاضِ، فالظاهر الحمل على الفتوى لأنه الأصل، إذ الاحتياج إلى القضاء زائد والأصل يدفعه. وبعضهم استدل عليه من جهة غلبة الفتوى في كلامه، والشيء يحمل على الأعم الأغلب. لكنه ليس بدليل يمكن الاستناد عليه، إلاّ على الانسدادي حيث يكتفي بالظن العام الذي يحصل حتى من مثل هذه الغلبة.

وإذا اشتبه الأمر بين الفتوى والتصرف بالإمامة، حمل على الفتوى أيضاً، للأصل المتقدم، كقوله (ص): (من أحيى أرضاً مواتاً فهي له)(21). قال الشهيد (ره) في (القواعد) ـ في المورد الأول من الاشتباه ـ : لا ريب إن حمله على الإفتاء أولى، لأن تصرفه (ص) بالتبليغ أغلب، والحمل على الغالب أولى من النادر.

قال في (القوانين) بعد نقله كلام الشهيد: وقد يشتبه بين التصرف بالإمامة والفتوى. ومثل له برواية إحياء الأرض، قال: فعلى الأول كما هو قول الأكثر، لا يجوز الإحياء إلا بإذن الإمام، وعلى الثاني يجوز، كما ذهب إليه بعض أصحابنا. ويرد عليه: أن التصرف بالتبليغ أغلب، فلا بد من الحمل عليه كالسابق.

أقول: بل كونه لا يجوز إلا بإذن الإمام، ليس فتوى الأكثر، بل السيرة على خلافه أيضاً.

 

1 ـ البحار: ج 39 ص 2 ح 1.

2 ـ أنظر البحار ج 23 ص 147 ح 110.

3 ـ الكافي: ج 1 ص 52 ح 5.

4 ـ الكافي: ج 2 ص 221 ح 21.

5 ـ سورة الأحزاب؛ الآية: 21.

6 ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم: 160.

7 ـ البحار: ج 5 ص 68 ح 1.

8 ـ البحار: ج 23 ص 132 ح 66.

9 ـ البحار: ج 23 ص 156 ح 118.

10 ـ الكافي: ج 1 ص 64 ح 1.

11 ـ سورة النساء؛ الآية: 59.

12 ـ الكافي: ج 1 ص 34 ح 14 سطر 2.

13 ـ سورة الإسراء؛ الآية: 15.

14 ـ سورة الإسراء؛ الآية: 16.

15 ـ سورة الإسراء؛ الآية: 16.

16 ـ راجع الوسائل: ج 2 ص 1053 باب 37 من أبواب النجاسات.

17 ـ الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

18 ـ الوسائل: ج 18 ص 169 باب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1.

19 ـ من لا يحضره الفقيه: ج3، ص23.

20 ـ عوالي اللآلي: ج 1 ص 402 ح 59.

21 ـ الوسائل: ج 17 ص 327 باب 1 من أبواب إحياء الموات ح 5.