الفهرس

الثقافة الاسلامية

الصفحة الرئيسية

 

أنواع الصوم

إنَّ إيقاف النفوس دون ما تهواه، من أصعب الأشياء، فإذا تعودت النفس شيئاً، لا تستطيع مفارقته إلاّ بشق الأنفس. ولهذه الحقيقة، تأخر فرض الصيام إلى ما بعد (الهجرة) حيث تركز الإسلام وشع في النفوس، ففرض الله الصيام في السنة الثانية من (الهجرة)، ولما توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان المسلمون قد صاموا تسع سنين.

وكانت الآيات التالية، أول نداء فرض الصوم على المسلمين:

((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ... الخ...)).

وفي نفس الآيات، التي أمرت بالصيام، نص القرآن على وضعه عن طائفتين، هما المرضى والمسافرون، على شرط أن يلافوه في بقية أيام السنة، فالله تعالى يريد الصوم شهراً في كل عام، ولكنه يريد اليمن ولا يريد العسر، فإن اعترضه مرض أو سفر، فلا بأس بتركه إلى فرصة أخرى، فالمريض إذا برء من مرضه، والمسافر إذا استقر في بلده ـ أو أي بلد ينوي فيه الإقامة ـ وجب عليهما إعادة الأيام، التي أفطروا فيها.

* * * * *

وتنص آيات الصوم، على أنَّ الله فرض الصوم على المسلمين، كما فرضه على الأمم السابقة، لأهميته القصوى، في التربية الجسمية والعقلية والروحية، ولأنّه يؤكد صلة العبد بربه.

وعصب الصوم، كفّ النفس عما تشتهيه، وكانت الأمم السابقة، تكفّ عن ألوان خاصة من الطعام، كما كانت تكف عن الكلام فترة من الزمان، على ما أمر الله زكريا بقوله: ((... آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النّاس ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً...)) وعلى ما أوصى عيسى بن مريم أمه بقوله: ((فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)).

وجاء الصوم في الإسلام، أسمى وأكمل منه في بقية الشرائع بحيث يلائم علاج الأبدان والأرواح، ففيه كف الجسم عن الطعام والشراب، فترة معقولة من اليوم، لأمد محدود من العام، فيه كف الشهوات عن مباشرة نزعاتها. ويستحب أن يرافقه، كف اللسان عن اللغو والإثم. وكف النفس عن كل رغبة منكرة، ومثل هذا الإمساك العام، جدير بتطوير البدن والروح.

بينما يكون الإمساك عن اللحم والقمح، مثلاً ـ وإنْ كان ينفع لتخفيف الوطئة عن المعدة، وإتاحة الفرصة للأجهزة الهاضمة، حتى تستهلك الرواسب المتكلسة عليها ـ إلاّ أنّه لا يغني لتطهير الجسم كله، من كافة الزوائد والفضول، فما دامت المعدة ممتلئة بالطعام، تبقى مرهقة تنقص العمر وتفسد الصحة، وإنْ لم يكون فيها لحم ولا قمح. فالعلاج الكامل هو الإمساك عن جميع ألوان الطعام والشراب، حتى تستهلك الأجهزة الهاضمة كافة الزوائد والفضول، وتأخذ نصيبها من الراحة، لاستعادة عملها بقوة ونشاط، وكذلك الكفّ عن مطلق الكلام ـ فإنّه وإنْ كان لا ينفع لتحديد اللغو والآثام، التي يقترفها اللسان ـ إلاّ أنّه لا مبرر لكف اللسان، عن التفاهمات البريئة والمعاملات النبيلة، أليس الكسب عبادة؟ وليس الإصلاح بين النّاس معروفاً، ألسنا نعرف ـ بالضبط ـ الظروف والعوامل، التي أدت إلى شرع هذين النوعين من الصوم، وهما الصوم عن بعض ألوان الطعام والصوم عن الكلام ـ صوم الصمت ـ ومن الطبيعي أنْ تكون لهما حكمة بالغة، ما دام الله سبحانه تعالى هو الذي شرعهما في الإسلام ـ أفضل وأكمل، فإنّه يمنع عن خصوص الجريمة، ولا يلجم اللسان كله، لأنّه قد ينطق بالجريمة، فيمنع الصائم ـ بل وغير الصائم أيضاً، غير أنّه يؤكد المنع بالنسبة إلى الصائم ـ عن اللغو والآثام، ويطلق لسانه في الكلام المباح، بل نهى عن ترك الكلام كله، لأنه يؤدي إلى تجميد الحياة فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): (حفظت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل). وقد وصف الله المؤمنين، بأنَّهم طاهروا اللسان أبداً، سواءٌ في أحيان الصيام وغير أوقات الصيام فقال: ((وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)). ((وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً)) ونبّه المسلمين، إلى أنْ للأقوال مسؤولية مثل ما تكون للأفعال مسؤولية، حتى لا يستهين أحد بما يقول، فقال: ((ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) وأضاف الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت). وأكد قائلاً: (من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه، أضمن له الجنّة).

* * * * *

ولا بد أنْ يكف الإنسان، جوارحه جميعاً ـ عن المحارم، حتى يتحقق له الصيام، فإنَّ حاله ـ كحالة الصلاة ـ حالة تقرب إلى الله تعالى، فكما أنَّ ثواب الحسنات يضاعف فيها، كذلك عقاب السيئات، قد يضاعف فيها، وربما يسري الخلل منها إلى نفس الصوم، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أنْ يدع طعامه وشرابه). ثم أصدر التعليم، الذي يجب أنْ يتبناه الصائم عندما قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله، فليقل إني صائم).

ولمّا كان الصوم، تزكية للنفوس، وتطهيراً من الآثام، جعله كفارة لبعض الذنوب فمن ترك الحلق في الحج، ((فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ)) ومن لم يتيسر له الهدي، ((فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ)) ومن حلف على أمر، ثم حنث، ((فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ)). من قتل مؤمناً، فعليه إطعام ستين مسكيناً، وعتق رقبة، وصوم شهرين متتابعين، كما قال عز ّوجلّ: ((وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)). ومن ظاهر زوجته، ثم أراد أنْ يرجع إليها، كان عليه تحرير رقبة، فإنّ لم يقدر، فصام شهرين، كما قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) ومن قتل الصيد محرماً، كان عليه إحدى الخصال الثلاث وهي الهدي، والإطعام، والصيام، على ما نص الذكر الحكيم في قوله: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ)).

هذه هي الموارد، التي نص القرآن الكريم، على أنَّ الصيام فيها كفارة عن الذنب، وفي الفقه، موارد أخر، يقع الصيام فيها كفارة، إما ابتداءاً وإما بدلاً.

* * * * *

وهناك صوم تطوعي، حثّ عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل صوم ثلاث أيام من كل شهر، فقد ورد في الحديث: إنّه يعادل صوم الدهر، ويذهب بوحر الصدر، ومثل صوم (الأيام البيض) من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، ومثل صوم يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المصادف لليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول.

ومثل صوم يوم الغدير، المصادف لليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام، ومثل صوم يوم مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، ومثل صوم يوم (دحو الأرض) من تحت الكعبة المقدسة، وهو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام.

وصوم يوم (عرفة) وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة الحرام، ومثل صوم يوم المباهلة وهو يوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام.

ومثل صوم اليوم الأول من شهر ذي الحجة الحرام، وأفضل منه صوم التسع الأول منه، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام): (من صام أول يوم من العشر: عشر ذي الحجة، كتب الله له صوم ثمانين شهراً، فإن صام التسع، كتب الله له صوم الدهر). ومثل صوم التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام، ومثل صوم اليوم الرابع إلى اليوم التاسع من شهر شوال، ومثل صوم النصف، من شهر جمادى الأول. ومثل صوم اليوم الأول والثالث والسابع من شهر محرم الحرام.

ومثل صوم يوم النيروز. ومثل صوم كل خميس وجمعة، ومثل صوم شهر رجب وشهر شعبان، فعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): (رجب، شهر عظيم، يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، من صام يوماً من رجب، تباعدت عنه النّار مسيرة مائة سنة، ومن صام ثلاثة أيام، وجبت له الجنّة، وفي حديث: (أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماًـ إلاّ شعبان يصل به رمضان).

* * * * *

وهنالك، أنواع شتى، ومن الصوم المكروه، كصوم يوم عاشوراء ـ لأنّه يوم تبركت به بنو أمية، وابن آكله الأكباد ـ والصوم الحرام، كصوم يومي (العيدين) و (صوم الوصال) و (صوم الصمت).