الفهرس

موسوعة الكلمة

الصفحة الرئيسية

 

الخضر (عليه السلام)

ولائيات

رحمك الله يا أبا الحسن(1)

لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين (عليه السلام ) ارتج(2) الموضع بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم )، فجاء رجل باك وهو مسرع مسترجع، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين، فقال:

رحمك الله يا أبا الحسن كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً وأشدهم يقيناً، وأخوفهم من الله عز وجل، وأعظمهم عناء، وأحوطهم على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم )، وآمنهم على أصحابه، وأفضلهم مناقب، وأكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله وأشبههم به هدياً ونطقاً وسمتاً وفعلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وعن المسلمين خيراً، قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ هم أصحابه به. كنت خليفته حقاً، لم تُنازع ولم تضرع برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وضغن الفاسقين، فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا(3)، ومضيت بنور الله عز وجل إذ وقفوا، ولو اتبعوك لهدوا، وكنت أخفضهم صوتاً، وأعلاهم قنوتاً، وأقلهم كلاماً، وأصوبهم منطقاً، وأكبرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدهم يقيناً، وأحسنهم عملاً، وأعرفهم بالأمور. كنت والله للدين يعسوباً (أولاً حين تفرق الناس وآخراً حين فشلوا) وكنت للمؤمنين أباً رحيماً، إذ صاروا عليك عيالاً، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا وأدركت إذ تخلفوا، ونالوا بك مالم يحتسبوا. كنت على الكافرين عذاباً صباً، وللمؤمنين غيثاً وخصباً، فطرت والله بنعمائها، وفزت بحبائها، وأحرزت سوابقها، وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجتك ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم تخن. كنت كالجبل (الذي) لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، وكنت ـ كما قال النبي ـ: ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله عز وجل، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله عز وجل، كبيراً في الأرض، جليلاً عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لأحد فيك مطمع ولا لأحد عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم فيما فعلت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وقوي بك الإيمان، وثبت بك الإسلام والمؤمنون، وسبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك تعباً شديداً فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا من الله عز وجل قضاه، وسلمنا لله أمره فوالله لن يصاب المسلمون بمثلك أبداً، كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً (وقنة راسياً) وعلى الكافرين غلظة وغيظاً، فألحقك الله بنبيه، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك.

وسكت القوم حتى انقضى كلامه، وبكى وأبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم طلبوه فلم يصادفوه.

معارف

تعلم لتعمل(4)

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ): أن موسى (عليه السلام ) لقي الخضر (عليه السلام ) فقال: أوصني. فقال الخضر:

يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك؟ واعرف الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بداء، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بلغة للعباد ليتزودوا منها للمعاد.

يا موسى وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك بالتقوى تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم.

يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكونن مكثاراً بالنطق تكن مهذاراً، إن كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدي مساوي السخفاء، ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء فإن ذلك فضل الحلماء وزين العلماء، وإذا شتمك الجاهل فاسكت عنه سلماً، وجانبه حزماً، فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر.

يا ابن عمران لا تفتحن باباً لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن باباً لا تدري ما فتحه.

يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا بهمته ولا تنقضي فيها رغبته كيف يكون عابداً؟ ومن يحقر حاله ويتهم الله بما قضى له كيف يكون زاهداً؟

يا موسى تعلم ما تعلم لتعمل به ولا تعلم لتحدث به فيكون عليك بوره، ويكون على غيرك نوره.

أخلاق

وصية الخضر(5)

عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام )، قال: إن موسى بن عمران (عليه السلام ) حين أراد أن يفارق الخضر (عليه السلام ) قال له: أوصني، فكان مما أوصاه أن قال له:

إياك واللجاجة، أو أن تمشي في غير حاجة أو أن تضحك من غير عجب، واذكر خطيئتك، وإياك وخطايا الناس.

آخر وصية(6)

عن علي بن الحسين (عليهما السلام ) قال: كان آخر ما أوصى به الخضر موسى بن عمران (عليه السلام ) أن قال له:

لا تعيرن أحداً بذنب، وإن أحب الأمور إلى الله عز وجل ثلاثة: القصد في الجدة، والعفو في المقدرة، والرفق بعباد الله، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلاّ رفق الله عز وجل به يوم القيامة، ورأس الحكمة مخافة الله تبارك وتعالى.

مواعظ

الدهر طويل قصير(7)

يا موسى إن أصلح يومك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر فإن الدهر طويل قصير، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك ليكون أطمع لك في الآخرة، فإن ما هو آت من الدنيا كما هو قد ولى منها.

اجتماعيات

في عزاء الرسول(8)

 عن الحسن بن علي بن فضال، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام ) يقول: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) جاء الخضر (عليه السلام ) فوقف على باب البيت وفيه علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) قد سجى بثوبه، فقال:

السلام عليكم يا أهل بيت محمد (كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(9) إن في الله خلفاً من كل هالك، وعزاءً من كل مصيبة، ودركاً من كل فائت فتوكلوا عليه وثقوا به، وأستغفر الله لي ولكم.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام ): هذا أخي الخضر (عليه السلام ) جاء يعزيكم بنبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم ).

أدعية

للأمن من الوساوس(10)

ومن دعاء للخضر (عليه السلام ):

(يا شامخاً في علوه، يا قريباً في دنوه، يا مدانياً في بعده، يا رؤوفاً في رحمته، يا مخرج النبات، يا دائم الثبات، يا محيي الأموات، يا ظهر اللاجين، يا جار المستجيرين، يا أسمع السامعين، يا أبصر الناظرين، يا صريخ المستصرخين، يا عماد من لا عماد له، يا سند من لا سند له، يا ذخر من لا ذخر له، يا حرز من لا حرز له، يا كنز الضعفاء، يا عظيم الرجاء، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا محيي الموتى، يا أمان الخائفين، يا إله العالمين، يا صانع كل مصنوع، يا جابر كل كسير، يا صاحب كل غريب، يا مؤنس كل وحيد، يا قريباً غير بعيد، يا شاهداً غير غائب، يا غالباً غير مغلوب، يا حي حين لا حي، يا محيي الموتى، يا حي لا إله إلاّ أنت) من قاله قولاً أو سمعه سمعاً أمن من الوسوسة أربعين سنة.

دعاء كميل بن زياد رحمه الله(11)

قال كميل بن زياد رحمه الله: كنت جالساً مع مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام ) في مسجد البصرة ومعه جماعة من أصحابه، ثم ذكر ليلة النصف من شعبان في كلامة إلى أن قال (عليه السلام ): ما من عبد يحييها ويدعو بدعاء الخضر (عليه السلام ) إلا أجيب له، فلما انصرف طرقته ليلاً فقال (عليه السلام ): ما جاء بك يا كميل؟

قلت: يا أمير المؤمنين دعاء الخضر (عليه السلام ).

فقال: اجلس يا كميل، إذا حفظت هذا الدعاء فادع به كل ليلة جمعة أو في الشهر مرة أو في السنة مرة أو في عمرك مرة تكف وتنصر وترزق ولن تعدم المغفرة، يا كميل أوجب لك طول الصحبة لنا أن نجود لك بما سألت، ثم قال: اكتب..

وفي رواية أن كميل رأى أمير المؤمنين (عليه السلام ) ساجداً يدعو بهذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان:

اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، وبقوتك التي قهرت بها كل شيء، وخضع لها كل شيء، وذل لها كل شيء، وبجبروتك التي غلبت بها كل شيء، وبعزتك التي لا يقوم لها شيء، وبعظمتك التي ملأت كل شيء، وبسلطانك الذي علا كل شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء، وبأسمائك التي ملأت أركان كل شيء، وبعلمك الذي أحاط كل شيء، وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء، يا نور يا قدوس، يا أول الأولين ويا آخر الآخرين، اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء، اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته، وكل خطيئة أخطأتها.

اللهم إني أتقرب إليك بذكرك، وأستشفع بك إلى نفسك، وأسألك بجودك أن تدنيني من قربك، وأن توزعني شكرك، وأن تلهمني ذكرك، اللهم إني أسألك سؤال خاضع متذلل خاشع، أن تسامحني وترحمني وتجعلني بقسمك راضياً قانعاً، وفي جميع الأحوال متواضعاً.

اللهم وأسألك سؤال من اشتدت فاقته، وأنزل بك عند الشدائد حاجته، وعظيم فيما عندك رغبته، اللهم عظم سلطانك، وعلا مكانك، وخفي مكرك، وظهر أمرك، وغلب قهرك، وجرت قدرتك، ولا يمكن الفرار من حكومتك.

اللهم لا أجد لذنوبي غافراً، ولا لقبائحي ساتراً، ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدلاً، غيرك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ظلمت نفسي، وتجرأت بجهلي، وسكنت إلى قديم ذكرك لي، ومنك علي.

اللهم مولاي كم من قبيح سترته، وكم من فادح من البلاء أقلته، وكم من عثار وقيته، وكم من مكروه دفعته، وكم من ثناء جميل لست أهلاً له نشرته.

اللهم عظم بلائي، وأفرط بي سوء حالي، وقصرت بي أعمالي، وقعدت بي أغلالي، وحبسني عن نفعي بعد أملي، وخدعتني الدنيا بغرورها، ونفسي بجنايتها، ومطالي يا سيدي فأسألك بعزتك أن لا يحجب عنك دعائي سوء عملي وفعالي، ولا تفضحني بخفي ما اطلعت عليه من سري، ولا تعاجلني بالعقوبة على ما عملته في خلواتي، من سوء فعلي وإساءتي، ودوام تفريطي وجهالتي، وكثرة شهواتي وغفلتي، وكن اللهم بعزتك لي في كل الأحوال رؤوفاً، وعلي في جميع الأمور عطوفاً.

إلهي وربي من لي غيرك أسأله كشف ضري والنظر في أمري، إلهي ومولاي أجريت علي حكما اتبعت فيه هوى نفسي، ولم أحترس فيه من تزيين عدوي، فغرني بما أهوى وأسعده على ذلك القضاء، فتجاوزت بما جرى علي من ذلك بعض حدودك، وخالفت بعض أوامرك، فلك الحمد (الحجة) علي في جميع ذلك، ولا حجة لي فيما جرى علي فيه قضاؤك، وألزمني حكمك وبلاؤك.

وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي، معتذراً نادماً منكسراً مستقيلاً منيباً مقراً مذعناً معترفاً لا أجد مفراً مما كان مني، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري، غير قبولك عذري، وإدخالك إياي في سعة رحمتك، اللهم فاقبل عذري وارحم شدة ضري، وفكني من شد وثاقي، يا رب ارحم ضعف بدني، ورقة جلدي، ودقة عظمي، يا من بدأ خلقي، وذكري وتربيتي وبري وتغذيتي، هبني لابتداء كرمك، وسالف برك بي.

يا إلهي وسيدي وربي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك، وبعد ما انطوى عليه قلبي من معرفتك، ولهج به لساني من ذكرك، واعتقده ضميري من حبك، وبعد صدقي اعترافي ودعائي خاضعاً لربوبيتك.

هيهات أنت أكرم من أن تضيع من ربيته، أو تبعد من أدنيته، أو تشرد من آويته، أو تسلم إلى البلاء من كفيته ورحمته، وليت شعري يا سيدي وإلهي ومولاي، أتسلط النار على وجوه خرت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، وبشكرك مادحة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة، وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبدك طائعة، وأشارت باستغفارك مذعنة، ما هكذا الظن بك، ولا أخبرنا بفضلك عنك، يا كريم يا رب وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها، وما يجري فيها من المكاره على أهلها، على أن ذلك بلاء ومكروه، قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة، وجليل وقوع المكاره فيها، وهو بلاء تطول مدته، ويدوم مقامه، ولا يخفف عن أهله، لأنه لا يكون إلا عن غضبك وانتقامك وسخطك، وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض، يا سيدي فكيف لي وأنا عبدك الضعيف الذليل، الحقير المستكين.

يا إلهي وربي وسيدي ومولاي، لأي الأمور إليك أشكو، ولما منها أضج وأبكي، لأليم العذاب وشدته، أم لطول البلاء ومدته، فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك، وجمعت بيني وبين أهل بلائك، وفرقت بيني وبين أحبائك وأوليائك، فهبني يا سيدي ومولاي وربي، صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك، وهبني صبرت على حر نارك، فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك، أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك، فبعزتك يا سيدي ومولاي أقسم صادقاً لئن تركتني ناطقاً، لأضجن إليك بين أهلها ضجيج الآملين، ولأصرخن إليك صراخ المستصرخين، ولأبكين عليك بكاء الفاقدين، ولأنادينك أين كنت يا ولي المؤمنين، يا غاية آمال العارفين، يا غياث المستغيثين، يا حبيب قلوب الصادقين، ويا إله العالمين.

أفتراك سبحانك يا إلهي وبحمدك، تسمع فيها صوت عبد مسلم، سجن فيها بمخالفته، وذاق طعم عذابها بمعصيته، وحبس بين أطباقها بجرمه وجريرته، وهو يضج إليك ضجيج مؤمل لرحمتك، ويناديك بلسان أهل توحيدك، ويتوسل إليك بربوبيتك، يا مولاي فكيف يبقى في العذاب وهو يرجو ما سلف من حلمك، أم كيف تؤلمه النار وهو يأمل فضلك ورحمتك، أم كيف يحرقه لهيبها وأنت تسمع صوته وترى مكانه، أم كيف يشتمل عليه زفيرها وأنت تعلم ضعفه، أم كيف يتغلغل بين أطباقها وأنت تعلم صدقه، أم كيف تزجره زبانيتها وهو يناديك يا ربه، أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها فتتركه فيها، هيهات ما ذلك الظن بك، ولا المعروف من فضلك، ولا مشبه لما عاملت به الموحدين من برك وإحسانك.

فباليقين أقطع لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك، وقضيت به من إخلاد معانديك، لجعلت النار كلها برداً وسلاماً، وما كان لأحد فيها مقراً ولا مقاماً، ولكنك تقدست أسماؤك، أقسمت أن تملأها من الكافرين من الجنة والناس أجمعين، وأن تخلد فيها المعاندين، وأنت جل ثناؤك قلت مبتدئاً، وتطولت بالإنعام متكرماً، أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون.

إلهي وسيدي فأسألك بالقدرة التي قدرتها، وبالقضية التي حتمتها وحكمتها، وغلبت من عليه أجريتها، أن تهب لي في هذه الليلة وفي هذه الساعة كل جرم أجرمته، وكل ذنب أذنبته، وكل قبيح أسررتُه، وكل جهلٍ عملتُه، كتمتُه، أو أعلنتُه، أخفيتُه، أو أظهرتُه، وكل سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين، الذين وكلتهم بحفظ ما يكون مني، وجعلتهم شهوداً علي مع جوارحي، وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم، والشاهد لما خفي عنهم، وبرحمتك أخفيته، وبفضلك سترته، وأن توفر حظي من كل خير أنزلته، أو إحسان فضلته، أو بر نشرته، أو رزق بسطته، أو ذنب تغفره، أو خطأ تستره، يا رب يا رب يا رب.

يا إلهي وسيدي ومولاي، ومالك رقي، يا من بيده ناصيتي، يا عليماً بضري ومسكنتي، يا خبيراً بفقري وفاقتي، يا رب يا رب يا رب.

أسألك بحقك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك، أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار، بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتى تكون أعمالي وأورادي كلها ورداً واحداً، وحالي في خدمتك سرمداً، يا سيدي يا من عليه معولي، يا من إليه شكوت أحوالي، يا رب يا رب يا رب.

قو على خدمتك جوارحي، واشدد على العزيمة جوانحي، وهب لي الجد في خشيتك، والدوام في الاتصال بخدمتك، حتى أسرح إليك في ميادين السابقين، وأسرع إليك في البارزين، وأشتاق إلى قربك في المشتاقين، وأدنو منك دنو المخلصين، وأخافك مخافة الموقنين، وأجتمع في جوارك مع المؤمنين.

اللهم ومن أرادني بسوء فأرده، ومن كادني فكده، واجعلني من أحسن عبيدك نصيباً عندك، وأقربهم منزلة منك، وأخصهم زلفة لديك، فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك، وجد لي بجودك، واعطف علي بمجدك، واحفظني برحمتك، واجعل لساني بذكرك لهجاً، وقلبي بحبك متيماً، ومن علي بحسن إجابتك، وأقلني عثرتي، واغفر زلتي، فإنك قضيت على عبادك بعبادتك، وأمرتهم بدعائك، وضمنت لهم الإجابة، فإليك يا رب نصبت وجهي، وإليك يا رب مددت يدي، فبعزتك استجب لي دعائي، وبلغني مناي، ولا تقطع من فضلك رجائي، واكفني شر الجن والإنس من أعدائي.

يا سريع الرضا، اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء، فإنك فعال لما تشاء، يا من اسمه دواء، وذكره شفاء، وطاعته غنى، ارحم من رأس ماله الرجاء، وسلاحه البكاء، يا سابغ النعم، يا دافع النقم، يا نور المستوحشين في الظلم، يا عالماً لا يعلم، صل على محمد وآل محمد، وافعل بي ما أنت أهله، وصلى الله على رسوله والأئمة الميامين من آله وسلم تسليماً كثيراً. 

 

(1)  كمال الدين 2/ 387 ـ 390 ب38 ح3، وأصول الكافي 1/ 454 ـ 456 ح4: حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثني سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي، عن أحمد بن زيد النيسابوري عن عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) قال:...

(2)  ارتج: إضطراب.

(3)  التعتعة: التردد في الكلام.

(4) منية المريد 47 و48.

(5)  أمالي الصدوق مجلس 52/ 265 ح11: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، قال: حدثنا أبي، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن علي بن فضال، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن أبان بن عبد الملك، ...

(6)  الخصال 1/ 111 ح83: حدثنا أبي رضي الله عنه قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الأصبهاني، عن سليمان بن داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري،...

(7)  أصول الكافي 2/ 459 ح22: علي بن إبراهيم: عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام ) قال:...

(8)  كمال الدين 2/ 391 ب38 ح5: حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي العمري السمرقندي رضي الله عنه، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه محمد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد،...

(9)  آل عمران: 185.

(10)  مهج الدعوات 310 ـ 311: ...

(11)  الدعاء والزيارة: ص123. ط مؤسسة البلاغ، لبنان.