الفهرس

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

تعطيل المشاريع

وحيث إن البعث جاء إلى العراق لأجل القضاء على العراق وعلى الإسلام عامة وعلى التشيع بصورة خاصة، فقد أوعزت بغداد، ومن مجلس قيادة الثورة بالذات ـ كما نقل لي بعض الثقات الذين كان لهم ارتباط بالمجلس ـ إلى أجهزة كربلاء بتعطيل كل المشاريع الموجودة في كربلاء المقدسة!.

فنصحت الأصدقاء بالتجنب مهما أمكن عن الصِدام، لئلا تتخذ الحكومة منه مبرراً في هذا التعطيل، ولو مبررا اسمياً، فأخذت الحكومة بالضغط المتزايد على كافة المشاريع، مما لا أظن أن له مثيل إلا في روسيا والصين.

فأغلقوا فجأة (مستوصف القرآن الكريم)[1] وأخذت الشرطة تراقبه، لئلا يخرج شيء من أثاثه، لأنها أصبحت ملك الحكومة.

ولماذا؟

حتى المتصرف لا يعلم السبب في ذلك إلا أن الأمر من بغداد.

وكان لنا في المستوصف قريب ثلاثة آلاف دينار من الأثاث والأجهزة الطبية.

ثم تلت ذلك (مدرسة الحفاظ الثانية) للطلاب[2].

ثم (دار القرآن الحكيم) لنشر المطبوعات الإسلامية[3].

ثم (مكتبة القرآن الحكيم) للبيع[4].

كما أغلقوا (مطبعة القرآن الكريم) وجمّدوا موضع المطبعة وهي موقوفة، كنا قد عزمنا أن نجعلها (روضة القرآن الكريم) للأطفال.

وأخذوا يطاردون هيئات الشباب مطاردة هائلة.

كما إن الحفاظ اضطروا لتجميد جملة من نشاطاتهم، كالكشافة، والعارضة، والمناشير، وما أشبه.

وبغلق الدار شلّت الفروع السبعين التي كانت منتشرة في كافة أنحاء العراق.

وكذلك بالاستيلاء على مدرسة (ابن فهد (رحمه الله))[5] أغلقت المشاريع التي كانت مقرها في تلك المدرسة وهي عشرة أو أكثر[6].

كما جمّدت (مكتبة القرآن الحكيم) نشاطاتها المتنوعة، والتي كانت مقرّها تلك المكتبة، كـ (دار الخدمات الإسلامية)[7] وما أشبه.

وكذلك أغلقوا كافة المجلات[8] باستثناء مجلة (أجوبة المسائل الدينية)[9] والتي أغلقوها فيما بعد أيضاً، وإنما كانت تصدر بصورة كتاب، وهي فاقدة الروح والقالب.

وباعت الحكومة أثاث المستوصف والمدرسة بثمن بخس.

حتى إنهم باعوا بسط الصلاة، وقد كانت موقوفة ذات متول خاص، وكان ذلك مكتوباً عليها وكانت التولية بيدي حسب المكتوب عليها.

لكنا حاولنا أن نشتري منها ما أمكن.

وكذلك أخذت الحكومة تطارد المصلين في الصحنين الشريفين، وفي المساجد حتى تقلّصت صلوات الجماعة.

وكذلك أخذوا يطاردون الزائرين تحت ألف اسم واسم حتى خلت العتبات المقدسة إلا النادر من الزوار، اللهم إلا في ليالي الجمعة وبعض الزيارات.

وأخذوا يطاردون الخطباء والمجالس الحسينية بصورة غير مسبوقة، حتى إن جماعة منهم جمّدوا خطاباتهم، كما جمد أصحاب قسم من المجالس مجالسهم خوفاً.

وبالجملة فقد تحولت كربلاء المقدسة من تلك الواحة الخضرة إلى بلقع، كل ذلك تحت شعار (وحدة، حرية، اشتراكية).

نعم كان المفهوم عند العراقيين من هذه الكلمات: وحدة القتلة، وحرية المجرمين، واشتراكية حزب البعث في أموال الناس وأعراضهم، والويل ثم الويل لك، إذا تنفست، بله ما إذا قلت: لماذا؟

فالواجب عليك أن تسبّح بحمد البعث، والرئيس المهيب المناضل أحمد حسن البكر، الذي أصبح من ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ جديداً! ـ بعد أن كان من سلالة ساسون حسقيل.

نماذج من الاستبداد

ليس هذا فحسب، بل خنقت الأصوات إلى حدّ إنك لا تجرأ أن تتكلم حول عصمة كل فرد من الشرطة، أو أعضاء حزب البعث، فكل فرد منهم أصبح معصوماً لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.

إن هذه الأحداث لعلها لا تصدق في المستقبل، لكننا نعيشها الآن، وما نذكره في هذا الكتاب لعل القارئ في المستقبل يمر عليه مرّ الكرام، لكن الجو مكفهر الآن بحيث يتصور الإنسان ان كل ما يكتب فهو قليل.

لماذا تضحك؟!

وقد حدث أمامنا في سوق (الفلجية) المشرف على شارع الإمام علي (عليه السلام) أن طائرة مرّت في سماء كربلاء، فضحك أحد الخفافين حينما نظر إليها ـ ضحكاً فقط ـ واذا بالأمن يقبضه من أطرافه وساقه إلى مركز الشرطة، وهناك بعد أن أنهك ضرباً، قيل له: لماذا تضحك وأنت تنظر إلى الطائرة؟

لابد أنك جاسوس عميل وبألف وسيلة تمكن الرجل وذويه من استخلاصه.

وضع العراق

إن الوضع في العراق الآن وضع شاذ، حتى أصبح العراق كله سجناً كبيراً، بل جهنماً ينطبق على كل متكلم فيه، قوله سبحانه: ((قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ))[10].

فلا حق لأحد له أن يتكلم، بل ولا أن يسكت، وإنما الواجب عليه أن يمدح ويسبح، وقد أضفت أنا هذا البيت إلى شعر الرصافي:

يا قوم لا تتكلموا***إن الكلام محرم

والإضافة هذه:

في كل ما ينتابكم***فالمشتكي هو مجرم

بل سبّحوا مهما رأيتم***من أذى وترنموا

بمآثر البعث العـ***ـظيم فحمده متحتم

أفليس قائدكم صلـ***ـيبي وبكر ضيغم؟

من آل ساسون***فمالك يا عراق تجهّم؟

كتب دار القرآن الحكيم

وقد أرادت الحكومة أن تصادر كتب (دار القرآن الحكيم) البالغة آلاف الدنانير، وكانت ملكاً للناس، لكن شدة الضغط الشعبي أجبرت الحكومة إلى إعادة الكتب إلى أصحابها.

رجال دين مزيفون!

وقد قامت الحكومة بإعداد جماعة وعممتهم وسمتهم رجال الدين، وجعلتهم مرجع الأمور للأمة، وعلى يدهم تحل المشاكل الدينية والعلمية، وقد كانوا قبل ذلك ما بين فرّاش البنك، أو صاحب مقهى، أو حمّال، أو خباز، أو معلم في المدارس الرسمية، أو بين رجل المباحث (السري)، كما خصصت الحكومة لهم راتباً ضخماً لاستهواء ضعاف النفوس من رجال الدين، لكن من حسن الحظ، إن الناس عرفوهم فازدادوا عنهم ابتعاداً مما أوقعهم في أشد الضيق الاجتماعي.

وقد أخذ هؤلاء المعممون المرتزقة لا يقتصرون على مدح البكر والحزب وإنجازات الثورة!، بل تعدّوا إلى مدح عفلق علناً، وأنه الرجل الوحيد الذي خلصنا من الاستعمار، ومدح (عزرايا هو) الذي كانوا يهودياً وعضواً في مجلس قيادة الثورة، بحجة أنه يعرف جيداً خطط الصهيونية، ولذا يدلّنا على درب الكفاح ضد إسرائيل، بينما كان الأول حلقة الاتصال بين الصليبية وبين القادة، والثاني حلقة الاتصال بين الصهيونية وبين القادة.

[1] أنشئ هذا المستوصف لغرض إسعاف المرضى وقد اختير له خيرة الأطباء والمضمدين كما جهز بأحد الآلات الطبية ويقع مقره في البناية الكائنة في شارع الإمام علي (عليه السلام) مقابل المكتبة المركزية العامة، وهو يستقبل المرضى والمعوزين ويكون الفحص والعلاج بأجور زهيدة وهو يعتمد في تكميل نواقصه المادية على تبرعات المحسنين.

[2] تأسست هذه المدرسة بعد تأسيس المدرسة الأولى بشهور وقد تسلم إدارتها بعد أشهر من افتتاحها فضيلة الأستاذ الشيخ جعفر الشيخ هادي (حفظه الله) وهي مكونة من خمسة صفوف من الأول إلى الخامس ودراستها حسب المنهاج الدراسي العام للمدارس وبالمجان وفور افتتاحها تهافت عليها قسم كبير من الشباب والطلبة.

[3] تم تأسيس هذه الدار في كربلاء المقدسة على أساس نشر الوعي الديني وإيصال الكتب الدينية إلى المناطق التي لا يمكن وصول الكتب الدينية إليها، فهي تقوم بتوزيع الكتب بعد أن يتم الاتفاق بين أصحابها وبين الدار لمدة ثلاثة أشهر وباستقطاع 30من الثمن الإفرادي لكل كتاب لغرض توزيعه بين الدار والباعة.

[4] تأسست عام 1385هـ لترويج الكتاب الإسلامي ونشر المؤلفات الدينية في المجتمع وبأسعار رمزية، وقد قام بتأسيسها جماعة من معلمي المدارس، وقد ساهمت هذه المكتبة في نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة، كما استطاعت طبع بعض الكتب في المناسبات الدينية.

[5] مرت ترجمته.

[6] مكتب التوجيه الديني، مكتب الدعاية الإسلامية، دار الخدمات الإسلامية، مكتب سلسلة القرآني يهدي، مكتب مجلة نداء الإسلام، مكتب سلسلة أعلام الشيعة، مكتب صندوق التبرعات، هيئة دعاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، النادي الإسلامي، جهاز الإعلانات.

[7] أنشئ هذا المكتب لغرض القيام بالأمور التالية:

1: توجيه الصحف والمجلات والمؤلفات التي تهاجم الإسلام في أصل من أصوله أو تنقد جانباً من جوانب التراث والتاريخ الإسلامي.

2: الاتصال بالمكاتب والجمعيات والهيئات الإسلامية المنتشرة في العالم والتعرف عليهم للقيام بأي مساعدة ممكنة لهم وذلك كله عن طريق المراسلة، وقد أعد لهذا المكتب مقر في (مكتبة القرآن الحكيم) العامة.

[8] مجلة نداء الإسلام، سلسلة أعلام الشيعة، سلسلة القرآن يهدي، مجلة الأخلاق والآداب، مجلة صوت المبلغين، مجلة مبادئ الإسلام باللغة الانجليزية، مجلة صوت الإسلام، مجلة ذكريات المعصومين (عليهم السلام)، سلسلة منابع الثقافة الإسلامية.

[9] مجلة شهرية تهدف للإجابة على الأسئلة الدينية المطروحة في الساحة من اقتصادية واجتماعية وسياسية وعقائدية وتربوية وعسكرية وغيرها.. وكان للشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (رحمه الله) دور كبير في الإجابة على قسم كبير من الأسئلة، وكانت هذه المجلة تصدر من (المدرسة الهندية الكبرى) في كربلاء المقدسة.

[10] سورة المؤمنون: 108.