الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

من هدي القرآن الحكيم

نتائج الإعراض عن الحق

(فقـد كذبـوا بالحـق فسـوف يأتيهـم أنباء ما كانوا به يستهزؤن)(1).

(من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيمة وزراً)(2).

(وقـد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه)(3).

إيثار الحق والعمل به

 (يا أيها الذين آمنوا كونـوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) (4).

(ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)(5).

(ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون)(6).

التعصب الأعمى

(إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) (7).

(وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)(8).

(أولئك الذيـن لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم ـ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)(9).

الدعوة إلى وحدة المجتمع الإسلامي

(إنّ هذه أمّتكم أمةً واحدة وأنا ربّكم فاعبدون)(10).

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(11).

(فأمّـا الذين آمنـوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمةٍ منه)(12).

من هدي السنة المطهرة

إيثار الحق والعمل به

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):

(السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم ، قلنا: يا رسول الله ومن هم ؟ قـال: الذين يقبلون الحق إذا سمعـوه ويبذلونه إذا سئلوه، ويحكمـون للناس كحكمهـم لأنفسهـم، هم السابقون إلى ظل العرش)(13).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

(يا علي ثلاثةٍ تحت ظل العرش: رجل أحبّ لأخيه ما أحبّ لنفسه ، ورجل بلغه أمر فلم يقدم فيه ولم يتأخر حتى يعلم أنّ ذلك الأمر لله رضى أو سخط ، ورجل لـم يحب أخاه حتى يصلح ذلك العيب من نفسه)(14).

قال الإمام الصادق عليه السلام:

(أن من حقيقة الإيمان أن تؤثر الحق وإن ضرّك ، على الباطل وان نفعك، وأن لا يجوز منطقك علمك)(15).

من صفات الشيعة

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

(شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركةٌ على من جاوروا، سلمٌ لمن خالطوا)(16).

قال الإمام الباقر(عليه السلام):

(إن شيعة علي الحلمـاء ، العلمـاء ، الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية على وجوههم)(17).

قال الإمام الصادق(عليه السلام) :

(شيعتنا أهل الهدى، وأهل التقى، وأهل الخير، وأهل الإيمان، وأهل الفتح والظفر)(18).

المؤمنون أخوة

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):

(المؤمنـون اخـوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم)(19).

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

(الإخوان في الله تعالى تدوم مودتهم لدوام سببها)(20).

قال الإمام الصادق(عليه السلام):

(المؤمن أخو المؤمن، هو عينه ومرآته ودليله)(21).

الاهتمام بأمور المسلمين

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):

(من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم)(22).

قال الإمام الصادق(عليه السلام):

(عليك بالنصح لله في خلقه فلـن تلقاه بعمل أفضل منه)(23).

قال الإمام الصادق(عليه السلام):

(لا يعظم حرمة المسلمين إلاّ مـن عظّم الله حرمته على المسلمين . ومـن كـان أبلغ حرمـة لله ورسوله كان أشدّ حرمة للمسلمين، ومن استهان بحرمة المسلمين فقد هتك ستر إيمانه)(24).

وعنه(عليه السلام) أيضاً قال:

(إنّه من عظّم دينه عظّم إخوانه، ومن استخفّ بدينه استخفّ بإخوانه)(25).

الموعظة والإرشاد

قـال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ بن جبل لماّ بعثه إلى اليمن : 

(واتبع الموعظة، فإنهـا أقوى لهم على العمل بما يحبّ الله، ثم بثّ فيهـم المعلمين ، واعبد الله الذي إليه ترجع ، ولا تخف في الله لومة لائم)(26).

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

(فيالها مواعظ شافيه لـو صادفت قلوباً زاكية وأسماعاً واعية وآراءً عازمة)(27).

الشعور بالمسؤلية

قـال الله تعالى: (لقد جئناكم بالحق ولكنّ أكثركم للحقّ كارهون)(28).

تعدّ المسؤوليات الاجتماعية مـن أصعب الأمور وأهمها ، لأنّها تتطلّب التضحيـة والبذل والعطاء ، وليـس كل الناس قادرين على تفهّمها ، بل إنّ بعضهـم ليسوا على استعداد حتى لبحثها والخوض فيها، ولو كانوا مستعدّين يوماً لتعلّم هذه المسائل، فهم غير مستعدين لإبداء نشاط إيجابي واضح وصحيح للعمل في هذا المجال، لذا نرى أن تأخّر المسلمين في بعض المجالات وبالخصوص فـي مجالات الحقوق، والسياسة، والاقتصاد، والتجارة، ومـا أشبه ، ناشئ من عدم أداء بعضهم للواجب الملقـى على عاتقهم بشكل صحيح ومتقن.

والغريب أن البعض يعتقدون بأنّهم متقدمون في هذا المجال ، ثم يلجأوون لتبرير جهلهـم وتقصيرهم تجاه المجتمع ، ويلقون بالّلوم على عاتـق الآخرين، فـي حين أنّهـم جزء لا يتجزأ من أولئك الأفراد المتأخرين .

فقـد رُوِيَ: (فلا تزلّوا عن الحق فمن استبدل بالحق هلك ، وفاتته الدنيا وخرج منها ساخطاً)(29).

فهناك أفراد فـي المجتمع ـ مثلاً ـ يدرسون إلاّ أنهم لا يأتون بجديد سوى أنّهـم يعتبرون هـذا العمل وظيفة شرعية أو للكسب ، لا وظيفة اجتماعيـة وحيويـة أيضاً ، فـلا يتعرّضون لقضايا الأمة ومشاكلها، لأنّهم لا يريدون أن يتعبوا أنفسهـم ، وحينذاك تكون النتيجة أن يظلّ المسلمون فـي تأخرهم الذي هم عليه الآن، وتظهر المشاكل في ضياع حقوق الناس ، وسيطـرة الأقليّة على الأكثرية أو ما أشبه.

من مشاكل العراق

لقد طالعت الكثير عن ماضي العراق وحاضره، فوجدت أنّ فيه مشاكل قد تكون مشتركة في كل البلاد الإسلامية وقد تكون خاصة به تبعاً لتركيبة الشعب أو لجغرافية منطقته، أو لتاريخه المليء بالأحداث الساخنة والمتميزة، إلاّ أن حقيقة الأمر هي إنّ هناك مشكلتين رئيسيتين موجودتان في العراق:

أولاهما: انعدام الوعي في ميادين السياسة والحقوق وفهم الحياة، وهذا الانعدام جعل الكثير من أبناء الشعب لا يعرف ما يدور حوله من مكائد ومؤامرات استعمارية ..

وثانيهما: سيطرة الأقلية على الأكثرية.

فالمشكلة لا تقتصر علـى سلب الحقـوق ومصادرة تضحيات الأكثرية بل تتعداه إلى أنّ المستفيد مـن هـذه التضحيات هم أناس بعيدون عن الجهاد والتضحية سوى إنّهـم يرتبطون ببريطانيا، وقبلها كانوا يقتاتون على الحكم العثماني ، فهـم يتحينون الفرص الملائمة ليضربوا أصحاب الحق. في حين أن الشيعة يشكلون نسبة(85 ./) مـن مجمـوع الشعب ، وهم الذين وقفوا بوجه الاستعمار البريطاني في ثورة العشرين ومـن قبله العثمانيين وقدّموا الشهداء والتضحيات الجليلة، ولكننا نراهم معزولين ومبعدين عـن الحكم ، ويعانون من الظلم والاضطهاد، فضلاً عن إنّ القانون الديمقراطي الذي يحكم أوسع رقعة جغرافية مـن العالم اليوم، يقضي بأن الاتجاه السياسي والمذهبي للدولة، يجب أن يختاره الشعب طبق ميزان التوزيع، وحق الأكثرية، مع احترام حقوق الأقليات ، فنسبة (85 ./) هي التي يجب أن تحكم في العراق مع احترام الأقليات الأخرى بقدر حقّها الذي أشرنا إليه .

هدف حكام العراق

والسؤال هنا: لو كان هدف صدام هو العمل الحزبي السياسي فقط، وليس التعصب المذهبي ، فلماذا كل هذه المحاربة للشيعة ؟

لماذا هذا التبعيد ؟

ولماذا كل هذه الضغوط على الحوزات العلمية الشيعية؟

وليس هذا منحصراً في صدام وحده، بل كل الذين جاءوا إلى السلطة من ملكيين وجمهوريين، بعثيين وقوميين وشيوعيين ومن على شاكلتهم، مما يكشف عن كون حقيقة الحكم في العراق بشتى صوره وأصنافه قائمة على الاضطهاد المذهبي والتعصب الطائفي .

النصب التاريخي

مـن الشخصيـات التي يرد اسمها فـي التاريخ (عبد المحسن السعدون)(30) وقد تسلّم منصب رئاسة الوزراء في العراق، وكان يتمتع آنذاك بقدرة تامة فـي تنفيذ أوامره، وكان عميلاً معروفاً لبريطانيا، وقد استفادت منه كثيراً في تمرير مؤامراتها على العراق. وأول ما قام به هو إبعاد عدد مـن علماء الشيعة وبعض مراجعهم ، ومنهم المرحوم السيـد أبو الحسن الأصفهانـي(قدس سره) إلـى إيران، لكن نصبه التذكاري لا يزال موجوداً في بغداد ، وان بعض الشيعة هم كذلك لا يسألون ، من هو هذا الشخص؟ وماذا كان؟ وكيف بقي تمثاله قائماً في شوارع بغداد إلى الآن؟

ولا يدرون أنّ هـذا التمثال هو لذلك الشخص ، الذي أبعد المراجع العظام ، وزعماء الطائفة الشيعية الموقرة، من العراق إلى إيران، والشيء العجيـب أن الحكومـات الملكيـة تأتـي ثم الشيوعيون والديمقراطيون والبعثيون ، وهـذا التمثال موجود من دون أن تتعرض له الحكومات المتعـددة بسوء، وذلك لأن كلّ هذه الحكومات التي جاءت إلى السلطة كانت ـ وما زالت ـ تعمل ضد الشيعة ، وهدفها قمع الأكثرية الشيعية ـ قيادات وجماهير ـ وسحق حقوقها. 

التعصب الشديد

ضد الشيعة في العراق

في أيام الحكم الملكي في العراق قرّرنا أن نؤسس مدرسة باسم مدرسـة الإمام الصادق(عليه السلام)، ونظـراً لأن السلطة كانت بيد السنّة ـ الذين يشكلون (12./) مـن الشعب ـ فإن الحكومة رفضت أن تمنحنا الإجازة ، لأنها تعدّ ذلك تقوية للشيعة، وقال أحد المسؤولين: يجب أن تغيروا اسم هذه المدرسة إلى اسم آخر، إلاّ أننا بذلك السعي الحثيث ولمدة ستة أشهر استطعنا أن نبقي اسم المدرسة(مدرسة الإمام الصادق(عليه السلام). أمـا لو كانت المدرسة تحمل اسماً لغير أئمة الشيعة(عليهم السلام) أو لا يرمز إلى التشيع لكانت الإجازة تمنح بفترة قليلة وبلا أتعاب ‍‍!!

وحدة الأمة

قام الإمـام الشيخ محمد تقي الشيرازي(رحمه الله) أثناء قيادته لثورة العشرين ضد قوات الاحتلال البريطانية ، بمحاولة تحقيق وحدة الأمة ، وجعلها قوة متماسكة ضـد الاحتلال ، وإزالة الخلافات من خلال الوحدة بين السنة والشيعة، فـي الحركة السياسية، فوجّه عدة رسائل إلى شخصيات سنية وشيعية، يطلب منها الاتحاد والتعاون.

ففي رسالة بعثها إلى الشيخ جعفر أبو التمن ، بتاريخ 3 رجب 1338ه‍ جاء فيها:

(... سرّنا اتحاد كلمـة الأمـة بغداديـة، واندفاع علمائها ووجوهها وأعيانهـا، إلى المطالبة بحقوق الأمة المشروعة ، ومقاصدها المقدسة ، فشكر الله سعيك ومساعي إخوانك وأقرانك من الأشراف، وحقق المـولى آمالنا وآمال علماء وفضلاء حاضرتكم، الذين قاموا بواجباتهم الإسلامية.

هذا وإننا نوصيكم أن تراعوا في مجتمعاتكم قواعد الدين الحنيف والشرع الشـريف، فتظهروا أنفسكـم بمظهـر الأمة المتينة الجديرة بالاستقلال التام ، المنـزّه عن الوصاية الذميمة، وأن تحفظوا حقوق مواطنيكم الكتابيين الداخلين في ذمة الإسلام، وان تستمرّوا في رعاية الأجانب الغربـاء، وتصونوا نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ، محترمين كرامة شعائرهم الدينية، كما أوصانا بذلك نبينا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والسلام عليكم وعلى العلماء والأشراف والأعيان) .

وجاء فـي رسالة ثانية أرسلها بتاريخ 4 رجب 1338ه‍ إلى الشيخ أحمد الداود أحد علماء السنّة في بغداد:

(... تلقيت بالابتهاج برقيتكم ، فما وجدتها أعربت مقدراً ، ولا أبرزت مستتراً ، هذا ما أعتقده في عامة المسلمين أن يكونوا على مبدأ القرآن ، ومنهج الحق ، وقول الصدق ، فكيف بمن ربّي في حجر العلم ... ولا أرى أنه يسرك أن تراني مقتنعاً بما عاهدت عليه الله وقد أخذ فـي ذلك عليك عهدك من قبل أن يبرأك وليكن التوفيق رائدك في عمل الخير، وكن لساناً ناطقاً بالصواب ، داعياً إلى الشرع الشريف أهله، سالكاً بهم محجته البيضاء ). 

ومـن رسالة أخرى أرسلها الشيرازي في 3 رجب إلى الشيخ موحان خير الله أحد رؤساء عشائر المنتفك جاء فيها:

(... إن جميع المسلمين إخوان ، تجمعهم كلمة الإسلام ، وراية القرآن الكريم والنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالواجب علينا جميعاً الاتفاق والاتحاد والتواصل والوداد، وترك الاختلاف، والسعي فـي كل ما يوجب الائتلاف، وتوحيد الكلمة ، وجمع شتات الأمة، والتعـاون على البر والتقوى ، والتوافق في كل ما يرضي الله تعالى، فإنكم إن كنتم كذلك جمعتم بين خير الدنيا والآخرة، ونلتم الدرجة العلياء، والشرف الدائم والذكر الخالد ...). 

ولكن حينما نستقرئ أحداث ثورة العشرين نرى أن استجابة السنّة لم تكن بنفس المستوى الذي تحرك فيه علماء الشيعة ، وشيوخ العشائر بشكل خاص، والشيعة كأفراد بشكل عام، في مقاومة الإنجليز وعملائهم الداخليين، فقـد ظلّ بعض شيوخ العشائر السنية وبعض علمائها يوالون الإنجليز. 

والسبب فـي ذلك يعود إلى عدم انسجامهم مع فكرة تأسيس حكومة مستقلة في العراق، إذا أنهم كانوا يعلمون بأن من الطبيعي أن تكون الحكومة القادمة شيعية، باعتبار أن القائـد العام للثورة كان شيعياً، بل ومرجعاً دينياً ، وهـو الإمام الشيرازي(رحمه الله) ، ومعه علماء الشيعة، ومركز قوة المقاومة العشائرية بيد العشائر الشيعية، فمن الطبيعي أن تكون الحكومة شيعية أيضا. لذلك اتجه بعض السنّة وقتها إلى موالاة الحكم البريطاني، ضـدّ أبناء شعبهم ودينهم، ليحقّق لهم مطامحهم في الحكم والخلاص من الشيعة، بالرغم من أن هناك تقارباً شيعياً سنياً تحت مظلة الميرزا الشيرازي قد حدث خلال الإعداد للثورة ولكنّه كان تقارباً من بعض السنّة استطاع الإنجليز أن يقيّدوه، ويعملوا على تضييق دائرته ومحاصرته.

ضرورة وعي الاكثرية

من الأشياء العجيبة، والتي تشير إلى عدم وعي بعض الشيعة في العراق، هـو أنّ الحكام الذي توالوا علـى السلطة من فيصل الأول وغازي وفيصل الثاني وعبد الكريم قاسم والأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، والبكر، وصدام، كانوا كلهم من السنّة، وان تلبّسوا بلباس العروبة والإسلام وغيره.

فأين ذهبت نسبـة(85 ./) الذين هم من الشيعة في العراق ، فالالتزام الديني لا يعني ترك الحقـوق وعـدم الاشتغال بالسياسة وما أشبه ، وإن بعض الشيعـة ملتزمون بطقوسهم وعباداتهم التزاماً تاماً ، وان العتبات المقدسة ومراقـد الأئمة الأطهـار(عليهم السلام) ملأى بالزائرين الشيعـة ، وكذلك الجيـش غالبيته من الشيعة ـ عدا كبار الضباط، فانهم مـن السنّة ـ وكل المحافظات العراقية شيعية عدا أربع محافظات وهذه هي أيضاً يوجد فيهـا عدد كبير من الشيعة ، ولكننا نرى بعض الشيعة خلال السبعين سنة الماضية هم أشبه شيء بكرة من طين تعبث بها الأيـدي السنية المتعصبـة دون رحمة. وان الشيعة في العراق لو استمروا على هـذه الحال، فإنهـم سوف يبقون ـ لا سمح الله ـ على هذه الحال من التأخر وضياع حقوقهم ..!!

وعلى هذا لو أن صدام الحاكم الحالي أزيل من السلطة، وجاء شخص آخر هو أيضاً ليس من الشيعة، فربّما سيقول بعض الشيعة: الحمد لله لقد ولى عهـد صدام، وجاء شخص جديد إلى الحكم هو أفضل منه، لكن هذا وبعد أن يحكـم قبضته على السلطة فإنه يفعل ما فعله الذين سبقوه أيضاً. لأن الجوهر واحد في الحكومات الطائفية وإن تبدّلت الوجوه والصور.

قـال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): (من لا يعقل يهن ومن يهن لا يوقّر)(31).

مرض الطائفية

فـي أحد الأيام قمنـا ببناء مسجد في العراق بين منطقة الحر الرياحي وكربـلاء باسم(مسجد المتقين) ، وبينما كنت ذاهباً يوماً لزيارة المرقد المطهّـر للإمـام الحسين(عليه السلام) ، جاءني شخص وأنا في طريقي إلـى حـرم الإمام(عليه السلام) وقـال لي : إن البلدية قطعت التيار الكهربائي عـن مسجد المتقين، بسبب عدم تسديد فاتورة الكهرباء والبالغة ثمانية دنانير وطلب مني تسديد هذا المبلغ.

فقلت له: اذهب وقل لذلك الشخص الذي قـــطع الكهرباء عن الـــمسجد: كيــــف يصحّ أن تبنوا مسجداً للسنّة في كربلاء بمبلغ(250) ألف دينار. في حين أن كربلاء ليس فيها سنّة ليصلوا بهذا المسجد ، لكن من أجل ثمانية دنانير تقطعون التيار الكهربائي عن مسجد شيعي، يستفيد منه كثير من المصلين !!

ألا يعبّر هذا عن مدى الطائفية الحكومية !!.

مداهمات واشغال شاقة

نقل لـي السيـد سلطان الواعظـين(32) صاحب كتاب(ليالي بيشاور) ، أثناء زيارته لكربلاء ، فقال: في زمن عبد الكريم قاسم ، كنت قـد ذهبت إلى حمام في الكاظمين ، حيث كنت وقتها مريضاً جدّاً، وأثناء مـا كنت فـي الحمام كان عدة من الرجال يستحمون أيضاً، وفجأة قام جنودٌ من قبل السلطة بمداهمة الحمام وألقوا القبض علينا ونقلونا فـي سيارة مغلقة إلى وزارة الدفاع، وكان الهواء حينها بارداً جداً، وهناك وضعونا فـي مرآب (33) قذر متعفّن ، فوجدنا هناك الآلاف مـن الذين اعتبروهم إيرانيين، قد وضعوا في حالة يرثى لها، وحينما حـل وقت الظهر حيث كنا جياعاً جداً ، جاءوا لنا(بالرز والمرق) إلاّ أنهـم وضعوه في عربات تدفع بالأيدي ، تستخدم لنقل الطابوق والتراب عادة، وقالوا لنا تحركوا مجموعات مجموعات ، كل مجموعة تقف على عربة وتتناول الطعام استهانةً بنا. 

كان الوضع يجري هكذا في العراق، وكان رئيس الدولة هو عبد الكريم قاسم، ثـم شاهدنا بأعيننا ذلك الشيعي الجاهل، الذي رسم صورة الرسول الأعظـم(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي وسطها صورة عبد الكريم قاسم وإلى يساره صورة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وهـو يربط سيفاً علـى محزم عبد الكريم قاسم، وكانت الصورتان معلقتين على باب الدخول لحرم الإمام أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) بأمر من الحكومة ‍‍!!.

الاطماع الخارجية

كانت المشكلة القائمة بين الدول الكبرى هو تنافسها للاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من العالم. ففي العراق كان الصراع قائماً بين أمريكا وبريطانيا، ففي حقبة من الزمن كانت أمريكا تدّعي بأنها تملك الحق في السيطرة علـى العراق ، ومـرة أخرى تتصدى بريطانيا لهذا الإدعاء، وبقيت هاتان الدولتان تتعاقبان على امتصاص ثروات العراق، وتدمير ما بقي من هذه الثروة .

وقد قرأت إحدى المجـلات ، أنّ كيلو اللحم في العراق أصبح يباع أضعاف مما كان عليه سابقاً، في حين أتذكر أن كيلو اللحم كان يباع سابقاً ب‍ـ(24 فلساً) ، أي ما يعادل(24) رغيف من الخبز ، أما الآن فإن كيلو اللحم يعادل ألف رغيف مـن الخبز، مع العلم أن المعروف عن العراق انه كان مـن الدول المصدرة للّحوم سابقاً ، أما اليوم فقد أصبح مستورداً لها .

كيفية الخلاص من هذه المشاكل

إنّ القرائن الموجـودة ـ بحمد الله ـ تدلّ علـى زوال حكومة البعث في العراق.

وبناءاً علـى ذلك فيجب الاهتمام بعـدة أمور ، لحل مشاكل العراق مستقبلاً:

1 ـ إن الحكومة القادمـة يجب أن تكون بيـد الشيعة ، لأنهم الأكثرية، وحتى لو قيل: إن هـذا الحاكم الفلاني هو إنسان طيّب ومسلم وملتزم حتى بالمستحبات، فلا ينبغي أن ننخدع بذلك، ويجب أن يكون حاكم البلاد شيعيا، لأن الأكثرية في البلاد هم من الشيعة، وأنّ القانون الإلهي والقانون المتعارف عليه دوليّاً يقرّ بذلك ، نعم من الضروري أن نعطي للآخرين حقوقهم بقدر تمثيلهم في الشعب.

2 ـ تصعيد الإعلام ، وبيان ذلك لكل العالم ، بأن العراق يجب أن يكون حاكمه شيعياً، وحينما يطرح ذلك، يجب أن لا يكون هناك خوف مـن أحد ، فيطرح هذا الرأي على جميع الفئات على البقال والخباز والمهنـدس والموظف والعسكري وعلـى غيرهم من شرائح المجتمع، وهؤلاء هم الذين يمثلون(الوحدة القاعدية ) عند السياسي وهـم جماهير الناس، ولهـم مطالب منبعثة من الدين أو القومية أو الاقتصاد، فإنهـا توجب الضغط علـى القوى الكبرى أو الدولة في سياستها خاصة، إيجاباً أو سلباً أو تعديلاً، وأسلوب ضغط الجماهير وإن لـم يكن بشكل خاص، إلا انّه بالنتيجـة يؤثّر على الرأي العام ككل ، وبالتالي الضغط علـى أصحاب النفوذ والقوى ، فإذا كانت الدولة استشاريـة تتفادى سخـط الرأي العام وترضخ لمطالبه. وإذا كانت ديكتاتورية فهـي تتجاهل الرأي العام وبالتالي ستكون نتيجتها السقوط.

إنّ الإعلام والتأثير على الرأي العام سوف يوجد تكاتفاً واسعاً فـي الرأي سيكون بالنتيجة سدّاً بوجه القوى الكبرى ، التي تمنع من تحقيق ذلك.

وقد قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

(من جهل وجوه الآراء أعيته الحيل)(34).

دور الرأي العام في الضغط على الظالم

حينما أخذ المأمون السلطة مـن أخيه الأمين، في خديعة يذكر التاريخ مفرداتـها بالتفصيل، ثم روّج حيلةً معينة انطلت على بعض الشيعة آنذاك بحيث صدّقوهـا، لكنّه حينما جاء إلى السلطة قام بقتل ذرية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن والاهم، وإنّ أكثر القبور المتناثرة لذريـة الرسول فـي إيران والعـراق هـي من فعل المأمون وجلاوزته ، أخيراً عاد المأمون إلى بغداد وكأنه لم يفعل شيئاً . 

وفـي يوم مـن الأيام شاهد يحيى بن أكثم ـ الذي كان وزيراً للمأمون ـ أن المأمون يذرع القصر جيئة وذهاباً ، وهو يقول : مالك يا جُعَل(35) أتحلل وتحرم؟ وكان المأمون يريد بخطابة الخليفة الثاني، ويقول له: هـل لك حـق التحليل والتحريم ؟ يقول يحيى بن أكثم ، فقلت للمأمون: ما هي المناسبة لكلامك هذا؟ فقال المأمون: يا ابن أكثم لماذا حرّم الخليفة الثاني المتعة، في حين أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قـد حلّلها ، أما الآن يا ابن أكثم ، فصدّر أمراً إلى المنادين ، لينادوا بين الناس أنه من الآن فصاعداً قد أجزت حليّة الزواج المؤقت.

يقـول ابن أكثم: فقلت للمأمون: لا تفعل هذا أيها الخليفة، لأنك حينما قتلت الأمين صار لك معارضون ـ وهم أهل السنّة ـ ، ولو أنك فعلت اليوم هذا فإنهم سوف يؤلبون عليك الرأي العام وتثور الناس ضدك وبهذا استطاع أن يخوّف المأمون حتى صرفه عن الرأي. 

فعلينا أيضاً كسب الرأي العام، وقضيتنا قضية الحق أمام الباطل، فنحتاج في هذه المرحلة إلى الإعلام المركّز والصحيح.

يجب أن تكون الحكومة بيد الشيعة

يذكر الشيخ جعفر الرشتي(رحمه الله)، انه كان قبل ثمانين سنة، وفي زمان لم تكن الجنسية التي جـــاء بها الاستعمـــار لبــلادنا قد عرفت بين الناس؛ كان هناك جسر علـى طريق بغـداد قبل الوصول إلى مدينة كربلاء بفرسخ واحد، وكذلك كان على طريق(كربلاء ـ النجف) مكان يدعى ب‍ـ(بخان الهندي)، وهو يبعد عن كربلاء فرسخاً واحداً كذلك، يقول الشيخ الرشتي : وكان الزوّار في ذلك الزمان لكثرتهم ينامون علـى امتداد جانبي هـذا الطريق، أي من الجسر الأبيض حتى كربلاء ، ومن كربلاء حتى خان الهندي في الطرف الآخر من المدينة. فانظر كم كان عدد الزائرين آنذاك؟ 

وهنا نتساءل: أين ذهبت تلك الأعداد من الزوار؟

والجواب: لما أحكمت الحكومات السنية المتعصبة قبضتها على الشيعة، قامت بمنع كل هذه الجموع من الشيعة، ومنعتهم من زيارة إمامهـم أبي عبـد الله الحسين(عليه السلام)، وسائـر الأئمة الأطهار(عليهم السّلام)، وذلك أما باستخدامهم القوة والبطش، أو بإدخال الأفكار الغربية إلـى عقـول بعض السذّج لكـي يصرفوهم عن أئمتهم، إذ يروّجون لهـم بأن هذه الأعمال والشعائر هي من الخرافات، وتقف حائلاً أمام التقدم والحضارة (المستوردة) وغيرها من الدعاوى الباطلة.

إيجاد الديمقراطية في العراق

كما يجب أن يكون الحكم في العراق قائماً على أساس إعطاء الناس حقوقهم، وأن يعمل بالشورى والمشورة، وأن تعطى للأحزاب الإسلامية حرية العمل والتنافس، وأن يكون لها الحق في نقد الحكومة، وحينـذاك سوف لا تكـون الحكومـة قادرة حتى على قتل خمسة أشخاص بالباطل، كمـا رأينا ذلك بأعيننا، حينما كانت التعددية الحزبية هي الحاكمة.

أمـا إذا جاءت إلى السلطة حكومة ديكتاتورية فسيؤول وضع العراق من سيئ إلى أسوأ.

اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بهـا الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة.

 

1 ـ سورة الأنعام: الآية 5.

2 ـ سورة طه: الآية 100.

3 ـ سورة البقرة: الآية 75.

4 ـ سورة النساء: الآية 135.

5 ـ سورة الأعراف: الآية 89.

6 ـ سورة الأعراف: الآية 159.

7 ـ سورة الفتح: الآية 26.

8 ـ سورة البقرة: الآية 206.

9 ـ سورة محمد: الآيات 23-24.

10 ـ سورة الأنبياء: الآية 91.

11 ـ سورة آل عمران: الآية 103.

12 ـ سورة النساء: الآية 175.

13 ـ مستدرك الوسائل: ج11 ص308 ح3 ط قم.

14 ـ تحف العقول: ص7 .

15 ـ بحار الأنوار:ج67 ص106 ب48 ح2 ط بيروت.

16 ـ الكافي (أصول): ج2 ص236 ح24 ط3.

17 ـ الكافي (أصول): ج2 ص235 ح20 ط3.

18 ـ الكافي ( أصول): ج2 ص233 ح8 ط3.

19 ـ تحف العقول: ص30 ط5.

20 ـ تصنيف غرر الحكم : ص422 ط1.

21 ـ بحار الأنوار: ج71 ص237 ب 15 ح38.

22 ـ الكافي (أصول): ج2 ص162 ح1 ط3.

23 ـ الكافي (أصول): ج2 ص164 ح3 ط3.

24 ـ بحار الأنوار: ج71 ص227 ب 15 ح21.

25 ـ بحار الأنوار: ج71 ص303 باب 20 ح41.

26 ـ تحف العقول ص19 ط5.

27 ـ تصنيف غرر الحكم: ص224 ص1.

28 ـ سورة الزخرف: الآية 78.

29 ـ بحار الأنوار: ج67 ص179 ب52 ط بيروت.

30 ـ تسلـم رئاسة الوزراء فـي العراق فـي عهـد الملك فيصل الأول، بتاريخ 20/11/1922م ، بعـد استقالة حكومة عبد الرحمن النقيب. وكان السعدون متحمساً لإجراء انتخابات المجلس التأسيسي، والمعاهدة العراقية البريطانية، التي كانت من صنيعة بريطانيا ، فوقفت بريطانيا إلى جانبه ، ومعها الملك، في سبيل ضرب المعارضة الدينية المتمثلة بالمراجع العظـام ، أمثـال السيد أبو الحسن الأصفهاني، والميرزا النائيني، والشيخ مهدي الخالصي والعشائر العراقية.

ولأجل قمع المعارضة قام السعدون بتسفير الشيخ الخالصي وأولاده إلى جدة والسيد أبو الحسن الأصفهاني والميرزا النائيني وجماعة مـن العلماء آنذاك إلى إيران، ويبلغ عددهم(26) عالماً.

راجع كتاب تاريخ العراق السياسي ل‍ـ(لطفي جعفر فرج) ص87.

31 ـ تصنيف غرر الحكم: ص55.

32 ـ آية الله السيد محمد الموسوي الشيرازي ، يقول مترجم كتابه (ليالي بيشاور) السيد حسين الموسوي ص4 ما لفظه ولقد أدركت مؤلف هذا الكتاب المرحوم آية الله السيد محمد(سلطان الواعظين) وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظه.

فلقـد كان رحمة الله عليه رجلاً ضخماً في العلم والجسم ذا شيبة وهيبة، وكان جسيماً وسيماً ذا وجه منير، قل أن رأيت مثله، وكان آنذاك يناهز التسعين عاماً  من عمره الشريف، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران، حيث عُطّلت أسواق عاصمة إيران لوفاته وخرجت حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة، ورفعت الرايات والأعلام السوداء معلنة ولائها وحبها لذلك العالم الجليل والسيد النبيل.  

33 ـ مرآب: مكان لإصلاح السيارات والدراجات وإيواءها .

34 ـ تصنيف غرر الحكم: ص443.

35 ـ الجعل: حيوان يحب اللعب بما يخرج مـن بطن المواشي فيجعل منه كرات ثم يتدحرج عليها.