الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

تبحث هذه الرسالة عن كيفية تشكيل الدولة الإسلامية العادلة، وكيف أن الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شكل هذه الدولة في المدينة المنورة، وإن كان أساس هذه الحكومة منذ أيام الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة.

 فقد قامت الدولة الإسلامية العادلة في المدينة ابتداءً على قيام الروابط الحسنة مع جميع الأديان حتى مع اليهود، فقد كان الإسلام دائماً ديناً سمحاً يؤمن بحرية العقيدة ومبدأ التعايش السلمي بين معتنقي المبادئ المختلفة ويعتبر أهل الكتاب متساويين مع بنيه في الحقوق والواجبات بطريقة أو بأخرى…

هذا وقد حاول اليهود مراراً أن يكيدوا مكائد شتى للدعوة الإسلامية ولأصحابها، وخاصة حينما رأوا زحفها الباهر وانتصاراتها الرائعة، فأخذوا ينشرون الأراجيف تارة، ويثيرون العصبيات القديمة بين العرب تارة أخرى، أو يدبرون المؤامرات لاغتيال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يناصرون أعداءه، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مع ذلك ـ عقد معهم المواثيق والمعاهدات حتّى يعيشوا إلى جوار المسلمين في أمان وسلام، فلا عدوان ولا خيانة ولا غدر.

هكذا فعل (صلى الله عليه وآله وسلم)  مع يهود "بني قريظة" و"بني النضير" و"بني القينقاع" وغيرهم(1)، لكنهم أبوا إلا إثارة الفتن والدسائس وناصروا المشركين المعتدين في عدوانهم على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة الأحزاب وفي غزوات أخرى.. ولم يردعهم عن ذلك عهود أو مواثيق، ولم يرجعوا عن غيهم وخيانتهم، مما اضطر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بإبعادهم عن المدينة المنورة من دون أن يقتلهم أو يسجنهم أو ما أشبه.. وذلك دفاعاً عن العهود المعتدى عليها، ودفاعاً عن حرمات المسلمين ومستقبلهم وحفاظاً على الدعوة الخالصة التي أمره الله بنشرها بين أرجاء العالمين دون تفرقة بين لون ولون، وجنس وجنس، ودين ودين.

و هكذا كانت أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسنة طيبة مع النصارى ومع المجوس بل ومع المشركين أيضاً.

وكان النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي من أهم العناصر الأساسية في تشكيل الدولة الإسلامية، فقد تم استحداث النظام التعليمي لإعداد وتهيئة المعلمين وقرّاء القرآن ونشر الفقه والثقافة الإسلامية، فيما تم العمل على إيجاد نظام قضائي يتم بموجبه تعيين الحكام والقضاة، كما اهتم بالنظام الحربي لحفظ الأمن والدفاع عن الوطن الإسلامي من هجمات الأعداء، وذلك بإعداد مجموعة تتولى الحراسة وتراقب تحركات الخصوم وتفتيش الطرق المؤدية للنفوذ، بالإضافة إلى تهيئة قوة عسكرية تستطيع أن تنفذ إلى مواقع العدو في حالة المساس بأمن الدولة الإسلامية، كما أنشأ حركة الخيالة لأجل الاطلاع على التحركات، كما أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين بالتقدم التجاري والصناعي.

وهذه الشؤون المهمة التي تم تشكيلها في الدولة الإسلامية، هي جزء من اختصاص النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دولة المدينة، وكانت هذه المعايير سبباً في حفظ أبعاد النبوة والرسالة مع بساطتها، وكانت تتحاشى الآداب والرسوم الحكومية، فكان التمدن الإسلامي الذي يشار إليه قد قامت دعائمه وشيدت أركانه في دولة المدينة المنورة.

وهذه نبذة عن (أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة) وهي أسوة وقدوة لجميع الحكومات في عالم اليوم وخاصة الإسلامية منها، نسأل الله أن ينفعنا بها ويوفقنا لها وهو المستعان.

قم المقدسة   

محمد الشيرازي  

 

1 ـ للتفصيل راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج1-2 للإمام المؤلف (دام ظله).