الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

تنظيم الأمور المالية في دولة المدينة

شرعت الجزية بعد خمس الغنائم، فالجزية على أهل الكتاب، والزكاة وخمس الغنائم وأرباح المكاسب على المسلمين.

وما جاء في السيرة والتاريخ يدل على أن تشكيلات الجباية (أخذ الزكاة) كانت في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد نزول الآية الكريمة:  (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم )(1).

وقد توسعت هذه التشكيلات بعد تشريع الزكاة.

ويفهم من الروايات: أنه كان في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده مركز اقتصادي اسمه (بيت المال) يجمع فيه الوجوه الشرعية من الزكوات وغيرها ويصرف في مصالح المسلمين.  

الجزية أو الضريبة المالية الخاصة

 بأهل الكتاب

الجزية في الإسلام هي الضريبة المالية التي تأخذها الدولة الإسلامية من أهل الكتاب حتى يكون لهم التأمين على الحياة والمال، وحرية المذهب والعقيدة، فالجزية كأموال الخمس والزكاة التي تستوفى من المسلمين، فالجزية كانت في صالح أهل الكتاب وكان مقدارها قليلاً جدا.

ومن فوائد ذلك: إن أهل الكتاب عبر اتصالهم بالمسلمين يكونوا قد تعرفوا على الأحكام والمعارف الإسلامية وبالتدريج يتجهون إلى الإسلام دون إراقة دماء.. والدولة في المقابل تحافظ على الدماء والأعراض والأموال لأهل الكتاب.  

جزية سائر الكفار

وإني أتصور ـ وإن لم يكن مشهوراً ـ  ان غير أهل الكتاب من سائر الكفار، يجوز أن تؤخذ منهم الجزية أيضاً.

فقد كان تحت لواء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المشركون كما كانوا في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) كما في نهج البلاغة.

فهل أنه لا يؤخذ شيء منهم إطلاقا مع أنه يؤخذ من أهل الكتاب أو يؤخذ لحفظ أموالهم وأعراضهم ودمائهم؟  

  إدارة الغنائم الحربية

روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عين معقب بن أبي فاطمة وأناط به مسؤولية ضبط الغنائم والمحافظة عليها.

إضافة إلى ذلك فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد عين مسؤولين معينين لخمس الغنائم يتولون ضبط الغنائم وكتابتها والحفاظ عليها بدقة كاملة.

وأيضاً فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصرف الغنائم على الاحتياجات، ومنها: ما كان يصرفها على عمال ضبط الغنائم، أمثال: عبد الله ابن كعب، ومحمد بن جزر.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عين سواد بن غزية الأنصاري لضبط أموال خيبر وخراجها، وكان يطلب منه تقريراً عن كيفية العمل.  

الزكاة أو الضريبة الإسلامية

إن تشريع الزكاة في النظام المالي للدولة الإسلامية قد أحدث تحولاً كبيراً، فجمع الزكاة كان بحاجة إلى تشكيل مؤسسة تقوم بوظيفتها بشكل دقيق ومنظم وإلى العمال لإحصائها، وكانت هذه المؤسسة متشكلة من: عمال الزكاة (الجباة)، والمحاسبين (الخارصون)، و(الكتّاب)، ومن هذه الجهة فإن التشكيلات المالية المتعلقة بالزكاة كانت بحاجة إلى ثلاثة أقسام من الموظفين إن صح التعبير.

جمع الزكاة والوجوه الشرعية

من إحدى وظائف المسلمين هي إيتاء الزكاة وسائر الوجوه الشرعية، ومن جملة وظائف ولي أمر المسلمين الذي هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين من بعده (عليهم السلام) جمع هذه الوجوه الشرعية وإيداعها في بيت مال المسلمين.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعير اهتماماً كاملاً ودقيقاً لهذا الجانب، وكان يراقب بدقة كاملة جميع عماله الذين اختارهم لهذه المهمة حتى لا يرتكبوا خطأ ويستغلوا موقعهم الذي هم فيه.

فقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد عين رجلاً من قبيلة الأزد لجمع الزكوات والصدقات الواجبة، فلم يتصرف بالشكل المطلوب، فأغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: (في أي وضع هذا الرجل… كل من نوليه أمراً، فهو يتولانا ويعيننا، فهذه مسؤولية يوم القيامة يحاسب عليها، حتى ولو كانت حيوانات، ثم رفع بيديه إلى السماء وقال: اللهم قد بلغت).

وهكذا كان وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ففي كتاب المقنعة عن بريد العجلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) مصدقا من الكوفة الى باديتها فقال: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله ولا تؤثر دنياك على آخرتك، وكن حافظاً لما ايتمنتك عليه، راعياً لحق الله عزوجل، حتى تأتي نادي بني فلان، فاذا قدمت فانزل بمائهم من غير ان تخالط بيوتهم، ثم امض بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم، ثم قل: يا عباد الله أرسلني اليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه الى وليه، فإذا قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، وان أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير ان تخيفه او تعده الا خيرا، فإذا أتيت ماله فلا تدخله الا بإذنه، فان أكثره له، وقل: يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك؟ فإذا إذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين)الحديث(2).

تشكيل الإدارة المركزية للزكاة(المستوفي)

قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتشكيل الإدارة المركزية للزكاة في أيام الحكومة الإسلامية في المدينة المنورة، والتي عرفت بعد ذلك في التمدن الإسلامي بـ(المستوفي)، وكانت وظيفة العامل المستوفي هي جمع الأموال الزكوية من العمال والإشراف عليها، ومن ثم تحويلها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقد كتب المؤرخون: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استخدم بعض الموظفين لتخمين الفواكه، مثل: عبد الله بن رواحة، وجبار بن صخر، وسهل ابن أبي حثمة، والصلت بن معدي كرب، وذكروا: أن حذيفة بن اليمان كان محاسباً لزكاة التمر، وعتاب بن اسيد كان محاسباً لزكاة العنب، وعروة بن عمرو، وعامر بن ساعدة كانا محاسبين لزكاة التمر في المدينة أيضاً.

وذكرت المصادر التاريخية أنه قد عهد إلى الزبير بن العوام، و جهيم بن الصلت كتابة مسائل الزكاة.

وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بريدة الأسلمي وأوصاه بقوله: (أيما عامل استعملنا وفرضنا له رزقاً مما أصاب بعد رزقه فهو غلول).

وفي رواية أخرى: (من كان لنا عاملاً فليكتب زوجه، فإن لم يكن له خادم فليكتب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتب مسكناً).

هذه الموارد تدل دلالة صريحة على دقة النظام الإداري في دولة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحفاظ على بساطة الدولة وعدم الروتين الإداري.

مكان حفظ الأموال الزكوية

يستفاد من المصادر التاريخية أن الأموال الزكوية (الجمال، البقر، الشياه، الغلات، الحبوب، وأموال اخرى من قبيل الغنائم والجزية) كانت تحفظ في  أماكن ومحلات خاصة..

فوجود مثل هذه الأماكن في الدولة الإسلامية لغرض حفظ أموال الدولة ضرورة حتمية، فليس من الصحيح أن تحفظ أموال الدولة في المنازل الشخصية وبدون أي إشراف ومراقبة.

الأوقاف والصدقات العامة

روى الواقدي وابن سعد وابن شبة في (تاريخ المدينة المنورة)(3):

ان رجلاً من يهود المدينة يسمى (مخيريق) أو (سلام بن مشكم) أسلم وجاء مع جيش الإسلام إلى معركة أحد وأوصى بأمواله للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قتل فيها.. حتى توضع بساتينه تحت تصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليعمل بها بأمر ربه، فقتل هذا الرجل في المعركة المذكورة ودفن إلى جنب مقبرة المسلمين.

فهذه البساتين السبعة كانت من جملة الأموال المخصوصة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي وهبها إلى ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأمر من الله سبحانه وتعالى.

وقد روى الحر العاملي (رحمه الله) عن الإمام الباقر (عليه السلام): (ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوصى فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأن تحتفظ بأموال الإرث وتسلمها إلى علي (عليه السلام)، ثم سلمها علي (عليه السلام) إلى الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثم انتقلت إلى الولد الأكبر من ولد الحسين (عليه السلام)).

والظاهر إن المراد به: الأئمة (عليهم السلام).  

تتمة

1 ـ سورة التوبة: 103.

2 ـ  المقنعة ص255 باب الزيادات في الزكاة، الحديث 28.

3 ـ  راجع (مقتطفات من تاريخ المدينة المنورة) ص 40 للإمام الشيرازي دام ظله.