الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

المحافظة على الأمن

يظهر لمن طالع التاريخ السياسي وتتبع المصادر ان النبي (صلى الله عليه  وآله وسلم) كان له اهتمام خاص بمراقبة النشاطات وأعمال الممثلين السياسيين وأمراء الجيوش، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرسل بعض رجال الأمن للإطلاع على تلك الأوضاع والنشاطات التي يمارسونها، فإنه كما ذكرنا في الفقه: لا يجوز التجسس في الإسلام إلا على الطبقة الحاكمة حتى لا يخلوا بوظائفهم، وإلا على الأعداء(1) وقد جاءت الرواية: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بعث جيشاً فعين لهم أميراً بعث معه من ثقاته من يراقبه.

وكنموذج حي لذلك، تفقّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عامله على البحرين : العلاء الحضرمي، بعد أن شكاه أهل تلك الديار ـ عبد القيس ـ وعين أبان بن سعيد خلفاً له، وأوصاه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): استوح بعبد القيس خيراً، أكرم سراتهم.

وكان يستوفي الحساب على العمال محاسبتهم على المستخرج والمصروفة.

وفي عهد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) كما هو مذكور في "نهج البلاغة": (ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حَدوة لهم على استعمال الأمانة ،والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه)(2).

وكتب الإمام علي (عليه السلام) إلى عامله (كعب بن مالك) يقول: (أما بعد، فاستخلف على عملك، وأخرج طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة على كورة فتسألهم عن عمالهم، وتنظر في سيرتهم).

التعايش السلمي

في ظل الدولة الإسلامية

ذكر القرآن الكريم الأديان الموحدة في موارد منها :

1: قال تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (3).

2: وقال سبحانه: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد )(4).

التعامل مع النصارى  

فجاء خطاب القرآن ورسائل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسيحيين بلغة العطف والملائمة، سواء كان ذلك مع مسيحيي الحبشة الذين هاجر إليهم المسلمون، أو مع مسيحيي نجران الذين أبوا أن يباهلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد أشار القرآن الكريم إلى المسيحيين بأنهم أهل عاطفة وتودد، وربما أثنى عليهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظمة تعاليم السيد المسيح (عليه السلام) التي بشرت برسالة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعت أتباعه إلى المحبة والرأفة والتي كان لها التأثير البالغ في نفوس الأتباع، لذا فإن الرهبان وأتباع السيد المسيح (عليه السلام) الواقعيين تراهم ـ عادة ـ أصحاب عاطفة وقلوب نقية، ومحبة صادقة، وطبيعي أن للمحبة تأثير بالغ في شخصية الإنسان ولطافة الروح، وهذا عامل مهم يحسب له حسابه.

ويشير القرآن الكريم إلى المسيحيين بقوله تعالى:  (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون )(5).

ولما هاجر المسلمون الأوائل إلى الحبشة:  ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النجاشي بأجمل الصفات حيث قال: (ولو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)(6).

وفي رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رؤساء المسيحيين، ومن ضمنهم النجاشي، أخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) يمجد السيد المسيح وأمه مريم (عليهما السلام)، وفي خاتمة رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤكد للنجاشي أنه يريد له الخير والعزة والرفعة: (وإني أدعوك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبل نصحي، والسلام على من اتبع الهدى)(7).

وبعد أن يأس المسيحيون في نجران من مباهلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) لما وجدوا في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من عظم شأن ومقام عند الله، وقالوا إن محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) شخصيات رفيعة ومقربة عند الله ولا يمكن مباهلتهم، عقدوا معه  (صلى الله عليه وآله وسلم) صلحاً يدفعوا الخراج والضريبة، وكان مسيحيو نجران يطبقون قوانينهم ومعتقداتهم بكل حرية ودون أي تعسف واضطهاد من قبل المسلمين.

يقول الكاتب المسيحي جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي" بعد بحث مفصل عن أسباب انتصار المسلمين.. فيصل إلى النتيجة التالية:

بأنه لم يتسلط أو يستول المسلمون على الآخرين من أتباع الأديان الأخرى بالسيف، وحتى أن الناس في المناطق التي فتحها المسلمون كانوا يفضلون الحاكم المسلم على حاكمهم ويرجحونه عليه، والجزية التي كانت تدفع للمسلمين لا تساوي شيئاً إذا قيست بمجموع الضرائب التي كان يستوفيها منهم حكام الروم وفارس، ويشهد لذلك الرسالة التي بعثها المسيحيون الذين يسكنون باب الدروازة في الأردن عند فتح المسلمين لها:

(أيها المسلمون! نحن نرحب بكم ونرجحكم على من هم من جنسنا، فأنتم تركتمونا لوحدنا، وأبديتم لنا المحبة والرحمة لنباشر طقوسنا بكل حرية وانطلاق، ولم يبد منكم ظلم وأذى لنا، فحكومتكم لنا أفضل بمراتب من حكومة الآخرين الذين أغاروا على أموالنا، واستولوا على دورنا).

التعامل مع اليهود  

أما اليهود فقد كانوا على عكس ذلك، فإن الأيادي البيضاء التي لله على اليهود، ونطقت بفضلها كتب السماء… أورثهم الأرض… فضلهم على العالمين … نجاهم من الجبابرة… خصهم بالأنبياء والحكماء والمصلحين...

لكن اليهود أساءوا تماماً فهم الحكمة الإلهية الكامنة في هذا الكرم الإلهي العظيم… فقتلوا أنبياءه وخانوا أماناتهم، ولم يزدهم حلمه إلا جحوداً واستكباراً… هكذا كانوا مع الله.. فهل ينتظر منهم أن يكونوا خيراً من ذلك مع خلق الله؟

لقد حلل القرآن الكريم الخلق اليهودي ووصف ما انطوى عليه ذلك الخلق من الانحطاط، وليس المقصود إحصاء كل الذي نزل في اليهود، وإنما نكتفي بذكر جانب من الآيات الكريمة التي نزلت منذ أربعة عشر قرناً لتظل شاهدة أبد الدهر على ان اليهود لا يغيرون ما بأنفسهم من الصفات القبيحة والعادات الذميمة..

نعم كان منهم أناس على الفطرة وآمنوا برسول الله وهكذا آمن جماعات منهم طول التاريخ الإسلامي وصاروا من المسلمين المؤمنين ولكن الكلام في الطابع العام.

1: قال تعالى:  (لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر )(8).

2: وقال سبحانه : ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )(9).

3: وقال تعالى:  (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون )(10).

4: وقال سبحانه:  (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) (11).

5: وقال تعالى: ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) (12).

6: وقال سبحانه:  (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) (13).

هذا وقد كان تعامل الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع اليهود بأحسن ما يمكن، وفي قمة الأخلاق، فقد أكرمهم وعفى عنهم وضمن لهم  الحرية في مختلف جوانب حياتهم واقامة شعائرهم و..فكان ذلك سبباً في اسلام كثير منهم ، وقد فصلنا ذلك في بعض كتبنا(14).

لقد وقى الله النزعة القومية المتعصبة، ووقاه شر إكراه الناس على اعتناق مبادئه أو التنكيل بالمخالفين له في الرأي، فقد كان الإسلام دائماً ديناً سمحاً يؤمن بالحرية العقيدية ومبدأ التعايش السلمي بين معتنقي المبادئ المختلفة، ويعتبر أهل الكتاب متساوين مع بنيه في الحقوق والواجبات بطريقة أو بأخرى.. حتى قال فيهم (صلى الله عليه وآله وسلم): (من آذى ذميا فقد آذاني)(15).

معاملة الزردشتيين

يعد الزردشتيين كاليهود والمسيحيين من أهل الكتاب، والقرآن جعلهم بمستوى أهل الكتاب، كما وردت بعض الأخبار والروايات الإسلامية في عد المجوس من أهل الكتاب(16)، منها: ما ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)(17).

فعلى هذا يكونون مشمولين أيضاً بمعاهدة الذمة وفي الاعتبارات الحقوقية والاجتماعية لا يختلفون عن أهل الكتاب.

فإن لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عقد مع المجوس عهداً مباشرة، فقد أمر مبعوثه العلاء بن الحضرمي أن يعقد معهم عهداً في البحرين، وكان يأخذ منهم الجزية، كما سبق.

إضافة إلى روايات أخرى وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن علي (عليه السلام)، في جواب أهل مكة الذين طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقبل منهم الجزية مقابل بقائهم على عبادة الأوثان والأصنام، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): "لم أقبل الجزية إلا من أهل الكتاب"، ثم خاطب أهل مكة الذين اعترضوا على قبول الجزية من المجوس ولم يقبل منهم، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كان للمجوس نبي وقد قتلوه، وأيضاً كان لهم كتاب سماوي قد نزل عليهم وقاموا بإحراقه، وقد عرض عليهم نبيهم كتابه السماوي في اثني عشر جلد من جلود البقر.

وقال علي (عليه السلام) بشأن المجوس: (أنا أعلم الناس بأحوال المجوس، كان لهم كتاب يقرؤونه، وكانوا يستفيدون من علم النبوة، ثم نظف من قلوبهم).

ومن هذه الروايات فقد صرح المشهور من الفقهاء بعدم قبول الجزية وعهد الذمة من أي فريق عدا اليهود والنصارى والمجوس، حتى أن العلامة الحلي (رحمه الله) جوز النكاح الموقت في نساء المجوس، ورآه جائزاً.

 

1 ـ راجع كتاب (إذا قام الإسلام في العراق) ص67-69، للإمام المؤلف دام ظله.

2 ـ نهج البلاغة: الكتاب 53 المقطع 75-77.

3 ـ سورة البقرة: 62.

4 ـ سورة الحج: 17.

5 ـ سورة المائدة: 82.

6 ـ راجع بحار الأنوار:ج18 ص412 باب4، وفيه: (إن بها ملكا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عز وجل للمسلمين فرجا).

7 ـ راجع بحار الأنوار: ج18 ص419 باب4 ح5، وفيه: (فإني أدعوك وجيرتك إلى الله تعالى وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى).

8 ـ سورة الحشر: 14.

9 ـ سورة المائدة: 24.

10 ـ سورة المائدة: 70.

11 ـ سورة الأنفال: 56.

12 ـ سورة الجمعة: 6.

13 ـ سورة الأعراف: 152.

14 ـ راجع كتاب (لأول مرة في تاريخ العالم) ج1 و2، و(مقتطفات من تاريخ المدينة المنورة) و..

15 ـ الصراط المستقيم ج3 ص13 باب12.

16 ـ راجع بحار الأنوار ج10 ص119 باب8 ح1، وفيه: (قال الأشعث بن قيس يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله تعالى عليهم كتابا وبعث لهم نبيا اللئالي ج2 ص99 ح273، وفيه: (في أخبار أهل البيت(عليهم السلام): إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فحرفوه لهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سنوا بهم سنة أهل الكتاب)  

17 ـ راجع غوالي اللئالي ج2 ص99 ح273، وفيه: (في أخبار أهل البيت (عليهم السلام): إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فحرقوه لهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سنوا بهم سنة أهل الكتاب.