الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

لقد أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أول حكومة إسلامية عالمية في المدينة المنورة، وكانت تلك الحكومة الصغيرة الحجم الكبيرة المعنى مؤسسة على أمرين:

1 ـ النفسيات الرفيعة التي نفحها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسلمين الأولين، حيث بالرغم من أنه كان فيهم عدة من المنافقين، لكن المخلصين منهم كانوا كثيرين يمكن الاعتماد عليهم.

ولذا تمكنوا تحت قيادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الرشيدة من النهوض بأعباء المهمة الموكلة إليهم، فكان الأساس الاعتقاد بالله واليوم الآخر، والإذعان بأن الإنسان مهما عمل من شر أو خير فسيجزى به، وأن اللازم تطهير النفس من الكبر والحسد والأنانية والجبن والبخل، وأن اللازم عمارة الأرض ومعاونة الآخرين، والتقدم بالحياة إلى الأمام، ووجوب إعلاء كلمة الله وإنقاذ المستضعفين من براثن المستكبرين، وأن الإسلام لا بد وأن ينتصر، ولزوم الشورى في كل شيء والنظر إلى الدنيا باعتبارها قنطرة الآخرة ومزرعة الدار الباقية وأن اللازم إطلاق حريات الناس كلهم، كما أن اللازم أن يعيش الإنسان حراً فلا يرضخ للظلم، ووجوب أن يطيع الإنسان الله في كل كبيرة وصغيرة، والتهيّؤ للجهاد في كل آن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وعلى مثل هذه الأسس النفسية بنى الإنسان المسلم نفسه، ولذا تمكن أن يغير التاريخ، لأن العمل لا يكون إلا من منطلق النفس.

2 ـ العمل التضحوي الجادّ النشط الذي لا يعرف الكلل، فكان المسلم لا يهتم بأي شيء في سبيل الله وفي سبيل العمل على إنقاذ عباد الله وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكان الشعار العملي للمسلم: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره) ومن البديهي أن الإنسان الذي لا يهتم بكل هذه الأشياء وله تلك النفسيات الرفيعة، يتمكن أن يسير في الحياة إلى الأمام بخطى سريعة ومتينة.. وهكذا كان.

ولقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان للمسلمين هذه النفسية، وهذا النوع من العمل وحدثت هنّات ومشاكل انتهت إلى سقوط الدولة الإسلامية على يد معاوية وخلفائه حيث أخذوا يطاردون الإسلام والمسلمين، وبعد بني أمية أخذ بنو العباس يعملون نفس عمل بني أمية مما سبّب كبوة المسلمين إلى هذا اليوم.. ولقد كان المنهج العام في البلاد هو الإسلام، ونظامه قرآنه، وسنّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنه من الواضح أن الدولة إذا انحرفت عن الإسلام سببت مشاكل لا تعد، ولولا قوة الإسلام الذاتية، وبقاء قرآنه غضاً طرياً، وكثرة كبيرة من المسلمين الصادقين (الذين أعطوا التضحية في كل حقبة كالأئمة الطاهرين عليهم السلام) لما بقى من الإسلام إلا الاسم، كما لم يبق من اليهودية والمسيحية إلا الاسم فقط.

وبسبب هذا الضعف الذي أصاب الإسلام، تشتت المسلمون إلى دويلات، وتمكن الصليبيون من الغرب، والمغول من الشرق من السيطرة على البلاد، حيث أهلكوا الحرث والنسل، وانتهى الأمر بالآخرة إلى سيطرة الاستعمار الغربي (الصليبي) على قطعة من البلاد من جانب والاستعمار الشرقي (الشيوعي) على قطعة أخرى من البلاد، وقد ولّد كلاهما معاً إسرائيل، لتكون شوكة في جسم الأمة، ومانعاً عن نهوضها مرة أخرى، وليست الشيوعية، والبعثية، والقومية، والديمقراطية، إلا أدوات للشرق والغرب في السيطرة، كما أن الملكية والجمهورية ليستا إلا غطاءً.

وإلا فالإسلام له حكومة واحدة عالمية، قانونها الشيء المستفاد من الأدلة الأربعة، (الكتاب والسنّة والإجماع والعقل) وحكمها الشورى الذي ينتهي إلى انتخاب الرئيس المرضي لله والناس.

وإنما كتبنا هذا الكتاب (إلى حكومة إسلامية عالمية) لأجل توضيح معالم مثل هذه الحكومة، والدعوة إليها وأسباب الوصول إليها، وجعلناه في ثلاثة فصول:

(الفصل الأول): في بيان الحركات الغربية والشرقية في هذا القرن الأخير التي انتهت إلى هذه المأساة التي نشاهدها، مما سبب إبعاد المسلمين عن كل شيء من دينهم ودنياهم، كما نذكر في هذا الفصل بعض الردود الإسلامية، التي لم تنته إلى شيء يذكر.

(الفصل الثاني): في بيان المعالم للحكومة الإسلامية الواحدة ومنهجها، والخطوط العريضة لمثل هذه الحكومة.

(الفصل الثالث): في بيان أسباب الوصول إلى مثل هذه الحكومة.

والمسؤول من الله سبحانه، أن يوفقني لاتباع مراضيه، وأن يجعل هذا الكتاب محفّزاً لهمم المسلمين في النهوض، وأن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل، وهو الموفق المستعان.

قم المقدسة              

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي