الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

إيران في مهب الاستعمار

قبل ما يقارب من خمسة قرون، كانت موسكو يحكمها حاكم مغولي مسلم، لكن سوء الإدارة والانغماس في الملذات والغفلة عن أحكام الله سبحانه، وعدم إطاعة أوامره في الإدارة ورعاية الأمة، سببت سقوط الحكومة، وصدق عليه قوله سبحانه: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً)(1) ولقيت الحكومة الإسلامية المغولية غيّها في الدنيا قبل الآخرة، وجاءت حكومة مسيحية مكانها لم تفتأ أن صارت من أعداء الإسلام والمسلمين فأخذت تضغط عليهم، وبعد مرور قرون، وقبل زهاء قرن ونصف طمعت الحكومة الروسية القيصرية في أجزاء من إيران، فزحفت بخيلها ورجلها واقتطعت جزءً من إيران في حروب دامية لم تعرف الرحمة، ولولا أن (السيد محمد المجاهد) المرجع الديني في زمانه في كربلاء المقدسة سافر ووقف أمام الزحف لكان من المحتمل أن يسيطر الروس على كثير من البلاد الإيرانية.

ثم قبل زهاء مائة وعشرين سنة، أخذت إيران تتردّى في الفساد والرشوة وسوء الإدارة، وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن أمر الأمة لم يزل إلى سفال، إذا ولتهم امرأة) أخذت إيران في السقوط مما أوجب أن تنتهز (بريطانيا) الفرصة لفرض شروطها على إيران، والتي منها أن تكون (أفغان) التي كانت جزءً من إيران إلى ذلك الحين، لبريطانيا، وهكذا كان فاقتطعت بريطانيا هذا الجزء الغالي من إيران.

ثم قبل زهاء قرن تدخلت بريطانيا في إيران في أيام (ناصر الدين شاه) تحت ستار شراء التنباك، وأرادت أن تصنع من إيران مستعمرة بريطانية، كما فعلت من قبل (بالهند) تحت ستار (الشركة الهندية الشرقية) ومن جرّاء ذلك دخل إلى إيران أربعمائة ألف إنكليزي كانوا كجيش الاحتلال، لكن وعي الشعب الإيراني، ويقظة علماء الدين، وعلى رأسهم (السيد محمد حسن الشيرازي) أوجب طرد الإنكليز من البلاد، فقد أفتى الميرزا المجدد الكبير: (إن استعمال التنباك في حكم المحاربة مع الإمام المهدي عليه السلام) وبذلك امتنع الكل من استعماله مما اضطرت السلطة القاجارية، أن تنقض المعاملة فخرج الإنكليز يجرون أذيال الخيبة.

ثم إن سوء الإدارة القاجارية، والفساد المتزايد، وتدخل الأجنبي الشرقي والغربي في البلاد علناً وسراً، وطغيان الاستبداد، أدى إلى أن تلتجئ الأمة إلى أكبر العلماء في ذلك اليوم، وهو الشيخ محمد كاظم الآخوند، فأصدر الآخوند قراراً بوجوب (السلطنة المشروطة) ومعنى ذلك أن تكون البلاد مثل (إنكلترا) السلطان فيها رمز فقط فهو يسود ولا يحكم، وإنما الحكم بيد وكلاء الأمة في مجلس شورى شعبي إسلامي ويكون خمسة من المجتهدين العدول مشرفين على المجلس، لئلا يقنّن المجلس ما يخالف الإسلام، وهكذا كان فقد تولد المجلس بين الأتعاب والدماء والدموع.

لكن الفساد الذي لحق بإيران في حكم القاجارية، وتمكن بريطانيا من شراء ضمائر بعض الأفراد، وعدم استيعاب الإيرانيين للوعي الكامل سبّب أن تسقط إيران في يد عميل بريطانيا (رضا خان) الذي كان من (أرامنة كرجستان) الذين نزحوا إلى إيران في عهد القاجارية، وأخذت بريطانيا تتدخل في إيران من خلال هذا العميل، حيث صادر الحريات، وقتل الأبرياء وحطم الدين وعلماءه، وأغلق المدارس العلمية، ليفتح مكانها المخامر والمباغي وآل أمر رضا خان إلى أن أبعدته بريطانيا نفسها إلى (جزيرة موريس) بعد الحرب العالمية الثانية، وقتلوه هناك ببعض الحقن الطبية المسمومة ونصّبوا مكانه ولده (محمد رضا خان) فخطا خطى أبيه في سوء المعاملة والفساد، ولما قامت إيران للمطالبة بالحقوق وبتأميم البترول بزعامة (السيد أبو القاسم الكاشاني) و(الدكتور مصدق) ورأت بريطانيا، عدم تمكنها من إخماد الثورة الشعبية، فوّضت الأمر إلى (أمريكا) حيث طبخت انقلاباً استعمارياً وأرجعت الشاه إلى البـــلاد تحت المظلة الأمريكية، وهنا قام علماء الإسلام، وفي مقدمتهم (الإمام السيد روح الله الخميني) يطالبون بإسقاط الشاه، ورجوع إيران إلى الإسلام، وإلى الاستقلال، وقد أبلوا في ذلك بلاءً حسناً، وقدّموا القرابين والتضحيات الجسام، حتى سقط الشاه العميل، ورجع إلى إيران حكم الله سبحانه، وعيّن أول رئيس للجمهورية في البلاد وانتخب مجلس الأمة تحت إشراف الزعيم القائد في انتخابات حرة.

ومن الجدير بالذكر: أن روسيا القيصرية حاربت إيران في قصة (المرقد المطهر للإمام الرضا عليه السلام) كما أنها حاربت إيران في قصة (آذربايجان) حيث نصبوا من عميلهم (البيشه ورى) حاكماً على البلاد، لكن يقظة علماء الدين أسقطت الحكومة الشيوعية المزيفة، وأرجعت البلاد إلى حالتها الطبيعية، وقد كان من ضحايا الغرب والشرق في مكافحتهم ضد الاستعمار جملة من خيرة علماء الدين أمثال: (النواب الصفوي) و(المدرس) و(ميرزا كوجك خان) و(الشيخ فضل الله النوري) و(الخياباني) وغيرهم.

ومن قبل ذلك، صنعت روسيا (علي محمد الباب) الذي ادعى (البابية) بواسطة العميل المشهور (كينياز دال كَوركي) وذلك لتفريق شمل المسلمين في إيران، وقد فعل (الباب) ما أمروه تحت رعاية روسيا القيصرية، ثم التقفت بريطانيا (الباب) ، حيث وجدت المذهب البابي خير سبيل للتفرقة، فإن قاعدة الاستعمار هي الاعتماد على (الأقليات والأديان البائدة، والمذاهب المخترعة) وبعد بريطانيا اعتمدت أمريكا على (البابيين) لنفس الغرض حتى أن رئيس وزراء الشاه المخلوع كان (هويدا)، وكان طبيبه الخاص (حسين أياد) وكلاهما بهائي بالإضافة إلى أُلوف البهائيين الذين كان الشاه المخلوع أحاط نفسه بهم.

ولنذكر بهذا الصدد، أن روسيا وبريطانيا وأمريكا، كان لهم السهم الوافر في اضطرابات خوزستان، والأكراد، والبلوش، وغيرهم في طول الحكم الاستعماري، فقد كانت خوزستان تارة ذات حكومة مستقلة، وتارة ملحقة بإيران، كما أن العراق وعبد الناصر كانا يدّعيان خوزستان مما سبب له أُلوف القتلى والاضطرابات، وكانت إيران الشاهين (رضا خان ومحمد رضا خان) تذيق الخوزستانيين أبشع ألوان الاضطهاد، حيث تريد محو عروبتها، وإلحاقها بركب (القومية الإيرانية) والحاصل أن الاستعمار الإنكليزي ثم الأمريكي، كان يريد جعل خوزستان لقمة سائغة عن طريق عميليه في طهران، كما أن عراق الملكيين والجمهوريين وعبد الناصر، بألوانهم الاستعمارية كانــوا يريدون العكس، وكانت في داخل البلاد نزعة إلى الاستقلال، لما لحق بهم أكبر قدر من الضرر ولا خلاص لهم إلا بالإسلام التطبيقي وإلا فهم كرة بيد المستعمرين وعملائهم (كما تلاعبت الصبيان بالكرات) أما كردستان، فهي موزعة بين إيران والعراق وتركيا والاتحاد السوفياتي، ومجموع نفوسهم أقل من عشرين مليون، ومنذ قيام القوميات في البلاد المجاورة أخذ الأكراد يهتمون في أن يكون لهم دولة مستقلة، فلماذا يكونون تحت لواء القومية الفارسية، أو القومية العربية، أو تحت دولة عثمانية تركية، أو دولة أجنبية استعمارية شيوعية؟ لكن لم يكن نصيبهم إلا أشد أنواع القتل وإحراق القرى والإرهاب وهم يحملون السلاح منذ تشكيل أول جمهورية لهم في (كَلالة) وقد صاروا لعبة بأيدي المستعمرين الإنكليز والروس وأمريكا، والعلاج النهائي لهم قيام حكومة إسلامية عالمية موحدة ليكونوا عضواً طيباً فيها. وبعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران جنح عقلاء الأكراد إلى هذه الدولة حيث رأوا العدل الإسلامي فيها.

 

1 ـ سورة مريم: الآية 60.