الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

تركيا: الرجل المريض

منذ أول الإسلام كان الرومان ضد المسلمين، وقضايا تبوك ومؤتة في أول التاريخ الإسلامي مشهورة، وقد حارب الصليبيون المسلمين عدة مرات في قصص معروفة لكن الفوز دائماً كان مع المسلمين لوحدة كفاءة الطرفين حيث كان في طرف المسلمين الإيمان الذي يسبب ترجيح كفتهم وقد أشار إلى ذلك القرآن الحكيم (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليماً حكيماً)(1) فالألم سواء في الجانبين بينما رجاء المؤمنين من الله ولا رجاء للكفار.

لكن تركيا سببت رجحان كفة الكفار لأنها:

أولاً: حطمت الإيمان في النفوس إذ لم تكن ذات تربية إيمانية بل بالعكس، فالشورى صارت ديكتاتورية، والأمة الواحدة صارت شعب الله المختار في الترك (سياسة التتريك) والعلم صار الجهل حتى بأمور الحياة، ومثنى وثلاث ورباع مع العدالة، صارت سبعمائة جارية وزوجة بدون أي مثقال من العدالة.

ثانياً: حطمت البلاد زراعياً وصناعياً واجتماعياً و... بينما الغرب تقدم في كل الميادين الدنيوية تأخرت الإمبراطورية التركية في كل الميادين، وحيث رأت تركيا ذلك فبدلاً من أن تشرع في الإصلاح والرجوع إلى الله، صافقت (فرنسا وبريطانيا) وأرخت لهما الزمام ظانّة أن ذلك ينجيها من براثن (الروس) التي طمعت في بعض بلاد الإمبراطورية، ضاربة عرض الحائط (الكفر ملة واحدة)(2) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (والمسلمون يد واحدة على من سواهم) بل وقول الله سبحانه: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم)(3).

وقد انتهزت (فرنسا وبريطانيا) هذه الفرصة الثمينة فأخذتا تقوّيان مركزهما داخل الإمبراطورية المريضة الراقدة على فراش الموت.. وقد نشطت في هذه الآونة حركتان أُخريان هما حركة (الصهاينة) والذين كان لهم داخل الإمبراطورية مواقع حصينة، وحركة (الاتحاد والترقي) والذين لم يغذّهم إلا سوء إدارة تركيا وجهلها وديكتاتوريتها وقد اتخذت الحركتان من (باريس، ولندن) مركزاً للانطلاق، ومن غير فائدة حاول (السيد جمال الدين الأفغاني: الأسد آبادي) إيقاظ الخليفة، بل كانت النتيجة، أن دس الخليفة السم إلى السيد فقتله مسموماً.

ولما انتبه الخليفة إلى خطأ مصادقة الدولتين الاستعماريتين، أراد تصحيح الخطأ، ولكن بخطأ آخر هو الابتعاد عنهما فجأةً، والاقتراب إلى ألمانيا، وفي هذا الاقتراب رأت الدولتان ضرراً بمصالحهما، ولذا أخذتا تهيئان الخطط اللازمة لإسقاط الإمبراطورية المريضة، وزاد الطين بلّة، أن الخليفة نصب في مختلف البلاد ولاة سفّاحين لا همّ لهم إلاّ جباية المال وكبت الأنفاس وخنق الحريات، كسفّاح سوريا وغيره، وفي العراق أخذوا يضيّقون على الشيعة وهم الأكثرية المطلقة في العراق ويدخلون البيوت بحجة التفتيش عن الشباب الذين يستحقون الجندية، ويتعرضون للفساد، وقد أخذوا يحاربون كربلاء والنجف، كما حاربوا الحلة وأخذوا النساء أسرى، وقد سبق أن ضيقوا على شريف مكة، وباعوا فلسطين بإجازة الخليفة عبد الحميد الثاني وذلك بهجرة جماعة من اليهود إليها، وأخذوا يسيئون إلى العرب عامة ويحتقرونهم ويزدرون بهم، وأعطوا زمام الجيش بيد (أتاتورك) اليهودي الأصل المستهتر بالإسلام والمسلمين من يومه الأول، و...

كل ذلك سبّب التعجيل في إسقاطهم، وإسقاط البلاد الإسلامية التي كانت تحت حكمهم، أما تركيا نفسها فقد جاء المستعمر البريطاني والفرنسي إلى رئاسة الحكم في إهاب (مصطفى كمال) الذي كان أبوه من اليهود ودخل في الإسلام خداعاً، فقد قرر اليهود قبل قرن أن يدخلوا في المسيحية وفي الإسلام حتى يكيدوا للدينَيْن، فدخل جماعة منهم في الإسلام، ثم تفرّقوا إلى فرقة دينية لغزو مراكز العلم الديني، وجماعة منهم في السياسة والجيش لغزو مراكز الحكم وقد كان منهم أبو (مصطفى) على خلاف في أنه هل كان من أب شرعي أو من أب غير شرعي (انظر الرجل الصنم) كما كان منهم (البكر) جد أحمد حسن البكر، حيث كان يسمى (ساسون حسقيل) ثم أسلم وسمى (البكر) وقد وصل ولد الأول منهم إلى حكومة تركيا وحفيد الثاني إلى حكومة العراق.

ولما وصل (أتاتورك) وهو اسم (مصطفى كمال) إلى الحكم، ألغى الخلافة العثمانية، كما ألغى الإسلام من كل مرافق البلاد، وقتل رجال الدين، وأشاع الخمر والزنا، وبدّل الأبجدية العربية إلى الأبجدية الإنكليزية، وأغلق المساجد، وجعل بعضها متاحف، وأجبر النساء على خلع لباس الحشمة، كما أجبر العلماء على خلع شارة العلم الديني، وترجم القرآن والأذان إلى اللغة التركية، وقطع كل صلة لتركيا ببلاد الإسلام، وربطها ببلاد الغرب، وأفقر تركيا اقتصادياً، كما أشاع الديكتاتورية، مما جعل تركيا في يد المستعمر كرة، وحطم الاجتماع، وبالجملة فقد فعل أكثر مما يفعله مستعمر محتل، ثم من كثرة فعله الزنا وشربه الخمر، ابتلى بمرض الكبد ثم الاستسقاء وأخيراً مات بزرق إبرة في قصة معروفة (انظر القوميات في خمسين سنة).

وتركيا إلى اليوم تعيش في أسوأ حالة تنتقل من الاستعمار البريطاني إلى الاستعمار الأمريكي، وفيها قواعد أمريكية، والاقتصاد فيها محطّم، كما أن دور البغاء ودور الانحراف الجنسي موجودة في مدنها الكبار بصورة تدعو إلى الرثاء ويمنع القانون أن يذكر اسم (أتاتورك) بعد ما يقارب نصف قرن إلاّ بخير، وهناك محاولات جادة، لإرجاع الإسلام إلى البلاد، وسيكون ذلك بإذن الله تعالى حينما تتحقق الحكومة الإسلامية الواحدة.

المسلمون في أنياب الدب الأبيض والنمر الأصفر

هناك ما يقارب من مائتي مليون مسلم في روسيا، والصين، فالجمهوريات الست التي التهمتها روسيا من بلاد الإسلام، وهي (آذربايجان، وأرمينيا وتركستان، وتاجكستان وقفقاز، وقرقيزيا) يعيش فيها زهاء مائة مليون مسلم، تحت أشد أنواع الكبت والإرهاب، فقد قتل ستالين منهم خمسة ملايين، وأباد علماءهم، وأغلق مساجدهم، وحول بعضها إلى مراقص وملاهي، واصطبلات ومخازن و.. ومنع الإسلام فيها، كما منع الصلاة والأذان، ودرس القرآن والعلوم الإسلامية، واستباح جملة من نسائهم، ومنعهم عن الحج، وزيارة العتبات المقدسة، وقد أبلى المسلمون بلاءً حسناً، لكن كان التأخر المسيطر عليهم منذ أيام القياصرة لم يمكّنهم من النهوض، ولذا بقوا في أنياب الدب الأبيض، منذ ستالين (انظر: المسلمون في الاتحاد السوفياتي).

أما النمر الأصفر في الصين، فقد سلك نفس المسلك مع المسلمين الذين هم أيضاً زهاء مائة مليون، وقد كان للمسلمين في الصين أُلوف المساجد، بالإضافة إلى أربعة مساجد كبار لهم في بكين، كان كل واحد منهم يحتوي على ربع مليون مصلّي في أيام الجمع والأعياد.. وكان من نصيب كل ذلك، ما كان من نصيب أخواتها في روسيا الشيوعية، وفي حملة واحدة هدم ماوتسي تنك وأغلق منها سبعة عشر ألف مسجد، كما قتل الملايين من المسلمين ومنعهم من إظهار شعائر الدين، وإلى آخر القائمة السوداء التي ذكرها ماركس وانجلز في كتابهما (البيان الشيوعي) والذي ينص بأن (الأديان والأخلاق أوهام برجوازية) (انظر: الدعوة إلى الإسلام. والصفر الحمر).

ثم هناك كثرة من المسلمين في سائر البلاد الشيوعية، مثل (يوغسلافيا) وغيرها، كلهم يعيشون تحت أشد أنواع الاضطهاد والبؤس، مما يذكرنا بالرواية المحكية عن الإمام العسكري في قصة (بلوهر ويوذاسف) وبقصة أصحاب الأخدود المحكية في القرآن الحكيم.

وهؤلاء المسلمون المضطهدون ينتظرون الإنقاذ على أيدي تنظيم إسلامي قوي مرهوب الجانب يجعل همّه إقامة حكومة إسلامية عالمية، وإنقاذ المسلمين المضطهدين في كل مكان، وما ذلك على الله بعزيز.

بقيت كلمة هي أن الشيوعية، مرض أصاب البلاد في غفلة من الزمن، وقد تقدمت في بلاد كانت متأخرة إلى أبعد الحدود، ثم وسّعها الاستعمار الغربي، لمصالح له، وقد ظهرت قبل ذلك 1ـ في يونان القديم. 2 ـ وفي إيران مزدك. 3 ـ وفي البلاد الإسلامية إبان ظهور القرامطة، وصاحب الزنج ـ إن صح التاريخ الذي ذكرهما بالإباحية والشيوعية ـ . 4 ـ وهذه هي المرة الرابعة التي ظهرت في الشرق وبعض البلاد الأخر ثم كوّنت الأحزاب السرية والعلنية في بعض البلاد الأخر، الإسلامية وغير الإسلامية.. وإنما سقطت قبل ذلك، وهي مائلة إلى السقوط الآن ـ حتى أن المراقبين يتنبأون بسقوطها في خلال عشر سنوات فحسب ـ لأجل ـ اللاءات الخمسة التي كلها مخالفة للفطرة وللعقل وهي (لا دين، لا أخلاق، لا عائلة، لا ملكية إلا بقدر العمل الجسدي، لا حرية) ولولا الحكومة الأمريكية التي تزود روسيا وغيرها بالحنطة والتكنولوجيا (لأجل أن يجعلوا منها بعبعاً تمتص به أموال الشعوب) لسقطت روسيا وسائر البلاد الشيوعية في أقل من سنتين، كما أنه لو لم تكن إمدادات أمريكا إبان الحرب العالمية لروسيا لسقطت الشيوعية قبل أربعين سنة.

 

1 ـ سورة النساء: الآية 104.

2 ـ من لا يحضره الفقيه: ج3، ص47.

3 ـ سورة المائدة: الآية 51.