الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الخليج

كان الخليج يسمّى فارسياً، وجاء ناصر ليسميه عربياً، وبهذا احتدم النزاع المرير الذي دام إلى اليوم بين الناصريين، وقد أثبت الكل أنهم ينصرفون عن الجوهر إلى المظهر، فالمستعمر ينهب النفط نهباًً، ويجعل من البلاد سوقاً لبضائعه، بينما المسلمون مشغولون بأن الخليج (فارسي) أو (عربي).

وقد كان الخليج في التاريخ تابع لإيران مرة، وللإمبراطورية العثمانية مرة، ثم لما تحطمت إيران وتحطّم العثمانيون، وأخذ الإنكليز بزمام البلاد، جعلوا الخليج قطعاً كل قطعة تعادي القطعة الأخرى، وبذلك تسنّى لهم أن يحلبوا من هذا ومن هذا، وقد جعلت إنكلترا قوانين صارمة على الخليج، تمنع من دخول أي إنسان إليه إلا بالطلب (الطلبية) وذلك للحد من نشاط الحركة في الخليج، لتغتنم بريطانيا كل أموال الخليج، كما جعلت قانون الطبقية الحادة، فترى القصور الشامخة، إلى جانب أكواخ لا تجد حتى الماء البارد في الصيف درجة (50)، وكلمة (الأجنبي) و(الوطني) هناك من الكلمات الرائجة بصورة مذهلة.

وفي زمان قاسم حرّكت بريطانيا قاسم ليطالب بالكويت، وقد أرادت بذلك نهب الأموال الإضافية، وطالب قاسم بالكويت، وأمر بعض ضباطه بالتوجه إليها، حيث أبدت الكويت استعدادها سراً لإعطاء طلب بريطانيا، ولم يكن بد فاضطر قاسم في آخر المطاف إلى التراجع، وفكرت بريطانيا في الحل، وهي أن (الضابط) تظاهر بأنه من مقلّدي (السيد محسن الحكيم) وجاء إلى السيد، قائلاً له: إن قاسم كلفني بهذه المهمة، فهل يجوز لي ذلك؟ وأجاب الإمام الحكيم، على حسب الفقه الإسلامي، بأنه لا يجوز ذلك حيث إنه لا يجوز قتل المسلم، وتراجع الضابط عن تنفيذ المهمة تحت ستار (الفتوى).

وهناك قول آخر حول سبب مطالبة قاسم، وسبب تراجع بريطانيا، لا يهمنا التعرض له. وقد انتقل الخليج من استعمار بريطانيا الخالص، إلى مشاركة أمريكا له أيضاً، وذلك لخوف بريطانيا من (الشيوعية) ومن (الحركات الإسلامية) بالإضافة إلى أن الإمبراطور العجوز لم يعد ذلك الشــاب النشط الكثير الحركة، بينما أمريكا لم تصل بعد إلى حدّ الشيخوخة، ومن القاعدة العقلية أن الهرم يجب أن يتوكأ على الشاب، ليتمكن من المسير.

وبعد قاسم، جعلت بريطانيا، عميلها الآخر حزب البعث العراقي (عصا غليظة) في وجه الخليج، فإذا أرادت بريطانيا، استدرار الكويت، رفعت في وجهها هذا العميل، ليدخل جيش البعث (الصامتة): الحدود بين الكويت وبين العراق، فإذا رضخت الكويت للطلب، انسحب الجيش العراقي (بقدرة قادر).

ومن مهازل الاستعمار (الشيوعية) المصطنعة في (عدن، وظفار) وهي ليست إلا وليدة تفكير بريطانيا العجوز، لكي تجعلها عصا في وجه الخليج لتضع الخليج بين كماشتي (الشيوعية) و(القومية) وكلتاهما عكازتان لبريطانيا، فكلما أرادت بريطانيا شيئاً من إحدى بلاد الخليج، ولم ترضخ لها، حرّكت العصا، وفي غد ذلك اليوم (يوم رد البلد طلب المستعمر) تجد مناشير شيوعي ظفار (جبهة تحرير الخليج) تغطي الجامعة والمدارس و... وربما وقعت أحزاب أو مظاهرات، أو .. ويرتجف للحادث عقلاء البلد، وتكتب الصحف الموضوع بعناوين بارزة، ويصفر لذلك لون الحاكم، ويلتجئ إلى المستشار القديم العجوز بريطانيا في حل المشكلة، وتتفضّل بريطانيا بحلها، في قبال أُجرة عشرات الملايين، ويتنفس الجميع الصعداء ويدعون (بطول العمر للقديسة العجوز بريطانيا!).

والقصة حول الخليج طويلة، كالقصة الاستعمارية في كل بلد من بلاد العالم، وخصوصاً البلدان الإسلامية التي للمستعمر فيها مأويان (تحطيم الإسلام، وتحطيم البلاد) من غير فرق بين الاستعمار البريطاني والأمريكي والروسي وحتى الفرنسي، فإن تهليل فرنسا نحو العرب ليس قربة إلى الله تعالى، وإنما للمصالح الاقتصادية، وإلا ففرنسا هي نفس فرنسا التي قتلت في الجزائر قبل أعوام (مليوني إنسان) بأبشع قتلة، مما لم يكن له مثيل حتى في القرون الوسطى، وحتى في محاكم التفتيش، وحتى في (باستيل).

وستبقى كل بلاد الإسلام في حلقة مفرغة لمهازل الاستعمار إلى قيام الدولة الإسلامية الواحدة.. وكل محاولات الخلاص، بدون هذا فهو جهل أو تجاهل.. انه من الصحيح كل محاولة إصلاحية، مهما كان صليل الجحيم، حتى بهداية شاب إلى الصلاة، أو هداية إنسان لإعطاء دينار من الخمس، أو تحريض فرد لهدية قرآن ليوضع في رف المسجد و.. لكن اللازم أن يصب كل ذلك في نهر النهوض العالمي، فإن أمثال هذه الأمور أمثال قطرات المطر التي تتجمع، فتكون نهراً كبيراً يكون مبعث حياة الأرض، ومنطلق الحضارة الإنسانية.

كانت الهند ألف سنة بيد المسلمين، ثم أخذها الاستعمار البريطاني من أيديهم، وكانت بيد البريطانيين زهاء ثلاثة قرون، ثم قام حزب المؤتمر بزعامة (غاندي) ومحمد علي جناح، بطرد الإنكليز من البلاد، واختلف الجناح الإسلامي والجناح غير الإسلامي في وحدة البلاد أو تقسيمها إلى إسلامية وغير إسلامية ـ في قصة طويلة ـ وأخيراً انقسمت الهند إلى (الهند) و(الباكستان) يقطن الأُولى أغلبية غير إسلامية، وأقلية إسلامية يصل عددهم زهاء مائة مليون، ويقطن الثانية أغلبية كاسحة إسلامية، وأقلية ضئيلة غير مسلمة.

وقد نفّذت بريطانيا عدوانها التقليدي بالنسبة إلى الباكستان، من جهتين، الأولى فصل كشمير عن جسم باكستان بينما هي إسلامية على الأغلب، والثانية جعل الباكستان قسمين، يفصل بينهما أكثر من ألف كيلو متر، ولأول مرة في التاريخ توجد هكذا دولة..

ثم تعمد الاستعمار البريطاني على إيجاد الفوضى والقلاقل في قسمي الباكستان على طول الخط، وليس صدفة أن تكون الهند راسخة الدعائم منذ استقلالها إلى هذا اليوم، بينما الباكستان مهب الاضطرابات والانقلابات العسكرية، إنه إنما كان كذلك بسبب التخطيط الدقيق ضد البلاد الإسلامية، الذي حاكه الاستعمار البريطاني أولاً، ثم أكمله الاستعمار الأمريكي ثانياً.

ثم قد دعم الاستعماران الشرقي والغربي الهند في ضرب الباكستان الشرقي، وفصله عن الباكستان الغربي في أبشع حرب راح ضحيتها ثلاثة ملايين مسلم قتلاً ووباءً و.. وتولّد بلد جديد باسم (بنغلادش)، ولم يمض زمان إلا والاستعمار يسدد حربته نحو الباكستان الغربي، ويوجد فيه انقلاباً عسكرياً يأتي بضياء الحق، حاكماً على البلاد، حيث كان يصادر الحريات، ويحطم الدستور، ويغلق مجلس الأمة، واللطيف في ذلك، أن كل هذه الأمور تقع باسم الإسلام... وأي إسلام هذا الذي يمنح انتزاع السلطة بدون رضا الأمة؟ وبدون توفر الشروط المشروعة في الحكم؟ وإلى آخر ذلك..

أما كشمير فهي جرح في جسم الأمة، وعلى طول الخط، ولماذا؟ لأن من عادة بريطانيا أن تبقي دملة في جسم كل بلد، ترشح القيح والدم، لئلا ينهض البلد ذات يوم.

وأما مسلمو الهند فهم مسلوبو الحقوق مهدورو الكرامات، إلى أن يقبضوا بزمام الحكم مرة ثانية بإذن الله تعالى.

إنها خرافة استعمارية بأن الهند خرجت من أيدي المسلمين إلى الأبد، ولماذا؟ هل لأن الإسلام ليس فيه قوة الإدارة، أم لأن إدارة الهند الآن أحسن من إدارة الإسلام؟ وكلاهما خطأ، فقوة الإسلام الإدارية لا تنكر، وقد جربت الهند بنفسها ذلك قروناً وقروناً، وإدارة الهند الآن ليست بحسنة، فأية إدارة هذه التي ينام أكثر من مليون إنسان، تحت ظلالها، في الشوارع، تحت رحمة الأمطار والحر والبرد؟

إن هذه الأسطورة هي الأسطورة التي راجت في زمن بني العباس، انهم باقون إلى قيام الساعة.. والأسطورة التي راجت في القرن السابع، ان المغول لا يمكن دحرهم.. وفي زماننا كانت أسطورة (نوري السعيد) و (الشاه) و(جيش إسرائيل لا يقهر) أمثلة يذكرها كل إنسان، قد رأينا كيف قتل نوري السعيد؟ وكيف أُقصي الشاه، وكيف أن المسلمين دكوا قلاع (بارليف) وتحطمت قدرة إسرائيل بين عشية وضحاها.

إن من مظاهر الضعف البشري، وتهربه عن تحمل المسؤوليات، أن يقف مبهوراً أمام القوة، لكن الإنسان المؤمن بالله وبقوته القاهرة، المتحمل لمسؤولياته، لا يأبه للقوي الطاغي مهما كان قوياً.

وإني أظن أن المسلمين الذين بقوا في الهند بعد التقسيم هم نواة صالحة لإعادة حكم الإسلام إلى البلاد، وإذا انضم ذلك، إلى إنقاذ البلاد من الكفر والجهل والفقر والتأخير، كانت الهند في المستقبل إن شاء الله تعالى قوة ضاربة لنشر الإسلام في الصين والروس وما حولهما، كما أن البلاد الإسلامية ستكون بإذن الله تعالى قوة ضاربة لنشر الإسلام في الغرب، وما ذلك على الله بعزيز.

ثم إن إرجاع الهند إلى الإسلام بحاجة إلى عمل المسلمين هناك، مثل عمل (غاندي والجناح) فالقوة الهائلة من الغرب والشرق التي تحول دون الإرجاع، لا يمكن أن تقابل بالمثل، والمقابلة بالأقل لا بد لا تنفع، ولذا لم يكن الأنبياء (عليهم السلام) يعتمدون على القوة إلا إذا كان هناك نوع المكافأة، فاللازم الاعتماد على قوة الروح والسلام، كما اعتمدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة المكرمة، وأمام قوة الروح لا تقف قوة المادة، وإذا ذاق الهندوس حلاوة الإسلام وحسنه لابد وأن ينضموا تحت لوائه جماعات، وحينذاك يأتي نصر الله والفتح، وترى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

أندونيسيا وأفريقيا

إندونيسيا من أخصب بلاد الله، وقد منح الله الطبيعة هناك الشيء الكثير من الخيرات، وقد دخلها الإسلام بواسطة جماعة من آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الموالين لأهل البيت عليهم السلام، حتى جاء الاستعمار الهولندي واستعمر البلاد، وأهان العباد شتى ألوان الإهانة والاضطهاد، وبعد قرون نشط المسلمون مرة ثانية، وشكلوا الجماعات العلنية والسرية وأخذوا يحاربون الاستعمار محاربة فكرية وسلاحية، حتى أخرجوه من بلادهم، ولكن المؤسف أن الاستعمار الغربي قبض البلاد مرة ثانية بواسطة (سوكارنو) وبواسطة الحملات التبشيرية المنظمة التي أوجدت لإرجاع الاستعمار إلى البلاد.

كما أن الشرق الشيوعي، طمع في البلاد وحاول الانقلاب،مما راح ضحيته زهاء ثلاثة أرباع مليون حتى طردت الشيوعية من البلاد.. وقد كان هذا من جراء الضعف الفكري والعمل الذي أصاب المسلمين، منذ قرون، فكثير من المثقفين منهم يزعمون أنه لا بد من الانضواء تحت لواء أحد القطبين إما الغرب الرأسمالي المستهتر، وإما الشرق الشيوعي الملحد، وهذا الفهم الخاطئ منتشر بين قطاعات كبيرة من المثقفين في كل بلاد الإسلام، وهذا هو الجو المناسب، لتعشعش الاستعمار الغربي والاستعمار الشرقي.

واليوم تعيش إندونيسيا مشكلة التأخر (بمثلثة الأساسي: الفقر، والجهل، والمرض) كما تعيش الديكتاتورية والتبشير الرهيب، ولو لم يفكر المثقفون من المسلمين في الإنقاذ الإسلامي السريع، فستسقط في الهوة أكثر فأكثر، والعياذ بالله.

أما أفريقيا ففيها بلاد إسلامية، لا تطبق الإسلام، وفيها بلاد في حالة حرب فـ(أثيوبيا) وهي عبارة عن (الحبشة) فقد آمنت بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والرسول بعد في مكة، في قصة جعفر ابن أبي طالب (عليه السلام) الشهيرة ولكن الآن قسم من البلاد بيد الكفار المحاربين للإسلام صراحة، (كهليام..) بعد أن نزع الحكم من (هيلاسي لاس) وقسم آخر في حالة ثورة، مثل (إريتريا) التي تحولت إلى دماء ودموع وشظايا منذ (18) سنة، واللازم عليهم جميعاً توحيد الصف الإسلامي في الداخل، كما أن اللازم على كل المسلمين مساعدتهم من الخارج، ليتجاوزوا هذه المحنة القاسية، وترجع البلاد إلى الإسلام، وما ذلك على الله بعزيز.

البلاد المغربية... والأقليات الإسلامية

تونس والجزائر والمغرب وليبــيا والسودان، ابتليت بما ابتليت به سائر بلاد الإسلام من الاستعمار، وقد حاربت الكل الاستعمار سنوات طوال، حتى خرجت من الاستعمار العسكري الصريح، ولكنها ابتليت بالاستعمار الفكري، والاستعمار المغلف، فالحاكمون فيها إما جاءوا إلى الحكم بالانقلابات العسكرية (والحاكم الذي يأتي إلى الحكم عبر الدبابات ليس من الإسلام في شيء) أو جاءوا إلى الحكم بالوراثة (والحكم ليس إرثاً، وإنما هو شورى ينتخب لحكم الأمة من يرضاه الله وترضاه الأمة) أو جاءوا إلى الحكم بالقوة، ثم بقوا في الحكم، كأنه إرث لهم (والحكم ليس قميصاً على فرد).. ثم بعد ذلك، يأتي دور النظام، والنظام في كل هذه البلاد ليس نظاماً إسلامياً، كما هو واضح، ومادام النظام ليس إسلامياً، لا تنعم البلاد بخير.

وكلها مربوطة بالغرب بصورة أخرى... والنزاع الأساسي في هذه البلاد بين (أمريكا) و(إنكلترا) فالمستعمر العجوز يريد أن يحتفظ بمراكزه، بينما المستعمر الشاب يعتمد على عضلاته في إرادة انتزاع السلطة من العجوز الذي أكل عليه الدهر وشرب، والشعوب هم الضحايا.. أما الشيوعية بمنظماتها السرية والعلنية، فليست شيوعية تحبه، فالقليل منهم مربوطون بمختلف البلاد الشيوعية، كروسيا، والصين و.. والكثير منهم مربوطون ببريطانيا، فإن بريطانيا تصنع الأحزاب الشيوعية، لأمرين:

الأول: أن تتوكأ عليها في قبال أمريكا، فتعطي بيدهم الشارع، بينما تأخذ هي بواقع الحكم، كما ذكره سفير بريطانيا في العراق، إبان انقلاب قاسم (انظر مجلة الحوادث اللبنانية، ثم اللندنية).

الثاني: أن تكون سبباً لتخويف السلطة الداخلية، إذا امتنعت عن أداء واجب سيدها (بريطانيا).. وإنما نجحت هذه الخطة البريطانية في أكثر البلاد، لعدم وعي الشعوب وعياً كافياً، وعلى هذا فأول مهمة على المثقفين الواعين من المسلمين أن يفضحوا هذه الخطة، وإذا وعت الشعوب زال الاستعمار تلقائياً.

وبريطانيا ماهرة في اصطناع الرجال، فلها في كل قطاع من قطاعات الشعب رجال ربّتهم، وقدمتهم إلى الأمام، ففي السياسيين، والجيش، والتجار، والدكاترة، و.. لبريطانيا رجال تستعملهم وقت الحاجة، كما أن لها في كل حزب متصارع على الحكم رجالاً، تضمن مصالح بريطانيا إلى وصول حزبه إلى الحكم، فلا يهمّ بريطانيا أن يكون فاروق أو ناصر أو السادات في الحكم، لأن الرئيس صديقها أو صديق صديقها.

أما الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية، كالأقليات الموجودة في أمريكا، أو البلاد الأوربية أو الهند الصينية، أو فيلبين، أو غيرها، فهم على الأغلب مضطهدون مسلوبون كل حقوقهم أو غالب حقوقهم، وما دام لم يربطوا أنفسهم برباط وثيق بإخوانهم في داخل محدودتهم، وخارجها لم ينجوا من الاضطهاد، وسنذكر في الفصل الثالث، كيفية الربط والارتباط بإذن الله تعالى.