الولاية لله فقط

مسألة ـ 1ـ الولاية كلها لله سبحانه، وهي تستعمل تارةً بمعنى التكوين وأخرى بمعنى التشريع، والكلام الآن في القسم الأول، وهي الولاية التكوينية ويدل على أنها لله سبحانه ضرورة العقول، فإنه لا شك عند أي عاقل أنّ للكون إلهاً عالماً قديراً، هو الذي أوجده لاستحالة المصنوع بدون صانع يصنعه.

أما دلالة الكتاب والسنة والإجماع على هذه الولاية، فهي غنية عن الذكر، كما أنها مؤكدة لحكم العقل والفطرة والضرورة، ومن فذلكة القول أن يقال إنّ أهم الواجبات على المتدينين القيام بحملة واسعة النطاق لإسقاط الإلحاد وعبادة الأوثان التي عمتنا في هذا الزمان، فقد انضوى تحت لواء الإلحاد أكثر من ألف مليون إنسان في حكومات شيوعية، تضطهد الشعوب باسم الإلحاد، كما أنّ لبقايا عبادة الأوثان في الهند وغيرها الشيء الكثير، لو قامت حملة إيمانية منظمة في صفة عالمية، أمكن إسقاط هذين الأمرين الذين لا أساس لهما إطلاقاً، وما ذلك على الله بعزيز.

وكيف كان، فالولاية التي هي لله سبحانه على أربعة أقسام:

الأول: ولاية الخلق، إي أنه هو الخالق لكل شيء، ونسبة الخلق إلى غيره مجاز، كما في قوله (عليه السلام) ـ حسب ما حكاه القرآن ـ ((أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ))[1] وذلك أن الإنسان لا يأتي منه إلاّ الحركة فقط، أما المادة وإفاضة الصورة فهما منه سبحانه، حتى إن صورة الدار ليست من البناء، وإنما منه سبحانه، يفيضها على المادة إذا تحركت عضلات البناء بهذه الكيفية الخاصة من الحركة ـ كما ثبت ذلك في علمي الفلسفة والكلام ـ ولعل معنى قوله سبحانه: ((وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ))[2] هو هذا، وإنْ كانت الآية فسرت بالأصنام، لكنها من باب المصداق وتوهم وجود المادة الأزلية، وإنّما الله سبحانه يشكلها بأشكال ويصورها بصور، كما زعمه بعض الفلاسفة، لأنّهم لم يتمكنوا أن يتصوروا خلق وإيجاد المادة من العدم، توهم فاسد، ذكر فساده في علم الكلام، وإنّه لا يعقل وجود أزلي إلاّ الله سبحانه، ومثل خلق المادة خلق الصور الذهنية بالنسبة لنا، منتهى الأمر أنّ الله قوي القدرة فيخلق المادة والصورة، والإنسان ضعيف القدرة ولذا يخلق الصورة الذهنية فحسب، وكما أنّ إيجاد الصورة الذهنية وإبقاءها وإفناءها كلها بيد الإنسان، فإنه يوجدها، وما دام يرعاها تبقى، ثم إذا صرف النظر عنها تفنى.

الثاني: ولا الإبقاء، لأنه كما تقدم في الأمر الأول بقاء الأشياء برعاية الله وقيمومته على كل شيء، فبمجرد أن ينقطع عنها لطفه وإبقاؤه تفنى، كما في الصورة الذهنية، ويشير إلى ذلك الشاعر الفارسي: (أگر نازي كند درهم فرو ريزند قالبها) .

الثالث: ولاية الإنماء، فهو سبحانه رب العالمين ((وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ))[3] فكل شيء ينمو بإرادته ورعايته، ومن الواضح أنّ الإنماء غير الإيجاد والإبقاء، والإنماء نوع من التحويل من حال إلى حال، سواء أكان إلى الأفضل، أم إلى الأدون، أو إلى حالة أخرى مساوية للحالة الأولى.

الرابع: ولاية الجزاء، وقد اختلفوا في أن الجزاء هل هو نوع من الإثمار، حتى إن الكذبة في الآخرة تكون عقرباً، وكلمة التسبيح تكون شجرة، كما قال سبحانه: ((إِنَّمَا تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))[4].

وفي الحديث: (إنّ الله يربي صدقة أحدكم حتى تكون كجبل أحد)[5]. فحال الجزاء سواءٌ أفي الدنيا أم الآخرة، حال البيضة التي تكون دجاجة، وحال النواة التي تكون شجرة، أو أن الجزاء خلق المناسب والمتشابه، مثل ضرب الأب ولده إذا أساء، والذي يظهر من مجموع الآيات والروايات:

الأول: ولا ينافي ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): (إن من قال: لا إله إلا الله غرست له شجرة في الجنة)[6]؛ إذ النواة تغرسها الملائكة، كما ورد في خبر المعراج أنه (صلى الله عليه وآله) رأى الملائكة يبنون[7].

أما الإشكال بأنّه كيف يمكن أن يكون الجزاء المادي نفس العمل المعنوي، فالكلام والنظر مثلاً معنويان، مردود بأنّ الكلام طاقة حولت من الأكل، وكذلك النظر والطاقة مادة خفيفة تتحول إلى مادة ثقيلة.

ثم لا يخفى أن الثالث غير الرابع، بل حالهما حال جعل النواة شجرة ثم إعطاء الشجرة البرتقال، هذا كله بعض الكلام في الولاية التكوينية لله سبحانه.

أما القسم الثاني: من قسمي الولاية وهي الولاية التشريعية، فلا شك أنها لله سبحانه، وذلك بعد بيان مقدمتين:

الأولى: إنّ الله سبحانه له أحكام.

الثانية: إنّه لا يحق لغيره أنْ يحكم على خلاف أحكامه سبحانه.

أمّا الأولى: فلوضوح أنّ الله حكيم، والحكيم لا بدّ وأنْ يكون له غرض في عمله (وإلاّ لكان عمله عبثاً، وذلك خلاف فرض أنّه تعالى حكيم).

وهنا إيرادان:

الأول: إنّ أفعال الله لا تعلل بالأغراض، إذ الغرض مكمل لمن له الغرض والله كامل، فلا غرض له، وفيه: إنّ الغرض على قسمين: الغرض المكمَّل لصاحب الغرض، والغرض المُكمِل لغيره، والله له غرض يُكمِلُ غيره، الذي هو الإنسان ونحوه (ففعل الله لا يعلل بالغرض) إنْ أريد من الغرض المكمل لنفسه، فذلك مُسَلَّم، لكن ليس المقصود (من غرض الحكيم) هذا النوع من الغرض، وإن أريد الغرض المكمل لغيره (ففعل الله لا يعلل بالغرض) غير صحيح، بل فعله يعلل بهكذا غرض.

الثاني: نسلِّم أنَّ لله سبحانه غرضاً في الخلق، لكن من أين أن غرضه الأحكام وفيه: إن ذلك مبين في الكتاب والسنة.

قال تعالى: ((وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ))[8].

وفي الحديث القدسي: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أنْ أعرِف فخلقت الخلق لكي أعرف)، والمراد (بأحببت): كون حب معرفته لأجل الإنسان، إذ الحديث ساكت عن هذا القائل (لماذا أحببت؟) والجواب: (لفائدة الخلق) وإنّما كان الجواب في ذلك بقرينة أنّه سبحانه (غني مطلق) وغناه يقتضي أنْ يكون غنياً حتى عن المعرفة.

أمّا المقدمة الثانية: التي هي غير الله، لا يحق له أن يحكم على خلاف حكم الله، فلوضوح أنّه تصرَّف في حق الغير وهو قبيح عقلاً، وهو ممنوع شرعاً، قال سبحانه: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ))[9] وفي آية ثانية: ((هُمُ الظَّالِمُونَ))[10] وفي آية ثالثة: ((هُمُ الْكافِرُونَ))[11] فهو خروج عن الجادة، وظلم النفس، وسقوط، فإنّ الفسق معناه الخروج، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، والكفر السقوط، كما أنّ السيارة تنحرف عن الجادة أولاً، ثم تأخذ بالتعثر في الطريق الوعرة، ثم تسقط في الهاوية، إذاً فالأصل عدم جواز التصرف في ملك الله إلا بإذنه (وأما قولهم بأصالة الإباحة والحل فهو أصل مستفاد من الشرع، وكلامنا الآن في الأصل الأولي قبل ورود الشرع) وربما يتوهم أمران:

الأول: جواز التصرف في ملك الله، لأنه غني مطلق، والغني لا ينقصه التصرف.

الثاني: إنّ الله ليس محتاجاًَ إلى أعمالنا، فلا يصح أنْ يأمرنا بما لا يعود إليه بفائدة، فإنّه أشبه بالعبث.

ويرد على الأول: إنّ العقل يحكم بقبح التصرف في ملك الغير، وإن لم يضره ذلك التصرف شيئاً.

وعلى الثاني: لا شك بأنّه ليس محتاجاً إلى أعمالنا، إلا أنّا محتاجون إلى أعمالنا، لأنّها تكملنا، فعدم أمره سبحانه والحال هذه يكون ظلماً، ولذا قال العلماء: اللطف واجب على الله تعالى، وهذا هو معنى كتب على نفسه الرحمة، إي أنها فريضة عقلية عليه تعالى، لأنّ تركه قبيح، والقبيح لا يرتكبه سبحانه، هذا تمام الكلام في الولايتين التكوينية والتشريعية لله سبحانه.

ثم إنّ الله سبحانه جعل شيئاً من الولاية التكوينية للأنبياء، والأئمة، وأحياناً للصالحين أيضاً، وهي في الأنبياء والأئمة بمعنيين:

الأول: إنّه سبحانه يجري على أيديهم التصرف في الكون، تحدياً لمن أنكر ارتباطهم بالسماء أو كرامةً لهم، مثل المعجزات والكرامات المذكورة في القرآن الحكيم، والسنّة المطهرة، والمتواتر من الأخبار، والتواريخ، وقلنا إنّ الكرامة قد تكون للصالحين، كما يدل عليها ما ورد في القرآن الحكيم بشأن مريم (عليها السلام)، حيث كلّمتها الملائكة[12]، وقد اصطلح المتكلمون على تسمية خوارق الأنبياء والأئمة بالمعجزات، لصدورها في كثير من الأحيان لتعجيز المنكر ـ وعلى تسمية خوارق الأولياء بالكرامات، لأنّها تدل على كرامتهم على الله سبحانه، بل قال بعضهم: إنّ الكون كلّه مخلوق بأمر الله سبحانه لأوليائه، كما ورد في الخطبة القاصعة: نحن صنائع ربنا، والناس بعد صنائع لنا[13]، فكما أنّ عزرائيل (عليه السلام) يميت بأمر الله تعالى، ولذا قد نسبه سبحانه إليه وإلى أعوانه في قوله ((تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)) [14] كما نسب إلى نفسه عز وجل بقوله: ((اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ))[15]، كذلك أولياؤه يخلقون ويرزقون، كما قال في عيسى (عليه السلام) ((أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)) وقال سبحانه ((وَأُحْيِ الْمَوْتى))، ((وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ))[16]، ولهذا المبحث تفصيل طويل مذكور في كتب الكلام والفلسفة.

الثاني: إنّه سبحانه جعل النبي والإمام مرتبطاً بالكون، بحيث إنه لولاهما لانهدم الكون، ولذا ورد في الحديث: (لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها)[17] فببركاتهم رزقت الورى، وبيمنهم ثبتت الأرض والسماء. فكما أنّ للجاذبية مكانة في الكون، حتى إنه لو ذهبت الجاذبية انهدم الكون، وكما أنّ للنّار والماء والتراب والهواء مكانة في الكون بحيث لو ذهب أحدهما، انهدم الكون[18]، وماتت الحياة والأحياء. وكما أن للروح مكانة في البدن بحيث لو خرجت انهدم البدن، كذلك للنبي والإمام، وكما أنّا لا نعرف حقيقة الجاذبية ولا حقيقة كيفية الربط بينها وبين استقامة الكون، كذلك لا نعرف حقيقة مدخلية الإمام، وكيفية ارتباط الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولذا ورد: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لما استشهد اضطرب الكون، كما أنّ القلب إذا خلع تضطرب اليد والرجل وسائر أجزاء البدن، هذا كلُّه في الولاية التكوينية للنبي والإمام.

أما الولاية التشريعية لهم، فالتشريع بمعنى جعلهم القانون من أنفسهم ليس لهم إطلاقاً ((إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ))، وإنّما للنبي والإمام البيان والتذكير ((فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ))[19] وقال سبحانه: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ * لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ))[20].

أما ما ورد: (من أنّ الله أدّبَ نبيه بآداب ففوض إليه دينه)[21] فالمراد أنّه بعد التخرج من مدرسة الله سبحانه، وكونه مؤهلاً لتحمل هذه المسألة، بعث رسولاً كما المهندس بعد صلاحيته يفوض إليه البناء، والطبيب بعد تخرجه يفوض إليه أمر المرضى، إلى غير ذلك من الأمثلة، ولذا ورد في بعض الأحاديث أنّه يُقال لهم (عليهم السلام): ((هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ))[22] فلهم العطاء والمنع حسب ما يرون صلاحاً في حال تطبيقهم التشريع الإلهي على الخارج، ويدل على ما ذكرناه قوله سبحانه: ((وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى))[23].

وفي المقام سؤال عن خصوصية العدد للأنبياء في (124) ألف، وللأئمة في (12) وينقض هذا السؤال بأنّه مهما كان العدد لكان للتساؤل محل، كما إذا كان عدد الأئمة عشرة مثلاً، كما ينقض أيضاً بالسؤال لماذا بعث النبي الفلاني في زمان كذا وبلد كذا، ومن عشيرة كذا، إلى آخر الأسئلة، كما يحل الإشكال بأنّه إذا كان الكلي ذا صلاح، لم يكن ترجيح فرد على فرد بحاجة إلى علة أخرى، كما إذا كان أكل الإنسان لشبعه مطلوباً، لم يعم أن يكون هذا الخبز أوذاك الخبز، وإنّما الكلي ذو صلاح، فالفرد من باب أنّه أحد الأفراد، بالإضافة إلى أنّ الحكيم لابد وأنْ يرى في ذلك صلاحاً، وإذا علم الإنسان حكمة شخص لم يكن يهم أن يعرف وجه الحكمة أو لا يعرف، والكلام في المقام طويل نكتفي منه بهذا القدر.

ومن نافلة القول الكلام حول أن النبي والإمام لم يصلا إلى النبوة والإمامة بالعمل، وإنما لطيب جوهرهما، ويدل على ذلك الأدلة الأربعة:

فمثلاً من الكتاب قوله تعالى: ((وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا))[24].

وقوله: ((إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً))[25] وقوله سبحانه: ((كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ))[26] إلى غيرها.

ومن السنة متواتر الروايات:

مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)[27]. وما دل على أنّ الأنبياء اختارهم الله سبحانه قبل خلق الخلق.

وقوله (عليه السلام): (خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين، حتى منّ علينا بكم)[28]. إلى غير ذلك.

ومن الإجماع: إنه لا شك في كون المسألة من الإجماعات القطعية، بل من أبده الضروريات، وكذلك دلَّ العقل على ذلك، إذا ما لاحظ حالاتهم من أول الولادة، بل قبل الولادة، فقد كانت فاطمة (عليها السلام) تكلم أمها وهي في الرحم[29]، إلى غيرها، ممّا دلَّ عليه متواتر الروايات، فإنّ فاطمة ومريم (عليهما السلام) من جملة المعصومين كما هو واضح.

وربما يستشكل بأنّه كيف خلقهم الله سبحانه كذلك، وخلق غيرهم لا كذلك، وأليس ذلك محاباةً وخلاف العدل؟ لكنَّ هذا الإشكال واهٍ إلى أبعد حد؛ للنقض أولاً بكل المخلوقات الأُخر، فمن الماء مالح وعذب، ومن الأرض أرض طيبة وأرض خبيثة، إلى غيرهما من الأمثلة التي لا تعد، وفي نفس الإنسان أن ترى إنساناً أذكى من إنسان، وإنساناً أجمل من إنسان، وإنساناً طبعه الكرم والشجاعة وغيرهما من الصفات الحسنة التي ليست في نفس إنسان آخر، ثم قد فُضِّل الإنسان على الحيوان، والحيوان على النبات، والنبات على الجماد، إلى غير ذلك.

وثانياً: بالحل بأن تطلب الممكنات لإفاضة الوجود عليها، وكون الله كريماً مطلقاً يقتضي خلق كل ممكن لا محذور من خلقه، والممكنات الطيبة والمتوسطة والخبيثة كلها كذلك، فإذا لم يخلقها الله سبحانه كان خلاف الحكمة، ثم إنّ جمال الوجود يقتضي تنوعه، ومن التنوع خلق الأقسام الثلاثة بمختلف صورها، حتى إن في كل صنف أيضاً مراتب، كما قال سبحانه: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ))[30].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)[31] وليس خلق الفاضل والأفضل خلاف العدالة بالنسبة إلى المفضول، إذ خلاف العدالة ألاّ يعطى المستحق حقه، لا أن يعطى غير من يستحق شيئاً من باب الفضل، فإذا استأجر الإنسان عاملين، أجر كل منهما دينار ثم أعطى أحدهما ديناراً ونصفاً، والآخر ديناراً، وفي الآية الكريمة ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ))[32] فتحقق من ذلك كلِّه أنّ النبيّ والإمام أطيب جوهراً، وأنَّ ذلك من الحكمة لا من خلاف الحكمة، بل عدم خلقها والحال هذه كان من خلاف الحكمة، أمّا احتمال أنَّ تفضيل الأنبياء والأئمة كان لأجل نطقهم وانقيادهم في عالم الذر قبل غيرهم، أو لأجل أنّ الله علم أنّهم يطيعون في عالم الدنيا أفضل من غيرهم، فأعطاهم أفضل من غيرهم.

فيرد عليه أولاً: بأنّ ذلك لا يرفع الإشكال فلماذا خلق الجن والملائكة والبهائم كذلك؟ فهل كان لهم عالم ذر؟ وهل إنّ الإنسان في ذلك العالم أفضل من غيره؟ وهل إنّ الله علم بإطاعة الإنسان في عالم التكليف أفضل من غيره، فخلقه إنساناً؟

وثانياً: إنّه إذا لم يرجع الأمر إلى تنوع الخلق، لأنّه مقتضى الحكمة والجود؟ يأتي الإشكال في أنّ الجواد لم يعط كل ممكن حقه، وذلك خلاف الحكمة.

بقي شيء، وهو أن يقال: دع أنّ خلق الطيب والأطيب ليس من خلاف الحكمة ولا أنّ تفاوتهما في الآثار والجزاء ليس من خلاف الحكمة، لكن أليس خلق الشقي خلاف الحكمة؟ لأنه يعاني من شقائه ولو لم يخلق كان أفضل؟

أقول: لا إشكال في أنّ الإنسان ليس بمجبور في عمله، والشقي إنْ أُريد به من فيه علة تامة للشقاء، ففيه: إنّا لا نسلم وجود العلة التامة، وإنّما مقتضيات لضرورة العقل بأنّ فرعون مثلاً لم يكن مجبوراً في ما أتى، ولو كان الطبع علة تامة لكان فرعون مجبوراً، وكان حاله في ما أتى به حال النار في إعطائها الحرارة وحال الثلج في إعطائه البرودة، ولذا حملت أخبار الطينة على المقتضي لا العلة التامة لوجود القرائن الداخلية والخارجية التي منها (ضرورة عدم كون الأشقياء مجبورين) على عدم العلية.

أمّا الاستدلال للجبر بقوله تعالى: ((وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ))[33] وبقوله: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ))[34] إلى غيرهما، ففيه: إنّ المراد تركهم حتى يضلوا كما يقال أفسد الوالد ولده إذا تركه (فيما لو عصى الولد والده حتى استحق الترك ـ بالنسبة إلى الوالد الحكيم) كما (ال) اللام للعاقبة لا للعلة، كما في قوله تعالى: ((فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً))[35] ويدل عليه قوله تعالى: ((وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ))[36] أي للرحم، ولذا قال المتكلمون: إن الأقسام الممكنة في باب التكوين والتشريع خمسة: الخير المحض، والشر المحض، وما تساوى خيره وشره، وما كان خيره أكثر، وما كان شره أكثر، والذي يكونه سبحانه أو يشرعه قسمان فقط: ما كان خيراً محضاً، وما كان خيره أكثر، وأما البقية فخلقه وتشريعه خلاف الحكمة جلَّ عن ذلك علواً كبيراً، وهذه مباحث الكلام ولذا لم نطرد حولها، وقد ذكرت في المقام استطراداً وكيف، فإن أريد بالطينة العلة، فهو ممّا دلّ العقل والنقل بخلافه، وإن أريد به من فيه المقتضى فذلك مُسلَّمٌ ومشاهد، فحال من فيه مقتضى السعادة ومقتضى الشقاء، سواء أمن جهة الجوهر أم من جهة الزمان والمكان والمؤثرات الخارجية، حال من فيه مقتضى الكرم والبخل، أو الشجاعة والجبن، إلى غير ذلك من الصفات، لكن خلقت من فيه وجود المقتضي ليس إساءة إليه، بل خلقه إحسانٌ إليه، وإنّما هو بسيئ بنفسه إلى نفسه، وقوله سبحانه: ((قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا))[37] ليس دليلاً على كون الشقاء عليةً تامةً، لوضوح أنه لا يأتي بعمل إلا مختاراً، فهو مثل أن يقال غلب على زيد طبعه الكريم، أو طبعه اللئيم، يراد به أنه انساق وراء ذلك باختياره.

لا يقال: إنّه بالآخرة إيلام بالنسبة إلى الشقي، فعدم خلقه كان أولى؟

لأنّه يقال: الإيلام: بقدر العمل لا يبرر عدم الخلق، ولذا نرى العقلاء يختارون الإيلام بركوب الأهوال وإعطاء التضحيات لأجل أمورهم، وإن لم تعد إليهم، كالطبيعي الذي يضحي بنفسه لأجل أمته مع أنه لا ينتفع بهم بعد أنْ مات.

وكيف كان، فالولاية (التي كان الكلام فيها) هي لله أولاً، وللرسول ثانياً، وللإمام ثالثاً، ولكل منهم ولاية الكون وولاية التشريع، لكن الولاية بالنسبة إليه تعالى ذاتية، وبالنسبة إلى أوليائه عرضية مستندة إليه تعالى، كما أن المراد بالتشريع فيهم بيان شرع الله تعالى، لا تشريع الحكم على حد تشريع الله تعالى.

وهناك ولاية ثالثة للنبي والإمام، وهو تصرفهم في الأموال والأنفس فتكون لهم الحكومة على الناس، وهذا ما لا إشكال فيه ولا خلاف، وتدل عليه الأدلة الأربعة، بل هو من الضروريات، كما لا يخفى.


[1] ـ سورة آل عمران: الآية49.

[2] ـ سورة الصافات: الآية96.

[3] ـ سورة الأنعام: الآية 18.

[4] ـ سورة الطور: الآية 16.

[5] ـ الوسائل: ج6 ص265 الباب7 ح7.

[6] ـ الكافي: ج2 ص 375 باب من قال لا إله إلا الله ح2.

[7] ـ بحار الأنوار: ج18 ص292.

[8] ـ سورة الذاريات: الآية 56.

[9] ـ سورة المائدة: الآية 47.

[10] ـ سورة المائدة: الآية 44.

[11] ـ سورة المائدة: الآية 45.

[12] ـ سورة مريم: الآية24.

[13] ـ نهج البلاغة: الكتاب28.

[14]  سورة الأنعام : الآية 61.

[15] ـ سورة الزمر: الآية 39.

[16] ـ سورة آل عمران: الآية 49.

[17] ـ الكافي: ج1 ص179 باب أنّ الأرض لا تخلو... ح10.

[18] ـ انظر البحار: ج23ص5وص6.

[19] ـ سورة الغاشية: الآية21.

[20] ـ سورة الحاقة: الآية 44ـ46.

[21] ـ البحار: ج17 ص4، والكافي: ج1 ص 267 (الباب 52) ح2.

[22] ـ سورة ص: الآية 39.

[23] ـ سورة النجم: الآية3.

[24] ـ سورة مريم: الآية12.

[25] ـ سورة الأحزاب: الآية33.

[26] ـ سورة مريم: الآية 29ـ33.

[27] ـ العوالي: ج4 ص121ح200.

[28] ـ الزيارة الجامعة: مفاتيح الجنان ص547.

[29] ـ كما في البحار: ج 43ص2.

[30] ـ سورة البقرة: الآية253.

[31] ـ نهج الفصاحة: ص635 ح31152، كنز العمال: ج10ص149 ح 28761.

[32] ـ سورة القدر: الآية 3.

[33] ـ سورة النساء: الآية88.

[34] ـ سورة الأعراف: الآية 179.

[35] ـ سورة القصص: الآية 8.

[36] ـ سورة هود: الآية 119.

[37] ـ سورة المؤمنون: الآية 106.