ولاية الفقيه الجامع للشرائط

مسألة ـ 2ـ بعد الإمام يأتي دور الفقيه الجامع للشرائط في الولاية، والضرورات قامت على ولايته في الجملة في أمور الحسبة، التي يؤتى بها قربة إلى الله سبحانه (ولذا سميت بالحسبة، من الاحتساب له سبحانه رجاء ثوابه).

وإنّما كان الكلام في ولايته العامة في باب التنفيذ، كولاية الإمام (عليه السلام) حتى يكون الأصل العموم إلاّ ما خرج، أو أنّ الفقيه لا ولاية عامة له، إلاَّ ما دلَّ الدليل على حقِّه في التولِّي، والظاهر الأول، وقد ذكرنا طرفاً من الأدلة فيه في كتاب (الفقه (باب التقليد) من شرح العروة) ولا بأس هنا بالإشارة الإجمالية إلى ذلك، فإنَّ الذي يدلُّ على الولاية العامة للفقيه الأدلة الأربعة.

أمّا الكتاب: فقوله سبحانه: ((وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ))[1] ؛ إذ من المعلوم أنه لولا الحاكم المطاع، ذو النفوذ، لزم فساد الأرض فساداً كلياً أو في الجملة، بضميمة أنه لا حقَّ لغير الفقيه التولّي زمان وجود الفقيه بالضرورة والإجماع.

وقوله: ((وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ...))[2] ووجه الاستدلال بها كالآية السابقة.

ربَّما يُستدل بقوله تعالى: ((وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ))[3] بضميمة أنّ لازم من يريد عدم الظلم أن ينصب من يدفع الظلم.

وقوله تعالى: ((إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً))[4] بضميمة أنّ ظاهرها الخليفة دائماً لا في وقت دون وقت، ولأنّ الخليفة غير المزاول لا يسمّى خليفة فعليةً، وإنْ كان خليفة شأنية.

وبقوله: ((يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ))[5] وقوله: ((إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ)[6] بضميمة أنَّ آيات القرآن كالشمس تجري في كل زمان ـ كما ورد بهذا المضمون حديث عنهم (عليهم السلام) ـ فاللازم انطباق الخلافة على إنسان يزاول الحكم، وليس غير الفقيه بالإجماع.

بل يدلُّ عليه قوله تعالى: ((وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ))[7] فإنّ إطلاقه يشمل القضاء والحكم، وهذه الآية تدل بالتلازم على وجود الحاكم.

كما أنّ قوله سبحانه في صدر الآية: ((أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها))[8] ، تدل بالتلازم على وجود الأمانة والأمناء، وقد ورد في الحديث[9]: (أن تؤدوا) متعلق بالأئمة وإنّ (إذا حكمتم) متعلق بالأمراء وإنَّ (أطيعوا) خطاب عام لجميع المسلمين، لكنْ في دلالة بعض هذه الآيات ولو بالضمائم المذكورة نظر، وإنْ كان في المجموع كفاية.

وأمّا السنة: فهي روايات كثيرة، كمقبولة عمر بن حنظلة، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: (ينظرون من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر قي حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم الله وعلينا رد، والرادُّ علينا كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله)[10].

وعن أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألت وقلت من أُعامل وعمن آخذ وقول من أقبل؟ قال (عليه السلام): العمري ثقتي، فما أدى إليك عني فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثقة المأمون. قال: وسألت أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك فقال: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان[11].

وعن أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو قد أدي في شيء من الأخذ والعطاء أنْ تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يحاكم بعضكم بضعاً إلى السلطان الجائر[12].

وهذه الرواية تدل على الشورى في الحكم ـ كما سيأتي ـ.

وعن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري، أنْ يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجتي عليكم، وأنَّا حجة الله[13].

وكالمروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنّه قال: اللَّهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله، من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي[14].

ومثل ما ورد في صحيحة القداح، عن الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث: فإنه بعد ألاّ يشمل (إرث المال) مطلق شامل لإرث العلم والمنصب: إن العلماء ورثة الأنبياء[15].

وما ورد من أنّ علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل[16].

وما ورد من أنّ علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي.

وما في الفقه الرضوي: (منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل)[17].

وما ورد من قوله (عليه السلام): (العلماء حكام على الناس)[18].

وما ورد في رواية الإمام الحسين (عليه السلام): (مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء)[19].

وفي كتاب الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة: (والله، ما الإمام إلاّ القائم بالقسط الحاكم بالكتاب، الحابس نفسه على ذات الله تعالى)[20].

وفي حديث، عن أمير المؤمنين أنه قال لولده محمد: تفقه في الدين، فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء[21].

وفي رواية الكراجكي، قال علي (عليه السلام): الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الملوك[22].

وعنه (عليه السلام) قال: كلُّ حاكم يحكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت[23]ـ الحديث.

وما رواه العلل، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال فيه: فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة؟ قيل له: لأنّه لما لم يكن في خلقهم وقولهم ما يكملون به مصالحهم، وكان الصانع متعالياً عن أن يرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهراً لم يكن بدا بينه وبينهم معصوم يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويوقفهم على ما يكون فيه إحراز منافعهم ودفع مضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته، لم يكن في مجيء الرسل منفعة، ولا سد حاجة ولكان إثباته عبثاً بغير منفعة ولا صلاح، وليس هذا من صفة الحكيم، الذي أتقن كل شيء، فإن قال: فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ فقل: لعلل كثيرة منها: إنّ الخلق لما وقفوا على محدود وأمروا ألاَّ يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم عن التعدي والدخول فيما حُظر عليهم، لأنه إن لم يكن ذلك كذلك، لكان أحد لا يترك لذاته ومنفعته لفساد غيره فجعل عليهم قيماً يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام، ومنها أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل عاشوا وبقوا إلاّ بقيم ورئيس، لما لا بد لهم من أمر الدين، والدنيا فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق، ممّا يعلم أنه لا بد لهم ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوّهم ويقسمون به فيئهم، ويقيم له جمعتهم وجماعتهم، ويمتنع ظالمهم من مظلومهم، ومنها أنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً، لدرست الملة، وذهب الدين، وغيرت السنة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلاف أهوائهم، وتشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيماً حافظاً لما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) لفسدوا على نحو ما بينا، وغيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وفي ذلك فساد الخلق أجمعين.

وفي المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويتمتع فيها الكافر، ويقاتل بها العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به ويستراح من فاجر[24].

أقول: حيث إنّ الفاجر غير مأذون عن الله، فالبرُّ هو المأذون، وليس في زمان الغيبة إلاَّ الفقيه الجامع للشرائط.

وفي رواية، عن الصادق (عليه السلام) قال: ما زالت الأرض إلاّ ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام، ويدعو إلى سبيل الله[25].

حيث إنّ في زمان غيبة الإمام (عليه السلام) ليس يوجد حجة معصوم يدعو فلا بد وأن يكون الفقيه.

ومثله المروي عن إكمال الدين، عنه (عليه السلام) قال: (إنه تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلاّ فيها عالم، يعلم الزيادة والنقصان، ولولا ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم[26]). إلى غيرها من الروايات التي دلالتها كسندها لا بأس بهما، وإمكان المناقشة في بعضها لا يضر، وقد ذكرنا جملة من المناقشات وأجوبتها في شرح العروة.

وأما الإجماع: فقد استدل به للولاية العامة، فقد نقل الإجماع على ذلك.

فعن المحقق الكركي أنه قال: اتفق أصحابنا على أنَّ الفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربما استثنى بعض الأصحاب القتل والحدود.

أقول: لعل مقصوده ببعض الأصحاب ابني زهرة وإدريس، كما حكى عنهما كما حكى الإجماع عن الشيخ (ملا كتاب) وعن البلغة أن حكاية الإجماع على ذلك فوق حد الإحصاء.

وعن العوائد، أنه نص عليه كثير من الأصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلمات، بل لعله الظاهر من المستند في بحث القضاء حيث ادَّعى الإجماع على وجوبه، وعلله بتوقف نظام نوع الإنسان عليه.

أقول: ويؤيد ذلك مؤيدان:

الأول: إنّ جمهرة كبيرة من العلماء كانوا يتصرفون في شؤون الدولة والسياسة العامة، أمثال كاشف الغطاء الكبير، حيث أجاز للملك القاجاري (فتح علي شاه) أنْ يزاول أعمال الدولة بالنيابة عنه، وحجة الإسلام الشفتي، والسيد المجاهد، والسيد المجدد، والشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي، والسيد محمد كاظم صاحب العروة، حيث أفتى بإخراج العثمانيين، والآخوند صاحب الكفاية، والسيد الحبوبي.

أمَّا مزاولة الكركي والمجلسي والبهائي والمير الداماد وغيرهم للحكم في أيام الصفويين، فغني عن الكلام، إلى غيرهم من العلماء الكبار ممّا لا يخفى على من راجع أحوالهم (قدس الله أسرارهم)، بل لم نجد عالماً تسنى له ذلك فلم يقدم عليه، بل في كثير من القرى والأرياف في إيران والهند وپاكستان وأفغانستان والعراق ولبنان وغيرها يحكم العلماء ووكلاؤهم.

الثاني: إنّه يستفاد اتفاق الفقهاء على ثبوت الولاية للفقهية في مواضع كثيرة من الفقه ويعللون الحكم بالولاية، كما لا يخفى على من راجع الفقه.

مثل قولهم: بوجوب دفع الزكاة إلى الفقيه ابتداءً أو بعد طلبه.

وقولهم: بوجوب دفع ما بقى من الزكاة في يد ابن السبيل، بعد وصوله إلى بلده إلى الفقيه، ومثل وجوب دفع الخمس بإجازة الفقيه، أو إلى نفس الفقيه ومثل أن الفقيه مكلف بصرف الخمس والزكاة في مواضعها المقررة.

وقولهم: بوجوب استيجار الأرض المفتوح عنوة من الفقيه.

وقولهم: لا يجوز الجهاد ولا الدفاع إلاّ بإذن الفقيه.

وقولهم: بولايته على ميراث من لا وارث له.

وقولهم: بأنه ولي الصغير في زواجه.

وقولهم: في توقف إخراج الودعى الحقوق على إذنه.

وقولهم: بطلاق المرأة التي غاب زوجها وجبره طلاق من لا يعاشر زوجته بالحسنى.

وقولهم: بولايته في إجراء الحدود.

وقولهم: بولايته في أداء دين الممتنع من ماله.

وقولهم: إنّه المرجع في الهلال، وفي القضاء بكل شؤونه.

وقولهم: بأنّه يقبض الوقف على الجهات العامة.

وقولهم: بتوقف التّقاص من مال الغائب على إذنه، وكذلك إذا امتنع الحاضر.

وقولهم: بجواز إجازته لبيع الوقف، حيث يجوز بيعه.

وقولهم: بأنّه يقبض الحق عن كل ممتنع لقبض حقه مثلما إذا امتنع الدائن عن قبض الدين، أو امتنع المشتري من قبض الثمن، أو البائع من قبض الثمن إلى غير ذلك.

وقولهم: بأنّه الذي يحجر على المفلس، والسفيه، والمجنون.

وقولهم: بأنّه يضمُّ إلى الوصي الخائن أو العاجز من يشرف عليه.

وقولهم: بأنَّه يعزل الخائن إذا لم ينفع الضمّ.

وقولهم: بأنَّه يقيم الوصي لمن مات وصيه أو انعزل، وأنّه يقيم الوصي والولي لمن لا وصي له ولا ولي له، إذا احتاج إلى ذلك.

وقولهم: بأنَّه يضرب أجل العنّين، وأنه يبعث الحكمين من أهل الزوجين، وأنّه يجبر الممتنع على أداء النفقة لزوجته أو سائر واجبي النفقة، وأنه يجبر المظاهر على أحد الأمرين.

إلى غيرها من الموارد الكثيرة جداً، بل إنا لم نجد مصنفاً في الفقه إلاّ وفيه كثرة من هذه المسائل، كما لمن نجد فقيهاً في التاريخ ولا فقيهاً معاصراً إلاَّ وكان مزاولاً هذه الأعمال، حتى إذا كان من أشد المحتاطين، بل قد رأينا جملة منهم يرون أنفسهم من أولي الأمر، الذين قال الله عنهم: ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))[27] بمقتضى أن ظاهر الآية وجود ولي الأمر الظاهر في كل زمان، وليس كل في زمان الغيبة إلاّ الفقيه الجامع للشرائط، ولذا يسمون بنائب الإمام.

أمّا ما ورد في تفسيرها بأنَّ المراد الأئمة (عليهم السلام)[28] فهو من باب المصداق، كما هو الظاهر من غالب تفسير الآيات المطلقة بمورد خاص.

وأمّا العقل؛ فمن وجهين:

الأول: إنَّه من القبيح أن يترك الحكيم أمته بدون قائد ينظم أمورهم ويصلح فاسدهم ويرشد ضالهم ويقيم أودهم، ويأخذ من غنيهم لفقيرهم، ويحارب أعداءهم، ويسالم أولياءهم، ويرفع عوزهم، سواء أكان الترك يسبب الفوضى والهرج والمرج أم يؤُل إلى استبداد الظالمين وسيطرة الطغاة والمفسدين، وهذا هو المشاهد في من ترك داره وعائلته، فكيف بمن ترك بلده حتى ينتهي إلى من يترك كل البشر.

لا يقال: لا يقبح ذلك بعد أن عين الله الإمام وقتله الناس أو سببوا اختفاءه؟

لأنه يقال: بالنسبة إلى المسببين لا يقبح، أمّا بالنسبة إلى غيرهم فهو قبيح، كما إذا عين الأب خلفاً له على عائلته إنساناً فقتله أحدهم، فإن ترك الأب إنساناً آخر بالنسبة إلى بقية الأفراد قبيح، ولا ينقض ذلك بأنّه لم يخلِّف الله إماماً آخر مع أنَّه البديل من الإمام المقتول أو النائب، فحاله عدم لا خلاف للفقيه حال عدم الإخلاف للإمام.

لأنّه يقال: النقص غير وارد، لأنَّ الإمام الخلف أيضاً كان يقتل أو يشرد، لما جبل عليه المتكبرون من عدم تمكنهم رؤية الإنسان المتصل بالسماء المتصرف في الكون، بخلاف من ليس كذلك وإنّما يدير شؤونهم، ولذا كان الناس يحسدون الأنبياء والأئمة بما لا يحسدون مثله الفقهاء والرؤساء.

الثاني: إنّ علة بعث الأنبياء والأئمة موجودة في نصب الرئيس، فإنهم ذكروا أنّ النصب واجب على الله، لحفظ البلاد ونظم أمور المعاش والمعاد.

قال السيد الطباطبائي في النجم الثاقب:

نصب الإمام حافظ الزمام *** لطف من الله على الأنام

فإنه مقرب للطاعة *** وقائد الناس إلى الإطاعة

فكما وجب النصب عقلاً بالنسبة إلى النبي والإمام، وجب النصب عقلاً بالنسبة إلى القائم مقامها، ويؤيد العقل أنّ النبي والإمام ينصبان الوكلاء والنوّاب في مختلف البلاد عند وجودهما مع أنّ الأمر حال الوجود أهون من حال الغيبة؛ لإمكان الوصول إليهم (عليهم السلام) حال الحضور، بخلاف حال الغيبة، ومع أنَّ أمر بعض البلاد أهون من أمر كل البلاد، فالنصب لكل البلاد في حال عدم إمكان الوصول (للغيبة) أولى.


[1] ـ سورة البقرة: الآية251.

[2] ـ سورة الحج: الآية 40.

[3] ـ سورة ص: الآية 30.

[4] ـ سورة البقرة: الآية 30.

[5] ـ سورة ص: الآية 24.

[6] ـ سورة النساء: الآية105.

[7] ـ سورة النساء: الآية 58.

[8] ـ سورة النساء: الآية 58.

[9]  تفسير البرهان : ج1 ص 380 ح13.

[10] ـ الوسائل: ج18 ص98 الباب11ح1.

[11] ـ الوسائل: ج18 ص99 الباب 11ح4.

[12] ـ الوسائل: ج18ص100 الباب11ح6.

[13] ـ الوسائل: ج18 ص101 الباب11ح9.

[14] ـ الوسائل: ج18 ص100 الباب 11ح7.

[15] ـ الوسائل: ج18 ص53 الباب8 ح2.

[16] ـ المستدرك: ج3 ص189 الباب 11ح30.

[17] ـ فقه الرضا: ص3338 الباب 89.

[18] ـ المستدرك: ج3 ص189 الباب 11 ح30.

[19] ـ تحف العقول: ص169.

[20] ـ البحار: ج44 ص 334 الباب 37.

[21] ـ البحار: ج1 ص216 الباب6 ح32.

[22] ـ المستدرك: ج3 ص188 الباب 11ح17.

[23] ـ المستدرك: ج3 ص 173 الباب 4ح7.

[24] ـ نهج البلاغة : الخطبة رقم 40.

[25] ـ إكمال الدين: ص203 ح11.

[26] ـ  الكافي : ج1 ص136 ح3.

[27] ـ سورة النساء: الآية59.

[28] ـ تفسير العياشي.: ج1 ص252ح173.