أنواع الحكم وأساليبه

مسألة ـ3ـ الحكم عند الناس على أنواع:

1.   الملكية المطلقة الوراثية.

2.   والملكية المطلقة الانتخاباتية، بحيث إذا مات الملك لا يرثه وارثه ليكون ملكاً، بل ينتخب الشعب ملكاً آخر، بخلاف القسم الأول حيث يكون ابنه، أو ابن عمه، أو ما أشبه، ملكاً مكانه.

3.   والحكومة الإشرافية، بأنْ تحكم الأشراف البلاد، كما كان كذلك حكم مكة قبل فتح الإسلام لها.

4.   الحكومة الانتخاباتية من أهل الحل والعقد، كما نرى مثل ذلك الآن بالنسبة إلى (البابا) المسيحيين، حيث إنه إذا عزل البابا أو مات، يجتمع أهل الحل والعقد عندهم لينتخبوا مكانه شخصاً آخر، وعلى الشعب السمع والإطاعة بعد ذلك، لأنَّهم هم الذين قرّروا هذه الكيفية في الحكم.

5.   الحكومة الانتخاباتية الشعبية بأنْ يكون الشعب هو المنتخب لرئيسه هذه أقسام الحكم.

أمّا الحكومة الانقلابية؛ التي تعارف في هذا الزمان بمساعدة المستعمرين فهي حكومة دكتاتورية من النوع الثاني غالباً، فلا تكون قسماً جديداً.

أمَّا الحكومة الإسلامية، فالكلام فيها في أمرين:

الأول: كيف حكم الرسول (صلى الله عليه وآله) وخلفاؤه، بالحق أو الباطل؟

الثاني: ماذا يُستفاد من الأدلة؟

أمَّا الأول: فمن الواضح أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) جاء إلى الحكم بواسطة أعوان، جمعهم حول نفسه بأخلاقه الكريمة، وبانجذابهم إلى الإسلام، بسبب ما رأوا فيه من الصلاح والفائدة، ولمسوا فيه من الحق والحقيقة، ولمّا هاجمهم الكفار، حاربوهم، وانتصروا عليهم، وأخذوا يوسعون رقعة سلطانهم جزاءً لاعتداء المعتدي، فلم تكن حرب من حروب الرسول (صلى الله عليه وآله) حربَ ابتداءٍ ـ وإن كانت حرب الابتداء صحيحة لأمرين (في سبيل الله) و (في سبيل إنقاذ المستضعفين) كما قال تعالى: ((وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ))[1] لكن رسول (صلى الله عليه وآله) بحكمته الفائقة المستقاة من إرشاد الله سبحانه كان يعلم أنه لا يحتاج إلى الهجوم حتى تشوه سمعة الإسلام، بأنَّه دين السيف ويلتبس على الناس العوام أمره، ويكون سبباً لتنفير الناس، بل كان يعلم أن الزمان كفيل بطغيان الكفار وهجومهم عليهم، ممّا يعطي الرسول (عند الناس) تبرير فتح بلادهم، وكان كما رأى الرسول (صلى الله عليه وآله)، فكانت كل حروب الرسول دفاعية، حتى استولى على ما استولى عليه من البلاد والعباد في أنظف حرب عرفها العالم قبله وبعده، ولو أنَّ المسلمين اتخذوا هذه الخطوة الحكيمة في حروبهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، لما تمكن الأعداء أنْ يتهموا الإسلام (إلى اليوم) بأنه دين السيف، ولم يقف ذلك سداً دون تقدم المسلمين، ولذا اعترف الكاتب المشهور (العلائلي) بأنَّ عمر أخطأ في أسلوب حروبه.

هذا ولكن مع ذلك جاء غير واحد من المنصفين ليبرئوا الإسلام عن كونه فتح البلاد بالسيف، ومنهم الرجل الفاضل المسيحي في كتابه (الدعوة الإسلامية) ونحن لسنا بصدد تفصيل الكلام في ذلك.

لا يقال: إذا كان عمر قد أخطأ في أسلوب حروبه فلماذا ساعده الإمام (عليه السلام) في توجيهه؟

لأنّه يقال: إنّما فعل الإمام ذلك تقليلاً للمشكلة، فإنّ الخطأ لو كان اثنين في سلوك الخليفة صار بسبب توجيه الإمام خطأً واحداً ـ مثلاً ـ فهو (عليه السلام) كما وجهه في الأمور القضائية والأحكام الشرعية وحل المشاكل السياسية،كذلك وجهه في الأمور العسكرية، والفتوحات، والحروب.

وكيف كان، فنوع من توسعة الرسول لأراضي الإسلام كان بالحرب، ونوع كان بعد نقض المعاهدة كفتح مكة، ونوع كان بطلب أهلها، كما في المدينة المنورة، وفي الأراضي التي جاء أهلها ودخلوا في الإسلام طوعاً، ونوع كان لتسليم أهلها للرسول ومصالحتهم له بدون حرب، كفدك والعوالي، وهكذا أرسى الرسول (صلى الله عليه وآله) حكومة الإسلام فإذا أخذ بلداً بالسلم أو بالحرب جعل له (والياً) إما من نفس الجماعة، وإما أحداً من المسلمين وأرسل إليهم ـ إن أسلموا ـ من يعلمهم الكتاب والسنة.

هذا بالنسبة إلى حكم الرسول (صلى الله عليه وآله)، أما بالنسبة إلى حكم من بعد الرسول، فهناك تفصيل بين عقيدة المسلمين في من هو الحاكم، وكيفية وصوله إلى الحكم، وبين عملهم خارجاً، وبين الأمرين عموم من وجه، فقد يكون الحاكم هو الذي يعتقد أن يكون حاكماً، ويكون وصوله إلى الحكم بالطرق المشروعة لديهم، وقد يفترقان، فبالنسبة إلى العقيدة، وبالنسبة إلى ما وقع خارجاً، يمكن تفصيل الكلام هكذا:

أهل السنة يعتقدون على الأغلب أن من جاء إلى الحكم بأية كيفية كانت، كان هو من (أولي الأمر) الذين عناهم الله تعالى بقوله: ((أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))[2] وهذا وإن لم يكن اعتقاد كل أهل السنة، إلاّ أنه اعتقاد رائج فيهم، وقد رووا لتأييد ذلك روايات مذكورة في مصادرهم مما ليس يهمنا الآن نقلها.

والشيعة يعتقدون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) من بعده عين خلفاءه الأئمة الإثني عشر، وهم: علي، والحسن والحسين، وعلي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، وعلي، والحسن، والمهدي (عليهم السلام)، وذلك التعيين كان بأمر الله، فهم أيضاً بالنص.

والأئمّة (عليهم السلام) عينوا الفقيه لأمور الدين نائباً عنهم، بقولهم (عليهم السلام) (مجاري الأمور والأحكام بيد العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه)[3].

(أمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)[4].

(أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)[5].

هذا كله بالنسبة إلى نظرة السنة والشيعة إلى الحكومة الإسلامية الشرعية.

أمّا الخلافة والإمارة والسلطة التي حدثت في البلاد الإسلامية.

فأنّ أبا بكر: انتخب بمبايعة جماعة من المسلمين كانوا في المدينة.

وعمر: عين بأمر خاص من أبي بكر.

وعثمان: انتخب بموافقة أربعة من أهل الشورى، الذين عينهم عمر.

وعليٌّ (عليه السلام): انتخب بمبايعة جماعة من أهل المدينة ومصر والكوفة ـ من الثائرين على عثمان.

ومعاوية: أمّره بالسيف، وسائر بني أمية ورثوا الأمر، حتى عمر بن عبد العزيز.

والسفاح: أمّره أبو مسلم الخراساني، وسائر بني العباس ورثوا الأمر.

والفاطميون، والعثمانيون، والصفويون، والبويهيون، والزيديون، وغيرهم... وغيرهم... قام أمرهم بالثورة أولاً، والوراثة ثانياً.

وإنِّي لا أريد القدح في جميع هؤلاء الخلفاء والأمراء فبعضهم كان جديراً بالحكم، ثم إنّ في المقام أمراً، تحسن الإشارة إليه، وهو أنّ بعض علماء أهل ألسنة المعاصرين زعم أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان حكمه اضطرارياً، حيث إنه لم يكن هناك من يسد فراغ الحكم، وإلاَّ فليس شأن الرسول (صلى الله عليه وآله) إلاّ ما حدده القرآن الحكيم بقوله: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ))[6] وهذا النوع من الفكر نشأ من الفكرة الغربية من (فصل الدين عن السياسة) التابعة لزعمهم (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر).

وكيف كان منشأ هذه الفكرة، فإنها غلط كبير، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) زاول الحكم، كما زاول التنظيم والتشريع وغير ذلك، وفي القرآن الحكيم آيات كثيرة تبين حكم الأنبياء وحكم الرسول (صلى الله عليه وآله) ((إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ))[7] ثم هل الحكم إلاّ

1.    (تجهيز الجيوش) وما يتبعه من (حفظ البلاد).

و2. جمع المال وصرفه في المصالح.

و3. فصل الخصومات.

و4. تقديم الأمة والبلاد إلى الأمام.. والكل كان يزاولها الرسول (صلى الله عليه وآله) وفي الكل وردت آيات من القرآن الحكيم، كما وردت السنّة المطهرة المتواترة، ومن أصلح من الرسول (صلى الله عليه وآله) وخلفائه الطيبين من مزاولة الحكم ونشر العدل؟.

هذا كله في الأمر، أما الأمر الثاني وهو ماذا يستفاد من الأدلة في كيفية الحكم فنقول: قامت الأدلة الأربعة على أمرين:

الأول: أن يكون الحكم حكم الله سبحانه، وقد اشتهر بين بعض من لا خبرة له، أن حكم الله متطور يقصدون بذلك إمكان تغيره حسب الزمان والمكان، وهذا غير صحيح إجماعاً وضرورةً، إذ معنى ذلك عدم بقاء الحكم، وكل مسلم يعلم بالضرورة أنه لا يمكن تغيير حكم الله بأي اسم كان، بالإضافة إلى قوله (صلى الله عليه وآله): (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد (صلى الله عليه وآله) حرام إلى يوم القيامة) [8])، والمراد بالحلال؛ ما يقابل الحرام من الأحكام الثلاثة: المندوب، والمكروه، والمباح، لأنَّ كلها حلال مع ترجيح في الفعل أو الترك، أو بدون ترجيح الذي هو المباح، لأن كلها حلال مع ترجيح في الفعل أو الترك، أو بدون ترجيح الذي هو المباح، فالحرام شامل للواجب الحرام تركه، والمحرم الحرام فعله، ويشمل الحلال الثلاثة الأخر، ثم لنرى هل التطوَّر في العقيدة وهذا ما لا يعقل، فالتوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد هي هي، لا يعقل تغيير الأربعة الأول، والمعاد لا يمكن تغييره، فإن الله سبحانه لا يخلف الميعاد، أو في الفضيلة، وهل يعقل أنْ يتبدل الصدق رذيلة؟ والكذب فضيلة؟ أو الكرم رذيلة والبخل فضيلة؟ إلى آخر القائمة، أو في الحرام والحلال، فإنَّهما وضعا حسب النفع والضرر، فالخمر ضارة والماء نافع، مهما تبدلت الأزمان والأمكنة، أو في المعاملات والعبادات والأحوال الشخصية والحدود وغيرها، والكل وضعت حسب حكمة دقيقة يصل العقل إلى بعضها، مما لا مجال في المقام إلى شرحه، وقد ذكرنا جانباً منها في كتاب (عبادات الإسلام) وغيره.

نعم، لا إشكال في تغيير بعض الأحكام لظروف استثنائية، مثل حلية الخمر للمضطر، أو حرمة بعض المباحات لمن يضره ذلك كالمريض، ومثل حرمة الصدق الضار، وجواز الكذب لدى الاضطرار، لكن التطور المزعوم شيء، والحالات الاستثنائية شيء آخر.

نعم، يدخل التطور في مصاديق القواعد العامّة، فإذا تبدل مصداق بمصداق أو دخل في الوجود مصداق لم يكن سابقاً شملته القاعدة العامة، مثلاً الصحافة لم تكن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ثم حدثت، فالحرية الإسلامية المبينة بقاعدة الناس مسلطون على أنفسهم[9] تشملها، وكذلك القنبلة الذرية؛ لم تكن في زمانهم (عليهم السلام)، فلما تطور السلاح إليها شملته آية: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)) [10] إلى غيرهما من الأمثلة.

ثم اللازم أن يكون الحاكم الأعلى كفوءاً لإدارة البلاد، وهذا غير المرجع للتقليد الذي لا يشترط أن يكون كفوءاً، ويدل على عدم اشتراط الكفاءة الدنيوية في مرجع التقليد الأصل، ولذا لم يذكره الفقهاء في شرائط المقلد، هذا إذا كان لمجرد أخذ الفتوى لا الإدارة، ممّا يزاولها فقهاؤنا في أغلب الأعصار والأمصار، أمّا إذا أراد الإدارة فاللازم الكفاءة أيضاً.

وكيف كان، فيدل على لزوم الكفاءة في رئيس الدولة أمران:

الأول: انصراف الأدلة عن غير الكفوء، كما قالوا بانصراف الأدلة عن القاضي، والشاهد، والفقيه، والراوي الذي غلب عليه النسيان والسهو، ونحو ذلك.

الثاني: إنّه يوجب إضرار المسلمين، ولا ضرر ولا ضرار[11].

ثم إن الكتاب والسنّة والإجماع ـ بل الضرورة ـ دلت على لزوم كون الحكم حكم الله، وكلها من الوضوح، بحيث يستغنى عن الذكر، وقد أشكل بعض المتجددين على لزوم مطابقة حكم الرئيس الأعلى للأحكام الإسلامية، بل جعلوا له الحق في تشريع القانون بأمور:

الأول: ما ينقل عن بعض الكتاب، من أنّ دين الإسلام متطوّر والتطوّر يجوِّز جعل القانون، مع الاحتفاظ بروح الشريعة، مثلاً الربا كان حراماً، لأنّه كان ضارّاً أما من حيث رفع ضرره وتوقف الاقتصاد عليه حلَّ، والبنت كانت تبلغ وعمرها عشر سنوات حين كان الناس بدائيون، أما حيث تحضّر الناس فبلوغها يكون في السادسة عشرة، وإنما جاز أربع نساء لكثرة النساء، أما حيث دلت الاحصاءات على التساوي تقريباً فلا يجوز إلا امرأة واحدة، ولحم الخنزير كان محرماً لشموله على الديدان، أما إذا عقم حل، وهكذا فاللازم ملاحظة روح الدين لإشكالياته فالدين مثاله مثال الطين الذي يبقى طيناً، وإن تبدلت أشكاله من لبنة إلى كوز إلى كأس إلى كوب، إلى غيرها.

الثاني: أمّا ما نسب إلى القادياني، من أن فيض الله عام في النبات، والحيوان، والإنسان، والجماد، فلماذا لا يكون فيضه عاماً في النبوّة، فكما أنّ سائر الموجودات مستمرة من أول الخلقة إلى انقراض العالم، فلتكن النبوّة كذلك، فرسول الإسلام (خاتم النبيين) أي زينهم، لا أنه لا نبي بعده، كل عبقري يأتي بعده هو نبي أيضاً وله التشريع، وإنْ كان مسلماً معترفاً برسالة نبي الإسلام.

الثالث: ما ذكره بعض الكُتَّاب الذين نسبوا أنفسهم إلى الإسلام، من أنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله) خاتم، لا نبي بعده، إلاَّ أنَّهُ خاتم أي لا يأتي بعده نبي، لا أنّه لا يأتي العقل بقانون أفضل من قانونه، وأكثر انطباقاً على الزمان، فالرسول؛ لا يحتاج البشر إلى رسول ـ من بعده ـ بمعنى أنه كمل العقل بتفجير الرسول (صلى الله عليه وآله) إياه، وبهدى العقل يتمكن الإنسان أنْ يسير في الحياة ويضع القوانين الملائمة لكل زمان ومكان، وإن كان خلافاً للقوانين التي وضعها الرسول (صلى الله عليه وآله)، لأنها كانت لزمانه ومكانه (صلى الله عليه وآله) فقط.

أقول: هذه الإشكالات كلها خلاف ضرورة المسلمين، بالإضافة إلى ما يرد على كل واحد منها، أما أن المعيار روح الدين لا شكله فهو باطل، فإنَّ الأدلة المتواترة دلت على أن حكم الله لا يتغير، وأنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد (صلى الله عليه وآله) حرام إلى يوم القيامة، ولو قيل بالروح وعدم أهمية الشكل، لكان بالإمكان تغيير كل حكم، هذا بالإضافة إلى أنّ الأمثلة كلها غير صحيحة، فالرِّبا ضار إلى الأبد، وقد ثبت في العلم الحديث ضرره على الفقراء، كما كان ضاراً من قبل وسيبقى ضاراً إلى الأبد، والبنت تبلغ الآن كما كانت تبلغ قبل ذلك، ولذا تظهر مواهبها عند الرشد، كما قال تعالى: ((فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ))[12] والنساء كثيرات إلى اليوم لأنهن أطول أعماراً وأكثر أفراداً، ولأن الرجل تحصده الحرب ونحوها، ولحم الخنزير قذر في نفسه وإن عقمت المكروبات التي فيه، وكل هذه الأمور مذكورة في كتب مفصلة ليس الآن محل ذكرها.

وأمَّا الإشكال الثاني؛ فيرد عليه أولاً: بالنقض بالحيوانات التي اندثرت، والنباتات التي هي كانت ثم بادت والإنسان (النسناس) الذي باد، وماذا يقول في الجماد، (النفط) بعد نضوبه، وكذا سائر المعادن، وبالنقض بانتهاء العالم، وبالنقض بأنَّ الله كان ولم يكن فيض؛ إذ العالم حادث، وبالنقض بأنه لماذا لم يكن بين نوح وإبراهيم، وبين إبراهيم وموسى، وبين موسى وعيسى، وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم، أنبياء من طرازهم؟ وبالحل ثانياً بأنَّ الفيض بحاجة إلى المقتضي وعدم المانع، ومن أين يفيض النبوة مقتضي وليس له مانع، بل الأدلة الدالة على أنه لا نبي بعده (صلى الله عليه وآله) دليل على أحد الأمرين من عدم مقتضي الوجود المانع.

وأمَّا الإشكال الثالث؛ فيرد عليه، إنَّ الأدلة دلت على دوام حكم الإسلام، وانه يقود الإنسانية خطوة خطوة إلى الاستقامة ومصالحها إلاّ أنّ النبي فجر الطاقة، والطاقة الإنسانية تكون هادية له في طريقه الطويل.

وكيف كان، فهذه شبهات في قبال البديهة، وقد قامت الضرورة على خلافها، هذا تمام الكلام في دلالة الكتاب والسنة والإجماع على لزوم العمل بحكم الله وإنّ الحاكم الإسلامي لا يحق له أنْ يعمل بغير حكم الله حتى في أصغر الأشياء.

ففي صحيح أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عزّ وجلّ فهو كافر بالله العظيم[13]، إلى غيرها من الروايات، والمراد إذا أنكر حكم الله فهو منكر للضروري، أو المراد الكفر العملي، ففي جملة من الأحاديث، بل بعض الآيات إطلاق الكفر وإرادة الكفر العملي.

أما العقل؛ فهو يدل على ذلك، بضميمة أنّ الله سبحانه أعلم بمصالح العباد، وحكمه خالٍ عن الأهواء والميول، فهو أحق الأحكام لصلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

الثاني: أنْ يكون الحكم برضى الناس، بعد توفره للشروط المقررة في الشريعة من الفقاهة والعدالة وغيرهما، قال (عليه السلام): (من كان من الفقهاء صائناًُ لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أنْ يقلدوه)[14]، والتقليد ليس في الأمور الفردية والعائلية فقط، بل عام لكل الأمور الشاملة للسياسة والاقتصاد وغيرهما.

ومن نافلة القول: أن نقول: إنّ الصفات الأربع المذكورة في الرواية تشير إلى صفتي النفس، وصفتي العمل من ناحيتي السلب والإيجاب، فصيانة النفس حفظها بالملكات الفاضلة، ومخالفة الهوى طرد الرذائل عنها، وحفظ الدين عدم الانسياق وراء المحرمات، وإطاعة أمر المولى والإتيان بالواجبات.

وكيف كان فاللازم أنْ يكون الحاكم فقيهاً جامعاً للشرائط، لأنه هو الذي عينه الرسول والإمام للحكم في زمان الغيبة (وإن كان يصح إيكاله لإنسان لائق بالقيام بالتنفيذ، كما عَيَّن كاشفُ الغطاء (ره) (فتح علي شاه) مما هو مذكور في كتابه ـ كشف الغطاء ـ) فإذا اتحد الفقيه الجامع للشرائط كان هو الحاكم دون غيره، لكنّه فرض نادر جداً، وإنْ تعدد فالأمة مخيرة في جعل الكل شركاء في الحكم، أو انتخاب أيهم لتولي منصب الحكم فحال الحكم حال التقليد، حيث يتخير العامي في تقليد جميعهم أو أيّهم شاء ـ كما ذكرناه في كتاب التقليد في شرح العروة الوثقى ـ والدليل على أنَّ ذلك بيد الأمة.

الأول: الأصل، حيث إنّ الشارع لم يعين أحدهم، فالأصل يقتضي إباحة اختيار أي منهم، فكل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي[15]، ويؤيده أنه الأقرب إلى الحرية الممنوحة للمسلم، حسب قوله: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ))[16] وربما يستأنس له بما نشاهده في سائر الأحكام فالإنسان مخير في تقليد أي مرجع، ومراجعة أي قاضي إسلامي، والصلاة خلف أي إمام عادل، إلى غير ذلك.

الثاني: قوله سبحانه ((وَأَمْرُهُمْ شُورى))[17] بتقريب أنه لما كان لنصب الحاكم واجبٌ لتوقف إدارة البلاد عليه، وكون عدمه يوجب الهرج والمرج واختلال النظام، الذي هو من أشد المحرمات في الإسلام، لم يعين طريق خاص لنصبه، كان اللازم أنْ يكون من طريق الشورى، ثم للأمة أنْ تعين الحاكم الأعلى بالأصوات ـ كما سيأتي تفصيله ـ أو أنْ تعين أهل الحل والعقد الذين يعينون هم الحاكم الأعلى، وبذلك يدفع إشكال ربما يتوهم، وهو أن الانتخابات لم تكن معروفة في الطريق الإسلامية، فكيف تقولون به؟

إذ يرد عليه أولاً: إنّ طريقة أهل الحل والعقد كانت معروفة، وهي نوع من الانتخابات، وتبدل المصداق حسب رضى الناس في إطار الحكم الإسلامي غير ضائر.

وثانياً: لا يضر عدم معروفيته هذه الطريقة بعد أنْ دلَّ عليه الدليل، وكم له في التاريخ الإسلامي من نظير، ويكفي أنْ نذكر أنّ البئر في زمان المحقق كانت محكومة بالنجاسة لدى ملاقاة النجس، ثم قال الفقهاء بطهارتها، وأي مانع من أن تكون كنوز الأحكام ككنوز الكون، فكما لا يمر يوم إلاَّ ويظهر جديد من كنوز الكون، لا يمر يوم إلاَّ ويظهر جديد من كنوز الأحكام.

وثالثاً: قد كانت الشورى في الجملة، كما يدلُّ عليها قول عليّ (عليه السلام): (فيا لله والشورى)[18] ومن المعروف أن العمرين وعثمان، وعلي (عليه السلام) جاؤوا إلى الحكم بالشورى، ولو كانت الشورى ناقصة، بل أخذ البيعة لبعض الخلفاء كان بمنزلة الشورى، وإلاّ لم تكن حاجة إلى أخذ البيعة، وليس القصد تصحيح هذه الشوريات، وإنّما القصد وجود الشيء الناقص.

ورابعاً: إنّ مجيء غالب الخلفاء والأمراء كان إمّا بالسيف، وإما بالوراثة، وكلاهما لا يقررهما الإسلام، كيف ولا شك أنّ شرط الفقاهة والعدالة من شروط الحاكم، وأولئك لم يكن يتوفر فيهم أي شرط منهما، فلا بد وأن يكون للإسلام طريق آخر، وليس ذلك إلاّ الشورى، مع ملاحظة الشروط المقررة في الحاكم، وقد تقدم أنه إذا رضيت الأمة بشكل الشورى من أهل الحل والعقد كفى، وإنْ لم ترض فاللازم الشورى حسب نظرهم.

الثالث: من الأدلة أنّ التعيين بيد الأمة، رواية أبي خديجة المتقدمة، حيث قال: (اجعلوا بينكم رجلاً)[19] ودلالتها على كون الاختيار بيد الأمة ظاهر.

الرابع: إنّ التصرف في شؤون الأمة من حقهم، بعد تساوي الفقهاء، إذ الإمام لا يعين إلاّ الفقيه، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر ـ لدى تعدد الفقهاء ـ فاللازم أن يكون الذي ينتخبونه بعد أنْ لم يختاروا كلهم، إذ الطريق ثلاثة: إما حكم الكل بالاشتراك وذلك غير لازم، إذ لا دليل عليه، وإما حكم أحدهم حسب اختيار الفقهاء بأنفسهم، وذلك غير لازم قبوله على الأمة، لأنّه خلاف حريتهم، إما حكم من ينتخبونه، وهذا متعين جمعاً بين دليل الحرية، ودليل تعيين الإمام الفقيه للحكم، أما احتمال القرعة ففيه أنّه ليس مشكلاً حتى يلجأ إليها، كما لا يقال بذلك فيما إذا تعدد المجتهد، ثم إذا اختارت الأمة للحكم مجلساً فيه فقهاء متعددون، فللأمة أن تشترط عليهم الأخذ برأي أكثرهم، أو رأي بعضهم المعين لدى الاختلاف، أو تارةً هذا وتارةً ذاك، أو أن يجعلوا مرجعاً آخراً عند اختلافهم، وذلك لإطلاق الأدلة بعد أنْ لم يمكن هناك معين لأحد الآراء لدى الاختلاف.

الخامس: مقبولة عمر بن حنظلة، فقد جعل (عليه السلام) تعيين الحاكم بيد المتخاصمين، قال (عليه السلام): (ينظران من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً)[20].

السادس: ما رواه في نهج البلاغة من كتاب له عليه السلام إلى معاوية[21]، أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أنْ يختار ولا للغائب أنْ يرد، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإنْ اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا، خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإنْ أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولى إلى آخر كلامه عليه السلام، وإنما جعل (عليه السلام) الشورى في المهاجرين والأنصار فقط، لأنّ المسلمين ذلك اليوم كانوا راضين بفعلهم، وقد ذكرنا أنّ من حق الأمة أن يجعل الأمر إلى أهل الحل والعقد.

السابع: قول أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في بعض شروح نهج البلاغة يخاطب الخليفة قبله:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ

وإنْ كنت بالقربى حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب[22]

دلّ على أنّ رئاسة الأمة لا تكون إلاّ بأحد أمرين: (قربى الرسول: أي الإمام المعين من قبله (صلى الله عليه وآله) أو شورى المسلمين.

الثامن: التعليل في قوله: (وإن المجمع عليه ممّا لا ريب فيه[23]) فإنّه شامل لكل شيء، إلاّ إذا كان اجتهاداً في مقابل النص.

التاسع: ربما استدل لذلك بمفهوم آية النبأ ((إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ))[24] فإنّ تعليل عدم جواز الانسياق وراء خبر الفاسق، بإصابة القوم بجهالة، يعطي أنّ الانسياق وراء كل شيء، لا يعد في العرف جهالة لا بأس به، ومن المعلوم أنّ الانسياق وراء رأي الأكثرية في تعيين الفقيه الجامع للشرائط ليس من العمل بجهالة ـ عرفاًـ.

لكن ربما يورد عليه ما أورد على الاستفادة من الآية لحجية الشهرة الفتوائية، ويجاب عنه بالفرق بأنّ العمل بالشهرة الفتوائية ينافي العمل بالكتاب والسنة، لأنّ ما دل على العمل بهما رادع عن العمل بغيرهما، بخلاف جعل الفقيه حاكماً، فإنّ ذلك موافق للكتاب والسنة.

العاشر: ما تقدم من رواية الحسين (عليه السلام)[25]، من أنّ الإمام هو الحاكم بالكتاب، فإذا اختارت الأمة مثل هذا الشخص، كان حرياً بإدارة الأمة وحكومتهم، وقد تقدم وجه الاستدلال بمثل ذلك للمطلب في الأول من الأدلة وهو الأصل.

الحادي عشر: ما في كتاب للإمام الحسن وجهه لمعاوية قبل نشوب الحرب بينهما: (إنّ علياً (عليه السلام) لما مضى لسبيله رحمة الله عليه، يوم قبض، ويوم منَّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حياً ولاّني المسلمون من بعده... إلى أنْ قال: وادخل فيما دخل فيه الناس)[26]

وفي كلام آخر للإمام (عليه السلام)، حين قال له معاوية: (أما إنك تحدث نفسك بالخلافة) قال (عليه السلام): أمّا الخلافة فلمن عمل بكتاب الله وسنة نبيه، وليست الخلافة لمن خالف كتاب الله وعطل السنة ـ ذكرهما الأخ في كلمة الإمام الحسن (عليه السلام) ـ[27].

الثاني عشر: إنّه لو كان القاضي برضى المتخاصمين وهو تصرف في بعض شؤونهما، كان الوالي الذي يتصرف في كل شؤونهم أولى بأنْ يكون برضاهم، أمّا كون القاضي برضاهم فبالنص والفتوى، فيما إذا كان هناك قضاة متعددون.

وأما الأولوية؛ فهو واضح عند ملاحظة العرف النسبة بين الأمرين، ولو أشكل في الأولوية، فلا إشكال في صلوح ذلك أنْ يكون مؤيداً.

الثالث عشر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يأخذ بالمشورة في بعض الأمور، كما في غزوة بدر، وغزوة الأحزاب وغيرهما، وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) على عظمته يأخذ بالشورى حسب ما أمره الله سبحانه ((وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ))[28] في الأمور التي كانت أقل خطراً من الولاية، كان لزوم الأخذ بالشورى لغير النبي (صلى الله عليه وآله) الذين هم من دونه (صلى الله عليه وآله) في العقل والدراية، في الأمر الأهم الذي هو الولاية بطريق أولى، فإنا مأمورون بالاقتداء به (صلى الله عليه وآله)، حيث قال سبحانه: ((لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))[29] ولو نوقش في الأولوية فلا إشكال في كون ذلك من المؤيدات.

الرابع عشر: إنّه لا إشكال في أنّ كل نظام كان أقرب إلى طاعة الله، وأبعد عن سيطرة الظالمين، وأنفع للمسلمين فهو واجب لا يجوز التنازل منه إلى نظام ليس كذلك، ولا شك أن نظام الشورى فيه هذه الخواص، إذ ليس في قبال الشورى إلاّ الدكتاتورية، والمجتهد العادل وإن لم يكن مغيراً لأحكام الله بلا شك لغرض أنّه يفهم الأحكام، وأنّه عادل لا يغير حكم الله، إلاّ أنّه لا شك في كونه بشراً يخطئ ويصيب في تنفيذ الأحكام، ومن يختاره من المنفذين فربما كانت المصلحة الصلح مع الأعداء، وهو يحارب أو بالعكس، وربما كانت المصلحة اتخاذه فلاناً مستشاراً، لا فلان فيتخذ مستشاره من لا صلاحية له، ولا يؤمن المجتمع من هذه الأخطاء إلاّ بالانتخاب، حيث تكون صلاحيات المجتهد حينئذ محدودة بزمان خاص، وحيث يجد له الرقيب يهتم أكثر فأكثر، كما أنّ مستشاريه يهتمون في الضبط أكثر فأكثر، وبذلك يكون الحكم مأموناً من الانحراف الكثير، وهذا الدليل صغرى وكبرى لكل مطلع على الموازين الإسلامية، وعلى ما يراه الإنسان في الخارج من الواقع المعاش لدى المجتهدين العدول.

الخامس عشر: ما رواه الدعائم، عن الصادق (عليه السلام) قال: من حكم بين اثنين فأخطأ في درهمين كفر، قال الله عزّ وجلّ: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ))[30] فقال رجل من أصحابه: يا ابن رسول الله، إنه ربما كان بين الرجلين من أصحابنا النازعة في شيء فيتراضيان برجل منا، قال: هذا ليس من ذاك الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط[31]، ودلالته على اشتراط الناس بالوالي ظاهرة من الأولوية، ومن أنّ ذيله شامل للولي، فإنّ المفهوم منه أنّه لو كان برضى الناس بدون الإجبار كان جائزاً.

السادس عشر: عن الدعائم عنه (عليه السلام) أيضاً أنه قال يوماً لأصحابه: إياكم أنْ يخاصم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه[32]، ووجه دلالته ظاهر مما تقدم.

السابع عشر: عن الدعائم، فعنه (عليه السلام) أيضاً قال: ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليهم وقبولها والعمل لهم فرض من الله وطاعتهم واجبة، ولا يحل لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلّف عن أمرهم[33].

الثامن عشر: ما رواه الصدوق، عن سفيان بن خالد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا سفيان، إياك والرئاسة فما طلبها أحد إلاّ هلك، فقلت له: جعلت فداك، هلكنا؛ إذ ليس أحد منا إلاّ وهو يحب أنْ يذكر ويقصد ويؤخذ عنه، فقال: ليس حيث تذهب إليه إنما ذلك أنْ تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقه في كل ما يقول وتدعو الناس إلى قوله[34]، فإنّ المفهوم منه جواز نصب الحجة كالعالم الجامع للشرائط.

التاسع عشر: ما روي عن علي (عليه السلام) أنّه خطب بالكوفة فقال في خطبته بأنّ مثل معاوية لا يجوز أنْ يكون أميناً على الدماء والأحكام والفروج والمغانم والصدقة، المتهم في نفسه ودينه المجرب بالخيانة للأمانة، النقاض للسنة المستأصل للذمة التارك للكتاب، اللعين ابن اللعين لعنه رسول الله في عشرة مواطن، ولعن أباه وأخاه، ولا ينبغي أن يكون على المسلمين الحريص فيكون في أموالهم نهمة ولا الجاهل فيهلكهم بجهله[35] ـ الخبر ـ.

فإنّ الظاهر منه جواز جعل ذي الصفات المذكورة أميناً (أي حاكماً).

ومن المعلوم أنّ الناس هم الذين يجعلون أمانتهم عند الأمناء إلى غير ذلك، ويؤيده أنّ المعروف لدى المسلمين كان هو رضى الأمة بالحاكم الأعلى، فقد روى ابن الأثير في الكامل بما نصه[36]: (ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة، ارجفوا بيزيد واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فذكروا مسير الحسين (عليه السلام) إلى مكة وكتبوا إليه عن نفر منهم: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر وغيرهم، بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها... الخ. فإنّ ظاهره أن لزوم اختيار الأمة كان شيئاً مركوزاً في أذهانهم، ويدلّ عليه أيضاً جواب الحسين (عليه السلام) لهم ـ كما في الكتاب المذكور، وفيه فإنْ كتب إليّ (أي مسلم بن عقيل (عليه السلام)) أنه قد اجتمع (أي: ملأكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم) [37]... الخ.


[1] ـ سورة النساء: الآية75.

[2] ـ سورة النساء: الآية59.

[3] ـ تحف العقول: ص 237

[4] ـ البحار: ج2ص88 الباب14 ح12.

[5] ـ الوسائل: ج18 ص101 الباب 11 ح9.

[6] ـ سورة الجمعة: الآية2.

[7] ـ سورة النساء: الآية 105

[8]  ـ الوسائل : ج18 ص 124 الباب 12 ح 47.

[9] ـ البحار: ج2 ص272.

[10]  ـ سورة الأنفال: الآية 60.

[11] ـ العوالي: ج1 ص200 ح93.

[12] ـ سورة النساء: الآية 6.

[13] ـ وسائل الشيعة ج 18 ص 18 الباب 5 ح2.

[14] ـ بحار الأنوار: ج2 ص 88 الباب 14 ح12.

[15] ـ العوالي: ج3 ص166 ح60 ، وص 462 ح1.

[16] ـ سورة الأعراف: الآية 157.

[17] ـ سورة الشورى: الآية 38.

[18] ـ نهج البلاغة: الخطبة3.

[19] ـ وسائل الشيعة ج18ص100 الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح6.

[20] ـ وسائل الشيعة ح18ص198 الباب11 ح1.

[21] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم 6.

[22] ـ نهج البلاغة: الحكمة رقم 190.

[23] ـ وسائل الشيعة ج 18ص75 الباب9 ج1.

[24] ـ سورة الحجرات: الآية6.

[25] ـ تحف العقول ص169.

[26] ـ بحار الأنوار: ج44 ص40 الباب 19ح1.

[27] ـ كلمة الإمام الحسن (عليه السلام): ص163 ط الوفاء بيروت، عن مقتل الخوارزمي: ج1 ص125.

[28] ـ سورة آل عمران: الآية159.

[29] ـ سورة الأحزاب: الآية 21.

[30] ـ سورة المائدة: الآية44.

[31] ـ المستدرك: ج3 ص174 الباب 5 ح3.

[32] ـ المستدرك: ج3 ص172 الباب 1ح4.

[33] ـ المستدرك: ج3 ص 172 الباب1ح5.

[34] ـ المستدرك: ج3 ص187 الباب10ح7.

[35] ـ المستدرك: ج3 ص174 الباب5 ح14.

[36] ـ الكامل في التاريخ: ج4 ص20.

[37] ـ  الكامل في التاريخ: ج4 ص21.