أسماء الحكم والحاكم الإسلامي

مسألة ـ4ـ تحقق أنّ الحكم الذي يدلُّ عليه الدليل هو أسلوب الشورى، ولذا فمن الجائز أن تشق مادة منه لاسم الدولة كأن يقال: (الاستشارية الإسلامية) كما جاز أن تسمى (بالدولة..) و (الحكومة..) و (الجمهورية..) و (والإمارة..) و (الجماهيرية..) و (المملكة..) و (البلدة..) و (الرئاسة..) وغيرها، لأنّه لا مشاحة في الاصطلاح، وإنما المهم المسمى والمحتوى، وقد ورد بعض هذه الأسماء في الآيات والروايات، قال تعالى: ((إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً))[1] وقال: ((يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ))[2] وقال (صلى الله عليه وآله): (اللهم ارحم خلفائي)[3] إلى غيرها من الآيات والروايات، كما أنه ليس من المهم أيضاً أن يسمى (رئيس الدولة الإسلامية) بأي اسم كان، مثل: (رئيس المسلمين) و (أمير المسلمين) و (إمام) وفي الآيات والروايات إطلاق جملة من العبارات على الرئيس.

نعم، لا يصح تسميته (أمير المؤمنين) لما ورد من النهي عن ذلك لغير علي (عليه السلام)[4].

ثم إنه لا شك في أنّ كل بالغ عاقل، له انتخاب الرئيس، لإطلاق الأدلة، كما أنّ الظاهر لديَّ أنّه يحق لغير البالغ، والعاقل، أنْ يكون له صوت بواسطة وليه، لشمول الإطلاق له.

لا يقال: إن كان ذلك حقاً وجب، وإلاّ لم يجز؟ أما الأول؛ فلقاعدة (لا يتوى)[5].

وأمّا الثاني: فلأنه يكون حينئذ تصرفاً في حق الكبار؟

لأنّه يقال: الحقُّ موضوع عرفي إنْ وضع، ثبتت أحكامه، وإنْ لم يوضع لم تثبت أحكامه، فإنّ الحكم تابع للموضوع، ومنه يعرف الحق بالنسبة إلى المجنون أيضاً، والمرأة كالرجل في حق الانتخاب، كما أنّ لها حق انتخاب مرجع التقليد، والقاضي، وإمام الجماعة، وغير ذلك.

نعم، لا حق لها في أنْ تكون رئيسة الدولة لما ذكرناه في (كتاب التقليد من شرح العروة) من الأدلة الشرعية، ولوضوح أنّ المرأة عاطفية، ومثلها لا تصلح للأمور العقلائية، كما أنّ الرجل عقلاني، ومثله لا يصلح للأمور العاطفية، وقد أثبتت التجارب عدم استعداد المرأة بنفسها لخوض هذا الميدان، ففي البلدان التي تزعم أنّها ساوت بين الرجل والمرأة لم تصل المرأة إلى هذا المنصب، إلاّ نادراً ندرة تلحقه بالمعدوم، مع أنّ التجارب دلت على أنّ وقت تسنمها هذا المنصب اضطربت البلاد، ووقعت فيها المشاكل، كما في زمان (انديرا غاندي) في الهند وغيرها.

أمّا مدّة بقاء الرئيس في منصبه وسائر الخصوصيات؛ فترجع إلى رضاية الأمة، كما أنّ الرئيس يعزل بمجرد خروجه عن الأهلية ـ كما ذكروه في باب التقليد ـ وكذلك بانتهاء مدته لفقده حينئذ شرط رضاية الأمة، ولو اختلفت الأمة في الرئيس بأنْ انتخبت جماعة هذا، وانتخب آخرون غيره، فإن كانا متساويين، اشتركا في الحكم مع رضى الأمة بالاشتراك، أو أخرج الرئيس بالقرعة، لأنها لكل أمر مشكل[6] (إذا لم ترض الأمة بالاشتراك) في حالة الاشتراك واختلافهما يكون المرجع القرعة، أو مرجع آخر، وإنْ رضى الأمة بالمرجع الآخر لدى اختلافهما.

أمّا إذا حدث في الانتخابات أكثرية وأقلية، فالرئيس هو منتخب الأكثرية، ويدل عليه أمور:

الأول: إنّه ظاهر قوله تعالى ((وَأَمْرُهُمْ شُورى))[7] ((وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ))[8] إذ الغالب الذي يندر خلافه أن تنتهي الشورى إلى إجماع الكل، بل الغالب انتهاء الأمر إلى رأيين، أو آراء، ويكون الغلبة لرأي الأكثرية.

الثاني: ما تقدم من كتاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية مع وضوح أنّه لم يبايعه كل المسلمين ولا كل أهل الحل والعقد، مع أنّ ظاهر الكتاب كفاية هذا القدر في التعيين ولم يكن ذلك إلاّ الأكثرية.

الثالث: شعرُ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (فإنْ كنت بالشورى)[9] ، ووجه الاستدلال به ما تقدم في الأمر الأول (أمرهم شورى).

الرابع: التعليل في قوله (عليه السلام): (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه)[10] بعد كون المراد به الشهرة التي هي عبارة عن الأكثرية، بقرينة قوله (عليه السلام): (خذ بما اشتهر بين أصحابك)[11].

الخامس: ما تقدم من مفهوم آية النبأ، فإنّ الانسياق وراء غير الأكثرية.

السادس: ما تقدم من قول الإمام الحسن (عليه السلام): (ولاّني المسلمون)[12] فإنّ المراد به الأكثر المطلقة، أو الأكثرية من أهل الحل والعقد، وعلى كلا التقديرين لم يكن كل المسلمين، ممّا يدلّ على كفاية الأكثرية.

السابع: ما تقدم في الدليل الثالث عشر من أدلة اشتراط رضاية الناس في اختيار الفقيه رئيساً للدولة، إلى غيرها مما ظهر فيما تقدم من الأدلة في المسألة الثانية، ما لا حاجة إلى تفصيله.

ثم إنّ انتخاب رئيس الدولة يمكن بصورتين:

الأولى: أنْ تنتخب الأمة رئيس الدولة مباشرة، فيقوم المرشح ونوابه بحملات انتخابية، بشرط أنْ يكون المرشح لائقاً لهذا المنصب، لكونه جامعاً للشروط الشرعية، وبشرط أنْ تكون الحملات من نوابه حملات نظيفة طبق أوامر الله سبحانه ودساتيره.

الثانية: أنْ تنتخب الأمة النواب مع تخويلهم أن ينتخبوا هم الرئيس، فتكون هذه صورة أخرى عن انتخابات أهل الحل والعقد.

ثم إنّه إذا اختلفت الأمة والبرلمان حول الرئيس، فأراد أحدهم هذا، وأراد الآخر ذاك، كان المرجع رأي الأمة، لأنّ النواب وكلاء عنهم، ولا رأي لوكيل مع مخالفة الأصيل، أما الخصوصيات الأُخر، فالمرجع فيها رأي الأمة في إطار رضى الله سبحانه.

وهنا إشكالات:

الأول: إنّ الله في القرآن الحكيم ذم الأكثرية قال: ((وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ))[13] إلى غيرها من الآيات.

الثاني: إنّ في إعطاء حق التصويب للأمة يلزم تساوي العالم والجاهل بل على ما ذكرتم من حق التصويب لغير البالغ يلزم تساوي البالغ وغير البالغ، كما يلزم تساوي العادل والفاسق، ومن الواضح لدى العقل والعقلاء أنه لا يتساوى العالم والجاهل، قال تعالى: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))[14].

ثم إنّ المرأة نصف الرجل في الأحكام، كالإرث والديات ونحوها، فكيف تجعلوها كالرجل في الحق؟ مع أنّ الله تعالى قال: ((الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)) وقال: ((وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ))[15].

الثالث: إنّ الأكثرية قد تكون أقلية في الواقع، كما إذا كانت هناك ثلاث تكتلات: اختارت خمس وثلاثون من تكتلٍ زيداً، وثلاث وثلاثون عَمراً، واثنان وثلاثون بكراً، كان معنى ترجيح الأكثرية أنّ رأي خمس وستين لا يؤخذ به لرأي خمس وثلاثين.

الرابع: لو فرض الأكثرية المطلقة في جانب، فلماذا تستحق رأي الأقلية؟ وقد ورد في الحديث: (لا يتوى حق امرئٍ مسلم)[16] ، وفي حديث آخر مذكور في باب نكاح الأولياء: (ولا تبطل حقوق المسلمين في ما بينهم)[17].

لكن هذه الإشكالات كلها غير واردة، إذ يرد على الأول: إنّ الله لم يذم الأكثرية مطلقاً، بل ذمهم في زمان كون الأكثرية منحرفة عن سبيل الله، ولذا لم يكن الأمر كذلك فيما إذا كان هناك أكثرية نسبية، كما في سبيل المؤمنين إذا كانوا ذهبوا إلى شيء، أو كان أكثرية مطلقة إذا كان أهل الأرض مؤمنين، كما في زمان الإمام المهدي (عليه السلام)، وكما في زمن نوح (عليه السلام) بعد نجاته من السفينة، حيث لم يبق في الأرض إلاّ المؤمنون.

ومنه يعلم الجواب عن سائر الآيات مثل: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ))[18] بالإضافة إلى أنه يمكن أن يقال: إنّ المراد الشكر الكامل، إلى غيرها ممّا لا يخفى.

ويرد على الثاني: إنّ هناك حقوقاً مشتركة وحقوقاً خاصة بكل من الأقسام المذكورة، كالعالم والجاهل إلى آخر ما ذكر في الإشكال، والحقوق المشتركة لا تفاوت فيها، والانتخاب من هذه الحقوق.

أمّا أن الحقوق المشتركة لا تفاوت فيها فواضح، ولذا نرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقسم الغنائم بين الشجاع وغير الشجاع، والعالم وغير العالم، والعادل والفاسق، على نهج واحد، وكذا فعله علي (عليه السلام)، بل هو الحكم الإسلامي العام، ولهذا السبب ترى أيضاً أنّ الحكم في المواريث والديات، والنكاح، والطلاق، وكثير من الأحكام كذلك، فإنّ العالم يرث كمثل الفاسق، وإنّ العادل القاتل يُقتل كما يُقتل الفاسق قصاصاً، وحقوق الزوجين لا فرق قي أصولها بين الشريف والوضيع، إلى غير ذلك.

وأمّا أنّ الانتخابات من قبيل المذكورات، فلوضوح أنّ الرئيس يدير شؤون الأمة، فلكلٍّ الحقُّ في اختيار رئيسه كما له الحق في اختيار مقلده، وإمام جماعته وقاضيه، ولعلَّ وجه عدم التفاوت في الأمور المذكورة أنّه لا ميزان معين للتفاوت، مثلاً لو لوحظ ميزان العلم فأي قدر من العلم يوجب التميز؟ وأي علم هو الميزان؟ وهل للذكاء مدخل إذا صار العمل في طرف والذكاء في جانب؟ وهل للمكانة الاجتماعية مدخل إذا كان العلم في جانب والمكانة المسببة لقوة المكانة وثقلها في الترجيح لنفع المنتخب في جانب آخر؟ إلى غير ذلك.

ثم إنّ كون المرأة نصف الرجل في بعض الأمور، لا يلزم أن يكون نصفها في بعض، ولعل الشارع جعلها نصفاً في مثل الميراث والقتل، إنّما كان لحكمة خارجية، مثل أنّ المرأة واجب النفقة للرجل، أُمَّاً وبنتاً وزوجة، فهي تأخذ بالنتيجة من مال الرجل، فيكون لها الميراث مثل ما للرجل ـ في أخير المرحلة ـ وفي باب القتل لأنَّ الرجل أكثر فائدة للحياة؛ إذ يقوم هو بدور أهم في البناء والعمران، ولذا نرى أغلبية المكتشفين، والمخترعين، وقواد الجيش، من الرجال؛ ـ لخشونة طبعهم ولعقلانيتهم ـ إلى غير ذلك من العلل المذكورة في محالها.

وإنْ شئت قلت: الأصل في الرجال والنساء التساوي إلاّ ما خرج، وليس ما نحن فيه ممّا خرج، ولذا نرى تساويهما في العقائد، والعبادات، والمعاملات، والفضائل، والمحرمات، والرذائل، وغير ذلك.

ويرد على الثالث.

أولاً: إنّ صيرورة الأكثرية أقلية نادرة، والأحكام الاجتماعية مبنية على غير النوادر، ولذا إذا قالوا: إن أصحاب رسول الله كانوا خير أمة، أو المدينة الفلانية جميلة، أو إنّ الطائفة الفلانية كرماء، أو إنّ القبيلة الفلانية شجعان، أريد بكل ذلك الأكثرية منهم لا الكل.

وثانيا: إنّ الأكثرية تتراوح فقد يكون لها أكثرية، وقد يكون لذلك، كما نشاهد في الأحزاب العربية وما إليها يكون الرئيس تارةً من هؤلاء وتارةً من هؤلاء.

وثالثاً: إنّ الأقلية تشترك في التعارف في الحكم، فإن لم يكن منها رئيس، كان منها وزير، كما هو المشاهد في الحكومات الديمقراطية.

ورابعاً: إنّ الأقلية هي التي رضيت بهذا النظام حسب الفرض، وإلاّ فإنْ لم ترض، جاز أنْ يصافق الجميع على مشاركة رؤساء الأقلية والأكثرية في الحكم، وتكون القرعة فاصلاً في مورد الخلاف.

وخامساً: إنّ تقديم الأكثرية هو من مستلزمات المشورة المقررة في الكتاب والسنة والإجماع والعقل، كما عرفت جملة منها في ما تقدم.

ويرد على الرابع: ما ظهر في جواب الثالث من أنّه لا إبطال لحق الأقلية، وإنْ بطل فلأنَّه من باب دوران الأمر بين الأهم والمهم، والأهم مقدم على المهم دائماً.


[1] ـ سورة البقرة: الآية247.

[2] ـ سورة ص: الآية 26.

[3] ـ وسائل الشيعة ج18 ص66 الباب 8 ح53.

[4] ـ كما في بحار الأنوار: ج24 ص211 وص315.

[5] ـ فقه الرضا: ص308 الباب55.

[6] ـ العوالي: ج2 ص112ح308.

[7] ـ سورة الشورى: الآية 38.

[8] ـ سورة آل عمران: الآية 159.

[9] ـ نهج البلاغة: الحكمة رقم 190.

[10] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص75 الباب 9 ح1.

[11] ـ العوالي : ح3، ص 129 ح12.

[12] ـ بحار الأنوار: ج44 ص40 الباب 19 ح1.

[13] ـ سورة الأنعام: الآية116.

[14] ـ سورة الزمر: الآية9.

[15] ـ سورة النساء: الآية33.

[16] ـ فقه الرضا: ص308 الباب 55.

[17] ـ المستدرك: ج2 ص147 الباب 6 ح9.

[18] ـ سورة سبأ: الآية13.